النص المفهرس

صفحات 221-240

من كانت له رغبة في تحقيقها فعليه بـ ((ميزان الضعفاء)) للذهبي و(( لسان
الميزان)) للحافظ ابن حجر العسقلاني و((مجمع البحار)) (١) للشيخ محمد
طاهر الكجراني يغني لشرح غريبها وتوجيه عباراتها عن جميع المواد . انتهى
قال في ((الحجة البالغة)) (٢): وههنا طبقة خامسة: منها ما اشتهر
على ألسنة الفقهاء والصوفية والمؤرخين ونحوهم وليس له أصل في هذه
الطبقات الأربع . ومنها ما دسه الماجنُ في دينه، العالمُ بلسانه، وأتى بإسناد
قوي لا يمكن الجرح ، فيه كلامٌ بليغٌ لا يبعد صدوره عنه صلى الله عليه
وسلم فأثار في الإسلام مصيبة عظيمة لكن الجهابذة من أهل الحديث يوردون
مثل ذلك على المتابعات والشواهد فتهتك الأستار ويظهر الحوار (٢) . أما
الطبقة الأولى والثانية فعليهما اعتماد المحدثين وحوم حماها مرتعهم ومسرحهم
وأما الثالثة فلا يباشرها للعمل عليه والقول به إلاّ انتحارير الجهابذة الذين
يحفظون أسماء الرجال وعلل الأحاديث . نعم ربما يؤخذ منها المتابعات
والشواهد وقد جعل الله لكل شيء قدراً . وأما الرابعة فالاشتغال يجمعها
والاستنباط منها نوع تعمق من المتأخرين وإن شئت الحق فطوائف المبتدعين
من الروافضة والمعتزلة وغيرهم يتمكنون بأدنى عناية أن يلخصوا منها
شواهد مذاهبهم (٤) فالاقتصار بها غير صحيح في معارك العلماء بالحديث
والله أعلم ، انتهى .
(١) وقد تكلم عليه المصنف في ((اتحاف النبلاء)) ١٣٣ وانظر ((كشف
الظنون)) ١٥٩٩/٢ وهو مطبوع في الهند قديما بأربعة أجزاء كبار.
(٢) في ١٣٥/١ منه .
(٣) العيب .
(٤) كما فعل غير واحد، منهم المدعو عبد الحسين (!) شرف الدين في
كتابه ((المراجعات)) وهو مطبوع عدة طبعات، وقد ساق المصنف فيه
الأحاديث والآثار التي تؤيد مذهبه - كما نقله المصنف عن ولي الله
الدهلوي - وانظر كتاب ((وجاء دور المجوس)) ١٣٣ - ١٣٥ للدكتور
=
٢٢١

قال المولى عبد العزيز الدهلوي : ولما اتضح حال الطبقات وترتيب
كتب الحديث وتقرر أن الطبقة العليا في هذا الباب (الموطأ)) و((الصحيحان))
فلا بد من مزيد اهتمام بتحقيق هذه الثلاثة أولاً ، وبالبقية من الصحاح
الستة ثانياً ، والظن الغالب أن بعد تحقيق الموطأ وأختيه يفرغ عن الأمر بنحو
ثلثين في تحقيق بقية الأصول الستة بلا مين () ولا يبقى إلاّ القدر اليسير.
وأيضاً قال : إن علم الحديث لما كان من قبيل الخبر ، والخبر يحتمل
الصدق والكذب . فلا بد في تحصيل هذا العلم من أمرين: الأول : ملاحظة
حال الرواة ، والثاني : الاحتياط العظيم في فهم معاني الأحاديث لأن
المُساهلة في الأمر الأول توجب التباس الكاذب بالصادق ، وعدم الاحتياط
في الثاني تُوجب اشتباه المراد بغير المراد . وعلى التقديرين لا تحصل الفائدة
التي تُرجى من علم الحديث بل يحصل ضدها الموجب للضلال والإضلال .
معاذ الله من ذلك .
فالأمر الأول : أعني ملاحظة حال الرواة المخبرين فكان لهم في الصدر
الأول من التابعين ونبعهم إلى زمن البخاري ومسلم طريقاً آخرَ حيثُ كانوا
يبحثون عن أحوال رجال كل بلدة وزمان ويفتشون عنها فمتى شموا
في أحد منهم رائحة الكذب وسوء الحفظ وعدم التدين لم يقبلوا حديثه ،
ومِنْ ثَمَّ صُنّفَت دفاتر مبسوطةٌ وكتبٌ مضبوطةٌ في أحوال الرجال (٢) .
= عبدالله محمد الغريب فقيه كلمة الفصل في ذلك الكتاب ، وللعلامة
الألباني تنقيدات كثيرة على ((المراجعات)) نثرها في كتابه ((سلسلة
الاحاديث الضعيفة)) فلتراجع .
(١) كذب .
(٢) وقد مر ذكر شيء منها، وانظر ((بحوث في تاريخ السنة المشرفة))
٨٨ - ١٠٢ وقد كتب الشيخ صبحي السامرائي كتابا كبيرا أسماه
( الاستبصار في طبقات مجرحي ومعدلي رواة الآثار)) ولا يزال مخطوطا
في خزانة كتبه، وانظر رسالة ((علم الرجال وأهميته)) للشيخ العلامة
عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني ، طبع دار البصائر - دمشق .
٢٢٢

وأما اليوم فحاله على طريق آخر ولذلك وجب التمييز بين الكتب المجردةٍ
الصحاح القابلة الاعتماد وبين الكتب الواجبة الرد والترك ، لئلاً يقع
الطالب في ورطة التخليط . وقد فات هذا التمييز من كثير من المحدثين
المتأخرين حتى خالفوا في رسائلهم جمهورَ السلف الصالحين وتمسكوا
بأحاديث الكتب التي لا عبرة بها عند المحققين المُبَرّزين .
والأمر الثاني : أي الاحتياط في فهم معاني الأحاديث، فـ ((مشارق
الأنوار)) للقاضي عياض يكفي لتوضيح معاني الصحيحين والموطأ، و((جامع
الأصول)) لابن الأثير يُغني عن الأمهات الست كلها، و ((مجمع البحار))
يفي لتحقيق جميع كتب الحديث من الطبقات الأربع المذكورة . وشرح
الشيخ عبد الرؤوف المُناوي على الجامع الصغير (١) للسيوطي كافٍ وافٍ
لشرح أكثر الأحاديث ، ولكن كلام الشراح تنَوَّعَ في شرحهم الأحاديثّ
وتوجيهاتها كثيراً ، رطباً ويابساً فلْيَعْلَمِ الطالب رجالاً عليهم الاعتماد
في هذا الشأن وعلى كتبهم وتآليفهم التعويل والإيقان . منهم الإمام النووي
شارح ((صحيح مسلم)) والبغوي (٢) وكتابه ((شرح السنة)) (٣) كاف
في فقه الحديث وتوجيه مشكلاته حتى كاد يحصل منه شرح ((المصابيح»
و ((المشكاة)) كليهما (٤) والخطابي شارح السنن لأبي داود (٥) وهؤلاء
(١) وهو المسمى (( فيض القدير)) وقد طبع في مطبعة مصطفى محمد في
مصر سنة ١٣٥٦ ، ثم صور في بيروت .
(٢) هو أبو محمد الحسين بن مسعود الفراء البغوي ، المتوفى سنة ٥١٦
ترجمته في ((التذكرة)) ١٢٥٧/٤ و((النجوم الزاهرة)) ٥ / ٢٢٣
و ((طبقات المفسرين)) ١٥٧/١ الداوودي .
(٣) وهو كتاب مستطاب ، حققه وخرج أحاديثه استاذنا الشيخ شعيب
الارنؤوط ، طبع في المكتب الإسلامي - بيروت سنة ١٩٧١ - ١٩٨٠ في
خمسة عشر مجلدا وقد أضيف اليه فهرس لاطراف أحاديثه وآثاره .
(٤) أي من كثرة توسعه في شرح الغريب ، والتعليق على المسائل الفقهية،
وغير ذلك من لطائف مبثوثة في كتابه .
(٥) واسم شرحه ((معالم السنن)) وقد تقدم الكلام عليه .
٢٢٣

هم الشوافع . ومنهم الطحاوي القدوة في شرح الأحاديث وكتابه ((معاني
الآثار)) مُتَمَسّكٌ للحنفية. ومنهم ابن عبد البرّ المالكي مقدم هذه
الجماعة وكتابه ((الاستذكار)) و((التمهيد)) (١) :ذكرتان عنه.
وبالجملة فهؤلاء الأئمة قولهم هو المعتمد عليه وكَلامُهُم هو المرجع
إليه وإلاّ فشُرّاح كتب الحديث كثيرون بعسر عّدّ أساميهم وأسامي
كتبهم. ولكل منهم شأن آخر ولكنهم مع ذلك آخذون من أولئك الأئمة
فإن تيسرت لأحد كتب هؤلاء القوم ارتفعت حاجة الطالب عن تشويشات
المتأخرين وتكلفاتهم الباردة في الدين .
وللشيخ ولي اللّه (٢) المحدث رضي الله عنه قواعدُ عجيبةٌ وفوائدُ
غريبة لفهم معاني الأحاديث ودفع التعارض من بينها. وكتاب ((المغيث
في مختلف الحديث)) (٣) حَسَنٌ بَسَنٌ (٤) نموذجاً في هذا الباب.
وحصول ملكة التمييز لأحدٍ ما بين صحيح الحديث وسقيمه واستقامة
الذهن وسلامة الطبع وعدم المَيْل إلى الخطأ وقبول الصواب بقليل التنبيه
والإيماء نعمة عظمى ودُولة (٥) كبرى . فإن العلمَ وموادّه كثيرٌ في العالم،
وإنما العزيز هي الملكة المذكورة فإنها الكبريت الأحمر (٦).
رسائل إخوان الصفاء كثيرة ولكن إخوان الصفاء قليل
(١) وقد طبع الجزء الاول والثاني من ((الاستذكار)) في مصر وطبع من
(( التمهيد)) ستة عشر مجلدا في المغرب
(٢) في كتابه ((حجة اللـه البالغة)) ١٣٥/١-١٣٨
(٣) أنظر ((اتحاف النبلاء)) ١٥٨ و(كشف الظنون)) ١٧٥٥/٢
(٤) كلمة للتفضيل تقال هكذا للاتباع، وهناك كلام آخر حولها ذكره المرتضى
الزبيدي في ((تاج العروس)) ١٤٠/٩ فليراجع.
(٥) أي : غلبة .
(٦) تقّال لندرة الشيء وعدم تيسره.
٢٢٤.

الفصل الثاني : في ذكر الأحاديث المحتج بها في الأحكام الشرعية .
الاحتجاج في الأحكام بالخبر الصحيح مجمعٌ عليه وكذلك بالحسن لذاته
عند عامة العلماء وهو ملحق بالصحيح في باب الاحتجاج ، وإن كان
دونه في المرتبة ، والحديث الضعيف الذي بلغ بتعدد الطرق مرتبة الحسن
لغيره أيضاً محتجٌ به وما اشتهر من أن الحديث الضعيف معتبرٌ في فضائل
الأعمال لا في غيرها (١)، المراد مفرداته لا مجموعها لأنه داخل في الحسن
لا في الضعيف ، صرح به الأئمة .
وقال بعضهم : إنْ كانَ الضعيف من جهة سوء حفظ أو اختلاط
أو تدليس مع وجود الصدق والديانة يُجبر بتعدد الطرق وإن كان من
جهة اتهام الكذب أو الشذوذ أو فحش الخطأ لا يُجبر بتعدد الطرق ،
والحديث محكوم عليه بالضعف ومعمول به في فضائل الأعمال . وعلى
مثل هذا ينبغي أن يحمل ما قيل : إن لحوق الضعيف بالضعيف لا يفيد
قوة وإلاّ فهذا القول ظاهر الفساد. هكذا قال الشيخ عبد الحق الدهلوي
في ((مقدمة المشكاة)) (٤).
وقال النووي في ((الأذكار)) (٣): ذكر الفقهاء والمحدثون أنه يجوز
ويُستحب العملُ في الفضائل والترغيب والترهيب بالحديث الضعيف
ما لم يكن موضوعاً . وأما الأحكام كالحلال والحرام والمعاملات فلا يعمل
فيها إلاّ بالحديث الصحيح والحسن إلاّ أن يكون في احتياط في شيء من
(١) قد مر الكلام على ذلك، وسيأتي مزيد بيان ان شاء الله.
(٢) صفحة ٦
(٣) صفحة ٥-٦ منه، بتحقيق الاستاذ عبد القادر الارتووط، طبع دار
الملاح سنة ١٩٧١
٢٢٥
الحطة _١٥

ذلك ، كما إذا ورد حديث ضعيف بكراهة بعض البيوع أو الأنكحة فإن
المستحب أن يتنزه عن ذلك ، ولكن لا يجب .
وخالف ابن العربي المالكي (١) في ذلك فقال : إن الحديث الضعيف
لا يُعمل به مطلقاً .
وقال السخاوي في ((القول البديع)) (٢): سمعت شيخنا ابن حجر
مراراً يقول : شرائط العمل بالحديث الضعيف ثلاثة :
الأول : متفق عليه : وهو أن يكون الضعفُ غيرَ شديدٍ كحدیث
ما انفرد من الكذابين والمتهمين ممن فَحُشَ غَلَطُه .
والثاني : أن يكون مندرجاً تحت أصل عام فيخرج ما يخترع بحيثُ
لا يكون له أصلٌ أصلاً .
والثالث: أن لا يعتقد عند العمل ثبوته لئلاّ ينْسُبَ إلى النبي صلى الله
عليه وسلم ما لم يقله . والأخيران عن ( ابن ) (٣) عبد السلام وابن دقيق
العيد . والأول نقل العلائيّ الاتفاقَ عليه . وعن أحمد أنه يعمل به إذا لم
يوجد غيره . وفي رواية عنه : ضعيف الحديث أحبّ إلينا من رأي الرجال .
(١) وهو محمد بن عبدالله بن محمد، المتوفى سنة ٥٤٣، ترجمته في
(التذكرة)) ١٢٩٤/٤ و((البداية والنهاية)) ٢٢٨/١٢ و((الشذرات))
١٤١/٤. وقد نقل قوله هذا الامام السخاوي في ((القول البديع))
٢٥٨
(٢) المرجع السابق.
(٣) سقطت من ((الاصل))، وهو عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام.
المتوفى سنة ٦٦٠ هـ، ترجمته في ((طبقات السبكي)) ٢٠٩/٨ و((النجوم
الزاهرة)) ٢٠٨/٧ و((ذيل الروضتين)) ٢١٦ وهو من شيوخ ابن
دقيق العيد والاخير هو الذي لقبه بـ ((سلطان العلماء)).
٢٢٦

قال العلامة ابن القيم في ((إعلام الموقعين)) (١): الأصل الرابع (٢):
الأخذ بالمرسل والحديث الضعيف إذا لم يكن في الباب شيء يدفعه وهو
الذي رجحه على القياس . وليس المراد بالضعيف عنده الباطل ولا المنكر
ولا ما في روايته متهم بحيث لا يسوغ الذهاب إليه ، فالعمل به ، ( بل )
الحديث الضعيف عنده قسم الصحيح وقسم من أقسام الحسن . ولم يكن
يقسم الحديث إلى صحيح وحسن والضعيف بل إلى صحيح وضعيف .
وللضعيف عنده مراتب ، فإذا لم يجد في الباب أثراً يدفعه ولا قول صاحب
ولا إجماعاً على خلافه كان العمل به عنده أولى من القياس . وليس أحد
من الأئمة إلاّ وهو موافقه على هذا الأصل من حيث الجملةُ ، فإنه ما منهم
أحد إلاّ وقد قدم الحديث الضعيف على القياس .
فقدم أبو حنيفة حديث القهقهة في الصلاة (٢) على محض القياس وأجمع
أهل الحديث على ضعفه، وقَدَّمَ حديثَ الوضوء بنبيذ التمر (٤) على
القياس . وأكثر أهل الحديث بضعفه . وقدّمَ حديث أكثر الحيض عشرة
(١) في ٣١/١-٣٢ منه، وقد اختلف في ضبط اسم كتابه ، هل هو بكسر
الهمزة أم بفتحها ، والارجح كسرها، وانظر ((التقريب لفقه الإمام ابن
القيم)) تأليف الاخ الشيخ بكبر عبدالله أبو زيد ١٧٧/١ بمعنى: كبار أهل
العلم من القضاة والمفتين وهم الموقعون عن الله رب العالمين سبحانه
وتعالى .
(٢) في هامش ((الأصل)): أي من أصول الامام أحمد.
(٣) وفيه أمر النبي صلى الله عليه وسلم لمن ضحك في صلاته أن يعيد
الوضوء والصلاة. رواه عبد الرزاق في ((مصنفه)) ٣٧٦١ ورجاله
ثقات، لكنه مرسل . وانظر الكلام عليه مفصلا في ((نصب الراية))
٥٠/١-٥٤
(٤) أخرجه أحمد ٤٥٠/١ والترمذي ٨٨ وأبو داود ٨٤ عن ابن مسعود،
وفي سنده أبو زيد ، قال الترمذي : رجل مجهول لا يعرف له غير هذا
الحديث، وانظر ((المجروحين)) ١٥٨/٣ و((الميزان)) ٥٢٦/٤ و((شرح
معاني الآثار)) ١٥٨/٣
٢٢٧

أيام (١) وهو ضعيف باتفاقهم على محض القياس ، فإن الذي تراه في اليوم
الثالث عشر مساوٍ في الحد والحقيقة والصفة لدم اليوم العاشر . وقدم حديث
(( لا مهر أقل من عشرة دراهم)) (٢) وأجمعوا على ضعفه بل بطلانه على
محض القياس ، فإن بذل الصداق معاوضة في مقابلة بذل البضع فما تراضيا
عليه جاز قليلاً كان أو كثيراً. وقدّمَ الشافعي خبر تحريم صيد ((وَجّ)) (٣)
مع ضعفه (٤) على القياس . وقدّمَ خبر جواز الصلاة بمكة في وقت النهي
مع ضعفه (٥) ومخالفته لقياس غيرها من البلاد. وقدّمَ في أحد قوليه حديث
((من قاء أو رعف فليتوضأ وليبن على صلاته)) (٦) على القياس مع ضعف
الخبر وإرساله . وأما مالك فإنه يقدم الحديث المرسل والمنقطع والبلاغات
وقول الصحابي على القياس (٧) . فإذا لم يكن عند الإمام أحمد في المسئلة
نصّ ولا قولُ الصحابة أو واحد منهم ولا أثر مرسل أو ضعيف عدّل
إلى الأصل الخامس ، وهو : القياس فاستعمله للضرورة . وقد قال في
(١) أخرجه الدار قطني ٢١٨/١ من حديث أبي أمامة، قال الدار قطني:
عبد الملك مجهول ، والعلاء بن كثير ضعيف الحديث ، ومكحول لم
يسمع من أبي أمامة .
(٢) رواه الدار قطني ٢٤٥/٣ والبيهقي ١٣٣/٧ من حديث جابر بن عبد الله
وفي سنده مبشِّر بن عبيد ، متروك الحديث ، وساق الامام الذهبي في
(( الميزان ٤٣٣/٣ هذا الحديث من أباطيله .
(٣) وهي من ناحية الطائف، وانظر ((معجم البلدان)) ٣٦١/٥ و((معجم
ما استعجم )) ١٣٦٩/٢
(٤) أخرجه أحمد (١٦٥/١ وأبو داود ٢٠٣٢ وفي سنده ضعيفان .
(٥) أخرجه أحمد ١٦٥/٥ والدار قطني ٢٧٤/٢ وفي اسناده ضعف وانقطاع.
(٦) أخرجه ابن ماجه ١٢٢١ وفي اسناده اسماعيل بن عياش، وروايته عن
غير الشاميين ضعيفة ، وهذا منها ، وقد رواه غير واحد عن ابن جريج
عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا .
(٧) انظر البحث الذي قدمه الاستاذ المهدي الوافي في ((ندوة الامام مالك))
٢٢١/٢-٢٢٤ طبع فاس - ١٩٨٠ حول منهج الإمام مالك في ((الموطأ)»
وموقفه من المراسيل والبلاغات وغيرها .
٢٢٨

( كتاب الخلال)) (١) سألت الشافعيّ عن القياس فقال: إنما يصار إليه
عند الضرورة (٢) ، انتهى.
وذكر ابنُ حزم الإجماعَ على أن مذهب أبي حنيفة أن ضعيف
الحديث أولى عنده من الرأي والقياس إذا لم يجد في الباب غيره . وقال
المُلاّ علي القاري: إن أبا حنيفة قدم الحديث ولو كان ضعيفاً على القياس
وكذا اعتبر الحديث الموقوف وترك الرأي وكذا عمل بالمراسيل ، انتهى .
وقال ابن القيم (٣): وأصحاب أبي حنيفة مجمعون على أن مذهب أبي
حنيفة أن ضعيف الحديث أولى عنده من القياس والرأي وعلى ذلك بنى
مذهبه ، فتقديم الحديث الضعيف وآثار الصحابة على القياس والرأي قوله
وقول الإمام أحمد بن حنبل ، وليس المراد بالحديث الضعيف في اصطلاح
السلف هو الضعيف في اصطلاح المتأخرين بل ما يسميه المتأخرون حسناً
قد يسميه المتقدمون ضعيفاً ، انتهى .
فتحصَّلَ أنَّ في العمل بالحديث الضعيف ثلاثة مذاهب : لا يعمل به
مطلقاً ، يعمل به في الفضائل بشروطه . وقَيّدَ ابنُ الصلاح جوازَ رواية
الضعيف باحتمال صدقه في الباطن وهل يشترط في الاحتمال أن يكون
قوياً أم لا ؟ فيه خلاف ، وظاهرُ كلام مسلم أنه إذا لم يكن قوياً لا يُعتدّ به.
والعلاّمة الدَّوّانيّ (٤) في ((أنموذجه)) (٥) على هذه المسئلة إشكال
(١) هو أحمد بن محمد بن هارون، المتوفى سنة ٣١١، ترجمته في ((تاريخ
بغداد)) ١١٢/٥ و((المنتظم)) ١٧٤/٦ و((الوافي بالوفيات)) ٩٩/٨
(٢) ((المدخل إلى مذهب الامام أحمد بن حنبل)) ١١٩، طبع مؤسسة
الرسالة .
(٣) ((إعلام الموقعين)) ٧٧/١ مختصرا .
(٤) واسمه محمد بن أسعد الصويفي ، اختلف في تاريخ وفاته على أقوال،
منها: سنة ٩١٨، ترجمته في ((الضوء اللامع)) ١٣٣/٧ و((الشذرات))
١٦٠/٨ و((البدر الطالع)) ١٣٠/٢
(٥) واسمه ((أنموذج العلوم)) وانظر ((كشف الظنون)) ١٨٤/١
٢٢٩.

أورده على القوم وحاول الجواب عنه بما زاده إشكالاً ، وليس بشيء ،
وهو أنه اتفقوا على أنه لا يعمل بالحديث الضعيف ولا يثبت به الأحكام
الشرعية ثم إنهم ذكروا أنه يجوز بل يستحب العمل به في فضائل الأعمال
كما في ((الأذكار)) وفيه إشكال لأن جواز العمل واستحبابه من الأحكام
الشرعية . فإذا استحب العمل به كان ثبوت ذلك بالحديث الضعيف . وهو
ينافي ما تقدم ويناقضه . وحاول بعضهم التفصي (١) عنه بأن المراد أنه
يجوز روايته وهو لا يرتبط بما قالوه. والذي يصلح للتعويل عليه أن يقول :
إذا وُجد حديثٌ في فضيلة عمل من الأعمال لا يحتمل الحرمة والكراهة
يجوز العمل به رجاءً للثواب . فإن دار بين الحرمة والصواب فهو أسهل
لأن المباح يصير بالنية مستحباً . فجواز العمل به ليس لأجل الحديث على
أن الإباحة أيضاً من الأحكام الخمسة. فالحق أن الجواز معلومٌ من خارج،
والاستحباب معلوم من القواعد الشرعية الدالة على استحباب الاحتياط
في الدين . فلم يثبت شيء من الأحكام بالحديث ، انتهى .
وأجاب عن ذلك الشهاب الخفاجي (٢) في ((نسيم الرياض شرح شفاء
القاضي عياض)) (٢) بما نصه: أقول: إذا أحطت خبراً بما تقدم في كلام
السخا ي عرفت أن ما قاله الجلال مخالفٌ لكلامهم برمته وما نقله من
الاتفاق غيرُ صحيح مع ما سمعته من الأقوال والاحتمالات التي أبداها
لا تفيد سوى تسويد وجه القرطاس، والذي أوْقَعَهُ في الحيرة توَهْمُه
أن عدم ثبوت الأحكام به متفق عليه وأنه يلزم من العمل به في الفضائل
(١) أي : التخلص منه .
(٢) هو أحمد بن محمد بن عمر، توفي سنة ١٠٦٩، ترجمته في ((خلاصة
الاثر)) ٣٣١/١ و((هدية العارفين)) ١٦٠/١ و((فهرس الفهارس))
٣٧٧/١
(٣) ذكره المصنف رحمه الله في ((اتحاف النبلاء)) ١٧٣، وهو مطبوع
بالأستانة سنة ١٢٦٧ في أربعة مجلدات .
٢٣٠

والترغيب أنه يثبت به حكم من الأحكام وكلاهما غير صحيح . أما الأول:
فلأن من الأئمة من جَوَّزّ العمل به بشروطه وقدمه على القياس ، وأما
الثاني : فلأن ثبوت الفضائل والترغيب لا يلزمه الحكم، ألا ترى أنه لو روي
حديث ضعيف في ثواب بعض الأمور الثابت استحبابها والترغيب فيه أو
في فضائل الصحابة أو الأذكار المأثورة لم يلزم مما ذكر ثبوت حكم أصلاً
ولا حاجة لتخصيص الأحكام والأعمال كما توَهّمَ للفرق الظاهر بين
الأعمال وفضائل الأعمال . وإذا ظهر عدمُ الصواب لأن القوس في يد
باريها (١) ظهر أنه لا إشكال ولا خلل ولا اختلال ، انتهى .
قلت : وأما الحديث المرسل الذي رواه التابعي مطلقاً أو تابعي كبير
إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلا يحتج به الإمام الشافعي والجمهور، واحتج
به أبو حنيفة ومالك وأحمد في المشهور عنه فإن اعتضد بمجيئه من وجه
آخر مسنداً أو مرسلاً ممن يقبل عنه العلم أو وافق قول الصحابة وأفتى
أكثر العلماء بمقتضاه فإنه صحيح . قال الشافعي (٢): لا أقبل مرسل غير
كبار التابعين إلاّ بالشرط الذي وصفته . ومن ثم احتج الشافعي بمراسيل
ابن المسيب لأنها وجدت مسندة من وجوه أُخَر . قال النووي (٣): إنما
اختلف أصحابنا المتقدمون في معنى قول الشافعي (٤) : إرسال ابن المسيب
عندنا حسن ، على قولين : أحدهما أنها حجة عنده بخلاف غيرها من
المراسيل لأنها وجدت مُسنّدة ، ثانيهما : أنها ليست بحجة عنده بل هي
كغيرها من المراسيل ، وإنما رجح الشافعي بمرسله والترجيح بالمرسل جائز .
(١) يضرب هذا المثل عند حل إشكال أو مسألة صعبة .
(٢) في كتاب ((الرسالة)) تحقيق الشيخ أحمد شاكر ص ٤٦٢-٤٦٥.
(٣) في ((المجموع شرح المهذب)) ٦١/١
(٤) في ((مختصر المُزّني)) ٧٨ بتحقيق محمد زهري النجار .
٢٣١

قال الخطيب (١): والصواب الثاني، وأما الأول فليس بشيء لأن في
مراسيل سعيد ما لا يوجد بحال من وجه آخر يصح .
فإن قيل (٢): قولكم ، يُقبل المرسل إذا جاء مسنداً من وجه آخر
لا حاجة إلى المراسل بل الاعتماد حينئذ على الحديث المسند . أجيب بأنه
بالمسند تبينا صحة المرسل وصارا دليلين يرجح بهما عند معارضة دايل
واحد . وأما مراسيل الصحابة (٢) كابن عباس وغيره من صغار الصحابة
عنه صلى الله عليه وسلم مما لم يسمعوه منه فهو حجة. وإذا تعارض الوصل
والإرسال بأن اختلف الثقات في حديث فيرويه بعضهم متصلاً وآخر
مرسلاً كحديث : ((لا نكاح إلاّ بولي)) (٤) رواه إسرائيل وجماعة عن
أبي إسحاق السُبيعي عن أبي بردة عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه
وسلم . ورواه الثوري وشعبة عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن النبي صلى
الله عليه وسلم فقيل: الحكم للمسند إذا كان عدلاً ضابطاً . قال الخطيب :
وهو الصحيح وسُئل عنه البخاري فحكم لمن وصل ، وقال : الزيادة
من الثقة مقبولة وتقبل زيادة الثقات مطلقاً على الصحيح .
الفصل الثالث : في ضبط الحديث ودرسه وتحمله .
(١) نسبه الإمام النووي رحمه الله في ((المجموع)) الى ((الكفاية)) و((الفقيه
والمتفقه)) وانظر ((التدريب)) ٢٠٠/١
(٢) وانظر ((المجموع)) ٦٢/١، ففيه تفصيل لهذا الموضوع .
(٣) انظر ((تدريب الراوي)) ٢٠٢/١ و((التعليقات الاثرية)) ص ٢٤
(٤) وهو حديث صحيح بطرقه وشواهده أخرجه أحمد ٤ / ٣٩٤ ، ٠٤١٣
٤١٨ والترمذي ١١٠١ و ١١٠٢ والبغوي ٢٢٦١ وأبو داود ٢٠٨٥
والدارمي ١٣٧/٢ وابن الجارود ٧٠٢ وصححه ابن حبان ١٢٤٣ -
١٢٤٤ - موارد والبيهقي ١٠٧/٧ والحاكم ١٦٩/٢ واطال في تخريج
طرقه، وانظر للتوسع في الكلام على هذا الحديث ((نصب الراية ))٣/
١٨٣، ١٩٠ و((إرواء الغليل)) ٢٣٦/٦ -٢٣٨ وانظر ((تلخيص الحبير))
١٥٦/٣
٢٣٢

اعلم أن الضبط الذي يؤخذ في صحة الحديث كان له في الأمة المرحومة
ثلاث أحوال :
الأول : أنهم كانوا يحفظون الأحاديث في زمن الصحابة والتابعين
عن ظهر غيب ويقتصرون عليها وكان ضبطهم يومئذ في جودة الحفظ فقط .
الثاني : أنهم كانوا يكتبون الأحاديث في زمن تبع التابعين وأوائل
المحدثين إلى الطبقة السابعة أو الثامنة وكان ضبط ذلك الوقت في تبيين الخط
والاحتياط في الثقات والحركات والسكنات وتصوير الحروف ومقابلتها
على أصولها الصحيحة وحفظ الكتاب عن العوارض الطارئة عليه ونحوها .
الثالث : أنهم - أي الحفاظ - صنفوا كتباً جمة في أسماء الرجال
وغريب الحديث وضبط الألفاظ المشكلة وصنفوا شروحاً لها حافلة وتعرضوا
بما يليق به التعرض والبحث عن أحوالها .
وأما اليوم فالضبط أن ينظر الطالبُ الراغبُ في تصانيف هؤلاء الأعلام
وشروحها ويروي الأحاديث بحسبها مع الصحة والإتقان ، ومن ثَمَّ تساهل
أهلُ الحديث وتسامحوا في هذا الزمان فيما شدد فيه المتقدمون الأعيان كما
تساهل المتوسطون في الحفظ واكتفوا منه على الخط فقط . ولهذا شاعت
فيهم ((الوجادة)) (١) والمناولة (٢) المجردة ونحوها بخلاف الطبقات السابقة ،
فإنهم اجتهدوا اجتهاداً تاماً في كل من هذه الأمور لتكميل هذا الشأن ،
(١) هي أن يجد المرء حديثا مكتوبا، أو كتابا لشخص باسناده ويروى عنه،
وانظر ((الإلماع)) ١١٦ - ١٢١ للقاضي عياض (( علوم الحديث)) ١٥٧
و (( تدريب الراوي)) ٦٠/٢
(٢) في ((الاصل)) المنابرة: وهو تحريف، والمناولة المجردة هي أن يناول
الشيخ تلميذه كتابا مجردا عن الاجازة ، مقتصراً على قوله له : هذا
سماعي، ولا يقول له: أروه عني. وانظر ((الالماع)) ص ٨٢ - ٨٣
و ((علوم الحديث)) ١٤٦ و((التدريب)) ٥٠/٢
٢٣٣.

فاشتغال المحدث بأحوال رجال السند بعد تصحيح أساميهم وبتفرقة وثوقهم
سيما في الصحيحين ومثلهما، وبتأويل لفظ: ((ليس منا من فعل كذا))(١).
و ((إن اللّه قبل وجهه)) (٢) ونحوها وبالفروع الفقهية وبيان اختلاف مذاهب
الفقهاء وبالتوفيق في اختلاف رواياتهم وترجيح بعض الأحاديث على بعضها
من قبيل الإمعان والتعمق . وكانت أوائل هذه الأمة المرحومة مشتغلة بها
وإنما يخوض في أمثال هذه الأمور الفقهاء والمتكلمون .
قال ((القسطلاني)) (٣): ويستحب الاعتناء بضبط الحديث وتحقيقه
لفظاً (٤) وشكلاً وإيضاحاً من غير مشق (٥) ولا تعليق (٦) بحيث يُؤمن معه
التبْسُ أو إنما يُشَكّل المُشْكِلَ ولا يشتغل بتقييد الواضح وصَوَّب
عياض٢(٧) شكل الكل للمبتدئء وغير المعرب، ورأى بعضُ مشايخنا
الاقتصار في ضبط البخاري على رواية واحدة لا كما يفعله من ينسخ
البخاري من نسخة الحافظ شرف الدين اليونيني (٨) لما يقع في ذلك من
(١) في ذلك أحاديث كثيرة، منها قوله صلى الله عليه وسلم: ((ليس منا
من ضرب الخدود ، وشق الجيوب ، ودعا بدعوى الجاهلية)) رواه
البخاري ١٢٩٤ و ١٢٩٧ و١٢٩٨ و٣٥١٩ ومسلم ١٠٣ و١٦٦ عن
ابن مسعود .
(٢) رواه البخاري ٤٠٦ و ٧٥٣ و١٢١٣ و٦١١١ ومسلم ٤٥٧ عن ابن
عمر، وانظر: ((الروضة الندية شرح العقيدة الواسطية)) للشيخ زيد
ابن عبد العزيز بن فياض ص ٢٠٣ - ٢١٣ المطبعة اليوسفية - ١٩٦٨
(٣) في ((مقدمة ارشاد الساري)) ١٧/١
(٤) كذا في ((الأصل)) وفي ((الارشاد)): نقطاً.
(٥) هو سرعة الكتابة مع بعثرة الحروف، وانظر ((الاقتراح)) ٢٨٧ و((فتح
الباقي)) ١٢٢/٢ و((فتح المفيث)) ١٥١/٢
(٦) هو خلط الحروف التي ينبغي تفرقتها، وانظر المصادر السابقة .
(٧) انظر ((الالماع)) ١٤٩ - ١٥٨
(٨) هو أبو الحسين علي بن محمد بن أحمد، المتوفى سنة ٦٢٠ ما ترجمته
في ((التذكرة)) ١٥٠/٤ و((الدرر الكامنة)) ١٧١/٣ و((الشذرات))
٣٠٦. ونسخته المشار اليها قد اعتنى بها وجوّدها كثيرا ، وقد بنى
الإمام القسطلاني شرحه عليها .
١٢٣٤

الخلط الفاحش بسبب عدم التمييز ويتأكد ضبط المُلْبِس من الأسماء
لأنه نقل محض لا مدخل للإفهام فيه كبريْد بضم الموحدة فإنه يشتبه بيزيد
بالتحتية فصبط ذلك أولى لأنه ليس قبله ولا بعده شيء يدل عليه ولا مدخل
القياس فيه (١) وليقابل ما يكتبه بأصل شيخه أو بأصل أصل شيخه المقابل
به أصل شيخه أو فرع مقابل بأصل السماع وليعن بالتصحيح بأن يكتب
(صح) على كامٍ صَحَّ روايةٌ ومعنىّ لكونه عرضة للشك أو الخلاف (٢)،
وكذا بالتضبيب ويسمى التمريض (٢) بأن يمد خطاً أوله كرأس الصاد
ولا يلصقه بالممدود عليه على (كلام ) (٤) ثابت فاسد لفظاً أو معنى أو
ضعيف أو ناقص . ومن الناقص موضع الإرسال ويصلح النية في التحديث
بحيث يكون مخلصاً لا يريد بذلك عرضاً دنيوياً بعيداً عن حب الرئاسة
ورء نتها (٥) وليقرأ الحديث بصوت حسن فصيح مُرَتَّل ولا يسرد سرداً
لئلاً يلتبس أو يمنع السائل من إدراك بعضه (٦) . وقد تسامح بعض الناس
في ذلك وصار يعجل استعجالاً يمنع السامع من إدراك حروف كثيرة بل
كلمات ، والله تعالى بمنه وكرمه يهدينا سواء السبيل ، انتهى .
وأما درس الحديث فله ثلاثة طرق عند علماء الحرمين الشريفين :
أولها : السرد ، وهو أن يتلو الشيخ المستمع أو الفارئ كتاباً من كتب
هذا الفن من دون تعرض مباحثه اللغوية والفقهية وأسماء الرجال ونحوها .
وثانيها : طريق الحل والبحث وهو أن يتوقف بعد تلاوة الحديث الواحد
(١) انظر ((الاقتراح)) ٢٨٥ و((الإلماع)) ١٥٤
(٢) انظر ((التدريب))٢ /٧٨ و((شرح التبصرة والتذكرة)) ١٣٣/٢ و(فتح
المغيث)) ١٦٧/٢
(٣) انظر ((علوم الحديث)) ١٧٥ و((التدريب)) ٨٢/٢
(٤) زيادة توضيحية .
(٥) وقد عقد القاضي عياض في ((الالماع)) ٥٤ - ٦٢ فصلا بعنوان: ((ما
يلزم من اخلاص النية في طلب الحديث وانتقاد من يؤخذ عنه .
(٦) انظر ((سير أعلام النبلاء)، ٦٠٧/٢ والتعليق عليه.
٢٣٥

مثلاً على لفظه الغريب وتراكيبه العويصة واسم قليل الوقوع من أسماء
الإسناد وسؤال ظاهر الورود والمسألة المنصوص عليها ، ويحلّه بكلام
متوسط ثم يستمر في قراءة ما بعدها . وثالثها : طريق الإمعان ، وهو أن
يذكر على كل كلمة ما لها وما عليها . كما يذكر مثلاً على كل كلمة
غريبة وتراكيب عويصة شواهدها من كلام الشعراء وأخوات تلك الكلمة
وتركيبها في الاشتقاق ومواضع استعمالاتها ، وفي أسماء الرجال حالات
قبائلهم وسيرهم ، ويخرج المسائل الفقهية على المسائل المنصوص عليها ،
ويقص القصص العجيبة والحكايات الغريبة بأدنى مناسبة وما أشبهها ،
فهذه الطرق هي المنقولة عن علماء الحرمين قديماً وحديثاً (١).
قال المولى ولي اللّه الدهلوي: ومختارُ (٢) الشيخ حسن العُجيمي (٣)
والشيخ أحمد القطان والشيخ أبي طاهر الكردي هو الطريق الأول - يعني
السرد - بالنسبة إلى الخواص المنبحرين ليحصل لهم سماع الحديث وسلسلة
روايته على عجالة ثم إحالة بقية المباحث على شروحه لأن ضبط الحديث
مدارُه اليوم على تتبع الشروح والحواشي . وبالنسبة إلى المبتدئين والمتوسطين
الطريق الثاني - يعني البحث والحل - ليحيطوا بالضروري في علم الحديث
علماً ويستفيدوا منه على وجه التحقيق دَرْكاً وفَهْماً . وعلى هذا يسرحون
أنظارهم في شرحٍ من شروح كتب الحديث غالباً ويرجعون إليه أثناء
البحث لحل العضال ورفع الإشكال . وأما الطريق الثالث : فهو طريقة
القصاص القاصدين منه إظهار الفضل والعلم لأنفسهم ونحوها . والله أعلم
دون رواية الحديث وتحصيل العلم .
(١) والطريقة الثانية هي المتبعة في بلاد الحرمين ، في أيامنا هذه.
(٢) أي : الذي اختاره .
(٣) ترجمته في ((الاعلام)) ٢٠٥/٢
٢٣٦.

وأما تحمل الحديث فيصح قبل الإسلام وكذا قبل البلوغ (١) فإن الحسن
والحسين وابن عباس وابن الزبير رضي الله عنهم تحملوا قبل البلوغ ولم
يزل الناس يُسمعون الصبيان ، واختلف في الزمن الذي يصح فيه السماع
من الصبي ! قيل : خمس سنين (٢) . وقيل : يعتبر كل صغير بحاله فإذا
فهم الخطاب ورد الجواب صححنا سماعه ، وإن كان دون خمس وإلاً
لم يصح (٣).
وَلِتَحَمُّلِهِ طرق": أعلاها:
السماع من لفظ الشيخ (٤): سواء قرأ بنفسه أو قرأ غيره على الشيخ
وهو يسمع ويقول فيه عند الأداء : أخبرنا ، والأحوط الإفصاح ، فإن
قرأ بنفسه قال : قرأت على فلان ، وإلاّ قُرىء على فلان وأنا أسمع .
(١) قال ابن الصلاح في ((علوم الحديث)) ١١٤: يصح التحمل قبل وجود
الاهلية فتقبل رواية من تحمل قبل الاسلام وروى بعده ، وكذلك
رواية من سمع قبل البلوغ ، وروى بعده ، ومنع ذلك قوم فأخطؤوا
لان الناس قبلوا رواية أحداث الصحابة : كالحسن بن علي ، وابن
عباس ، وابن الزبير ، والنعمان بن بشير وأشباههم ، من غير فرق بين
ما تحملوه قبل البلوغ وما بعده ، ولم يزالوا قديما وحديثا يحضرون
الصبيان مجالس التحديث والسماع ، ويعتدون بروايتهم لذلك ،والله
أعلم . وانظر ((التدريب)) ٤/٢
(٢) قال القاضي عياض في ((الالماع)) ٦٢ - ٦٣ : وقد حدد أهل الصنعة في
ذلك أن أقله سن محمود بن الربيع، توفي سنة ٩٩ ترجمته في ((التهذيب))
١٠ / ٦٣، وكان سنه حين عقل خمس سنين .
(٣) علق القاضي عياض في ((الالماع)) ٦٤ بعد أن ذكر أقوال أهل العلم في
تحديد سن السماع قائلا : ولعلهم أنما رأوا أن هذا السن أقل ما
يحصل به الضبط وعقل ما يسمع وحفظه ، والا فمرجوع ذلك للعادة.
ورب بليد الطبع غبي الفطرة ، لا يضبط شيئا فوق هذا السن ، ونبيل
الجسلة ، ذكي القريحة ، يعقل دون هذا السن .
(٤) وقد صرح القاضي عياض في ((الالماع)) أن هذه الطريقة أرفع درجات
الرواية عند الاكثرين، وانظر ((فتح المغيث)) ١٦/٢ و((التدريب))
٨/٢
٢٣٧

والثاني : القراءه عليه (١).
والثالث : الإجازة (٢): ولها أنواع: أعلاها : إجازة معين لمعين
كأجزتك ((الصحيح)) للبخاري مثلاً، وأجزتُ فلاناً جميعَ ما اشتمل
عليه ((فِهْرِسي)) (٣) ونحوه (٣)، وإجازة معين في غير معين كأجزتك
مسموعاتي أو مروياتي، وإجازة العموم (٥) كأجزت للمسلمين أو لمن
أدرك حياتي أو زماني أو لأهل الإقليم الفلاني. ويقول المُحدّثُ بها :
أنبأنا وأنبأني ، والصحيحُ جوازُ الروايةِ بهذه الأقسام .
وإجازة المعدوم (٦) : كأجزت لمن يولد لفلان ، والصحيح المنع
ولو قال : لفلان ولمن يولد له أو لك ولِعقيبٍكَ جاز كالوقف . والإجازة
للطفل الذي لم يميز صحيحةٌ، لأنها إباحةٌ والإباحة تَصحّ للعاقل وغيره .
وإجازة المُجازِ ، كأجزتُ لك ما أجيزَ لي ويُستحبّ الإجازةُ إذا كان
المجيزُ والمُجازُ له من أهل العلم لأنها توَسَعٌ يحتاجُ إليه أهلُ العلم .
(٢) ويسميها أكثر قدماء المحدثين ((عَرْضا)). وقال القاضي عياض في
((الالماع)) ٧٠: ولا خلاف أنها صحيحة. وقال النووي في ((التقريب ..
١٢/٢-١٣ - مع التدريب: وهي رواية صحيحة بلا خلاف في جميع
ذلك الا ما حكي عن بعض من لا يعتد به . وانظر ((الخلاصة في أصول
الحديث)) ١٠٢ الطيبي.
(٢) يقال في اللغة: استجزّت فلانا فأجازني، اذا سقاك ماء لما شينك أو
أرضك، قال ابن فارس في ((مقاييس اللغة)) ٤٦/١: فكذا طالب العلم
يستجيز العالم علمه فيجيزه له .
(٣) هو الكتاب الذي يجمع فيه الشيخ شيوخه وأسانيده وما ينعلق ذلك
وانظر ((فهرس الفهارس)) ٦٩/١ - ٧٠ و(تاج العروس)) ٢١١/٤
و ((اتحاف النبيه فيما يحتاج اليه المحدث والفقيه)) ١٩ للامام ولي
الله الدهلوي .
وقد جمعت جزءا لطيفا في مسائل الاجازة ونحوها عنوانه ((مسالك
البداية المستفيدفي مسائل الاجازة والرواية والاسانيد))، يسر الله نشره.
(٤) ((الكفاية)) ٣٢٦ و((التبصرة والتذكرة)) ٦١/٢ و ((توضيح الأفكار))
٣١٧/٢
(٥) (( الالماع)) ٩١ و(التدريب)) ٣٢/٢ و((علوم الحديث)) ١٣٦
(٦) ((الكفاية)) ٣٢٥ - ٣٢٦ و((الالماع)) ٩٧ و((توضيح الافكار ٢ /
٣١٨
٢٣٨

وينبغي للمجيز بالكتابة أن يتلفظ بها ، فإن اقتصر على الكتاب صحت .
وقال القسطلاني (١) : وشرط صحة الإجازة أن تكون من عالم بالمجاز
والمجاز له من أهل العلم المجاز به صناعة وعن ابن عبد البر : الصحيحُ
أن الإجازة لا تقبل إلاّ لماهر بالصناعة حاذق فيها يعرف كيف يتناولها
وما لا يشكل إسناده لكونه معروفاً معيناً وإن لم يكن كذلك لم يؤمن أن
يحدثَ المُجازُ عن الشيخ بما ليس من حديثه أو يُنْقِصّ من إسناده الرجل
والرجلين . وقال ابن سيد الناس (٢) : أقل مراتب المجيز أن يكون عالماً
بمعنى الإجازة العلم الإجمالي من أنه روى شيئاً وأن معنى إجازته لذلك
الغير في رواية ذلك الشيء عنه بطريق الإجازة المعهودة إلاّ العلم التفصيلي
بما روى وبما يتعلق بأحكام الإجازة. وهذا العلم الإجمالي حاصل فيما
رأيناه من عوام الرواة فإن انحط راوٍ في الفهم عن هذه الدرجة - ولا إخال
أحداً ينحط عن إدراك هذا إذا عرف به - فلا أحسبه أهلاً لأن يتحمل
عنه بإجازة ولا سماع ، قال : وهذا الذي أشرت إليه من التوسع في الإجازة
هو طريق الجمهور . قال شيخنا : وما عداه من التشديد فهو منافٍ لما
جُوز الإجازةُ له من بقاء السلسلة . نعم لا يشترط التأهل حين التحمل
ولم يقل أحد بالأداء بدون شرط الرواية وعليه يُحْمَلُ قولُهم : أجزت
له رواية كذا بشرطه . ومنه ثبوت المروي من حديث المجيز . وقال
أبو مروان الطيبي (٣): إنها لا يحتاج ( في هذا ) بغير مقابلة نسخته بأصول
(١) في ((ارشاد الساري)) ١٧/١
(٢) هو محمد بن محمد بن محمد بن أحمد اليعمري ، المتوفى سنة ٧٣٤
ترجمته في: ((الدرر الكامنة)) ٢٠٨/٤ و((النجوم الزاهرة)) ٣٠٣/٩
و ((البدر الطالع)) ٢٤٩/٢
(٣) كذا الاصل، وهو تصحيف، صوابه: الطبني نسبة الى طبنة بافريقيا
وهو عبد الملك بن زيادة الله بن علي، المتوفى سنة ٤٥٧، ترجمته في
((الصلة)) ٣٤٣/١ و((جذوة المقتبس)) ٢٦٥ و((المغرب في حلي
المغرب)) ٢٩٢/١
٢٣٩

الشيخ . وقال عياض (١) : بعد تصحيح روايات الشيخ ومسموعاته وتحقيقها
وصحة مطابقة كتب الراوي لها والاعتماد على الأصول المصححة ، وكتب
بعضهم لمن علم منه التأهيل : أجزت له الرواية عني وهو لِمَا عُلِم من
إتقانه وضبطه غني عن تقييدي ذلك بشرطه ، انتهى .
الرابع: المناولة (٢): وأعلاها ما يُقرن بالإجازة وذلك بأن يدفعَ
إليه الشيخُ أصلَ سماعه أو فَرعاً ،مُقابلاً به ، ويقول : هذا سماعي ،
أو روايتي عن فلان فاروه عني ، وأجزتُ لك روايته ، ثم يبقيه في يده
تمليكاً أو إلى أن ينسخَهُ ومنها. أن يُناول الطالبُ الشيخَ سماعه فيتأمله وهو
عارف متيقظ ثم يناوله الطالب ، ويقول : هو حديثي أو سماعي فارو
عني. ويُسمى هذا عرض المناولة ولها أقسامٌ أُخَر.
الخامس : المكاتبة (٣) وهي أن يكتب مسموعَهُ أو مقَرَّرَهُ جميعه
أو بعضه لغائب أو حاضر بخطه أو يأذن له بكتبه له ، وهي إما مقترنة
بالإجازة كأن يكتب : أجزت لك ومجردة عنها والصحيح جواز الرواية
على التقديرين .
السادس : الإعلام (٤) وهو أن يُعلِمَ الشيخُ الطالبَ أن هذا الكتاب
روايته من غير أن يقول : اروه عني ، والأصح أنه لا يجوز روايته لاحتمال
أن يكون الشيخ قد عرف فيه خللاً فلا يأذن فيه .
وقال الفسطلاني (٥) : جوَّزها كثير من الفقهاء والأصوليين ، منهم
(١) (( الالماع)) ٩٢
(٢) ((الكفاية)) ٣٢٦ و((توضيح الأفكار)) ٣٢٩/٢ و((الالماع)) ٧٩
(٣) (الخلاصة) ١١٢ و((الالماع)) ٨٣ و((علوم الحديث)) ١٥٣
(٤) ((علوم الحديث)) ١٥٥ و((توضيح الافكار)) ٣٤٣/٢ و((الالماع))
١٠٧
(٥) في ((ارشاد الساري)) ١٧/١
٢٤٠