النص المفهرس

صفحات 61-80

فيه ، وكثرة الخوض فيما لا يعنيه ، إلى أن كاد يرتفع جملة ، وكذا شأن
سائر الصنائع والدول فإنها تبتدى( قليلاً قليلاً ولا يزال يزيد حتى يصل
إلى غاية هي منتهاه ، ثم يعود إلى النقصان فيؤول أمره إلى الغيبة في مهاد
النسيان .
فكأنّها وكأنّهم أحلامٌ
ثم انقضت تلك السنون وأهلها
والحقّ أنّ أعظم الأسباب في رواج العلم وكساده هو رغبة الملوك
في كلّ عصر وعدم رغبتهم. فإنّا لله وإنا إليه راجعون. سيما على ذهاب
علم الدين والإسلام من الحديث والتفسير اللّذين عليهما مدار العقائد
والأحخام . وقد مال أهل العصر عن شاكلة الصواب وانخدعوا بلامع
السراب واقتنعوا من العلوم بالقشر عن اللباب .
قال الغزالي رحمه الله: أدلة الطريق هم العلماء الذين هم ورثة الأنبياء وقد
شْغر (١) عنهم الزمان ولم يبقَ إلاّ المترسبون وقد استحوذ على أكثرهم
الشيطان واستغواهم الطغيان ، وأصبح كلّ واحد منهم يعاجل حظّه
مشغوفاً . فصار يرى المعروف منكراً والمنكر معروفاً حتى ظلّ علم الدين
مندرساً ومنار الهدى في أقطار الأرض منطمساً ، ولقد خيّلوا إلى الخلق
أن لا علم إلاّ فتوى حكومة تستعين به القضاة على فصل الخصام عند
تهارش (٢) الطعام أو جدل يتدرع به طالب المباهاة إلى الغلبة والإفحام ،
أو سجع مزخرف يتوسل به الواعظ إلى استخراج العوام ، إذ لم يروا ما
سوى هذه الثلاثة مصيدة للحرام ، وشبكة للحطام .
فأمّا علم طريق الآخرة وما درج عليه السلف الصالح مما سماه الله
(١) أي : خلا
(٢) أي : تقاتل.
٦١

سبحانه في كتابه فقهاً وحكمة وعلماً وضياءً ونوراً وهداية ورشداً ،
فقد أصبح من بين الخلق مطوياً وصار نسياً منسياً. ولعَشْري إنه لا سبب
الإصرارك على النكير إلاّ الداء الذي عمّ الجمّ الغفير بل شمل الجماهير
من القصور عن ملاحظة ذروة هذا الأمر والجهل بأن الأمر إدّ (١) والخطب
جد ، والآخرة مقبلة ، والدنيا مدبرة ، والأجل قريب ، والسفر بعيد ،
والزاد طفيف ، والخطر عظيم ، والطريق سَدّ ، وما سوى الخالص أوجه
الله من العلم والعمل عند الناقد البصير رد وسلوك طريق الآخرة مع كثرة
الغوائل من غير دليل ولا رفيق متعب ومكد ، انتهى .
ولقد أنصف الذهبي في قوله: وما أوتوا من العلم إلاّ قليلاً وأمّا
اليوم فما بقي من هذه العلوم القليلة أيضاً إلاّ القليل في أناس قليل وما أقل
من يعمل منهم بذلك القليل فحسبنا الله ونعم الوكيل ، انتهى .
وقد رُوّينا (٢) عن زياد بن لبيد أنه قال: ذكر النبي صلى الله عليه وسلم
شيئاً فقال : (( ذلك عند أوان ذهاب العلم ))، قلت : يا رسول الله ، وكيف
يذهب العلم ونحن نقرأ القرآن ونقرئه أبناءنا ويقرئه أبناؤنا أبناءهم إلى يوم
القيامة؟ فقال: ((ثكلتك أملك زياد، إن كنت لأراك من أفقه رجل بالمدينة
أوَليس هذا اليهود والنصارى يقرءون التوراة والإنجيل لا يعملون بشيء
(١) هو الامر الداهي المنكر .
(٢) يجوز ضبط هذا الفعل بفتح الراء والواو ، مبنيا للمعلوم اذا كان
المروي عنه شيخا للراوي عن طريق المشافهة أو الاجازة ، ويجوز
ضبطه بالبناء للمجهول مشددا اذا لم يكن المروي عنه شيخا للراوي
حقيقة، وهو غير مطرد، وانظر ((الفتح المبين بشرح الاربعين)) ( ص
٢٦) و((التعليقات الحافلة على الاجوبة الفاضلة)) (ص ٢٨٩ - ١٨٥).
٦٢

ممّا فيهما)) رواه أحمد وابن ماجة(١) وروى الترمذي نحوه (٢) وكذا
الدارمي عن أبي أمامة (٢) .
وعن علي كرّم الله وجهه في الجنة قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: (( يوشك أن يأتي على الناس زمان لا يبقى من الإسلام إلاّ اسمه ،
ولا من القرآن إلاّ رسمه ، مساجدهم عامرة وهي خراب من الهدى ،
علماؤهم شر من تحت أديم السماء، من عندهم تخرج الفتنة وفيهم تعود )) .
رواه البيهقي في شعب الإيمان (٤).
فيا للمسلمين ( ألَمْ يَأنٍ لِلّذِينَ آمَنُوا أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ
لِذِكْرِ اللّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الحَقّ) [ الحديد: ١٦].
هم المصابيح والحصون
يا أسفي من فراق قوم
والخير والدين والسكون
والمدن والمزن والرواسي
حتى توفتهم المنون
لم تتغيّر لنا الليالي
كيف وقد جفّت العيون
بعدهم العيش ليس يصفو
وكل مساءٍ لنا عيون
فكل جمر لنا قلوب
(١) رواه أحمد (١٦٠/٤) و٢١٨ - ٢١٩) (٢٦/٦، ٢٧) واين أبي
خيثمة في ((العلم)) (رقم ٥٢) وابن ماجة (٤٠٤٨) والحاكم (٥٩٠/٣)
والطبراني في «الكبير» (٥٢٩٠) و (٥٢٩١) و ( ٥٢٩٢) و ( ٥٢٩٣)
والخطيب في ((الاقتضاء)) (٨٩) من طرق، واسناده صحيح.
(٢) برقم (٢٦٥٣) وقال : هذا حديث حسن غريب ...
(٣) في (٧٧/١) منه .
(٤) أورده السيوطي في ((الجامع الكبير)) (١٠٢/٢) وعزاه الى ابن عدي،
والبيهقي في الشعب ، وهي من مظان الضعيف عند التفرد .
ثم رأيته في ((الكامل)) ١٥٤٣/٤ لابن عدي ، وسنده ضعيف.
٦٣

الفصل الثاني
في شرف علم الحديث وفضيلة المحدثين
اعلم أنَّ أنْفَ العلوم الشرعية ومفتاحها ، ومشكاة الأدلة السمعية
ومصباحها ، وعمدة المناهج اليقينية ورأسها ، ومبنى شرائع الإسلام
وأساسها ، ومستند الروايات الفقهية كلها ، ومأخذ الفنون الدينية دقها
وجلها ، وأسوة جملة الأحكام وأسها، وقاعدة جميع العقائد وأسطقسها(١)،
وسماء العبادات وقطب مدارها ، ومركز المعاملات ومحط حارِها وقارِها
هو علمُ الحديث الشريف، الذي تُعرف به جوامعُ الكلم وتنفجرُ منه
ينابيعُ الحِكم وتدور عليه رحى الشرع بالأسر وهو ملاك كل نهي وأمر ،
ولولاه لقان من شاء ما شاء (٢) وخبط الناس خبط عشواء ، وركبوا متن
عمياء ، فطوبى لمن جَدّ فيه وحصل منه على تنويه يملك من العلوم النواصي
(١) أساسها ورأسها .
(٢) يشير الى الاثر المنقول عن عبدالله بن المبارك: (الاسناد عندي من
الدين ، لولا اسناد لقال من شاء ما شاء)، أخرجه مسلم في مقدمه
صحيحه ((١٢/١ - هندية)) و((معرفة علوم الحديث)) للحاكم (ص
٦ ) وابن أبي حاتم في ((الجرح)) (١٦/١) والترمذي في ((العلل
الصغير)) (٣٨٨/٤) والخطيب في ((شرف أصحاب الحديث)) (ص
٤١) وانظر ((تذكرة الحفاظ)) للذهبي ١٠٥٤/٣ و(( سير أعلام النبلاء))
٢٢٤/١٧ ٠
٦٤

ويقرب من أطرافها البعيد القاصي، ومن لم يرضع من دَرّهِ، ولم يَخُضْ
في بحره ، ولم يقتطف من زهره ، ثم تعرض للكلام في المسائل والأحكام
فقد جار فيما حكم وقال على اللّه تعالى ما لم يعلم ، كيف وهو كلام رسول
الله صلى الله عليه وسلم . والرسول أشرف الخلق كلّهم أجمعين وقد
أوتي جوامع الكلم ، وسواطع الحكم ، من عند رب العالمين ، فكلامه
أشرف الكلم وأفضلها وأجمع الحكم وأكملها ، كما قيل : كلام الملوك
ملك الكلام . وهو تلو كلام اللّه العلاّم، وثاني أدلة الأحكام ، فإن علوم
القرآن وعقائد الإسلام بأسرها ، وأحكام الشريعة المطهرة بتمامها ، وقواعد
الطريقة الحقة بحذافيرها، وكذا الكشفيات والعقليات بنقيرها وقطمبر هما (١)،
تتوقف على بيانه صلى الله عليه وسلم، فإنها ما لم توزن بهذا القسطاس المستقيم.
ولم تضرب على ذلك المعيار القويم، لا تعتمد (٢) عليها ولا تصار (٢) إليها.
فيهذا العلم المنصوص والبناء المرصوص بمنزلة الصرّاف جواهر العلوم
عقليّها ونقليّها ، وكالنقاد لنقود كل فنون أصليها وفرعيها من وجوه
التفاسير والفقهيات ونصوص الأحكام ومأخذ عقائد الإسلام وطرق السلوك
إلى الله سبحانه وتعالى ذي الجلال والإكرام، فما كان منها كامل العيار
في نقد هذا الصراف . فهو الحريّ بالترويج والاشتهار وما كان زيفاً غير
جيد عند ذاك النقاد فهو القمين (٣) بالرد والطرد والإنكار .
فكل قول يصدقه خبر الرسول فهو الأصلح للقبون ، وكل ما لا
يساعده الحديث والقرآن فذلك في الحقيقة سفسطة بلا برهان ، فهي مصابيح
(١) النقير : هو النكتة في ظهر النواة ، والقطمير : القشرة الرقيقة التي
على النواة كاللفافة لها، وانظر ((المصباح المنير)) (٥٠٩،٦٢١/٢).
(٢) كذا الاصل، ولعل الصواب: يعتمد .. يصار، والله أعلم.
(٣) جدير .
الحطة - ٥
٦٥

الدجى ومعالم الهدى وبمنزلة البدر المنير ، من انقاد لها فقد رشد واهتدى،
وأوتي الخير الكثير ، ومن أعرض عنها وتولى ، فقد غوى وهوى ، وما زاد
نفسه إلاّ التخسير، فإنه صلى الله عليه وسلم نهى وأمر ، وأنذر وبشر،
وضرب الأمثال وذكر ، وإنها لمثل القرآن ، بل هي أكثر ، وقد ارتبط
بها أتباعُه صلى اللّه عليه وسلم الذي هو ملاك سعادة الدارين ، والحياة
الأبدية بلا مَيْن (١) كيف وما الحق إلاّ فيما قاله صلى الله عليه وسلم أو
عمل به ، أو قرره ، أو أشار إليه ، أو تفكر فيه ، أو خطر بباله ، أو
هجس في خَلَده ، واستقام عليه .
فالعلم في الحقيقة هو علم السنة والكتاب ، والعمل : العمل بهما في
كل إياب وذهاب ، ومنزلته بين العلوم منزلة الشمس بين كواكب السماء .
ومزية أهله على غيرهم من العلماء مزية الرجال على النساء ، وذلك فضل
الله يؤتيه من يشاء، فيا له من علم سيط (٣) بدمه الحق والهدى، ونيط (٢)
بعنقه الفوز بالدرجات العلى ، وقد كان الإمام محمد بن علي بن حسين عليه
السلام يقول : ( إن من فقه الرجل بصيرته ، أو فطنته بالحديث ) ، ولقد
صدق فإنه لو تأمل المُتأمّل بالنظر العميق والفكر الدقيق ، نعلم أن لكل
علم خاصية ، تتحصل بمزاولته للنفس الإنسانية كيفية من الكيفيات الحسنة
أو السيئة . وهذا علم تعطي مزاولتُه صاحبَ هذا العلم معنى الصحابية ،
لأنها في الحقيقة هي الاطلاع على جزئيات أحواله صلى اللّه عليه وسلم .
ومشاهدة أوضاعه في العبادات والعادات كلها ، وعند بعد الزمان يتمكن
هذا المعنى بمزاولته في مدركة المزاول ، ويرتسم في خياله بحيث يصير في
(١) المين : الكذب .
(٢) خلط ومزج .
(٣) عهد اليه به .
٦٦

حكم المشاهدة والعيان ، وإليه أشار القائل (١) بقوله :
أهل الحديث هم أهل النبي وإن لم يصحبوا نفسَه أنفاسه صحبوا
ويُروى عن بعض الصلحاء أنه قال : أشد البواعث وأقوى الدواعي
لي على تحصيل علم الحديث لفظ : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فالحاصل أن أهل الحديث كَثّر الله تعالى سوادهم ، ورفع عمادهم .
هم نسبة خاصة ، ومعرفة مخصوصة بالنبي صلى الله عليه وسلم ، لا يشاركهم
فيها أحد من العالمين ، فضلاً عن الناس أجمعين ، لأنهم النين لا تزال
يجري ذكر صفاته العليا وأحواله الكريمة وشمائله الشريفة على لسانهم ولم
يبرح تمثال جماله الكريم وخيال وجهه الوسيم ونور حديثه المستبين ، يتردد
في حاقٍ (١) وسط جنانهم، فعلاقة باطنهم بباطنه العلي متصلة، ونسبة ظاهرهم
بظاهره النقي مسلسلة ، فهم أهل المواليد حقاً : عدلاً وصدقاً ، فأكرم
بهم من كرام يشاهدون عظمة المُسمّى حين يذكر الاسم ، ويصلون عليه
كل لمحة ولحظة بأحسن الحدّ والرسم ، خاضوا في بجار العلوم المحمدية
حتى صاروا محو المعلوم ، وخدموا الأحاديث الأحمدية إلى أن عادوا عين
المخدوم ، فأولئك كما قيل بالفارسية (٣):
من مكر خود صفت ذات قوام
ذات من نقش خيال خوش تست
كوني الفاظ وعبارات توام
نقش انديشة من جمله زتست
-
(١ هو من انشاد الحسن بن محمد النسوي، كما رواه الحافظ ضياء الدين
المقدسي في جزء له في ((فضل الحديث واهله)) من مخطوطات الظاهرية.
وأورده صاحب ((الصوارم والاسنة .. )) ( ص ٢٥٤) دون نسبة.
(٢) انظر (اللسان)) ( حيق ) .
(٣) حاولت معرفة معناها بالعربية ، لكن ذلك ضاق على في بلدي. فعسى
أن يترجمه لنا بعض المهتمين ويرسله لنا جزاهم الله خيرا .
وسيرد كلام بالفارسية في موضعين آخرين ايضا أو ثلاثة !!
٦٧

قال الشيخ أحمد القسطلاني (١) في ((إرشاد الساري شرح صحيح
البخاري )) في فضيلة أهل الحديث: رُوّينا عن ابن مسعود رضي الله عنه
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((نضّر الله امرأ سمع مقالتي
فحفظها ووعاها وأداها فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه )) . رواه
الشافعي والبيهقي، وكذا أبو داود والترمذي بلفظ: ((نضّر الله امرأ سمع منا
شيئاً فبلغه كما سمعه فرب مبلغ أوعى من سامع)). وقال الترمذي: حسن
صحيح (٢) . وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه
وسلم انه قال في حجة الوداع: ((نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها فرب
حامل فقه ليس بفقيه)). رواه البزار بإسناد حسن (٣)، وابن حبّان في
صحيحه من حديث زيد بن ثابت (٤) . وكذا روي من حديث معاذ بن
جبل ونعمان بن بشير وجبير بن مطعم وأبي الدرداء وأبي قِرْصافة وغيرهم
من الصحابة (٥) ، وبعض أسانيدهم صحيح ، كما قاله المنذري (٦) .
(١) المتوفى في القاهرة سنة (٩٢٣) ترجمته في ((الضوء اللامع)) ١٠٣/٢.
و ((البدر الطائع)) ١٠٢/١ و((الكواكب السائرة)) ١٢٦/١ وأنظر -
(( الارشاد)) (٤،٣/١) .
(٢) رواه الترمذي (٢٦٥٧) و ( ٢٦٥٧) وابن ماجة (٢٣٢) . وأحمد
(٤١٥٧) وابن حبان (٢٢٧/١ - الاحسان) وأبو نعيم في ((الحلية))
(٣٣١/٧) والخطيب في ((الكفاية)) (١٧٣) والشافعي في ((الرسالة))
( ص ٤٠١) والبيهقي في ((المدخل)) (ص ٣٣) وغيرهم.
(٣) رواد الرامهرمزي في ((المحدث الفاصل)) (١٦٥) وأبو نعيم في
((الحلية)) (١٠٥/٥)، وأورده الهيثمي في ((المجمع) (١٣٧/١).
(٤) رواه أحمد (١٨٣/٥) والدارمي (٧٥/١) وأبو داود (٣٦٦٠)
والترمذي (٢٦٥٦) وابن حبان ( ٤٧ - موارد) وابن عبد البر
١ ٣٨/١) والخطيب في ((الفقيه والمتفقه)) (٧١/٢). القاضي عياض
في ((الالماع)) ( ص ١٣ ) وغيرهم.
(٥) انظر اسماءهم والرواية عنهم ومخرجي أحاديثهم في الاطروحة التي
قدمها فضيلة الشيخ الاستاذ عبد المحسن العباد لنيل شهادة الماجستير
راسمه ((دراسة حديث ((نضر الله امرءا سمع مقالتي .. )) رواية
ودراية)» . فانها جامعة .
(٦) انظر ((الترغيب)) (١٠٨/١ - ١٠٩).
٦٨

وعن ابن عباس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: ((اللهم ارحم خلفائي)). قلنا: يا رسول الله ومن خلفاؤك ؟
قال: ((الذين يروون أحاديثي ويعلمونها الناس)). رواه الطبراني في
الأوسط)) (١).
ولا ريب أن أداء السنن إلى المسلمين نصيحة لهم من وظائف الأنبياء
صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ، فمَن قام بذلك كان خليفةً لمن يبلغ
عنه ، ، كما لا يليق بالأنبياء أن يهملوا أعاديهم ولا ينصحوهم، كذلك
لا يحسن لطالب الحديث وناقل السنن أن يمنحها صديقه ويمنعها عدوه ،
فعلى العالم بالسنّة أن يجعل أكبر همه نشر الحديث ، فقد أمر النبيّ صلى اللّه
عليه وسلم بالتبليغ عنه حيث قال: ((بلغوا عني ولو آية الحديث)). رواه
البخاري (٢). قال المظهري (٣): أي بلغوا أحاديثي ولو كانت قليلة ،
(١) كذا قال الهيثمي في ((المجمع)) (١٢٦/١) والمنذري في ((الترغيب))
(١١٠/١)، قلت: ورواه الرامهرمزي في ((المحدث الفاصل)) (ص٥)
وأبو نعيم في ((أخبار أصبهان)) (٨١/١) والخطيب في ((شرف اصحاب
الحديث)) (ص ٣١) والقاضي عياض في ((الالماع)) (ص ١٧) . وفي
اسناده أحمد بن عيسى وهو كذاب كما نقل الذهبي في ((الميزان))
(١٢٧/١) وأقره الحافظ ابن حجر في ((اللسان)) (٢٤١/١) وللحديث
طرق اخرى لكنها بين الضعف الشديد والوضع ، وأنظر ((سلسلة
الاحاديث الضعيفة)) (٢٤٨/٢) و((نصب الراية)) (٣٤٨/١).
(٢) هو في (صحيحه)) (٣٤٦١) وأخرجه أحمد (١٥٩/٢ و ٢٠٢ و٢١٤ )
والترمذي (٢٦٦٩) وأبو خيثمة (٤٥) والبغوي (٢٤٣) والدارمي
(١٣٦/١) وابن أبي حاتم (٧/١) والطبراني في ((الصغير)) (١٦٦/١)
وابو نعيم في ((الحلية)) (٧٨/٦) وابن عبد البر في ((الجامع)) (٤٠/٢)
والبيهقي في ((المعرفة)) (١٤٨/١) والخطيب في التاريخ (١٥٧/١٣) وفي
شرف أصحاب الحديث (١٥،١٤) والقاضي عياض في ((الالماع))
( ص ١١ ) .
(٣) انظر ((الفتح)) (٤٩٨/٦).
٦٩

وقال إمام الأئمة مالك رحمه الله : بلغني أن العلماء يسألون عن تبليغهم
العلم كما يسأل الأنبياء عليهم السلام .
وقال سفيان الثوري : لا أعلم علماً أفضل من علم الحديث لمن أراد
به وجه الله تعالى، إن الناس يحتاجون إليه حتى في طعامهم وشرابهم فهو
أفضل من التطوع بالصلاة والصيام لأنه فرض كفاية .
وفي حديث أسامة بن زيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم
أنه قال: ((يحمل هذا العلم من كل خَلَف عدوله ينفون عنه تحريف
الغالين وانتحالَ المبطلين وتأويل الجاهلين)) (١).
وهذا الحديث رواه من الصحابة علي وابن عمر وابن مسعود وابن
عباس وجابر بن سمرة ومعاذ وأبو هريرة رضي الله عنهم .
وأورده ابن عدي من طرق كثيرة كلها ضعيفة كما صرح به الدار قطني
وأبو نعيم وابن عبد البر، لكن يمكن أن يقوى بتعدد طرقه ويكون حسناً(١)
(١) حديث حسن بطرقه، رواه من حديث أبي هريرة ابن عدي في
((الكامل)) (١٥٢/١ و١٥٣) والخطيب في ((شرف أصحاب الحديث))
( ٢٨ ) .
والقاضي اسماعيل كما في ((مفتاح دار السعادة)) ( ص ١٦٣ )، ورواه
عن عبد الله بن عمرو وأبي هريرة تمام في ((فوائده)) والعقيلي في ((الضعفاء))
( ١٠/١) والبزار (١٤٣ - زوائده)، وأورده الهيثمي في ((المجمع)) (١/
١٤٠) عنهما، ورواه عن أبي أمامة العقيلي في ((الضعفاء)) (٩/١) وابن
عدي في ((الكامل)) (١٥٣/١ (وعن أسامة اخرجه الخطيب في ((شرف
أصحاب الحديث)) ( ص ٥٨) ورواه ابن عساكر، وابن جرير كما في
(( مفتاح السعادة)) وعن ابن مسعود رواه الخطيب ايضا ( ص ٨) ورواه
أيضا عن ((معاذ بن جبل)) (ص ١١) والديلمي أيضا، ورواه ابن عساكر عن
أنس، ورواه أبو نصر السجزي في ((الابانة)) وأبو نعيم وابن عساكر وابن
أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) (١٧/١/١) والحسن بن عرفة والقاضي
وكيع في ((الغرر من الاخبار)) والعقيلي (٢٥٦/٤) وابن عدي (١٥٣/١) =
٧٠

كما جزم به ابن كَيْكَلْدى العلائي (١).
وفيه تخصيص حملة السنة بهذه المنقبة العلية وتعظيم لهذه الأمة المحمدية
وبيان لجلالة قدر المحدثين وعلو مرتبتهم في العالمين ، لأنهم يحمون
مشارع الشريعة ومتون الروايات من تحريف الغالين وتأويل الجاهلين بنقل
النصوص المحكمة لرد المتشابه إليها .
وقال النوويّ في أول ((تهذيبه)) (٢): هذا إخبار منه صلى الله عليه
وسلم بصيانة ( هذا ) (٣) العلم وحفظه وعدالة ناقليه، وإن الله تعالى يوفق
= وابن وضاح القرطبي في ((البدع والنهي عنها)) (١) والبيهقي في ((سننه))
،٢٠٩/١٠) و((مناقب الشافعي» (٧/١) و((المدخل الى السنن)) وابن
حبان في ((الثقات)) ( ١٠/٤) والحاكم في ((المستدرك)) كلهم عن ابراهيم
بن عبد الرحمن العذري مرسلا ، ورواه عنه عن الثقة عن أشياخه مرفوعا
البيهقي في ((سننه)) (٢٠٩/١٠) و((المناقب)) (٨/١) وابن وضاح (٢)
وابن عدي (١٥٣/١) وابن عساكر. ورواه ابن عدي في الكامل (١٥٢/١)
عن علي وعن ابن عمر .
ودلام المصنف حول الحديث مأخوذ من ((ارشاد الساري)) (٤/١)
للحافظ القسطلاني وقال الحافظ ابن الوزير في ((العواصم والقواصم))
(٢٨٨/١): وهو حديث مشهور صححه ابن عبد البر، وروى عن احمد
بن حنبل انه قال: هو حديث صحيح، وقال في (٢٩٢/١): وقد رويت له
شواهد كثيرة .. وضعفها لا يضر، لان القصد التقوي بها ، لا الاعتماد
عليها مع ان الضعف يعتبر به اذا لم يكن ضعيفا بمرة أو باطلا أو مردودا ،
أو نحو ذلك ، فهذه الوجوه مع تصحيح احمد وابن عبد البر ، وترجيح
العقيلي لاسناده مع امانتهم واطلاعهم يقتضي بصحته أو حسنه - أن شاء
الله تعالى .
وللعلامة المرتضى الزبيدي رسالة اسمها ((الروض المؤتلف في
تخريج حديث يحمل هذا العلم من كل خلف)) كما ذكر الكتاني في ((فهرس
الفهارس)) (٥٣٩/١)، وانظر شرح المصنف للحديث في ((الدين الخالص))
(٢٦١/٣ و٥٤٥ ) .
(١) هو الإمام العلامة صلاح الدين أبو سعيد خليل بن كيكلدى الشافعي
توفي رحمه الله سنة (٧٦١ هـ) ترجمته في ((الدرر الكامنة (١٧٩/٢)،
ذيل التذكرة ٤٣، ٣٦٠ طبقات السبكي ١٠٤/٦، وانظر ((بغية
الملتمس)) ص ٣٤ له .
(٢) (تهذيب الأسماء واللغات)) ( ١٧/١٠).
(٣) زيادة ليست فى ((التهذيب)).
٧١

له في كل عصر خَلَفاً من العدول يحملونه وينفون عنه التحريف [ وما
بعده ] (١) فلا يضيع . وهذا تصريح بعدالة حامليه في كل عصر ، وهكذا
وقع ولله الحمد، وهذا من أعلام النبوة ولا يضرّ كَوْن بعض الفساق يعرف
شيئاً من ( علم الحديث ) (٢) فإن الحديث إنما هو إخبار بأن العدول يحملونه
لا ان غيرهم لا يعرف منه شيئاً ، انتهى . على أنه قد يقال : ما يعرفه
الفساق من العلم ليس بعلم حقيقة لعدم عملهم كما أشار إليه المولى سعد
الدين التفتازاني (٣) في تقرير قول (التلخيص)): وقد ينزل العالم منزلة الجاهل،
وصرح به الإمام الشافعي في قوله :
ولا العلم إلاّ مع التُفى ولا العقل إلاّ مع الأدب
ولعمري إن هذا الشأن من أقوى أركان الدين وأوثق عرى اليقين
لا يرغب في نشره إلاّ صادق تقي ولا يزهده إلاّ منافق شقي.
قال ابن القطان (٤): ليس في الدنيا مبتدعٌ إلاّ وهو يبغض أهل
الحديث (٥) .
(١) سقطت من الاصل .
(٢) كذا الأصل، وفي ((التهذيب)): العلم .
(٣) هو مسعود بن عمرو بن عبدالله التفتازاني، توفي في سمر قند سنة
(٧٩٣) ترجمته في ((الدرر الكامنة)) (٣٥٠/٤) و ((بغية الوعاة))
(٣٩١) و ((البدر الطالع)) ٣٠٣/٢: ٣٠٥ و((الشذرات)) (٣١٩/٦
- ٣٢٢ ) وغيرها .
(٤) هو أحمد بن سنان بن أسد بن حبان ، أبو جعفر الواسطي ، من
الحفاظ ، توفي سنة ( ٢٥٩ هـ) ترجمته في ((الجرح والتعديل))
(٥٣/٢) ((الوافي بالوفيات)» (٤٠٧/٦) و((البداية والنهاية)) (١١/
٣١ ) الشذرات (١٣٧/٢).
(٥) في ((شرف أصحاب الحديث)) (ص ٧٣) وانظر ((تذكرة الحفاظ))
(٥٢١/٢) و((طبقات الشافعية)) للسبكي ٦/٢ و((سير أعلام
النبلاء)) ٢٤٥/١٢ .

وقال الحاكم (١) : لولا كثرة طائفة المحدثين على حفظ الأسانيد
لدرس منار الإسلام ولتمكن أهل الإلحاد والمبتدعة من وضع الأحاديث
وقلب الأسانيد (٢) .
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال: (( العلم ثلاثة : آية محكمة أو فريضة عادلة أو سنّة قائمة، وما سوى
ذلك فهو فضل)) (٣) . رواه أبو داود وابن ماجة.
واللّه دَرّ أبي بكر حُمَيْد القرطبي (٤) فلقد أحسن في المقال حيث قال :
وأخذ الركاب له نحو الرضى الندس (٥)
نور الحديث مبين فادن واقتبسٍ
أعلامه برباها يا ابنَ أندلسٍ
واطلبه بالصين فهو (٦) العلم إن رفعت
عمراً يفوتُك بين اللحظ والنفس
فلا تضع في سوى تقييدٍ شارده
شغل اللبيب بها ضربٌ من الهوس
وخلّ سمعلك عن سلوى أخي جدل
ولا أتت عن أبي هِرّ ولا أنس
ما إن سمت بأبي بكر ولا عمر
(١) هو الحافظ أبو عبدالله محمد بن عبدالله بن محمد بن حمدويه. يعرف
بابن البيع، صاحب ((المستدرك)) وغيره، توفي سنة ( ٤٠٥ هـ )
ترجمته في ((تاريخ بغداد)) ٤٧٣/٥، تذكرة الحفاظ)) ١٠٣٩/٣،
((طبقات السبكي)) ١٥٥/٤، المنتظم ٢٧٤/٧. وغيرها .
(٢) ((معرفة علوم الحديث)) ( ص ٦) وفيه تصرف.
(٣) سبق تخريجه .
(٤) الابيات في ((مقدمة ارشاد الساري)) (٥/١ ، ٦).
(٥) هو الذي يخالط الناس دون أن يثقل عليهم.
(٦) لعله يشير الى الخبر المروي: ((اطلبوا العلم ولو بالصين)) وهو خبر
باطل لا أصل له، وانظر ((المقاصد الحسنة)) (١٢٥) و((الموضوعات))
(٢١٥/١) و((اللآلي المصنوعة)) (١٩٣/١).
وانظر تعليقي على ((طرق حديث طلب العلم فريضة .. )) للسيوطي .
٧٣٠

ليست برطب إذا عُدّت ولا يبس
إلاّ هوى وخصومات ملفقة
فلا يغرّك من أربابها حذر
أعرهم أذناً صَمّا إذا نطقوا
ما العلم إلاّ كتاب اللّه أو أثر
نور لملتمس خير المقتبس
فاعكف بيابهما على طلابهما
وَرِدْ بقلبك عذباً من حياضهما
واقفُ النبيَّ وأتباعَ النبيّ وكن
والزم مجالسهم واحفظ مجالسهم
واسلك طريقهم واتبع فريقهم
أجدى وجدك منها نغمة الجرس
وكن إذا سألوا تعزى إلى خرس
يجلو بنور هداه كل ملتبس
حمى لمحترس نعم لمبنفس
تمحو العمى بهما عن كل ملتمس
تغسل بماء الهدى ما فيه من دنس
من هديهم أبداً تدنو إلى قبس
واندب مدارسهم بالأربع الدرس
نكن رفيقهم في حضرة القدس
فحط رحلك قد عوفيت من تعس
تلك السعادة إن تلمم بساحتها
ومن شرف أهل الحديث ما رويناه من حديث عبد الله بن مسعود
رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن أولى الناس
بي يوم القيامة أكثرهم علي صلاة)). قال الترمذي: حسن غريب (١).
وفي سنده موسى بن يعقوب الزمعي . قال الدارقطني : إنه تفرد به .
وقال ابن حبان في ((صحيحه)) (٢): في هذا الحديث بيانٌ صحيح على أن
أولى الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم في القيامة أصحاب الحديث
إذ ليس من هذه الأمة قوم أكثر صلاة عليه منها .
(١) أخرجه الترمذي (٤٨٤) وابن حبان (٢٣٨٩) والبخاري في ((التاريخ
الكبير)) (١٧٧/٥) والبغوي (١٩٧/٣) والخطيب في ((شرف اصحاب
الحديث)) ٣٥ وفي اسناده أيضا عبدالله بن كيسان، وهو الزهري مولى
طلحة بن عبدالله بن عوف ، لم يوثقه غير ابن حبان ، وقال ابن القطان :
لا يعرف حاله .
(٢) ((الاحسان بترتيب صحيح ابن حبان)) ١٣٣/٢ لابن بلبان.
٧٤

وقال غيره : المخصوص بهذا الحديث نقلة الأخبار الذين يكتبون
الأحاديث ويذبون عنه الكذب آناء الليل أطراف النهار .
وقال الخطيب في كتابه (( شرف أصحاب الحديث)) (١): قال إنا
أبو نُعيم : هذه منقبة شريفة يختص بها رواة الآثار ونقلتها لأنه لا يعرف
لعصابة من العلماء من الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر مما
يعرف لهذه العصابة نسخاً وذكراً .
وقال أبو اليمن ابن عساكر (٢): ليهن أهل الحديث، كثّرهم الله
تعالى هذه البشرى ، فقد أتم الله تعالى نِعَمِهُ عليهم بهذه الفضيلة الكبرى
فإنهم أولى الناس بنبيهم صلى الله عليه وسلم وأقربهم إن شاء الله تعالى وسيلة
يوم القيامة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنهم يخلدون ذكره في
طروسهم (٣) ويجددون الصلاة والتسليم عليه في معظم الأوقات في مجالس
مذاكرتهم ودروسهم ، فهم إن شاء اللّه تعالى الفرقة الناجية، جعلنا الله
تعالى منهم وحشرنا في زمرتهم آمين . انتهى المقصود منه ملخصاً .
قلت : ورُوِّينا في كتاب (٤) الحاكم أبي عبد اللّه عن مطر الوراق(٥) في
قوله تعالى: ( أو أثارَةٍ مِنَ عِلْمٍ) [الأحقاف: ٤] قال: إسناد
(١) انظر ص ٣٥ منه، ولم يخل ((الاصل)) من تحريفات ، وقوله: ليهن
معناه : ليهنؤوا .
(٢) هو عبد الصمد بن عبد الوهاب بن الحسن بن عساكر المتوفى سنة
(٦٨٧ هـ) ترجمته في ((فوات الوفيات)) (٣٢٨/٢) و((لحظ
الالحاظ)) (٨١) و((الشذرات)) (٣٩٥/٥).
(٣) أي في صحائفهم .
(٤) انظر ((شرح المواهب اللدنية)) (٤٥٣/٥) و((الاجوبة الفاضلة)) ٢٢
(٥) وهو أبو رجاء بن طهمان الخراساني، المتوفى سنة ( ١٢٩) هـ ترجمته
في ((الحلية)) (٧٥/٣) و((التهذيب)) (١٦٧/١٠) و((سير أعلام
النبلاء)) (٤٥٢/٥، ٤٥٣).
٧٥

الحديث، أي، الأثارة هي الإسناد. وعن مالك بن أنس في قوله تعالى :
(وإنّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْكَ) [الزخرف - ٤٤] قال: قول الرجل:
حدثني أبي عن جدي (١) .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( لا يزال الناس من أمتي منصورين
لا يضرهم من خالفهم حتى تقوم الساعة)). رواه ابن ماجة (٢). سُئل
الإمام أحمد عن هذا الحديث : ما معناه ؟ قال : هم أهل الحديث ، ولو لم
يكن المحدثون تلك الطائفة المنصورة ، فلا أعلم من هي (٢).
وقال صلى الله عليه وسلم: (( إنه سيأتي من بعدي قومٌ يسألونكم الحديث
عني ، فإذا جاؤوكم فالطفوا لهم وحدثوهم )) (٤).
وقال صلى اللّه عليه وسلم: ((سارعوا في طلب العلم، فلحديثٌ عن
صادق خير من الأرض وما عليها من ذهب وفضة)) (٥) وقال : ((إن من
أفضل الفائدة حديثاً يسمعه الرجل فيحدث به أخاه )) (٦) .
(١) وانظر (شرف أصحاب الحديث)) ( ص ٣٩).
(٢) برقم (٦) ورواه ابن حبان (١٨٥١ - موارد) وأسناده صحيح، وفي
الباب عن غير واحد من الصحابة، وانظر ((فيض القدير)) (٣٩٥/٦،
٣٩٦ ) .
(٣) ((شرف أصحاب الحديث)) (٢٧) و((معرفة علوم الحديث)) (٢) وانظر
((الفتح)) ( ٢٩٣/١٣) .
(٤) روى ابن ماجة في سننه (٢٤٨) عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه
وسلم قال: (( أنه سيأتيكم أقوام يطلبون العلم ، فرحبوا بهم وحيوهم.
وعلموهم)) وهو حديث موضوع، وانظر كلام الحافظ البوصيري في
((مصباح الزجاجة)) ق ٢/١٩ عنه .
(٥) أورده السيوطي في ((الجامع الصغير)) (٤٦١٦) وعزاه للرافعي في
((تاريخ قزوين)) وضعفه، وانظر ((الفيض)) (٨٠/٤).
(٦) انظر الترغيب رقم (٢١)، و((تخريج الاحياء)) (١٠/١).
٧٦

وقال سفيان الثوري : الإسناد سلاح المؤمن فإذا لم يكن معه السلاح
فبأي شيء يقاتل (١) .
وقال الشافعي : مثل الذي يطلب الحديث بلا إسناد كمثل حاطب
ليل يحمل حزمة الحطب فيها أفعى تلدغه وهو لا يدري . وقال ابن المبارك :
الإسناد من الدين ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء (٢) . وقال داود ين
علي (٣) : من لم يعرف حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يميز بين
صحيحه وسقيمه فليس بعالم . وقال ابن زريع (٤) : لكل دين فرسان
وفرسان هذا الدين أصحاب الأسانيد ، وقال ابن أبي رزمة (٥): سمعت
عبد الله يقول : بيننا وبين القوم القوائم - يعني الإسناد - . رواه مسلم(٦).
(١) رواه ابن حبان في (المجروحين)) (٢٧/١) والخطيب في ((شرف اصحاب
الحديث)) ( ٤٢) .
(٢) انظر التعليق رقم ٢ ص ٦٤ .
(٣) هو داود بن علي بن خلف الأصبهاني الظاهري، المتوفى سنة (٢٧٠ هـ)
ترجمته في ((تاريخ بغداد)) (٣٦٩/٨) و ((المنتطم)) (٧٥/٥)
و ((السير)) (٩٧/١٣) و((الشذرات)) (١٥٨/٢).
(٤) تحرف في الاصل الى ذريع بالذال المعجمة، وهو خطأ، وصوابه
زريع، بالزاي ، واسمه : يزيد بن زريع العيشي، المتوفى سنة (١٨٢ هـ)
ترجمته في ((طبقات ابن سعد)) (٤٤/٢/٧) و((التذكرة)) (٢٥٦/١)
و ((الخلاصة)) (٣٧١). وانظر الخبر في ((شرف أصحاب الحديث))
( ٤٤ ) .
(٥) تحرف في الاصل الى : ابن زرمة، وهو خطأ، اسمه: محمد بن عبد
العزيز بن رزمة توفي سنة (٢٤١) ترجمه الحافظ في ((التهذيب)) (٩٠)
٣١٢ - ٣١٢) والخزرجي في ((الخلاصة)) (٣٤٩).
(٦) في مقدمة ((صحيحه)) (٥) فكان ينبغي للمصنف رحمه الله تقييد العزو
إليه ، فقد فرق العلماء بين ما يرويه الامام مسلم في ((صحيحه)) وبين
ما يرويه في مقدمة ((صحيحه)) يقول الإمام ابن القيم رحمة الله عليه
في كتاب ((الفروسية)) (ص ٤٤): ((مقدمة كتاب مسلم لم يشترط
فيها ما شرطه في الكتاب من الصحة ، فلها شأن ، ولسائر كتابه شأن
آخر، ولا يشك أهل الحديث في ذلك أ. هـ . ))

وقال أحمد بن (١) سنان: ليس في الدنيا مبتدع إلاّ وهو يبغض أهل
الحديث ومن ابتدع نزعت من قلبه حلاوة الحديث .
قلت : بل حلاوة الإيمان .
وقال أبو نصر بن سلام الفقيه (٢): لا شيء أثقل على أهل الإلحاد
ولا أبغض إليهم من سماع الحديث (٣). وقال الحاكم: من نسب إلى
نوع من الإلحاد والبدع لا ينظر إلى الطائفة المنصورة إلاّ بعين الحقارة (٤).
وناظر رجل الشيخ أبا بكر أحمد بن إسحاق الفقيه فقال الشيخ : حدثنا
فلان ، قال الرجل : ( دعنا من حدثنا ) إلى متى حدثنا ؟ فقال الشيخ :
قم يا كافر فلا يحل لك أن تدخل داري بعد هذا ، ثم التفت إلى أصحابه
وقال : ما قلت لأحد لا تدخل داري إلاّ لهذا (٥).
وذكر صدر الشريعة (٦) في ((تعديل العلوم)) (٧) أن مشايخ الحديث
مشهورون بطول الأعمار .
وذكر السبكي (٨) في طبقات الشافعية أن أبا سهل قال : سمعت ابن
(١) تحرف في الاصل الى احمد بن سينا، والصواب ما أثبتنا، وقد مرت
ترجمته برقم ٤ ص ٧٢ وانظر ايضا التعليق رقم ٥ ص ٧٢ .
(٢) توفي سنة ٣٠٥ هـ رحمه الله تعالى .
(٣) ((شرف أصحاب الحديث)) ( ٧٤ ).
(٤) انظر قوله بتمامه في ((معرفة علوم الحديث)) (٤) للحاكم النيسابوري.
(٥) المصدر السابق ، وما بين معقوفين منه .
(٦) وهو عبيد الله بن سعود، المتوفى سنة، قال اللكنوي : مات سنة نيف
وثمانين وست مئة، ترجمته في ((الفوائد البهية» (١٠٩ - ١١٢ )
و ((الاعلام)) (١٩٧/٤ - ١٩٨).
(٧) ولا يزال مخطوطا، وانظر الكلام عنه وعن موضوعه في ((مفتاح
السعادة)) (١٨٢/٢) .
(٨) وهو أبو نصر عبد الوهاب بن تقي الدين السبكي، المتوفى سنة (٧٧١)
وقيل غير ذلك ترجمته في ((الدرر الكامنة )) (٤٢٥/٢) و((حسن
المحاضرة)) (١٨٢/١) .
٧٨

الصلاح قال : سمعت مشايخنا يقولون : دليل طول عمر الرجل اشتغاله
بأحاديث الرسول (١) صلى الله عليه وسلم.
ويصدّقُهُ التجربة فإن أهل الحديث إذا تتبعت أعمارهم تجدها في
غاية الطول ، انتهى .
قلتُ : وذلك كما يقال : إن من أخذ نفسه بتعلم الحساب أول مرة
يغلب عليه الصدق ، لما في الحساب من صحة المباني ومناقشة النفس ، فيصير
له ذلك خُلُقاً ويتعود الصدق ويلازمه .ذهباً .
وقال المولى وليَ اللَّه المحدث الدَّهْدَويّ (٢) في («فيوض الحرمين»:
رأيت التشفع إليه صلى الله عليه وسلم بعلماء الحديث والدخول في عدادهم
٦
(١) كيف يقول أبو سهل: سمعت ابن الصلاح، وقد توفي هو سنة
٤٨٣ هـ وولد الآخر سنة ٥٧٧ هـ ؟؟ وأبو سهل اسمه أحمد بن علي
ترجمه العبادي في ((طبقاته)) (١١٠) وابن هداية الله في ((طبقاته))
ايضا ١٥٨،١٥٧ أما ابن الصلاح فهو عثمان بن عبد الرحمن الشهرذوي
توفي سنة ( ٦٤٣ هـ) ترجمته في ((وفيات الاعيان)) (٢٤٣/٣)
و ((طبقات السبكي / (١٢٧/٥ - ط ١) و((التذكرة)) (١٤٣٠).
قلت : فالذي وقع به المصنف رحمه الله تحريف عجيب، والجادة ما
أورده السبكي في ((طبقاته)) ٤٤/٤- محققة قال: وذكر ابن الصلاح
في ترجمة الاودني: أن أبا سهل قال : سمعته ( يعني الاودني ) يقول:
سمعت شيوخنا رحمهم الله تعالى يقولون: دليل طول عمر الرجل
اشتغاله بأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتنبه لهذا جيدا
(٢) هو الشيخ أحمد بن عبد الرحيم الفاروفي الدهلوي ، توفي سنة (١١٧٦)
ترجمه المصنف في ((أبجد العلوم)) ٢٤١/٣ - ٢٤٤). والبغدادي في
((إيضاح المكنون)) (٦٥/١، ١٦١) والزركلي في ((الاعلام)) (١٤٩/١)،
قلت : وقد أرسل الي فضيلة الشيخ المحدث عطاء الله حنيف الفوجياني
ثبتا من أثبات الامام الدهلوي رحمه الله واسمه (( اتحاف النبيه في ما
يحتاج اليه المحدث والفقيه )) مقرونا باجازة خطية منه .
٧٩

وبعلم الحديث وحفظه على الناس عروة وثقى وحبلاً ممدوداً لا ينقطع (١)
فعليك أن تكون محدثاً أو متطفلاً على محدث ولا خير فيما سوى ذينك
فيما أرى والله أعلم . وقال في التفهيمات(٢): رأيت العلماء المحدثين
العاملين بعلمهم المهذبين للطائفهم البارزة أحب عنده صلى الله عليه وسلم
من كثير من الصوفية الذين يفضلونهم بتهذيب لطائفهم الكامنة ولا يفضلونهم
في تهذيب لطائفهم البارزة ، انتهى .
ومن قول أبي بكر بن أبي داود السجستاني (٣) رحمه الله في التحريض
على علم الحديث :
تمسك بحبل الله واتبع الهدى ولا تك بدعياً لعلّك تفلح
أتت عن رسول الله تنجو وتربح
وأُدْ بكتاب الله والسنن التي
فقول رسول الله أزكى وأشرح
ودع عنك آراء الرجال وقولهم
فتطعن في أهل الحديث وتقدح
ولا تكُ في قوم تلهوا بدينهم
فأنت على خير تبيت وتصبح (٤)
إذا ما اعتقدت الدهر با صاح هذه
(١) يريد بذلك التقرب إلى الله سبحانه وتعالى بمحبة أهل الحديث
وبخدمة حديث النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، فانه من أعظم
القربات الى رب العالمين جل شأنه وتبارك اسمه .
(٢) وهو كتاب قد جنح فيه مؤلفه رحمه الله الى تخريفات المتصوفة
وشعوذاتهم من ذكر الجذب والفناء والحضور والذوق وغير ذلك
من اصطلاحات القوم ، وهو يختلف اختلافا كليا عن منهجه رحمه الله
في كتابيه ((حجة الله البالغة)) و((الانصاف في أسباب الاختلاف))
وثلاثتها مطبوعة .
(٣) هو عبدالله بن سليمان بن الاشعث، المتوفى سنة ٣١٦ هـ ترجمته في
(أخبار أصبهان)) (٦٦/٢ - ٦٧) و((المنتظم)) (٢١٨/٦) ((التذكرة)»
(٧٦٧/٢ - ٧٧٣). و((الشذرات)) (٢٧٣/٢).
(٤) الابيات وردت ضمن ترجمته في ((طبقات الحنابلة)) (٥٣/٢ - ٥٤ )
و ((سير أعلام النبلاء)) (٢٣٦/١٣) و((المنهج الاحمد)) (١٩/٢)
قلت : وكنت قد بدأت قديما بشرحها ، يسر الله اتمامها بمنه وكرمه .
٨٠