النص المفهرس

صفحات 381-400

٣٨١
الظاهر وتفصيل المجمل ( وهذا الموضع هو معظم ما يشكل من تراجم
هذا الكتاب ولهذا اشتهر عن جمع من الفضلاء : فقه البخارى
فى تراجمه ) وأكثر ما يفعل البخارى ذلك اذا لم يجد حديثا على شرطه
فى الباب ظاهر المعنى فى المقصد الذى ترجم به وقد يفعل ذلك لغرض
شحذ الأذهان فى اظهار مضمره ، وكثيرا ما يترجم بلفظ الاستفهام كقوله
باب هل يكون كذا أو من قال كذا وذلك حيث لا يتجه له القطع بأحد
الاحتمالين ، وكثيرا ما يترجم بأمر ظاهره قليل الجدوى ولكنه اذا حققه
المتأمل كان كثير النفع كقوله ( باب قول الرجل ما صلينا ) فانه أشار به
الى الرد على من كره ذلك وكقوله : ( باب قول الرجل فاتتنا الصلاة )
فانه أشار به الى الرد على من كره ذلك ، وكثيرا ما يترجم بلفظ يومىء
الى معنى حديث لم يصح على شرطه أو يأتى بلفظ الحديث الذى لم يصح
على شرطه صريحا فى الترجمة ويورد فى الباب ما يؤدى معناه تارة بأمر
ظاهر وتارة بأمر خفى ، ومن ذلك قوله باب الأمراء من قريش . فهذا
حديث ليس على شرط البخارى وأورد فيه : ( لا يزال وال من قريش )
ومنها قوله : ( باب اثنان فما فوقهما جماعة ) وربما اكتفى أحيانا بلفظ
الترجمة التى هى لفظ حديث لم يصح على شرطه وأورد معها أثرا أو آية
فكأنه يقول لم يصح فى الباب شىء على شرطى .
صحيح مسلم
هو كتاب صنفه الامام مسلم بن الحجاج النيسابورى فى الصحيح
من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة ويقع فى الدرجة الثانية
من الصحة بعد صحيح البخارى . احتوى على أربعة آلاف من الأحاديث
الصحاح من غير المكرر . وبالمكرر (٧٢٧٥) وقد سلك مسلم فى صحيحه

٣٨٢
طريقة حكيمة جعلته سهل التناول قريب المأخذ فهو يجمع الأحاديث
المتناسبة فى مكان واحد ويذكر طرق الأحاديث التى ارتضاها ويورد
أسانيده المتعددة وألفاظه المختلفة مع ايجاز فى العبارة وترتيب حسن
واحتياط بالغ . ذكر مسلم رحمه الله فى مقدمة جامعه الصحيح أنه يقسم
الأحاديث ثلاثة أقسام : الأول ما رواه الحفاظ المتقنون . والثانى ما رواه
المستورون المتوسطون فى الحفظ والاتقان . والثالث ما رواه الضعفاء
المتروكون وأنه اذا فرغ من القسم الأول أتبعه الثانى. وأما الثالث
فلا يعرج عليه (١) . وصحيح مسلم مرتب على أبواب الفقه غير أنه
لم يذكر تراجم الأبواب فيه لئلا يزداد بها حجم الكتاب .
وقد ترجم جماعة من الشراح أبوابه بتراجم بعضها جيد وبعضها
ليس بجيد وتولى الامام النووى الترجمة عنها بعبارات تليق بها فأجاد
كثيرا (٢) .
الباعث لمسلم على تأليف الجامع الصحيح أمران :
أحدهما : جمع طائفة من الأحاديث الصحيحة المتصلة الى رسول الله
صلى الله عليه وسلم المشتملة على أحكام الدين وسننه وغير ذلك على
وجه يقربها للباحثين فى الفقه الاسلامى وغيره وذلك لأن المصنفات فى
ذلك العصر كانت صعبة المأخذ ممزوجا فيها الصحيح بغيره وصحيح
البخارى وان كان قد رتبه على الأبواب الا أنه ما زال الكشف فيه من
الصعوبة بمكان لخفاء تراجمه ودقة وضعه على من ليسوا من أهل الفن .
الأمر الثانى : رأى مسلم رحمه الله ما كان من القصاص والزنادقة
(١) قيل أن المنية عاجلته قبل اخراج القسم الثانى وقيل أنه استوفى
القسمين الأول والثانى ورجحه النووى .
(٢) مقدمة النووى لشرح مسلم ص ٣٠ - ٣٣ بهامش القسطلانى .

٣٨٣
وجهلة المتصوفة فى خداع العامة واغرائهم بالمناكير وحشوهم لأذهان
الناس بالأساطير . فأراد أن يجذب العامة من الظلمة الى النور ويقدم
لهم كتابا فى الصحاح من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم تطمئن
قلوبهم اليها وبذلك يشتغلون عن هذه الطوائف المفسدة ، ونحن ننقل
لك جملة من كلام الامام نفسه تدل على غرضه ذلك قال رحمه الله فى
مقدمة صحيحه : ( الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين وصلى الله
على محمد خاتم النبيين وعلى جميع الأنبياء والمرسلين أما بعد فانك
يرحمك الله بتوفيق خالقك ذكرت أنك هممت بالفحص عن تعرف جملة
الأخبار المأثورة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فى سنن الدين وأحكامه
وما كان منها فى الثواب والعقاب والترغيب والترهيب وغير ذلك من
صنوف الأشياء بالأسانيد التى بها نقلت وتداولها أهل العلم فيما بينهم
فأردت - أرشدك الله - أن توقف على جملتها مؤلفة محصاة وسألتنى
أن ألخصها لك فى التأليف بلا تكرار يكثر - إلى أن قال: ألا ان ضبط
القليل من هذا الشأن واتقانه أيسر على المرء من معالجة الكثير منه
ولا سيما عند من لا تمييز عنده من العوام إلا بأن يوقفه على التمييز
غيره واذا كان الأمر فى هذا كما وصفنا فالقصد منه الى الصحيح القليل
أولى بهم من ازدياد السقيم وانما يرجى بعض المنفعة فى الاستكثار من
هذا الشأن وجمع المكررات منه لخاصة من الناس ممن رزق فيه بعض
التيقظ والمعرفة بأسبابه وعلله ، فأما عوام الناس الذين هم بخلاف معانى
الخاصة ، فلا معنى لهم فى طلب الكثير وقد عجزوا عن معرفة القليل ،
ثم قال : وبعد يرحمك الله فلولا الذى رأينا من سوء صنيع كثير ممن
نصب نفسه محدثا فيما يلزمهم من طرح الأحاديث الضعيفة والروايات
المنكرة وتركهم الاقتصار على الأخبار الصحيحة المشهورة مما نقله الثقات

٣٨٤
المعروفون بالصدق والأمانة ، بعد معرفتهم واقرارهم بألسنتهم أن كثيرا
مما يقذفون به الى الأغبياء من الناس هو مستنكر ومنقول عن قوم
غير مرضيين ممن ذم الرواية عنهم أئمة الحديث مثل مالك بن أنس رحمه
الله وشعبة بن الحجاج وسفيان بن عيينة ويحيى بن سعيد القطان
وعبد الرحمن بن مهدى وغيرهم من الأئمة لما سهل علينا الانتصاب
لما سألت من التمييز والتحصيل ولكن من أجل ما أعلمناك من نشر
القوم الأخبار المنكرة بالأسانيد الضعاف المجهولة وقذفهم بها الى العوام
الذين لا يعرفون عيوبها خف على قلوبنا أجابتك الى ما سألت ) اهـ .
من هذا ترى أن همة مسلم فى صحيحه كانت متوجهة الى تجريد
الأحاديث الصحاح من غير تعرض للاستنباط ليكون سائغا عند الخاصة
والعامة على السواء وليصرف العامة عن الاستماع الى المناكير التى
ببثها من نصبوا أنفسهم محدثين كالقصاص والمتصوفة . وقد تلقته الأمة هو
وصحيح البخارى بالقبول وأقبل عليهما العامة والخاصة وحصل بذلك
خير كثير والحمد لله .
شرط البخاري ومسلم فى صحيحهما :
اعلم أن البخارى ومسلما لم ينقل عن واحد منهما أنه قال شرطت
أن أخرج فى كنابى ما يكون على الشرط الفلانى وانما يعرف ذلك من
سبر كتابيهما . وللعلماء فى تحقيق شرطهما فى الصحيحين أقوال : -
الأول : قال الحاكم أبو عبد الله النيسابورى المتوفى سنة (٤٠٥) فى
كتابه المدخل الى معرفة كتاب الأكليل : ( الدرجة الأولى من الصحيح
اختيار البخارى ومسلم وهو أن يروى الحديث عن النبى صلى الله عليه
وسلم الصحابى المشهور وله راويان تقتان، ثم يرويه عنه التابعى المشهور

٣٨٥
بالرواية عن الصحابى وله راويان ثقتان ثم يرويه عنه من اتباع التابعين
حافظ متقن وله رواة ثقات من الطبقة الرابعة ثم يكون شيخ البخارى
أو مسلم حافظا مشهورا بالعدالة فى روايته ) اهـ .
قال أبو على الغسانى : ليس المراد أن يكون كل خبر روياه يجتمع فيه
راويان عن صحابيه ثم عن تابعيه فمن بعده فان ذلك يعز وجوده وانما
المراد أن هذا الصحابى وهذا التابعى قد روى عنه رجلان خرج بهما عن
حد الجهالة . اهـ . وقال ابن حجر فى مقدمته لشرح البخارى : ما ذكره
الحاكم وان كان منتقضا فى حق بعض الصحابة الذين أخرج لهم -
يعنى البخارى - الا أنه معتبر فى حق من بعدهم فليس فى الكتاب حديث
أصل من رواية من ليس له الا راو واحد فقط . اهـ .
القول الثانى : قال الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسى
المتوفى سنة (٥٠٧) فى شروط الأئمة الستة : شرط البخارى ومسلم أن
يخرجا الحديث المتفق على ثقة نقلته الى الصحابى المشهور من غير اختلاف
بين الثقات الأثبات ويكون اسناده متصلا غير مقطوع وان كان الصحابى
راويان فصاعدا فحسن وان لم يكن الا راو واحد وصح الطريق اليه
كفى . الا أن البخارى ترك أحاديث أقوام لشبهة وقعت فى نفسه أخرج
مسلم أحاديثهم لزوال الشبهة عنهم عنده . ومثال ذلك أن سهيل بن
أبى صالح تكلم بعضهم فى سماعه من أبيه فقيل صحيفة فترك البخارى
حديثه فى الأصول لا فى الشواهد ، واستغنى عنه بغيره من أصحاب أبيه
احتياطا ، ومسلم اعتمد عليه لما سبر أحاديثه فوجده يحدث عن عبد الله
ابن دينار عن أبيه ومرة عن الأعمش عن أبيه ومرة يحدث عن أخيه عن أبيه
بأحاديث فاتته من أبيه فصح عنده أنه سمع من أبيه اذ لو كان سماعه
صحيفة لكان يروى هذه الأحاديث مثل تلك الأخر . وكذلك حماد

٣٨٦
ابن سلمة امام كبير مدحه الأئمة وأطنبوا لكن تكلم فيه بعض منتحلى
المعرفة أن بعض الكذبة أدخل فى حديثه ما ليس منه لم يخرج عنه
البخارى فى صحيحه معتمدا عليه بل استشهد به فى مواضع ليبين أنه ثقة
وأخرج أحاديثه التى يرويها من حديث غيره من أقرانه كشعبة وحماد
ابن زيد وأبى عوانة وأبى الأحوص وغيرهم ، ومسلم اعتمد عليه لأنه
رأى جماعة من أصحابه القدماء والمتأخرين رووا عنه لم يختلفوا عليه
وشاهد مسلم منهم جماعة وأخذ عنهم ثم عدالة الرجل فى نفسه واجماع
أئمة النقل على ثقته وامامته، ومثل حماد بن سلمة وسهيل بن أبى صالح
فى ذلك داود بن أبى هند وأبو الزبير بن عبد الرحمن وغيرهما . فلما تكلم
فى هؤلاء بما لا يزيل العدالة والثقة ترك البخارى اخراج حديثهم فى
الأصول تحريا وأخرج مسلم أحاديثهم لزوال الشبهة . قال العراقى
وليس ما قال ابن طاهر بجيد لأن النسائى ضعف جماعة أخرج لهم
الشيخان أو أحدهما وأجيب بأنهما أخرجا من اجمع العلماء على ثقته
الى حين تصنيفهما ولا يقدح فى ذلك تضعيف النسائى بعد وجود
الكتابين . قال شيخ الاسلام ابن حجر الحافظ : تضعيف النسائى ان
كان باجتهاده أو نقله عن معاصر فالجواب ذلك وان نقله عن متقدم فلا .
قال : ويمكن أن يجاب بأن ما قاله ابن طاهر هو الأصل الذى بنيا عليه
أمرهما وقد يخرجان عنه لمرجح يقوم مقامه ( تدريب الراوى ص ٣٨) .
القول الثالث : ما قاله الحافظ أبو بكر محمد بن موسى الحازمى
المتوفى سنة (٥٨٤) قال فى كتابه شروط الأئمة الخمسة ما ملخصه : مذهب
من يخرج الصحيح أن يعتبر حال الراوى العدل فى مشايخه العدول
وفيمن روى عنهم من الثقات فبعضهم حديثه صحيح ثابت يلزم اخراجه
وبعضهم حديثه مدخول لا يصلح اخراجه الا فى الشواهد والمتابعات

٣٨٧
وهذا باب فيه غموض وطريقه معرفة طبقات الرواة عن راوى الأصل
ومراتب مداركهم ولنوضح ذلك بمثال : وهو أن تعلم أن أصحاب
الزهرى مثلا على خمس طبقات ولكل طبقة منها مزية على التى تليها :
فالطبقة الأولى : جماعة من الرواة العدول جمعوا بين الحفظ والاتقان
وبين طول الملازمة للزهرى حتى كان فيهم من يزامله فى السفر ويلازمه
فى الحضر وهذه هى الغاية فى الصحة وهؤلاء مثل مالك وابن عيينه
ويونس وعقيل الأيليين وشعيب بن أبى حمزة وغيرهم .
والطبقة الثانية : جماعة من الرواة العدول لم يلازموا الزهرى الا مدة
يسيرة فلم يمارسوا حديثه وكانوا فى الاتقان دون الطبقة الأولى مثل
الأوزاعى والليث بن سعد والنعمان بن راشد وعبد الرحمن بن خالد بن
مسافر وغيرهم .
والطبقة الثالثة : جماعة من الرواة لازموا الزهرى ملازمة طويلة
كرجال الطبقة الأولى غير أنهم لم يسلموا من غوائل الجرح فهم بين
القبول والرد مثل سفيان بن حسين الأسلمى وجعفر بن برقان وعبد الله
ابن عمر بن حفص العمرى وزمعة بن صالح المكى وغيرهم .
والطبقة الرابعة : قوم شاركوا أهل الطبقة الثالثة فى عدم السلامة
من غوائل الجرح غير أنهم لم يلازمو! الزهرى طويلا فلم يمارسوا حديثه
مثل اسحاق بن يحيى الكلبى ومعاوية بن يحيى الصدفى واسحاق بن
عبد الله بن أبى فروة المدنى. وابراهيم بن يزيد المكى والمثنى بن الصباح
وجماعة سواهم .
والطبقة الخامسة : تفر من الضعفاء والمجهولين لا يجوز لمن يخرج
الحديث على الأبواب أن يخرجوا حديثهم الا على سبيل الاعتبار

٣٨٨
والاستشهاد عند أبى داود والنسائى والترمذى فأما عند الشيخين
( البخارى ومسلم ) فلا وهؤلاء مثل بحر بن كنيز السقا والحكم بن
عبد الله الأيلى وعبد القدوس بن حبيب الدمشقى ومحمد بن سعيد
المصلوب وغيرهم .
قال : فأما الطبقة الأولى فهم شرط البخارى وقد يخرج من أحاديث
أهل الطبقة الثانية (١) ما يعتمده من غير استيعاب وأما مسلم فيخرج
أحاديث الطبقتين الأولى والثانية باستيعاب وينتقى من أحاديث أهل
الطبقة الثالثة وأما الرابعة والخامسة فلا يعرجان عليهما (٢) اهـ. كلام
الحازمى .
قال الحافظ بن حجر معقبا على كلامه : وهذا المثال الذى ذكره
الحازمى عن الزهرى انما يتأتى فى حق المكثرين فيقاس على أصحاب
الزهرى أصحاب نافع وأصحاب الأعمش وأصحاب قتادة وأمثالهم .
قال : فأما غير المكثرين فقد اعتمد الشيخان فى تخريج أحاديثهم على
الثقة والعدالة وقلة الخطأ ، لكن منهم من قوى الاعتماد عليه فأخرجا
ما تفرد به كيحيى بن سعيد الأنصارى ومنهم من لم يقو الاعتماد عليه
فأخرجا له ما شاركه فيه غيره وهو الأكثر. اهـ (مقدمة الفتح ١ - ٦).
(١) وقال ابن حجر فى مقدمة الفتح ( أكثر ما يخرج البخارى حديث
الطبقة الثانية تعليقا وربما أخرج اليسير من حديث الطبقة الثالثة تعليقاً
أيضا ) أهـ ص ٦ جـ ١ .
(٢) قال الحازمى : فاما ابو داود والنسائى فهما يخرجان من أحاديث
الطبقة الأولى والثانية والثالثة ولا يتجاوزانها الى الرابعة وما بعدها فى
الأصول بخلاف المتابعات والشواهد ، وأما الترمذى فيخرج لغير الطبقة
الخامسة فى الأصول والخامسة فى غيرها مع بيانه لحال كل حديث يخرجه
من الصحة أو الضعف .

٣٨٩
المقارنة بين الصحيحين :
التزم كل من البخارى ومسلم ألا يخرج فى كتابه غير الأحاديث
الصحيحة وكتاباهماوان اشتركا فى أصل الصحة لكن صحيح البخارى
أصح من صحيح مسلم ومقدم عليه ويدل على ذلك أمران .
الأول : شهادة أهل الفن وجهابذة الحديث فمن ذلك ما رواه الحافظ
ابن حجر عن أبى عبد الرحمن النسائى أنه قال: ( ما فى هذه الكتب كلها
أجود من كتاب محمد بن اسماعيل ) قال الحافظ : والنسائى لا يعنى
بالجودة الا جودة الأسانيد كما هو المتبادر الى الفهم من اصطلاح أهل
الحديث ومثل هذا من النسائى غاية فى الوصف مع شدة تحريه
وتوقيه وتثبته فى نقد الرجال وتقدمه فى ذلك على أهل عصره حتى قدمه
قوم من الحذاق فى معرفة ذلك على مسلم بن الحجاج وقدمه الدار قطنى
وغيره على امام الأئمة أبى بكر بن خزيمة صاحب الصحيح ، وقال
الاسماعيلى فى المدخل له : ( أما بعد فانى نظرت فى كتاب الجامع الذى
ألفه أبو عبد الله البخارى فرأيته جامعا كما سمى لكثير من السنن
الصحيحة ودالا على جمل من المعانى الحسنة المستنبطة التى لا يكمل
لمثلها إلا من جمع الى معرفة الحديث ونقلته والعلم بالروايات وعللها علما
بالفقه واللغة وتمكنا منها وتبحرا فيها وكان يرحمه الله الرجل الذى قصر
زمانه على ذلك فبرع وبلغ الغاية فحاز السبق وقد نحا نحوه فى التصنيف
جماعة منهم مسلم بن الحجاج وكان يقاربه فى العصر فرام مرامه وكان
يأخذ عنه أو عن كتبه إلا أنه لم يضايق نفسه مضايقة أبى عبد الله ، وروى
عن جماعة كثيرة لم يتعرض أبو عبد الله للرواية عنهم وكل قصد الخير
غير أن أحدا لم يبلغ فى التشدد مبلغ أبى عبد الله ولا تسبب إلى استنباط
المعانى واستخراج لطائف فقه الحديث وتراجم الأبواب الدالة على ما له

٣٩٠
صلة بالحديث المروى فيه تسببه ولله الفضل يختص به من يشاء ) وقال
الدارقطنى لما ذكر عنده الصحيحان : لولا البخارى لما ذهب مسلم ولا جاء
وقال مرة أخرى : ( وأى شىء صنع مسلم انما أخذ كتاب البخارى فعمل
عليه مستخرجا وزاد فيه زيادات ) ، ونقل كلام العلماء فى ذلك يطول
فنكتفى بهذا القدر على أنه يكفى لتقديم كتاب البخارى على كتاب
مسلم اجماع أهل الحديث على أن البخارى أعلم بهذا الفن من مسلم
وهو أستاذ مسلم فيه حتى شهد له مسلم بالتفرد بمعرفة ذلك فى عصره .
الأمر الثانى : ان مدار الحديث الصحيح على اتصال السند واتقان
الرجال والسلامة من الشذوذ والعلة . وهذه الأوصاف فى كتاب البخارى
أقوى منها فى كتاب مسلم فهو أشد اتصالا وأوثق رجالا وأبعد عن
الشذوذ والعلة ، وبيان ذلك :
أولا - فيما يرجع الى اتصال السند : ان الأسناد المعنعن الذى
يقال فيه ( فلان عن فلان ) اكتفى مسلم فيه بالمعاصرة أما البخارى
فلا يحمل ذلك على الاتصال حتى يثبت اجتماعهما ولو مرة . وقد أظهر
البخارى هذا المذهب فى تاريخه وجرى عليه فى صحيحه كما جرى مسلم
على مذهبه المذكور فى صحيحه وصرح به فى مقدمته وبالغ فى الرد على
من خالفه ، ولا شك أن مذهب البخارى فى المعنعن أدخل فى باب الاتصال
وأبعد عن شائبة الانقطاع بخلاف ما ذهب اليه مسلم .
ثانيا - فيما يرجع الى السلامة من الشذوذ والعلة : ان الأحاديث
التى انتقدت عليهما بلغت (٢١٠) ختص البحارى منها بثمانية وسبعين
واختص مسلم بمائة واشتركا فى الباقى وهو اثنان وثلاثون ولا شك أن
.ما قل الانتقاد فيه أرجح مما كثر فيه .

٣٩١
ثالثا - فيما يرجع الى اتقان الرواة : يتبين رجحان صحيح البخارى
على صحيح مسلم فى هذا الباب بعدة أمور : -
( أ) ان الذين انفرد البخارى بالاخراج لهم دون مسلم أربعمائة
وبضع وثلاثون رجلا المتكلم فيه بالضعف منهم (٨٠) رجلا . والذين
انفرد مسلم بالاخراج لهم دون البخارى (٦٢٠) رجلا. المتكلم فيه
بالضعف منهم (١٦٠) رجلا ، ولا شك أن التخريج عمن لم يتكلم فيه
أصلا أولى من التخريج عمن تكلم فيه وان لم يكن ذلك الكلام قادحا
(ب) إن الذين انفرد بهم البخارى ممن تكلم فيه لم يكثر من التخريج
عنهم وليس لواحد منهم نسخة كبيرة أخرجها كلها أو أكثرها الا ترجمة
عكرمة عن ابن عباس . بخلاف مسلم فأنه أخرج أكثر تلك النسخ
كأبى الزبير عن جابر وسهيل عن أبيه والعلاء بن عبد الرحمن عن أبيه
وحماد بن سلمة عن ثابت وغير ذلك .
(جـ) ان الذين انفرد بهم البخارى ممن تكلم فيه أكثرهم من شيوخه
الذين لقيهم وجالسهم وعرف أحوالهم واطلع على أحاديثهم وميز جيدها
من غيره . بخلاف مسلم فان من انفرد بتخريج حديثه ممن تكلم فيه أكثرهم
ممن تقدم عصره من التابعين ومن بعدهم . ولا شك أن المحدث أعرف
بحديث شيوخه دون غيرهم .
(د) ان البخارى يخرج أحاديث الطبقة الأولى وهى أعلى الطبقات
فى الحفظ والاتقان وطول الصحبة لمن أخذوا عنه استيعابا وينتقى من
أحاديث الطبقة الثانية التى هى دون الأولى فى الصفات المذكورة ومسلم
يخرج حديث الطبقة الثانية استيعابا وفى أصل موضوع كتابه فكان
البخارى أقوى اسنادا وأوثق رجالا .

٣٩٣
هذا وأما ما نقل عن أبى على النيسابورى أنه قال : ( ما تحت أديم
السماء كتاب أصح من كتاب مسلم بن الحجاج ) لا ينافى ما تقدم ، فقد
قال الحافظ بن حجر الذى يظهر لى من كلام أبى على أنه انما قدم صحيح
مسلم لمعنى غير ما يرجع إلى ما نحن بصدده من الشرائط المطلوبة فى
الصحة بل ذلك لأن مسلما صنف كتابه فى بلده بحضور أصوله فى
حياة كثير من مشايخه فكان يتحرز فى الألفاظ ويتحرى فى السياق
ولا يتصدى لما تصدى له البخارى من استنباط الأحكام ليبوب عليها
ولزم من ذلك تقطيعه للحديث فى أبوابه بل جمع مسلم الطرق كلها فى
مكان واحد واقتصر على الأحاديث دون الموقوفات فلم يعرج عليها ألا فى
بعض المواضع على سبيل الندرة تبعا لا مقصودا فلهذا قال أبو على
ما قال . قال وكذلك ما تقل عن بعض المغاربة أنه فضل صحيح مسلم
على صحيح البخارى فذلك فيما يرجع الى حسن السياق وجودة الوضع
والترتيب ولم يفصح أحد منهم بأن ذلك راجع الى الأصحية ولو أفصحوا
لرده عليهم شاهد الوجود. اهـ ( مقدمة الفتح جـ ١ ص ٨ وشرح
النخبة ص ١٠ ) .
الشيخان لم يستوعبا الصحيح فى الصحيحين :
قرر الحفاظ وأئمة الحديث أن البخارى ومسلما لم يستوعبا فى
صحيحهما الأحاديث الصحيحة ولا التزما ذلك فقد رووا عن البخارى
أنه قال : ( ما أدخلت فى كتاب الجامع الا ما صح وتركت من الصحاح
لملال الطول ) وأنه قال: ( احفظ مائة ألف حديث صحيح واحفظ مائتى
ألف حديث غير صحيح) وانه قال : ( كنت عند اسحاق بن راهويه فقال :
( لو جمعتهم كتابا مختصرا لصحيح سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم )
قال : ( فوقع ذلك فى قلبى فأخذت فى جمع الجامع الصحيح ) ورووا عن
مسلم أنه قال : ( ليس كل شىء عندى صحيح وضعته ههنا . انما وضعت

...
٣٩٣
ههنا ما أجمعوا عليه ) (١) ورووا عنه أيضا أنه لما عوتب على ما فعل
من جمع الأحاديث الصحاح فى كتاب وقيل له أن هذا يطرق لأهل البدع
علينا فيجدون السبيل لأن يقولوا اذا احتج عليهم بحديث : ليس هذا
فى الصحيح . قال : انما أخرجت هذا الكتاب وقلت هو صحاح ولم أقل
أن ما لم أخرجه من الحديث فى هذا الكتاب فهو ضعيف (٢) ومن ذلك
يتبين لنا : -
أولا - أنه لا وجه لالزام من ألزمهما اخراج أحاديث لم يخرجاها
مع كونها صحيحة على شرطيهما كالدارقطنى والبيهقى وابن حبان فقد
روى عن ابن حبان أنه قال : ( ينبغى أن يناقش البخارى ومسلم فى
تركهما اخراج أحاديث هى من شرطهما )، وذكر الدارقطنى وغيره ( ان
جماعة من الصحابة رضى الله عنهم رووا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
ورويت أحاديثهم من وجوه صحاح لا مطعن فى ناقليها ولم يخرجا من
أحاديثهم شيئا فيلزمهما على مذهبهما) وذكر البيهقى: ( أنهما اتفقا على
أحاديث من صحيفة همام بن منبه وان كل واحد منهما انفرد عن الآخر
بأحاديث منها على أن الأسناد واحد ) اهـ. وصنف الدارقطنى وأبو ذر
الهروى فى هذا النوع الذى ألزموهما به ، ولكن هذا كله ليس بلازم فى
الحقيقة - كما قلنا - فانهما لم يلتزما استيعاب الصحيح بل صح عنهما
تصريحهما بأنهما لم يستوعباه وإنما قصدا جمع جمل من الصحيح كما
يقصد المصنف فى الفقه الى جمع جملة من مسائله (٣).
(١) أراد أنه لم يضع فى كتابه الا الأحاديث التى وجد عنده فيها شرائط ..
الصحيح المجمع عليه وأن لم يظهر اجتماعها فى بعضها عند بعضهم . قاله.
ابن الصلاح فى مقدمته .
(٢) توجيه النظر ص ٠٩١
(٣) أنظر مقدمة النووى لشرحه على صحيح مسلم .

٣٩٤
ثانيا - لا يلزم من عدم تخريج الشيخين لراو من الرواة فى
الصحيحين سقوطه أو ضعفه فانهما كما لم يستوعبا الأحاديث الصحيحة
لم يستوعبا الرواة الذين توافرت فيهم صفات القبول والصحة وهم
خلائق كثير يبلغ عددهم نيفا وثلاثين ألفا لأن تاريخ البخارى يشتمل
على نحو من أربعين ألفا وزيادة وكتابه فى الضعفاء دون سبعمائة نفس
ومن خرجهم فى جامعه دون ألفين كما قال الحافظ الحازمى فى شروط
الأئمة الخمسة .
وقد ذكر الحاكم أبو عبد الله النيسابورى جماعة من الصحابة
والتابعين فمن بعدهم من الرواة ولم يخرج لهم فى الصحيح ولم يسقطوا
- فى كتابه معرفة علوم الحديث فى النوع الحادى والخمسين - منهم :
١ - فى الصحابة، أبو عبيدة بن الجراح أمين هذه الأمة ، وعتبة بن
غزوان ، وأبو كبشة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأبو حذيفة
ابن عتبة بن ربيعة ، والأرقم بن الأرقم ، وقدامة بن مظعون ؛ والسائب
ابن مظعون وشجاع بن وهب الأسدى ، وعباد بن بشر الأشهلى ،
وسلامة بن وتش . فى جماعة من الصحابة ، قال الحاكم : الا أنى ذكرت
هؤلاء رضى الله عنهم فانهم من المهاجرين الذين شهدوا بدرا وليس لهم
فى الصحيح رواية اذ لم يصح اليهم الطريق ولهم ذكر فى الصحيح فى
روايات غيرهم من الصحابة مثل قوله صلى الله عليه وسلم لكل أمة أمين
وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح وما يشبه هذا .
٢ - وفى التابعين : محمد بن أبى بن كعب ، والسائب بن خلاد بن
السائب ، ومحمد بن أسامه بن زيد ، ومصعب بن عبد الرحمن بن عوف ،
وسعيد بن سعد بن عبادة ، وعبيد الله بن رافع بن خديج ، فى طائفة من

٣٩٥
التابعين ، قال الحاكم : هؤلاء التابعون على علو محالهم فى التابعين ومحل.
آبائهم فى الصحابة ليس لهم فى الصحيح ذكر لفساد الطريق اليهم لا لجرح.
فيهم فقد نزههم الله عن ذلك .
٣ - ومن أتباع التابعين : عبد الرحمن بن أبى الزناد ، وعطاء بن
السائب الثقفى ، وأبو يعقوب العبدى ، وعبد الله بن شبرمة الضبى ؛
وأبو حنيفة النعمان بن ثابت ، وبشر بن سليمان النهدى ، والحسن بن
الحر وغيرهم.
وقال الأستاذ المحدث الشيخ محمد زاهد الكوثرى فى تعليقه على
شروط الأئمة الخمسة للحازمى : (( ومما يتجه اليه النظر أن الشيخين.
لم يخرجا فى الصحيحين شيئا من حديث الإمام أبى حنيفة مع أنهما أدر كا
صغار أصحاب أصحابه ، وأخذا عنهم ولم يخرجا أيضا من حديث الامام.
الشافعى مع أنهما لقيا بعض أصحابه ولا أخرج البخارى من حديث
أحمد الا حديثين أحدهما تعليقا والآخر نازلا بواسطة مع أنه أدركه
ولازمه ، ولا أخرج مسلم فى صحيحه عن البخارى شيئا مع أنه لازمه.
ونسج على منواله ، ولا عن أحمد الا قدر ثلاثين حديثا ، ولا أخرج
أحمد فى مسنده عن مالك عن نافع بطريق الشافعى - وهو أصح الطرق
أو من أصحها - الا أربعة أحاديث وما رواه عن الشافعى بغير هذا
الطريق لا يبلغ عشرين حديثا مع أنه جالس الشافعى وسمع موطأ مالك.
منه وعد من رواة مذهبه القديم .
قال الأستاذ : والظاهر من دينهم وأماتتهم ان ذلك من جهة أنهم.
كانوا يرون أن أحاديث هؤلاء فى مأمن من الضياع لكثرة أصحابهم
القائمين بروايتها شرقا وغربا وجل عناية أصحاب الدواوين بأناس من

٣٩٦
الرواةربما كانت تضيع أحاديثهم لولا عنايتهم بها لأنه لا يستغنى من
بعدهم عن دواوينهم فى أحاديث هؤلاء دون هؤلاء .
قال الأستاذ . ومن ظن أن ذلك لتحاميهم عن أحاديثهم ، أو لبعض
ما فى كتب الجرح من الكلام فى هؤلاء الأئمة كقول الثورى فى أبى حنيفة
وقول ابن معين فى الشافعى وقول الكرابيسى فى أحمد وقول الذهلى
فى البخارى ونحوها فقد حملهم شططا)) اهـ .
والذى يظهر لنا من كلام الحاكم وغيره أن الشيخين أو أحدهما قد
يترك الامام الثقة لأسباب منها : - ١ - أن يقع الضعف فى الاسناد
الذى بينه وبين صاحب الصحيح فلا يروى الحديث من طريقه
- ٢ - قد يكون الامام الذى ترك حديثه له أصحاب أجلاء يحملون
عنه علمه وحديثه فلا يخاف على مروياته من الضياع فيستغنى صاحب
الصحيح بذلك عن الرواية عنه ٠ - ٣ - طلب علو الاسناد فقد يكون
الحديث من طريق ذلك الامام نازلا ومن طريق غيره من الثقات عاليا
فيختار صاحب الصحيح الاسناد العالى لما فيه من القرب الى رسول الله
صلى الله عليه وسلم .
اختلاف العلماء فى أن أحاديث الصحيحين ثابتة بالعلم أو الظن :
قال الحافظ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله : جميع ما حكم مسلم
بصحته فى كتابه فهو مقطوع بصحته والعلم النظرى حاصل بصحته فى
نفس الأمر وهكذا ما حكم البخارى بصحته فى كتابه وذلك لأن الأمة
تلقت الكتابين بالقبول سوى من لا يعتد بخلافه ووفاقه فى الاجماع
ويستثنى من ذلك أحاديث يسيرة تكلم عليها بعض أهل النقد من الحفاظ
كالدار قطنى وغيره وهى معروفة عند المحدثين ، قال : والذى نختاره أن
تلقى الأمة للخبر القاصر عن درجة التواتر بالقبول يوجب العلم النظرى

٣٩٧
بصدقه خلافا لبعض محققى الأصوليين حيث نفى ذلك بناء على أنه
لا يفيد فى حق كل منهم الا الظن وإنما قبله لأنه يجب عليه العمل بالظن
والظن قد يخطىء. قال : وهذا مندفع لأن ظن من هو معصوم من الخطأ
لا يخطىء والأمة فى أجماعها معصومة من الخطأ .
وقد مال النووى الى أن أحاديث الصحيحين التى لم تتواتر ثابتة
بالظن لا بالعلم وتعقب ابن الصلاح فى شرحه لمسلم فقال : وهذا الذى
ذكره الشيخ خلاف ما قاله المحققون والأكثرون فانهم قالوا أحاديث
الصحيحين التى ليست بمتواترة انما تفيد الظن فانها آحاد والآحاد انما
تفيد الظن على ما تقرر ولا فرق بين البخارى ومسلم وغيرهما فى ذلك
وتلقى الأمة بالقبول انما أفادنا وجوب العمل بما فيهما وهذا متفق عليه
فان أخبار الآحاد التى فى غيرهما يجب العمل بها اذا صحت أسانيدها
ولا تفيد الا الظن . فكذا الصحيحان وانما يفترق الصحيحان وغيرهما
من الكتب فى كون ما فيهما صحيحا لا يحتاج الى النظر فيه بل يجب
العمل به مطلقا وما كان فى غيرهما لا يعمل به حتى ينظر وتوجد فيه
شروط الصحيح ولا يلزم من اجماع الأمة على العمل بما فيهما اجماعهم
على أنه مقطوع بأنه كلام النبى صلى الله عليه وسلم . اهـ .
وقد انحاز الى كل طائفة من العلماء ففريق يرجح كلام ابن الصلاح
فى انها ثابتة عنه صلى الله عليه وسلم بطريق العلم النظرى وفريق آخر
يرجح كلام النووى فى انها ثابتة بطريق الظن .
قال شيخ الاسلام الحافظ ابن حجر : ما ذكره النووى مسلم من
جهة الأكثرين أما المحققون فلا فقد وافق ابن الصلاح أيضا محققون ،
وقال فى شرح النخبة : الخبر المحتف بالقرائن يفيد العلم خلافا لمن أبى
ذلك قال وهو أنواع منها ما أخرجه الشيخان فى صحيحيهما مما لم يبلغ

٣٩٨
حد التواتر فانه احتفت به قرائن منها جلالتهما فى هذا الشأن وتقدمهما فى
تمييز الصحيح على غيرهما وتلقى العلماء لكتابيهما بالقبول وهذا التلقى
وحده أقوى فى افادة العلم من مجرد كثرة الطرق القاصرة عن التواتر
الا أن هذا مختص بما لم ينتقده أحد من الحفاظ مما فى الكتابين وبما لم
يقع التجاذب بين مدلوليه مما وقع فى الكتابين حيث لا ترجيح لاستحالة
أن يفيد المتناقضان العلم بصدقهما من غير ترجيح لأحدهما على الآخر
وما عدا ذلك فالاجماع حاصل على تسليم صحته . قال : وما قيل من
أنهم انما اتفقوا على وجوب العمل به لا على صحته ممنوع لأنهم اتفقوا
على وجوب العمل بكل ما صح ولو لم يخرجاه فلم يبق للصحيحين فى
هذا مزية والاجماع حاصل على أن لهما مزية فيما يرجع الى نفس الصحة
قال : وممن صرح بافادة ما خرجه الشيخان العلم النظرى الأستاذ
أبو اسحاق الاسفرائينى ومن أئمة الحديث أبو عبد الله الحميدى
وأبو الفضل بن طاهر وغيرهما . ويحتمل أن يقال المزية المذكورة كون
أحاديثهما أصح الصحيح، ثم قال : والعلم بصدق الخبر المحتف بالقرائن
انما يحصل للعالم بالحديث المتبحر فيه العارف بأحوال الرواة المطلع
على العلل وكون غيره لا يحصل له العلم بصدق ذلك لقصوره عن
الأوصاف المذكورة لا ينفى حصول العلم للمتبحر المذكور . اهـ وقال
ابن كثير فى الباعث الحثيث (١) وأنا مع ابن الصلاح فيما عول عليه وآرشد
اليه ثم وقفت بعد هذا على كلام لشيخنا العلامة ابن تيميه مضمونه :
انه نقل القطع بالحديث الذى تلقته الأمة بالقبول عن جماعات من
الأئمة منهم : القاضى عبد الوهاب المالكى والشيخ أبو حامد الاسفرائينى
والقاضى أبو الطيب الطبرى ، والشيخ أبو اسحاق الشيرازى من الشافعية
وأبو حامد وأبو يعلى بن الفراء وأبو الخطاب وابن الزاغونى وأمثالهم
(١) ص ٢٣ .

٣٩٩
من الحنابلة ، وشمس الأئمة السرخسى من الحنفية قال : وهو قول أكثر
أهل الكلام من الأشعرية وغيرهم . كأبى اسحاق الاسفرائينى ، وابن
فورك. قال : وهو مذهب أهل الحديث قاطبة، ومذهب السلف عامة اهـ.
قال السيوطى فى تدريبه وهو الذى اختاره ولا أعتقد سواه . اهـ .
((انتقاد بعض الحفاظ على الشيخين والجواب عنه)) :
انتقد جماعة من الحفاظ على البخارى ومسلم أحاديث أخلافيها
بشرطيهما ونزلت عن درجة ما التزماه ، منهم الدارقطنى ، وأبو مسعود
الدمشقى، وأبو على الغسانى، وألفوا فى ذلك. قال الحافظ ابن حجر :
وليست عللها كلها قادحة بل أكثرها الجواب عنه ظاهر والقدح فيه مندفع
وبعضها الجواب عنه محتمل واليسير منه فى الجواب عنه تعسف .
قال : والأحاديث التى انتقدت عليهما أن كانت مذكورة على سبيل
الاستئناس والتقوية كالمعلقات والمتابعات والشواهد أجيب عن الاعتراض
عليها أن توجه بأنها ليست من موضوع الكتابين فان موضوعهما المسند
المتصل ولهذا لم يتعرض الدارقطنى فى نقده على الصحيحين الى الأحاديث
المعلقة التى لم توصل فى موضع آخر لعلمه بأنها ليست من موضوع
الكتابين وانما ذكرت استئناسا واستشهادا ، وان كانت من الأحاديث
المسندة فأما أن يكون الطعن مبنيا على قواعد ضعيفة لبعض المحدثين
فلا يقبل لضعف مبناه وأما أن يكون مبنيا على قواعد قوية فحينئذ يكون
قد تعارض تصحيحهما أو تصحيح أحدهما مع كلام المعترض ولا ريب
فى تقدمهما فى باب التصحيح والتضعيف على غيرهما قال الحافظ ابن
حجر : وعدة ما انتقد عليهما من الأحاديث المسند (٢١٠) مائتا حديث
وعشرة . اشتركا فى (٣٢) اثنين وثلاثين حديثا. واختص البخارى بثمانية

٤٠٠
وسبعين ومسلم بمائة . قال : والجواب عن ذلك على سبيل الاجمال أن.
نقول : لاريب فى تقديم البخارى ثم مسلم على أهل عصرهما ومن بعده
من أئمة هذا الفن فى معرفة الصحيح والمعلل فأنهم لا يختلفون فى أن
على بن المدينى كان أعلم أقرانه بعلل الحديث وعنه أخذ البخارى ذلك
حتى كان يقول : ما استصغرت نفسى عند أحد الا عند على بن المدينى.
ومع ذلك فكان على بن المدينى اذا بلغه ذلك عن البخارى يقول : دعوا
قوله فانه ما رأى مثل نفسه وكان محمد بن يحيى الذهلى أعلم أهل
عصره بعلل حديث الزهرى وقد استفاد منه ذلك الشيخان جميعا ،
وروى الفربرى عن البخارى قال : ما أدخلت فى الصحيح حديثا الا بعد
أن استخرت الله تعالى وتيقنت صحته ، وقال مكى بن عبد الله: سمعت
مسلم بن الحجاج يقول : عرضت كتابى هذا على أبى زرعة الرازى
فكل ما أشار أن له علة تركته . قال : فاذا عرف وتقرر أنهما لا يخرجان
من الحديث الا ما لا علة له أو له علة الا أنها غير مؤثرة عندهما فبتقدير
توجيه كلام المنتقد عليهما يكون قوله معارضا لتصحيحهما ولا ريب فى تقدمهما
فى ذلك على غيرهما فيندفع الاعتراض من حيث الجملة ، ثم أجاب الحافظ
ابن حجر رحمه الله عن النقد جوابا تفصيليا : قسم فيه الأحاديث التى
انتقدت عليهما الى ستة أقسام تكلم عليها ثم أجاب عن الأحاديث التى
أوردها الدارقطنى على البخارى حديثا حديثا ثم قال : فاذا تأمل المنصف
ما حررته من ذلك عظم مقدار هذا المصنف فى نفسه وجل تصنيفه فى
عينه وعذر الأئمة من أهل العلم فى تلقيه بالقبول والتسليم وتقديمهم له
على كل مصنف فى الحديث والقديم .
قال : وانما اقتصرت على ماذكرته عن الدارقطنى لأنى أردت أن