النص المفهرس

صفحات 321-340

٣٢١
رجوع الواثق عن المحنة
اشتد الواثق فى مسألة خلق القرآن كثيرا وساعده على ذلك وزيره
أحمد بن أبي دؤاد وكان من رءوس الاعتزال حتى أن أحمد هذا كان
يقول: (( من قال من الأسارى القرآن مخلوق خلصوه وأعطوه دينارين
ومن امتنع دعوه فى الأسر )) قال الخطيب : كان أحمد بن أبی دؤاد قد
استولى على الواثق وحمله على التشدد فى المحنة ودعا الناس الى القول
بخلق القرآن ، واستمر على ذلك حتى مل الواثق المحنة وسئمتها نفسه
فرجع عنها فى آخر عمره . هذا أبو عبد الرحمن بن محمد الأذرمى شيخ
أبى داود والنسائى يحمل مكبلا بالحديد من بلاده الى الواثق فسأله
ابن أبى دؤاد فى مجلس الواثق عن قوله فى القرآن فقال له الشيخ :
هذا الذى تقوله ياابن أبى دؤاد من خلق القرآن شىء علمه رسول الله
صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان وعلى رضى الله عنهم
أو جهلوه فقال بل علموه . قال : فهل دعوا الناس اليه كما دعوتهم أنت
أو سكتوا فقال : بل سكتوا . قال : فهلا وسعك ما وسعهم من السكوت
فبهتوا وضحك الواثق ، وقام قابضا على فمه وهو يقول : هلا وسعك
ما وسعهم ويكررها . ثم أمر أن يعطى الرجل ثلثمائة دينار ويرد الى
بلده ولم يمتحن أحدا بعدها وسخط على ابن أبى دؤاد من يومئذ .
المتوكل يأمر برفع المحنة وينتصر لاهل الحديث
ولما ولى المتوكل على الله بن المعتصم الخلافة بعد أخيه الواثق
سنة (٢٣٢) أظهر ميلا عظيما الى السنة فرفع المحنة وكتب بذلك الى
الآفاق واستقدم المحدثين إلى ((سامرا)) وأجزل عطاياهم وأكرمهم وأمرهم بأن
يحدثوا بأحاديث الصفات والرؤيا . وجلس أبو بكر بن شيبة فى جامع

٣٢٢
الرصافة فاجتمع اليه نحو من ثلاثين ألف نفس وجلس أخوه عثمان فى
جامع المنصور فاجتمع اليه أيضا نحو من ثلاثين ألف نفس وتوفر دعاء
الخلق للمتوكل وبالغوا فى الثناء عليه وتعظيمه حتى قيل الخلفاء ثلاثة
أبو بكر الصديق فى قتل أهل الردة وعمر بن عبد العزيز فى رد المظالم
والمتوكل فى أحياء السنة وأماتة التجهم (١).
انتقاص أهل الكلام لاهل الحديث
هذا ولم يقف المعتزلة عند هذا الحد من اغراء الخلفاء بأهل الحديث
بل أطلقوا ألسنتهم بالسوء وأخذوا يقبحون أهل الحديث ويعيبون عليهم
طريقتهم ويحطون من قدرهم ويرمونهم بالعى والفهاهة وكل نقيصة .
انظر الى ابن قتيبة أحد علماء القرن الثالث كيف يصور لنا ما كانوا
يرمون به أهل الحديث من شناعات . قال رحمه الله فى مقدمة كتابه :
( تأويل مختلف الحديث ) الذى ألفه فى الرد على أعداء الحديث: « أما
بعد أسعدك الله تعالى بطاعته وحاطك بكلاءته ووفقك للحق برحمته
وجعلك من أهله فانك كتبت الى تعلمنى ما وقفت عليه من ثلب أهل
الكلام أهل الحديث وامتهانهم واسهابهم فى الكتب بذمهم ورميهم بحمل
الكذب ورواية المتناقض حتى وقع الخلاف وكثرت النحل وتقطعت العصم
وتعادى المسلمون وأكثر بعضهم بعضا وتعلق كل فريق منهم لمذهبه
بجنس من الحديث . فالخوارج تحتج بروايتهم (( ضعوا سيوفكم على
عواتقكم ثم أبيدوا خضراءهم)) ((ولا تزال طائفة من أمتى ظاهرين على
الحق لا يضرهم من خالفهم)) ((ومن قتل دون ماله فهو شهيد))، والقاعد
(١) أنظر البداية والنهاية لابن كثير جـ ١٠ ص ٢٧٢ وما بعدها -
تاريخ الخلفاء للسيوطي ص ٢٠٤ وتاريخ الأمم الاسلامية للخضرى ص ٢٧٩

٣٢٣
يحتج بروايتهم (( عليكم بالجماعة فان يد الله عز وجل عليها)) ((ومن
خالف الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الاسلام من عنقه )) و ((اسمعوا
وأطيعوا وان تأمر عليكم عبد حبشى مجدع الأطراف)) ((وصلوا خلف
كل بر وفاجر)) ((لابد من امام بر أو فاجر)) ((وكن حلس بيتك فان
دخل عليك فادخل مخدعك فان دخل عليك فقل بؤ بأثمى وأثمك)) ،
و (( كن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل)) وقد أفاض الامام
ابن قتيبة فى نقل كثير من ذلك عنهم ثم قال : -
هذا مع روايات كثيرة فى الأحكام اختلف لها الفقهاء فى الفتيا حتى
اختلف الحجازيون والعراقيون فى أكثر أبواب الفقه وكل يبنى على أصل
من روايتهم ومع روايتهم كل سخافة تبعث على الاسلام الطاعنين وتضحك
منه الملحدين وتزهد فى الدخول فيه المرتادين وتزيد فى شكوك المرتابين .
كروايتهم فى عجيزة الحوراء أنها ميل فى ميل . وفيمن قرأ سورة كذا ومن
فعل كذا أسكن من الجنة سبعين ألف قصر فى كل قصر سبعون ألف
مقصورة فى كل مقصورة سبعون ألف مهاد على كل مهاد سبعون ألف
كذا . وكروايتهم فى الفأرة أنها يهودية وأنها لا تشرب ألبان الابل كما
أن اليهود لا تشربها ، قالوا : ومن عجيب شأنهم أنهم ينسبون الشيخ
الى الكذب ولا يكتبون عنه ما يوافقه عليه المحدثون بقدح يحيى بن معين
وعلى بن المدينى وأشباههما ويحتجون بحديث أبى هريرة فيما لا يوافقه
عليه أحد من الصحابة وقد أكذبه عمر وعثمان وعائشة ويحتجون بقول
فاطمة بنت قيس وقد أكذبها عمر وعائشة وقالوا لا ندع كتاب ربنا وسنة
نبينا لقول امرأة ويبهرجون الرجل بالقدر ولا يحملون عنه كغيلان وعمرو
ابن عبيد ومعبد الجهنى وعمرو بن فائد ويحملون عن أمثالهم من أهل
مقالتهم كفتادة وابن أبى عروبة وابن أبى نجيح ومحمد بن المنكدر وابن

٣٢٤
أبى ذئب ويقدحون فى الشيخ يسوى بين على وعثمان أو يقدم عليا عليه
ويروون عن أبى الطفيل عامر بن وائله صاحب راية المختار وعن جابر
الجعفى وكلاهما يقول بالرجعة . قالوا وهم مع هذا أجهل الناس بما
يحملون وأبخس الناس حظا فيما يطلبون وقالوا فى ذلك : -
بجيدها الا كعلم الأباعر
زوامل للأشعار لا علم عندهم
بأحماله أو راح ما فى الغرائر
لعمرك ما يدرى البعير اذا غدا
قد قنعوا من العلم برسمه ومن الحديث باسمه ورضوا بأن يقولوا :
فلان عارف بالطرق وراوية للحديث وزهدوا فى أن يقال : عالم بما كتب
أو عامل بما علم . قالوا: وما ظنكم برجل منهم يحمل عنه العلم وتضرب
أليه أعناق المطى خمسين سنة أو نحوها . سئل فى ملأ من الناس عن فأرة
وقعت فى بئر فقال: ( البئر جبار) وآخر سئل عن قوله تعالى ((ريح
فيها صر)) فقال: ( هو هذا الصرصر ) يعنى صراصر الليل. وآخر
حدثهم ( عن سبعة وسبعين ) ويريد ( شعبة وسفين ) اهـ .
ثم أخذ ابن قتيبة يذكر رءوس المعتزلة واحدا واحدا ويفند ما ألصقوه
بأهل الحديث من الكذب والمحال ، ومن عجب أن المستشرقين وأعداء
الاسلام من الملحدين ينقلون هذه الطعون ولا ينقلون جواب الامام ابن
قتيبة عنها وصدق القائل :
وعين الرضا عن كل عيب كليلة
كما أن عين السخط تبدى المساويا
كان أهل الحديث على طريقة السلف من الصحابة والتابعين ومن
بعدهم يحتاطون لأمر الدين ويثبتون فى رواية السنة ويقفون مع ظواهر
النصوص ولا يفتحون على العامة باب التأويل حتى لا يفتتنوا بما لا تهضمه
عقولهم ولا تستسيغه أفهامهم ، ووجد منهم فى هذا العصر أئمة كبار

٣٢٥
وحفاظ عظام عرفوا الأحاديث وميزوا بين المزيف منها والصحيح ونقدوا
الرواة ووقفوا على أحوالهم أمثال الامام أحمد بن حنبل ويحيى بن معين
وعلى بن المدينى واسحق بن راهويه وغيرهم .
الا أنه وجد قوم اتنسبوا الى أهل الحديث كانوا وصمة عار فى
جبين الحديث والمحدثين منهم القصاص المخرفون والمرتزقة الذين
يتكسبون بالحديث والجهلة بأحكام الشرع وأوليات الفقه . فالقصاص
كانوا يبثون الغرائب والمناكير التى تبعث على الاسلام المطاعن والجهلة
المتفيهقون كانوا كالحمار يحمل أسفارا ((إذا سئل أحدهم عن حكم شرعى
تخبط فى جهله وتعثر فى غيه وقد يكون اماما فى أتباعه فيفتى بكل منكر
فى الشرع . وكان لهم أفهام فى الحديث تضحك الثكلى وتبعث فى نفس
المؤمن الحزن والأسى فمن ذلك أن أحدهم كان يصلى الوتر بعد
الاستنجاء من غير أحداث وضوء ويستدل على هذا العمل بقوله صلى الله
عليه وسلم (( من استجمر فليوتر)) والمقصود من الحديث ايتار الجمار
عند الاستنقاء لا صلاة الوتر بعد نقض الوضوء مباشرة من غير توضؤ
وسئل كبير منهم فى مجلس تحديثه عن دجاجة وقعت فى بئر فقال للسائل
ألا غطيتها حتى لا يقع فيها شىء ، فأسرع بعض المتفقهة بالاجابة سترا
لجهل الشيخ ، وسئل أحدهم عن مسألة فى الفرائض فكتب فى الفتوى .
تقسم على فرائض الله سبحانه وتعالى . وسئل أحدهم عن الحالف بصدقة
أزاره فقال : بكم اشتريته فقال : باثنين وعشرين درهما فقال : اذهب
وصم اثنين وعشرين يوما . وفهم بعضهم من حديث (نهى أن يسقى
الرجل ماءه زرع غيره)) المنع من سقى بساتين الجيران مع أن المراد
وطء الحبالى من السبايا (١) . إلى غير ذلك من سخافاتهم .
(١) أنظر نأنيب الخطيب ص ٥ .

٣٢٦
وقد ضاق ذرعا بأمثال هؤلاء الجهال كثير من أعلام المحدثين فشعبة
يقول فيهم ( كنت اذا رأيت رجلا من أهل الحديث يجىء أفرح به فصرت
اليوم ليس شىء أبغض الى من أن أرى واحدا منهم ) ويقول ابن عيينة
( أنتم سخنة عين لو أدركنا واياكم عمر بن الخطاب لأوجعنا ضربا ) .
ويقول عمرو بن الحارث - شيخ الليث - فى أمثال هؤلاء: ( ما رأيت
علما أشرف وأهلا أسخف من أهل الحديث ) . وقال محمد بن سهل بن
عسكر : وقف المأمون يوما للأذن ونحن وقوف بين يديه اذ تقدم إليه
غريب بيده محبرة . فقال : يا أمير المؤمنين صاحب حديث منقطع به
فقال له المأمون أيش تحفظ فى باب كذا فلم يذكر فيه شيئا فما زال
المأمون يقول حدثنا هشيم وحدثنا الحجاج بن محمد وحدثنا فلان حتى
ذكر الباب ثم سأله عن باب ثان فلم يذكر فيه شيئا فذكره المأمون ثم
نظر الى أصحابه فقال: (( يطلب أحدهم الحديث ثلاثة أيام ثم يقول :
(أنا من أصحاب الحديث ) أعطوه ثلاثة دراهم )) ، واذا علمت أن هذه
المثالب والطعون موجهة الى قوم من المتكسبين بالحديث الأدعياء فى
الرواية علمت أن أعداء الاسلام فى كل عصر ليسوا على حق فى توجيه
هذه الطعون الى الأئمة الأعلام والحفاظ العظام الذين كشفوا عن
الدخيل وميزوا الحق من الباطل وجاهدوا فى سبيل السنة وصونها حتى
أبلوا فى ذلك أحسن البلاء مما قرأته عنهم وما ستقرؤه ان شاء الله .
هذا ما يقال فى أهل الحديث أما أهل الكلام فاننا نجدهم يرتفعون
بالعقل ويذهبون بسلطانه الى أقصى حدوده حتى ساقهم ذلك الى التطرف
فى تأويل النصوص بما يمجه الذوق السليم ويدفعه الطبع المستقيم كل
ذلك محافظة على ما اعتقدوه من الآراء .

.
٣٢٧
أخذ المعتزلة فى هذا العصر فى بحث كتب الفلسفة اليونانية وغيرها
وتشبعوا من علوم الحكمة فحكموا آراءهم فى الدين وطبقوا ما فهموه
من هذه الدراسات على الكتاب والسنة وانفتح عليهم باب التأويل
والطعن فى الأخبار حتى لم يسلم منهم بعض الصحابة رضى الله عنهم ،
وليتهم وقفوا عند هذا الحد ولكنهم أرادوا العامة على سلوك طريقتهم
واعتقاد آرائهم واستعدوا عليهم الخلفاء كما رأيت والعامة كما ترى
لا تهضم هذه الفلسفات ولا تفهم الكم والأين وغيرهما من المقولات ،
قد كان يكفيهم مناظرة علماء الجمهور من أئمة الحديث والفقه فى مجالس
المأمون وغيرها ليظهروا سلطان العقل ويقيموا البراهين الساطعة على
خصومهم ثم بعد ذلك يقولون لهم ما على الرسول الا البلاغ ولا اكراه
فى الدين قد تبين الرشد من الغى .
ولكن المعتزلة انتهزوا قربهم من الخلفاء وأخذهم بزمام الوزارة
والقضاء فانتقموا من أهل الحديث ومن جمهور الأمة ما أمكنهم الانتقام
ولم يبالوا بسفك الدماء الطاهرة البريئة ومن عجيب أمرهم أنهم يختلفون
على أنفسهم فى مسائل الدين اختلافا عظيما لكن لم يصلوا فى خصومتهم
الى عشر معشار ما فعلوه مع أهل الحديث .
هذا أحمد بن أبى دؤاد يحكم بكفر من لم يقل بخلق القرآن ثم
يستعمل سلطة الوزارة فيأمر بفداء الأسرى من قال منهم بخلق القرآن
أما من لم يقل بذلك فانه يترك أسيرا فى أيدى الكفار لأنه فى نظره غير
مسلم فلا يستحق الفداء .
أفما كان الأجدر بهم - لو كانوا يريدون الخير للإسلام وأهله -
أن يتحدوا مع أهل الحديث ويكون الجميع جبهة فى الدفاع عن الدين
١

٣٢٨
ومحاربة الوضاعين من زنادقة وقاصين . أما المسائل التى كانوا على
خلاف فيها فاما أن يكون الجدال فيها بالتى هى أحسن من غير أن تراق
الدماء أو تستعمل وسائل الارهاب ، وأما أن يسلكوا فيها مسلك السلف
الصالح وهو الامساك عنها وعدم الخوض فيها . هذا مالك امام دار
الهجرة يسأل عن قوله تعالى (( الرحمن على العرش استوى)) فيقول :
الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول والايمان به واجب والسؤال
عنه بدعة . وهذا أبو حنيفة ينهى أصحابه ويحذرهم من التكلم فى
القرآن أمخلوق هو أم غير مخلوق . وهذا بطل المحنة الامام أحمد بن
حنبل يمسك عن الخوض فى مسألة خلق القرآن وكل ذلك منهم كان
محافظة على عقيدة العامة واتباعا لسنة الرسول صلى الله عليه وسلم
والسلف الصالح من بعده . أما أنهم لو سلكوا أحد الطريقين لكان خيرا
وأولى ولكن قدر فكان .
من هذا البيان ترى أن المتكلمين والمحدثين كانوا فى هذا
العصر بل وقبل هذا العصر على طرفى نقيض . لقد حط من شأن المحدثين
فى نظر المتكلمين وجود أدعياء الرواية وجهلة الشيوخ وكذبة القصاص
بينهم فرموهم بالجهل وبكل نقيصة ، ووضع من شأن المعتزلة فى نظر
أهل الحديث اعتناقهم لآراء الفلاسفة وخروجهم عن النصوص وردهم
الأحاديث الصحيحة وطعنهم فى الصحابة حيث فسقوهم وبدعوهم ولم
يقبلوا الحديث من طريقهم . فلما جاء المأمون وكان متضلعا من العلوم
العقلية والنقلية رأى أن يقضى على الخلاف بين الفريقين ويوحد كلمة
الأمة فى العقائد ويوجه جهودها الى محاربة الخارجين عن الشرع الشريف
من أهل الزيغ والضلال فعقد مجالس المناظرة لذلك فكان من ورائها

٣٢٩
اتساع هوة الخلاف ورميه بالكفر والضلال ، فرأى أن يأخذ أهل
الحديث بالشدة لما وقر فى صدره أن القرآن المكتوب فى المصاحف
لا ينبغى أن يرتاب فى حدوثه ولكنا نأخذ عليه أنه اشتط كثيرا فى مسلكه
بأراقة الدماء البريئة واستعمال وسائل الارهاب والعنف . ولقد كان
يكفيه - اذ فاته ما كان يقصد من القضاء على الخلاف - أن يحظر
الرواية والفتوى على القصاص والزنادقة والجهلة من أدعياء الحديث
ويأذن بذلك لأئمة الحديث والفقه ثم يترك العلماء بعد ذلك أحرارا فيما
يذهبون وأن يسعه ما وسع سلف الأمة الصالح من الامساك عن الخوض
فى مثل هذه الأمور التى لا يترتب عليها فائدة عملية للمسلمين .
وكذلك نأخذ على المعتزلة أنهم لم يكونوا على شىء من النبل فى
الخصومة فانهم أخذوا المحق بذنب المبطل وسووا بين الاشراف والسفلة
والعلماء والجهلة وسلوا سيف البغى على أئمة الدين ورواة الحديث من
غير أن تأخذهم فى أحد رحمة .
لذلك قابلهم جمهور المسلمين بما يجب أن يقابلوا به بعد أن رفعت
المحنة وزالت الشدة فلم تقم لهم قائمة من ذلك الوقت الى اليوم .
أما موقف المحدثين فى هذه المحنة فقد كان سليما ومحمودا ذلك
أنهم أمسكوا عن الخوض فى أمور ضررها أكبر من نفعها فكانوا بذلك
على طريقة السلف الصالح أغلقوا بموقفهم من الخلفاء والمعتزلة أبوابا
من الشر لا نهاية لها ولو أنهم استكانوا وقالوا بخلق القرآن لكان ذلك
ذريعة لاستدراجهم الى عقائد المعتزلة شيئا فشيئا وفى ذلك من الخطر
ما فيه فجزاهم الله عن الدين وأهله أحسن الجزاء .
هذا وقد يقول قائل : ان مسألة خلق القرآن من أوضح المسائل

٣٣٠
فهذه الألفاظ التى تقرؤها بألسنتنا كل يوم فى الصلاة وغيرها ونكتبها
بأقلامنا فى المصاحف وغيرها لا يشك أحد فى أنها مخلوقة . فكيف يقف
المحدثون هذا الموقف الذی جر عليهم كل هذه النكبات وهل يدخل فى
عقل انسان أن هذه الألفاظ القرآنية قديمة وليست بمخلوقة . ونقول
انه لم يخف على كبار أئمة الحديث أمثال الامام أحمد بن حنبل حقيقة
الحال ولكنهم آثروا الامساك عن النطق بذلك محافظة على عقيدة العامة
فالقرآن كلام الله وكلام الله صفة من صفاته قديمة والعامى لا يميز بين
كلام الله الذى هو الصفة القديمة وبين كلام الله المنزل الذى هو ألفاظ
مكتوبة مقروءة وحادثة مخلوقة فاذا قيل ان القرآن مخلوق وهو كلام
الله التبس الأمر على العامة بين الحادث والقديم لذلك لما طلب الى الامام
أحمد أن يقول بخلق القرآن تقية . قال : ( اذا أجاب العالم تقية والجاهل
يجهل فمتى يتبين الحق ) وهذا أبو يعقوب البويطى يعرض عليه والى
مصر أن يقول فيما بينه وبينه أن القرآن مخلوق ويطلقه فيقول ((انه
يقتدی بی مائة ألف ولا يدرون المعنى )» ويفضل أن يؤتى به الى بغداد
ويموت فى السجن .
من هنا نأخذ أن موقف المحدثين كان موقفا سليما فقد أحاطوا عقيدة
العامة حتى لا تزل بهم الأهواء وحافظوا على قدسية القرآن فى نفوسهم
وهم فى ذلك سالكون منهج السلف الصالح الذين وسعهم السكوت عن
الخوض فى مثل هذه المسائل بل نهوا الناس عن الدخول فيما لا يعنيهم
والتكلم بما يعلو على أفهامهم .
النتائج التى عادت على الحديث وأهله من وراء هذا النزاع
كان لهذا النزاع الشديد وذلك الصراع العنيف أثره البالغ فى
الحديث والمحدثين واليك بعض هذه الآثار :

٣٣١
١ - كانت محنة القول بخلق القرآن خافضة رافعة رفعت رجال
الحديث الى السماكين وخفضت المعتزلة إلى الحضيض ومن هذا الحين
عظم احترام العامة لأهل السنة وأحبوهم أكثر من ذى قبل وحمدوا لهم
سيرتهم .
٢ - كان لموقف المحدثين أثر بالغ فى المحافظة على عقيدة العامة
من أن تعصف بها بدع أهل الأهواء وتتجاذبها أعاصير الأباطيل وشكوك
المموهين .
٣ - كان القول بخلق القرآن أثر كبير فى جرح الرواة أو عدالتهم
فالمأمون كان يرد رواية من لم يقل بخلق القرآن ويحكم بفسق الشهود
والقضاة ان لم يقروا بذلك ، وكذلك فعل المحدثون ففسقوا من يقول
بخلق القرآن وبالغ آخرون فردوا رواية من يثير الكلام فى هذه المسألة
وأظن أن هذا كان سدا للذريعة فقط حتى يتناسى القوم المسألة وتمحى
من الأذهان فلا يقع المسلمون فيها مرة أخرى .
وكادت شظايا هذه الفتنة تصيب الامام البخارى فانه لما قدم
نيسابور وسألوه عن اللفظ فقال : القرآن كلام الله غير مخلوق وأعمالنا
مخلوقة. فلما سمع بذلك الأمام الذهلى قال: (( القرآن كلام الله غير
مخلوق ومن زعم ( لفظى بالقرآن مخلوق ) فهو مبتدع لا يجلس الينا
ولا نكلم من يذهب بعد هذا الى محمد بن اسماعيل)) فانقطع الناس عن
البخارى الا مسلم بن الحجاج وأحمد بن سلمة (١) .
٤ - كان لهذه المعركة أثر سيىء فى وضع الحديث فقد انتهز الزنادقة
ومن لا دين له هذا النزاع فوضعوا الأحاديث فيه واختلقوها زورا
(١) شروط الأئمة الخمسة للحازمي ص ٢١ .

٣٣٢
وبهتانا على رسول الله صلى الله عليه وسلم . فرووا عن أبى الزبير أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من قال القرآن مخلوق فقد كفر»
ورووا عن أنس مرفوعا (( كل ما فى السموات والأرض وما بينهما مخلوق
غير الله والقرآن وذلك أنه كلامه منه بدأ واليه يعود وسيجىء أقوام
من أمتى يقولون : القرآن مخلوق فمن قاله منهم فقد كفر بالله العظيم
وطلقت امرأته من ساعته لأنه لا ينبغى للمؤمنة أن تكون تحت كافر
الا أن تكون سبقته بالقول)) وغير ذلك كثير فى اللآلى المصنوعة
للسيوطى وكشف الخفاء .
٥ - كان من النتائج السيئة لهذه الفتنة أن أهل الأهواء أطلقوا
ألسنتهم حدادا فى ذم أهل الحديث فطعنوا على أصحاب رسول الله
صلى الله عليه وسلم وأزروا على المحدثين ورموهم بالجهل الفاضح
وألصقوا بهم صفات المرتزقة من دعاة العلم وأدعياء الحديث وألفوا الكتب
فى ذلك حتى جاء المستشرقون فى عصور الضعف العلمى والسياسى
للمسلمين فوجدوا ثروة طائلة من هذه السخافات والمثالب وصوروا
الاسلام فى صورة الخرافات وطعنوا بدورهم فى أئمة المسلمين وقد
اغتربهم الجهلة فى عصرنا الحاضر ونسجوا على منوال أساتذتهم ورموا
علماء المسلمين فى كل عصر بكل نقيصة وبهتان والله يشهد انهم لكاذبون
المبحث الثانى
نشاط أهل الأهواء فى وضع الأحاديث
حدثناك أيها القارىء عن جهود علماء الاسلام فى القرن الأول والثانى
تجاه الوضاعين وأنهم أخذوا عليهم كل مسلك وقعدوا لهم كل مرصد
وميزوا بين الدخيل والأصيل من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم

٣٣٣
ووزنوا الرواة بميزان الجرح والتعديل وفحصوا عن مروياتهم وأسانيدهم
وعلى الرغم من هذه الجهود العظيمة فانه ما كاد يطل هذا القرن الثالث
حتى كثر الوضع فى الحديث بشكل مزعج فهؤلاء الزنادقة يبثون سمومهم
لأفساد عقائد المسلمين وهؤلاء الشعوبيون يضعون الحديث فى فضل
الفرس وتفضيلهم على العرب ومن ورائهم القصاص يستولون على قلوب
العامة بالمناكير.
ونحن نذكر لك شيئا من أعمال هذه الطوائف لتلمس الخطر الذى
أحدق بالسنة وكاد يذهب بنورها وليكبر فى عينك ما قام به علماء
الحديث من مطاردة الكذابين والقضاء على أباطيل الأفاكين بما صنفوه
من الكتب الحافلة بالحديث وعلومه فى هذا العصر فنقول :
١ - التعصب للجنس وأثره فى وضع الحديث
قامت الدولة العباسية على أكتاف الفرس من أهل خراسان وكانت
هذه البلاد موطن التشيع لآل البيت ، ولما كان الفرس يفهمون أن الملك
ينال بالوراثة تأثروا الى حد كبير بآراء الشيعة فعدوا بنى أمية غاصبين
لحقوق آل البيت ينبغى قتالهم وتخليص الحق الى صاحبه الشرعى .
وكانت الفرس أمة ذات حضارة وتاريخ عظيمين وكانت لهم السيطرة
على كثير من الأمم العربية كالعراق واليمن فلما دالت دولتهم ووقعوا فى
قبضة العرب وأصبحوا موالى لهم يتحكمون فيهم حنوا بعد ذلك الى
عظمتهم الأولى ، ولما قام بنو العباس يطالبون بالخلافة وجدوا من الفرس
قلوبا مستعدة لا سيما عند الخاصة منهم فقد كانوا يأملون الحصول على
شىء من السلطان الضائع . لذلك رأينا أبا مسلم الخراسانى واضرابه
يتفانون فى نصرة بنى العباس ويحاربون بنى أمية بكل سلاح ، وفى

٣٣٤
الواقع لم يكن الصراع بين بنى أمية وبنى العباس وانما كان بين العرب
والفرس ، ولما استقر الأمر لبنى العباس لم يكونوا يتحمسون للعرب
ضد الفرس لأن الفرس نصروهم وشيدوا لهم الملك بدمائهم ولأن بعض
خلفاء بنى العباس كانوا من أمهات فارسيات لكن كانوا يتحمسون كثيرا
لأمر الدين ولا تأخذهم رحمة فى محاربة الزنادقة وقتلهم والتشهير بهم ،
وهل كان ذلك من الخلفاء حمية دينية أو فكرة سياسية . هذا ما لا يهمنا
البحث فيه الآن . بل الذى يهمنا أن فكرة ظهرت على ألسن بعض العامة
وأشربتها قلوب الخاصة ألا وهى فكرة تفضيل العجم على العرب والحط
من شأن الآخرين وهى المعروفة عند المؤرخين بالشعوبية .
أثر الشعوبية فى الحديث
نمت هذه الفكرة وترعرعت فى القرن الثانى ثم بلغت أوجها فى القرن
الثالث وساعد على ظهورها أن خلفاء بنى العباس لم يقابلوا العصبية
الفارسية بالعصبية العربية كما كان الحال فى الدولة الأموية بل لم
يتعصبوا كثيرا للعربية وأن تعصبوا كثيرا للاسلام كما أشرنا اليه ، ولقد
انتهز الشعوبيون هذا الضعف من الخلفاء وحاربوا العرب وعابوهم
وسخروا منهم وقالوا فى ذلك الاشعار والخطب الطوال وألفوا الكتب
فى مفاخر العجم ومثالب العرب ولم يدعوا بابا من أبواب الهجاء الا طرقوه
واستغلوا لهذه النزعة الخبيثة وضع الأحاديث ورواية الأكاذيب فى فضل
الفرس وبلدانهم وعلمائهم . كما وضعوا أحاديث فى الحط من قيمة العرب
وعلمائهم ، وإليك بعض هذه الأباطيل التى اختلقوها .
قالوا : لما فتحت خراسان وتطاول اليها العساكر ، واجتمعت أذر بيجان
والجبال ضاق ذرع عمر بن الخطاب فقال: «مالى وخراسان وما بخراسان

٣٣٥
من ولی وددت أن بینی وبین خراسان جبالا من برد وجبالا من نار وألفه
سد كل سد مثل سد يأجوج ومأجوج فقال على بن أبى طالب : مهلا
يابن الخطاب هل أتيت بعلم محمد أو اطلعت على علم محمد فان الله
بخراسان مدينة يقال لها ( مرو ) أسسها أخى ذو القرنين وصلى فيها عزير
أنهارها سياحة وأرضها فياحة على كل باب من أبوابها ملك شاهر سيفه
يدفع عن أهلها الآفات الى يوم القيامة وان لله بخراسان مدينة يقال لها
( الطالقان) وأن كنوزها لاذهب ولا فضة ولكن رجال مؤمنون يقومون
إذا نام الناس وينصرون اذا فشل الناس ، وان لله بخراسان لمدينة يقال
لها ( الشاش ) القائم فيها والنائم کالمتشحط بدمه فی سبیل الله . وان لله
بخراسان لمدينة يقال لها ( بخارى) وان رجال بخارى آمنون من الصرخة
عند الهول اذا فزعوا . مستبشرين اذا حزنوا فطوبى لبخارى يطلع الله
عليهم فى كل ليلة اطلاعة فيغفر لمن يشاء منهم ويتوب على من تاب
منهم .. الخ . وهو كلام طويل جدا . ومن ذلك قولهم (( جور الترك
ولا عدل العرب )» وزعمهم الباطل أن الأعاجم ذكرت عند النبى
صلى الله عليه وسلم فقال ((لأنا بهم أوثق منى بكم)) وفى رواية ((لأنا
ببعضهم أوثق منى ببعضكم)). ( سيأتى ملك من ملوك العجم فيظهر
على المدائن كلها الا دمشق)، ومن ذلك ما رووه فى فضل محمد بن كرام
السجستانى العابد المشهور بالتجسيم ووضع الحديث المتوفى سنة ٢٥٥
وقد ارتحل من خراسان الى الشام وأقام بها (( يجىء فى آخر الزمان رجل
يقال له محمد بن كرام يحيى السنة والجماعة هجرته من خراسان الى
بيت المقدس كهجرتى من مكة إلى المدينة))، وما وضعوه فى فضل
أبى حنيفة النعمان لأنه من أصل فارسى وذم الشافعى لأنه عربى (( يكون
فى أمتى رجل يقال له محمد ابن أدريس أضر على أمتى من ابليس
ويكون فى أمتى رجل يقال له أبو حنيفة هو سراج أمتى)) وضعه

٣٣٦
مأمون بن أحمد الهروى من أهل القرن الثالث ومن ذلك ((أن آدم
افتخر بى وأنا أفتخر برجل من أمتى اسمه نعمان وكنيته أبو حنيفة وهو
سراج أمتى ((وفى رواية)) ان سائر الأنبياء يفتخرون بى وأنا أفتخر
بأبى حنيفة من أحبه فقد أحبنى ومن أبغضه فقد أبغضنى )).
هذا وقد استعمل العرب أو من تعصب لهم هذا السلاح سلاح
الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن ذلك قولهم عن النبى
صلى الله عليه وسلم (( العرب سادات العجم)).
تلك هى آثار التعصب للجنس فى وضع الحديث وانك لتلمح فى
بعضها معانى الالحاد فى الدين والدعوة الى التحلل من أحكامه. كفولهم
فى فضل مدينة الشاش (( القائم فيها والنائم كالمتشحط بدمه فى سبيل
الله)) (١) .
٢ - الزندقة وأثرها فى وضع الحديث
أكثر ما تطلق الزندقة عليه فى العصر العباسى - على ما يظهر -
هو اتباع دين المجوس وخاصة دين ( مانى ) مع التظاهر بالاسلام ثم
توسعوا فى استعمالها فأطلقوها على الملحد الذى لا دين له ، وعلى التهتك
والفجور مع تبجح فى القول يصل أحيانا الى ما يمس الدين لكن لا عن
نظر بل عن خلاعة ومجون .
وقد أشرنا عند الكلام على الدور السابق الى شىء من أعمال الزنادقة
(١) تاريخ الأمم الاسلامية للخضرى ( نشأة الدولة العباسية ) . ضحى
الاسلام . جـ ١ ص ٤٩ = ٧٤ . اللآلى المصنوعة جـ ١ ص ٤٤١ - كشف
الخفاء ومزيل الالباس جـ ١ ص ٣٣٧ .

٣٣٧
فى وضع الحديث وهنا نبين لك شيئا عن العوامل التى ساعدت على فشو
الزندقة فى العصر العباسى وعن أثرها فى وضع الحديث فى هذا
القرن الثالث .
ساعد على فشو الزندقة فى العصر العباسى عامة وفى القرن الثالث
خاصة عدة أمور منها :-
١ - كثرة الجدال حول المسائل الأساسية فى الدين وشيوع الأبحاث
الفلسفية فقد ترجمت كتب الحكمة والفلسفة وأقبل على قراءتها كثير من
العلماء وبعض الخلفاء كالمأمون حتى رمى من أجل ذلك بالزندقة .
٢ - عدم حصول الفرس على حكومة فارسية بعد زوال دولة
بنى أمية فأخذوا يكيدون للاسلام عن طريق افساد عقائد المسلمين بيث
تعاليم المجوسية وبخاصة مذهب (( مانى)) .
٣ - اسناد السلطة الحكومية الى الموالى من الفرس واقصاء العرب
عنها مكن للفرس من اظهار مذاهبهم القديمة وتعضيد من يتظاهر بها .
هذه هى أهم عوامل انتشار الزندقة التى مكنت الزنادقة من الكيد
للاسلام وكان من أسهل الطرق عليهم الكذب على رسول الله صلى الله
عليه وسلم فبثوا فى الناس كثيرا من الأقاويل التى تشوه جمال الدين
وتثير حوله المطاعن والشبه يريدون بهذا هدم الاسلام وتنفير الناس منه
ودعوة المسلمين الى التحلل من أحكامه وبذلك تضعف شوكة المسلمين
ويصير من السهل على هؤلاء الزنادقة التغلب على البقية الباقية من أهل
الاسلام واعادة سلطانهم كما كان . فأخذوا ينشرون بين الناس تعاليم
المجوسية ومذاهب المانوية وظهر منهم طوائف كثيرة بمذاهب خبيثة من

٣٣٨
التجسيم وغيره وكان منهم القصاص والمتصوفة الذين يتظاهرون بالتقوى
والورع ويضمرون الحقد على الدين وأهله (١).
من أوضاع الزنادقة
ونحن نذكر لك طائفة من الأباطيل التى نسبوها للنبى صلى الله
عليه وسلم وهو براء منها . فمن ذلك زعمهم أنه عليه الصلاة والسلام
قال: (( لما أراد الله خلق نفسه خلق الخيل فأجراها حتى عرقت ثم خلق
نفسه من ذلك العرق)) قال ابن عساكر حديث اجراء الخيل موضوع
وضعته الزنادقة ليشنعوا به على أصحاب الحديث فى روايتهم المستحيل
فقبله من لا عقل له وهو مما يقطع ببطلانه شرعا وعقلا .
ومن ذلك زعمهم أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (( ان الله تعالى
خلق الملائكة من شعر ذراعيه وصدره أو من نورهما )» ( وانه تعالى عن
ذلك علوا كبيرا ينزل عشية عرفة على جمل أو رق يصافح الركبان ويعانق
المشاة) وانه عليه السلام قال: (( رأيت ربى فى المنام فى أحسن صورة
شابا موقرا رجلاه فى خضرة له نعلان من ذهب على وجهه فراش من
ذهب)) وكروايتهم فى عجيزة الحوراء أنها ميل فى ميل وفيمن قرأ سورة
كذا وكذا ومن فعل كذا وكذا أسكن من الجنة سبعين ألف قصر فى كل
قصر سبعون ألف مقصورة فى كل مقصورة سبعون ألف مهاد على كل
مهاد سبعون ألف كذا . وكروايتهم أن الفأرة كانت يهودية وأنها لا تشرب
ألبان الأبل كما أن اليهود لا تشربها . وكروايتهم فى السنور أنه عطسة
الأسد والخنزير أنه عطسة الفيل . وأن الضب كان يهوديا عاقا فمسخ .
(١) ضحى الاسلام جـ ١ ص ١٣٧ وما بعدها .

٣٣٩
وأن سهيلا كان عشارا باليمن وان الزهرة كانت بغيا عرجت الى السماء
باسم الله الأكبر فمسخها الله شهابا وان الأرض على ظهر حوت (١). الى
غير ذلك من الأكاذيب والأباطيل .
مقاومة الخلفاء العباسيين للزنادقة
ولقد قاوم الخلفاء الزنادقة وطهروا الأرض من جراثيمهم فلم تأخذهم
بهم هوادة بل قتلوهم وحبسوهم وشردوا بهم من خلفهم . اضطهدهم
أبو جعفر المنصور فى خلافته ونكل بهم المهدى أيما تنكيل أيام دولته
وعين للزنادقة رجلا سماه ( صاحب الزنادقة ) وكل اليه أمر ابادتهم
والقضاء عليهم وأمر الجدليين من أهل البحث من المتكلمين بتصنيف
الكتب فى الرد على الملحدين واقامة البراهين على المعاندين وايضاح الحق
للشاكين . وأوصى ابنه موسى الهادى بالعمل على ابادة الزنادقة وشرح له
أمرهم وسوء نيتهم نحو الاسلام والمسلمين وجاء عنه أنه قال: (( والله لئن
عشت لأقتلن هذه الفرقة كلها حتى لا أترك منها عينا تطرف )) وقد أنفذ
الهادى وصية أبيه بكل أمانة . كذلك تعقبهم هارون الرشيد والمأمون
من بعده ، روى أن المأمون بلغه خبر عشرة من الزنادقة من أهل البصرة
يذهبون الى قول ( مانى) ويقولون بآله النور وآله الظلمة فأمر بحملهم
اليه بعد أن سموا واحدا واحدا فكان يدعوهم رجلا رجلا ويسألهم عن
دينهم فيخبرونه بالاسلام فيمتحنهم بأن يظهر لهم صورة (مانى) ويأمرهم
أن يتفلوا عليها ويبرءوا منها فامتنعوا فقتلهم ، وفى عهد المعتصم كانت
حادثة كبرى فى تاريخ الزندقة وهى محاكمة قائد جيوشه المسمى
( بالأفشين ) اتهم بالزندقة فحبس ومنع من الطعام والشراب حتى مات
ثم صلب وأحرق بالنار (٢).
(١) انظر مقدمة تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة .
(٢) انظر ضحى الاسلام جـ ١ ص ١٤٠.

٣٤٠
القصص فى القرن الثالث وأثره فى الحديث
كما انتشرت الزندقة فى هذا العصر كذلك ذاع القصص وكثر
المحترفون له ولا ننسى أن بين هؤلاء القصاص فريقا من الزنادقة أيضا
( كما أشرنا اليه آنفا ) ومنهم المرتزقة ومدعو العلم والامامة فى الحديث،
ولقد انتشر القصاص والزنادقة فى هذا العهد حتى أن الخلفاء كانوا
يصدرون أوامرهم بمنع القصاص والمنجمين من الجلوس فى المساجد
والطرقات . كذلك منعوا من بيع كتب الفلسفة ففى سنة ٢٧٩ هـ وهى
السنة التى بويع فيها المعتضد الخليفة العباسى بالخلافة أصدر أمره بمنع
الوراقين من بيع كتب الفلاسفة وما شاكلها ومنع القصاص والمنجمين
من القعود فى الطريق (١) .
هذا وان أصدق مرآة تتراءى لنا فيها أعمال القصاص فى هذا القرن
ما ذكره العلامة الامام عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينورى المتوفى
سنة ٢٧٦ هـ فى كتابه ((تأويل مختلف الحديث)) (٢) . قال رحمه الله:
الحديث يدخله الشوب والفساد من وجوه ثلاثة ((منها الزنادقة)) واجتيالهم
للاسلام وتهجينه بدس الأحاديث المستشنعة والمستحيلة كالأحاديث التى
قدمنا ذكرها من عرق الخيل وعيادة الملائكة وققص الذهب على جمل
أورق وزغب الصدر ونور الذراعين مع أشياء كثيرة ليست تخفى على أهل
الحديث ، ومنهم ابن أبى العوجاء الزنديق وصالح بن عبد القدوس
الدهرى (( والوجه الثانى القصاص)) على قديم الأيام فانهم كانوا يميلون
وجوه العوام اليهم ويستدرون ما عندهم بالمناكير والغريب والأكاذيب
(١) انظر تاريخ الخلفاء للسيوطي ص ٢٤٦.
(٢) ص ٣٥٥ وما بعدها .