النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤١ عبد الله بن عمر بن الخطاب أسلم عبد الله قديما وهو صغير وهاجر مع أبيه وقيل قبله . وشهد الخندق وما بعدها من المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم . ومن بعده شهد اليرموك وفتح مصر وأفريقية وكان شديد الاتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم . روى عن النبى صلى الله عليه وسلم وعن أبيه وعمه زيد وأخته حفصة أم المؤمنين وابى بكر وعثمان وعلى وبلال وزيد بن ثابت وصهيب وابن مسعود وعائشة ورافع بن خديج وغيرهم . ورى عنه خلق كثير فمن الصحابة ابن عباس وجابر والأغر المزنى وغيرهم . ومن التابعين أولاده الأربعة بلال وحمزة وسالم وعبد الله ومولاه نافع وأسلم ((مولى عمر)) وزيد وخالد أبنا أسلم وعروة بن الزبير وغيرهم. قال الزبير بن بكار : ان كان ابن عمر ليحفظ ماسمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ويسأل من حضر - اذا غاب - عن قوله وفعله . وروى البيهقى فى المدخل عن الزهرى أنه قال : لا يعدل برأى ابن عمر فانه أقام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ستين سنة فلم يخف عليه شىء من أمره ولا من أمر أصحابه . . وعن مالك أنه قال : ( أقام ابن عمر بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ستين سنة تقدم عليه وفود الناس ) وقد جنبه ابوه الخلافة وجعل رأيه فى أصحاب الشورى استشاريا فقط لذلك كان ابن عمر على الحياد فلم يدخل فى شىء من الفتن والحروب التى وقعت بين الصحابة بل توفر على العلم والعبادة . ١٤٢ وقد كان عبد الله معدودا من المكثرين لرواية الحديث وساعده على ذلك أمور : ١ - تقدم اسلامه ، وانفساح عمره، وشدة ملازمته لمجالس النبى صلى الله عليه وسلم ، وكثرة اتباعه لآثاره ، وسؤاله إذا غاب عن قوله وفعله ، مما يدل على شغفه بالعلم وتحصيل الحديث . ٢ - اتصاله بالنبى صلى الله عليه وسلم بطريق المصاهرة، فقد كانت أخته حفصة زوجة النبى صلى الله عليه وسلم فسهل عليه مخالطته فى أغلب الأوقات . ٣ - زهده فى الدنيا والامارة ، ومجانبته للحروب التى شبت بين الصحابة مما أعانه على التفرغ للحديث تحملا وأداء . لهذا كله كان عبد الله من المكثرين ، فقد روى له ألف وستمائة وثلاثون حديثا اتفق الشيخان من ذلك على مائة وسبعين وانفرد البخارى بواحد وثمانين ومسلم بواحد وثلاثين . والباقى رواه غيرهما . كانت وفاته رضى الله عنه سنة ٧٣ هـ بعد مقتل عبد الله بن الزبير بثلاثة أشهر وعمره سبع وثمانون عاما على المعتمد . عبد الله بن عمرو بن العاص هو ابو محمد عبد الله بن عمرو بن العاص القرشى السهمى . أسلم. قبل أبيه وكان مجتهدا فى العبادة مكثرا لتلاوة القرآن كما كان أكثر الناس أخذا للحديث والعلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . روى البخارى فى كتاب العلم أن أبا هريرة قال : ( ما كان أحد أكثر حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم منى الا ما كان من عبد الله بن عمرو فانه كان يكتب ولا أكتب ) وجاء عنه أنه كان يكتب كل ما يسمعه من النبى ١٤٣ صلى الله عليه وسلم فنهته الصحابة عن ذلك وقالوا له أن النبى صلى الله عليه وسلم يتكلم فى الغضب والرضا فلا تكتب كل ما تسمع فسأل النبى صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال له اكتب فوالذى نفسى بيده ماخرج منهما الا حق يعنى شفتيه الكريمتين ، وجاء عن عائشة رضى الله عنها أنها قالت لعروة بن الزبير : ( يا ابن أختى بلغنى أن عبد الله بن عمرو مار بنا الى الحج فالقه فاسأله فانه قد حمل عن النبى صلى الله عليه وسلم علما كثيرا) - وروى ابن سعد عن مجاهد أنه قال : ( رأيت عند عبد الله بن عمرو بن العاص صحيفة فسألت عنها فقال : هذه الصادقة ، فيها ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ليس بينى وبينه فيها أحد ) . وروى ابن سعد أيضا عن عبد الله بن عمرو أنه قال: ( استأذنت النبى صلى الله عليه وسلم فى كتابة ماسمعت منه فأذن لى فكتبته فكان عبد الله يسمى صحيفته تلك الصادقة ) اهـ . من هذا ترى أن عبد الله بن عمرو قد توفر لديه من أسباب التحمل للحديث والاكثار منه مالم يتوفر لغيره فقد تقدم اسلامه وحفظ الحديث يصدره ووعاه بقلبه ودونه بقلمه فى الصحف حتى نقل عنه أنه قال ( حفظت عن النبى صلى الله عليه وسلم ألف مثل ) . لماذا كانت مروياته أقل من مرويات أبى هريرة وقد يقال أن أبا هريرة لم يكن يكتب الحديث مثل عبد الله بن عمرو ومع ذلك ما روى عنه أضعاف ماروى عن عبد الله فكيف يتفق هذا مع ما رواه البخارى عن أبى هريرة . والجواب أن السبب فى كثرة ما روى عن أبى هريرة وقلة ما روى عن عبد الله بن عمرو مع أنه تحمل أكثر منه أمور منها : - ١٤٤ أولا - أن عبد الله كان مشتغلا بالعبادة أكثر من اشتغاله بالتعليم. فقلت الرواية عنه بخلاف أبى هريرة فقد كان متصدرا للتحديث . ثانيا - إن عبد الله كان أكثر مقامه بعد الفتوح بمصر أو بالطائف ولم تكن الرحلة اليهما من طلاب الحديث كالرحلة الى المدينة . وكان أبو هريرة مقيما بالمدينة متصديا للفتوى والتحديث إلى أن مات . ويظهر هذا فى كثرة من أخذ الحديث عن أبى هريرة فقد بلغ عددهم ثمانمائة نفس من التابعين ولم يقع هذا لغيره من الصحابة على ماسبق لك . ثالثا - ما اختص به أبو هريرة من دعوة النبى صلى الله عليه وسلم بألا ينسى ما يحدثه به كما سبق ذلك فى ترجمته . رابعا - ان عبد الله بن عمرو كان قد وقع له بالشام كتب من كتب أهل الكتاب فكان ينظر فيها ويحفظ منها جملا ويحدث بها فتجنب التحمل عنه لذلك كثير من أئمة التابعين . لهذه الاسباب نجد أن ماروى عنه من الحديث لايتناسب مع غزارة علمه وكثرة ماحفظه وكتبه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يصلنا عنه سوى سبعمائة حديث اتفق الشيخان منها على سبعة عشر وانفرد البخارى بثمانية ومسلم بعشرين . روى عن عبدالله بن عمرو خلائق كثيرون من التابعين منهم سعيد بن. المسيب وعروة وأبو سلمة وحميد ابنا عبد الرحمن ، ومسروق وغيرهم وتوفى بمصر على أحد الأقوال سنة ٦٣ من الهجرة عن اثنين وسبعين عاما عاش منها بعد الرسول صلى الله عليه وسلم ثلاثة وخمسين عاما . عبد الله بن مسعود هو أبو عبد الرحمن عبد الله بن مسعود ينتهى نسبه الى هذيل بن ١٤٥ مدركة بن الياس واسم أمه أم عبد بنت عبدود بن سواء بن هذيل أيضا أسلمت وهاجرت . أسلم عبد الله قديما حين أسلم سعيد بن زيد قبل اسلام عمر بن الخطاب بزمان . جاء عنه أنه قال: ( لقد رأيتنى سادس ستة ما على الأرض مسلم غيرنا) وهاجر الى الحبشة ثم الى المدينة ، وشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدرا وأحدا والخندق وبيعة الرضوان وسائر المشاهد. وهو الذى أجهز على أبى جهل يوم بدر كما شهد اليرموك . وهو صاحب نعل رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يلبسه أياها اذا قام فاذا خلعها وجلس جعلها ابن مسعود فى ذراعه . وكان كثير الدخول على رسول الله صلى الله عليه وسلم والخدمة له . ففى الصحيحين أن أبا موسى الأشعرى قال: (( قدمت أنا وأخى من اليمن فمكثنا حينا لانرى ابن مسعود وأمه الا من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نرى من كثرة دخوله ودخول أمه على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولزومه له )) . ولتقدم اسلامه وملازمته للنبى صلى الله عليه وسلم وشغفه بالأخذ عنه عد من كبار الصحابة ، وفضلائهم وفقهائهم ، والمقدمين فى القرآن والحديث والفتوى ، حتى شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنبوغ فى القرآن وعلومه فقال فيما رواه الشيخان : ( خذوا القرآن من أربعة : من عبد الله، وسالم مولى أبي حذيفة، ومعاذ، وأبى بن كعب) ونطق هو رضى الله عنه متحدثا بنعمة العلم فقال كما جاء فى صحيح مسلم : ( والذى لاإله غيره ما من كتاب الله سورة الا وأنا أعلم حيث أنزلت وما من آية الا وأنا أعلم فيم نزلت ، ولو علمت أن أحدا هو أعلم بكتاب الله منى تبلغه الأبل لركبت اليه ) . ١٤٦ وقد عرف كبار الصحابة له أيضا منزلته فى العلم ورسوخه فيه فهذا عمر بن الخطاب رضى الله عنه يكتب الى أهل الكوفة ( بعثت اليكم عمارا أميرا ، وعبد الله بن مسعود معلما ووزيرا ، وهما من النجباء من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومن أهل بدر ، فاقتدوا بهما ، وقد آثرتكم بعبد الله على نفسى ) وناهيك بهذه الشهادة من مثل عمر ابن الخطاب لاسيما قوله ((وقد آثرتكم بعبد الله على نفسى )) وعمر هو عمر الذى جعل الله الحق على لسانه وقلبه والذى كان يرى الرأى فينزل به القرآن وانما يعرف الفضل من الناس ذووه . وهذا أبو الدرداء يقول حين توفى ابن مسعود ( ماترك بعده مثله ) . روى الحديث عن ابن مسعود خلق كثير : فمن الصحابة أبو موسى الأشعرى وعمران بن حصين وابن عباس وابن عمر وجابر وأنس وابن الزبير وأبو سعيد الخدرى وأبو هريرة وأبورافع الى غير هؤلاء من الأعلام. ومن التابعين علقمة وأبو وائل والأسود ومسروق وعبيدة وقيس ابن أبى حازم وغيرهم من كبار التابعين . مروياته : روى لابن مسعود عن النبى صلى الله عليه وسلم ثمانمائة وثمانية وأربعون حديثا ، اتفق الشيخان منها على أربعة وستين حديثا ، وانفرد البخارى بأحد وعشرين حديثا ، ومسلم بخمسة وثلاثين حديثا . كنا ننتظر أن يبلغنا عن ابن مسعود اضعاف ما بلغنا عنه من الحديث ، لما رأيت من تقدم اسلامه وشدة ملازمته لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، الأمر الذى مكنه من تحمل كثير عنه ، فقد شاهد عصر النبوة جميعه ، مع ملازمته للنبى صلى الله عليه وسلم وشدة حرصه على الحديث ١٤٧ وقوة حفظ وزهد فى الدنيا وتفرغ لتحصيل العلم ، ولكنه لم تطل به الحياة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلم يتسع له زمن الأداء كما اتسع لأبى هريرة وغيره ممن ذكرنا . توفى ابن مسعود بالكوفة وقيل بالمدينة سنة ٣٢ هـ عن بضع وستين سنة . تفاوت الصحابة فى رواية الحديث كان الصحابة رضى الله عنهم معنيين بحفظ الحديث وكانوا يختلفون فى ذلك قلة وكثرة ولذلك أسباب خاصة تعرف من ترجمة كل صحابى على حدة وأسباب عامة نجملها لك فيما يلى : - أولا - الاشتغال بالخلافة والحروب عاق كثيرا من الصحابة عن تحمل الحديث وروايته كما فى الخلفاء الأربعة وطلحة والزبير ، وعلى العكس من ذلك مكن التفرغ من هذه الشواغل لكثير من الصحابة فى كثرة التحمل والاداء كما فى أبى هريرة وعائشة وابن عمر وغيرهم ثانيا - طول الصحبة للنبى صلى الله عليه وسلم وكثرة ملازمته سفرا وحضرا وانفساح الأجل بعد وفاته كان مدعاة للاكثار من تحمل الحديث وروايته كما فى ابن مسعود وأبى هريرة وجابر بن عبد الله وأنس وابن عمر وغيرهم ولهذا قلت أو عدمت رواية من مات فى عهد النبوة أو بعدها بقليل كما قلت رواية من لم تطل صحبته أو لم تكثر ملازمته للنبى صلى الله عليه وسلم . ثالثا - تجدد الحوادث واحتياج الناس الى بيان احكامها كان سببا فى كثرة الاداء والرواية ، والحرص على طلب الحديث ، حتى تعرف الأحكام الشرعية في مثل هذه الحوادث ، التي لم يكن لهم عهد بمثلها فلهذا ١٤٨ بادر الصحابة الى اظهار ما عندهم من السنن وتلقاها عنهم الناس بقبول ولهفة . رابعا - وقوع الفتنة وظهور الكذب فى الحديث من بعض الفرق كالشيعة والخوارج الذين وضعوا كثيرا من الحديث كان داعيا الى قلة الأحاديث التى تروى والى التشدد فيمن يؤخذ عنه الحديث من الرواة . ومن هنا قلت مرويات على رضى الله عنه مما جعل أصحاب الحديث يستمدون أحاديثه من أصحاب ابن مسعود كعبيدة السلمانى وشريح وأبى وائل ونحوهم أو من أهل بيته الأثبات ويرفضون ماوراء ذلك . خامسا - كثرة الاتباع وقلتهم ونشاطهم وخمولهم كان له أكبر الأثر فى كثرة الرواية وقلتها عن الصحابة رضى الله عنهم . فعثمان بن عفان لم يصلنامعظم أحاديثه لقلة الآخذين عنه بسبب اشتغاله بالخلافة والحروب وجمع القرآن الكريم الى غير ذلك . سادسا - قوة الحافظة وتقييد الحديث بالكتابة كانا عاملين من عوامل الاكثار من الرواية . كما فى أبى هريرة وعبد الله بن عمرو بن العاص ومن على شاكلتهما . سابعا - التفرغ للعبادة والتحرج من رواية الحديث على غير اللفظ المسموع من رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل كثيرا من الصحابة يحجمون عن رواية الأحاديث أو يقلون منها مع اعتمادهم فى تبليغ الحديث على كثرة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين نصبوا انفسهم لمهمة الرواية والأداء . ثامنا - أن يكون الطريق الى الصحابى ضعيفا فيترك أصحاب الصحيح تخريج حديثه كما فى أبى عبيدة بن الجراح أمين هذه الأمة لم يصح اليه الحديث من جهة الناقلين فلم يخرج له فى الصحيحين (١). (١) معرفة علوم الحديث للحاكم ص ١٣٠. ١٤٩ أكثر الصحابة حديثا هذه خلاصة العوامل التى أدت الى كثرة الحديث عن بعض الصحابة وقلته عن البعض الآخر لذا كان منهم المكثر ومنهم المقل فأكثرهم حديثا أبو هريرة ثم عبد الله بن عمر بن الخطاب ثم أنس بن مالك ثم ابن عباس ثم جابر بن عبد الله ثم أبو سعيد الخدرى ثم عائشة أم المؤمنين . وليس فى الصحابة من يزيد حديثه على الف غير هؤلاء . قال الامام محمد بن سعد فى الطبقات : - ( قال محمد بن عمر الاسلمى : انما قلت الرواية عن الأكابر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنهم ماتوا قبل أن يحتاج اليهم وانما كثرت عن عمر ابن الخطاب وعلى بن أبى طالب لانهما وليا فسئلا وقضيا بين الناس ، وكل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا أئمة يقتدى بهم ،ويحفظ عنهم ما كانوا يفعلون ويستفتون فيفتون وسمعوا أحاديث فأدوها فكان الاكابر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أقل حديثا عنه من غيرهم مثل أبى بكر وعثمان وطلحة والزبير وسعد بن أبى وقاص وعبد الرحمن بن عوف وأبى عبيدة بن الجراح وسعيد بن زيد بن عمروبن تفيل وأبى بن كعب وسعد بن عبادة وعبادة بن الصامت وأسيد بن حضير ومعاذ بن جبل ونظرائهم ، فلم يأت عنهم من كثرة الحديث مثل ماجاء عن الأحداث من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، مثل جابر بن عبد الله وأبى سعيد الخدرى وأبى هريرة وعبد الله بن عمر بن الخطاب وعبد الله بن عمرو بن العاص وابن عباس ورافع بن خديج وأنس والبراء ابن عازب ونظرائهم ، لأنهم بقوا وطالت أعمارهم فى الناس ، فاحتاج الناس اليهم ، فمضى كثير من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قبله وبعده بعلمه لم يؤثر عنه شىء ، ولم يحتج اليه لكثرة أصحاب ١٥٠ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومنهم من لم يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا، ولعله أكثر له صحبة ومجالسة وسماعا من الذى حدث عنه ولكنا حملنا الأمر فى ذلك منهم على التوقى فى الحديث ، وعلى أنه لم يحتج اليه لكثرة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعلى الاشتغال بالعبادة والأسفار فى الجهاد فى سبيل الله حتى مضوا فلم يحفظ عنهم عن النبى صلى الله عليه وسلم شىء ) اهـ . الرد على شبه وردت على عدالة الصحابة وضبطهم لرواية الحديث ١ - ربما يقول قائل: كيف يعتمد فى نقل السنة المشرفة على الصحابة من غير أن نضعهم فى ميزان التعديل والتجريح وهل صنيع أبى بكر وعمر وعلى فى اشتراطهم الشهادة أو اليمين على سماع الصحابة للحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم الا اقرار لهذا المبدأ وهو البحث عن أحوالهم كسائر الرواة . والجواب : اننا لم نبلغ بهم درجة النبوة ولكننا اثبتنا لهم حالة من الاستقامة فى الدين تمنعهم من تعمد الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم . وهذه الحالة دل عليها القرآن الكريم والسنة الصحيحة واجماع من يعتد به من المسلمين قال تعالى: ((والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضى الله عنهم ورضوا عنه )) الآية . فهذه الآية تدل على أن الله تعالى رضى عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم السابقين منهم الى الاسلام واللاحقين وهو سبحانه لا يرضى عن الكاذب وقد قدمنا لك الروايات الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمدحهم والثناء عليهم . ١٥١ أما من لابس الفتن منهم كطلحة والزبير ومعاوية وعلى رضى الله عنهم فكانوا فى ذلك مجتهدين يرى كل منهم أن الحق فى جانبه وعليه أن يدافع عنه وقد تقرر فى الشريعة أن المجتهد مأجور على كل حال أخطأ أم أصاب الا انه ان اصاب فله أجران وان اخطأ فله أجر واحد. وقد أخبر الله تعالى بأنه رضى عن الذين بايعوا نبيه صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة فقال : ( لقد رضى الله عن المؤمنين اذ يبايعونك تحت الشجرة ) وكان من هؤلاء المبايعين الذين رضى عنهم الله سبحانه من دخل الفتن كطلحة والزبير رضى الله عنهما فثبت بهذا أن الصحابة كلهم عدول من لابس الفتن وغيرهم . وأما ماوقع من الخلفاء الثلاثة أبى بكر وعمر وعلى رضى الله عنهم فانما كان من قبيل التثبت عند قيام عارض الشك فى ضبط الراوى لا فى صدقه وعدالته . يدل على ذلك قول بعضهم للراوى ( أما انى لم أتهمك ولكنى أحببت أن أتثبت ) ولئلايتساهل الناس فى باب الرواية على ما قدمنا . هذا وقد اعتاد فريق من كتاب هذا العصر أن يطلقوا ألسنتهم فى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كمعاوية وعمرو بن العاص وأبى هريرة رضى الله عنهم وهذا أثم كبير باتفاق علماء المسلمين قال شيخ الاسلام ابن تيمية: (( من لعن أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضى الله عنهم كمعاوية وعمرو بن العاص أو من هو أفضل من هؤلاء كأبى موسى الأشعرى وأبى هريرة أو من هو أفضل من هؤلاء كطلحة والزبير وعثمان وعلى وأبى بكر وعمر وعائشة فإنه يستحق العقوبة البليغة باتفاق المسلمين وتنازعوا هل يعاقب بالقتل أو مادون القتل وقد ثبت فى الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تسبوا أصحابى فو الذى ١٥٢ تفسى بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا مابلغ مد أحدهم ولا نصيفه ) واللعنة أعظم من السب وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم ( لعن المؤمن كقتله ) وأصحابه خيار المؤمنين كما قال ( خير القرون قرنى ثم الذين يلونهم) وكل من رآه وآمن به فله من الصحبة بقدر ذلك)) اهـ (١). ٢ - كيف نعتمد فى نقل السنة وروايتها على الصحابة وهم بشر كغيرهم من الرواة يقع منهم الخطأ ويدركهم السهو والنسيان . والجواب : ان هذا قول من لم يقف على مبلغ استعدادهم الفطرى للحفظ ، وحميتهم الدينية فى المحافظة على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم . فالصحابة رزقوا حوافظ قوية ، وقرائح وقادة ، ساعدتهم كثيرا على حفظ الحديث وضبطه ، وهم يعلمون أن الحديث أصل من أصول الدين ، فضبطوه بالمذاكرة ، وتعهدوه بالدرس والتعليم ، حتى تثبتوا منه كل التثبت . يضاف الى ذلك أن الخلفاء الراشدين انتهجوا فى رواية السنة خطة حكيمة ، فسنوا للناس سنة التثبت ، وطالبوا الراوى بالبينة عند عروض الشك . وكل هذه العوامل أثرت فى اتجاه الرواية ، فلم يندفع الصحابة فى الاكثار الذى لا يؤمن عثاره . لذلك قل السهو والنسيان منهم وانعدم الخطأ أو ندر وكان أحدهم اذا سها أو أخطأ فى الرواية ذكره غيره ممن يحفظ الحديث على وجهه . وما جاء من اختلاف بعض الأحاديث فذلك من قبيل الرواية بالمعنى ، وقد أجازها علماء المسلمين من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين كأبى حنيفة والشافعى والحسن البصرى . ويستأنس لذلك بما رواه الطبرانى فى معجمه الكبير وابن منده فى معرفة الصحابة من حديث سليمان ابن اكيمة الليثى أنه قال : قلت يا رسول الله انى أسمع منك الحديث (١) مختصر الفتاوى المصرية ص ٤٧٨ وما بعدها . ١٥٣ لا أستطيع أن أؤديه كما أسمع منك أزيد حرفا أو أنقص حرفا فقال : اذا لم تحلوا حراما أو تحرموا حلالا واصبتم المعنى فلا بأس . ٣ - فان قلت ما تقول فى الحديث الصحيح وهو قوله صلى الله عليه وسلم : (( ليردن على الحوض أقوام ثم ليختلجن دونى فأقول يارب أصيحابى أصيحابى فيقال لى أنك لا تدري ما أحدثوا بعدك أنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم )) وهو يفيد أن فريقا من الصحابة قد ارتد بعد وفاته صلى الله عليه وسلم وهذا ينافى القول بعدالتهم على الاطلاق . والجواب : أن النبى صلى الله عليه وسلم لم يرد بالاقوام فى الحديث أصحابه الذين صدقوا فى الايمان وانما أراد بهم نفرا قليلا كانوا من المنافقين الذين لم يخلصوا الايمان وفيهم يقول الله تعالى: ( وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون الى عذاب عظيم ) وهؤلاء كانوا يشهدون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المشاهد ويحضرون معه المغازى لا لإعلاء كلمة الله بل لأغراض أخرى كطلب الغنيمة أو تثبيطهم المؤمنين أو نحو ذلك فكانوا فى الظاهر معدودين من الصحابة وهم فى الواقع كفار وقد أظهروا ماكانوا يضمرون بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكفر والعداوة للمؤمنين وارتدوا عن الأسلام وأما الأصحاب الصادقون فلم يكن من أحد منهم ردة أصلا وجميعهم مات على الايمان والحمد لله . ٤ - ((أبو هريرة رضى الله عنه وما قيل فيه )) طعن أرباب الأهواء قديما وحديثا فى أبى هريرة رضى الله عنه ١٥٤ ليتخلصوا من أحاديثه التى تقف دون أهوائهم ، وترد کیدهم فىنحورهم ، وسندهم فى هذه المطاعن اما روايات مكذوبة أو ضعيفة واما روايات. صحيحة لم يفهموها على وجهها بل تأولوها تأويلا باطلا يتفق وأهواءهم وانا لذاكرون لك بعضا من هذه الطعون والجواب عنها بإيجاز ليكون ذلك نموذجا يحتذى فى الدفاع عن هذا الصحابى الجليل فنقول. وبالله التوفيق : (١) مما طعن به أهل الأهواء فى صدق أبى هريرة رضى الله عنه. (( حديث الوعاءين)» وهو مارواه البخارى فى باب حفظ العلم من كتاب العلم عن أبى هريرة قال: (( حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعاءين فأما أحدهما فبثثته وأما الآخر فلو بثئته قطع هذا البلعوم)». قالوا : هذا الحديث لو صح لترتب عليه أن يكون النبى صلى الله. عليه وسلم قد كتم شيئا من الوحى عن جميع الصحابة سوى أبى هريرة وذلك لا يجوز بإجماع المسلمين . والجواب : أنه ليس فى الحديث ما يفيد أن رسول الله صلى الله عليه. وسلم قد اختصه بهذا الوعاء دون غيره من الصحابة وعلى تقدير أنه اختصه بهذا الوعاء دون غيره من الصحابة فليس فيه شىء من كتمان الوحى الذى أمر الله رسوله أن يبلغه الناس قال ابن كثير: (( هذا الوعاء الذى كان لا يتظاهر به هو الحروب والفتن والملاحم وما وقع بين الناس من الحروب والقتال وما سيقع )) أهـ فالأخبار عن بعض الحروب والملاحم التى ستقع ليس مما يتوقف عليه شىء من أصول الدين أو فروعه فيجوز للنبى صلى الله عليه وسلم أن يخص بمثل هذا النوع من الوحى. شخصا دون آخر أو فريقا دون فريق . ١٥٥ (ب) ومما اتخذ شبهة على صدق أبى هريرة فى الحديث أنه كان يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (( من أدرك الصبح وهو جنب فلا يصم )) ويفتى به الناس فبلغ ذلك عائشة وأم سلمة رضى الله عنهما فأنكرتا عليه وذكرتا (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدركه الفجر وهو جنب من أهله ثم يغتسل ويصوم)» فرجع الى حديثهما وقال : كذلك حدثنى الفضل بن العباس وأسامة بن زيد عنه صلى الله عليه وسلم ، وأمهات المؤمنين أعلم بمثل ذلك من الرجال . والجواب : أن أبا هريرة لم يسمع الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم وانما سمعه من الفضل وأسامة عنه صلى الله عليه وسلم وهما من أهل الصدق والأمانة ولكن لما ترجح لديه حديث عائشة وأم سلمة رجع اليه وترك فتواه اتباعا للحق وأما حديث الفضل وأسامة فقد أجاب عنه العلماء بأجوبة ( منها ) أنه معارض بما هو أقوى منه فيترك العمل به الى الأرجح ( ومنها ) أنه كان فى مبدأ فرض الصيام حين كان الأكل والشرب والجماع محرما بعد النوم ثم أباح الله ذلك كله إلى طلوع الفجر فكان للمجامع أن يستمر الى طلوعه فيلزم أن يقع اغتساله بعد طلوع الفجر فدل على أن حديث عائشة وأم سلمة ناسخ لحديث الفضل وأسامة ولم يبلغهما ولا أبا هريرة الناسخ فاستمر أبو هريرة على الفتيا به ثم رجع عنه بعد ذلك لما بلغه قال فى فتح البارى ( ٤ - ١٢٨) : ((وفيه فضيلة لأبى هريرة لاعترافه بالحق ورجوعه اليه )). (جـ) قالوا : روى أبو هريرة حديث ( لاعدوى ولا صفر ولا هامة) فقال أعرابى يارسول الله فما بال الابل تكون فى الرمل كأنها الظباء فيخالطها البعير الأجرب فيجربها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( فمن أعدى الأول ) . ١٥٦ وروى أيضا حديث (لا يوردن مشمرض على مصح٢) أى صاحب ابل مريضة على صاحب أبل صحيحة مخافة العدوى . قالوا : وبين الحديثين تناقض اذ الحديث الأول ينفى العدوى والثانى. يثبتها والنبى صلى الله عليه وسلم لا يتكلم بمثل هذا فدار الأمر بين كذب أبى هريرة أو نسيانه فى الرواية فان قلنا بكذبه ارتفعت الثقة بمروياته وان قلنا بنسيانه ناقض حديث ضم الرداء وقوله فيه ( فوالذى نفسى بيده ما نسيت منه شيئا بعد ) . والجواب : أنه لاتناقض بين الحديثين فحديث ( لاعدوى ) معناه تفىأنتكون العدوی مؤثرة بذاتها دون ارادته تعالی ، وحديث (لا يوردن ممرض على مصح ) المقصود منه ألا يورد صاحب الابل المريضة ابله على ابل صحيحة لئلا تمرض فيتوهم الناس أن ذلك المرض جاء للابل الصحيحة من طريق العدوى بدون اذنه تعالى ولك أن تقول أن المقصود من الحديث الثانى هو اثبات العدوى من طريق السببية العادية التى يجوز فيها تخلف المسبب عن سببه فنهى النبى صلى الله عليه وسلم عن تلك المخالطة من باب اتقاء أسباب الهلاك العادية امتثالا لقوله تعالى ( ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ) - واذا لم يكن بين الحديثين تناقض فلا كذبولا نسيان . نعم ثبت أن أبا هريرة كان يروى الحديثين جميعا فى بعض المجالس وكان يقتصر على رواية أحدهما فى بعضها فاقتصرمرة على رواية الحديث الثانی فقيل له أنك رويت حديث (لاعدوى) فرطن بالحبشية وأنكر على من قال له ذلك فظن أبو سلمة ((الراوى للحديثين عنه )) أن أعراضه عن رواية حديث ( لاعدوى ) فى ذلك المجلس نسيان منه لروايته ويجاب عن ١٥٧ ذلك بأن اعراضه عن روايته هذا الحديث ليس من قبيل النسيان كما فهم أبو سلمة وانما هو من باب مراعاة حال من يحدثهم ولذلك يقول القرطبى فى المفهم : ( يحتمل أن يكون أبو هريرة خاف اعتقاد جاهل يظنهما متناقضين فسكت عن أحدهما وكان اذا أمن ذلك حدث بهما جميعا) اهـ وان أردت زيادة على ذلك فارجع الى فتح البارى فى باب لاهامة من كتاب الطب . (د) قالوا : كان أبو هريرة يدلس فى الحديث فيروى عن النبى صلى الله عليه وسلم مالم يسمعه منه كما فى حديث ( من أصبح جنبا فلا صوم له ) وقد تقدم والتدليس أخو الكذب . والجواب عن ذلك : أن أبا هريرة بحكم تأخر اسلامه الى سنة سبع من الهجرة قد فاته كثير من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان عليه ليستكمل علمه بالحديث أن يأخذه عن الصحابة الذين سمعوه من النبى صلى الله عليه وسلم شأنه فى ذلك شأن سائر الصحابة الذين لم يحضروا مجالسه صلى الله عليه وسلم ، أما لاشتغالهم ببعض أمور الدنيا ، واما لحداثة أسنانهم ، وأما لتأخر اسلامهم ، أو لغير ذلك ، يؤيد ذلك ما ثبت عن حميد قال: كنا مع أنس بن مالك فقال: (( والله ما كل ما نحدثكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعناه منه ، ولكن لم يكن يكذب بعضنا بعضا)) رواه الطبرانى فى الكبير ورجاله رجال الصحيح. وعن البراء قال: (( ما كل الحديث سمعناه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كان يحدثنا أصحابه عنه ، كانت تشغلنا عنه رعية الابل )) رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح ورواه الحاكم أيضا فى المستدرك بلفظ : « ليس كلنا سمع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت لنا ضيعة ١٥٨ وأشغال ولكن الناس كانوا لا يكذبون يومئذ ويحدث الشاهد الغائب) قال الحاكم صحيح على شرطهبا ولم يخرجاه وأقره الذهبى . ولا ينبغى أن يعد حذف الصحابى الذى سمع الحديث ولقنهم اياه من قبيل التدليس اذ الصحابة كلهم عدول باجماع أهل الحق . وخلاف العلماء فى الاحتجاج بالمرسل انما كان للجهل بحال المحذوف وذلك لا يتأتى ههنا ولذلك يقول ابن الصلاح فى مقدمته: (( مرسل الصحابى مثل ما يرويه ابن عباس وغيره من أحداث الصحابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يسمعوه منه فى حكم الموصول المسند لأن روايتهم عن الصحابة والجهالة بالصحابى غير قادحة لأن الصحابة كلهم عدول)) اهـ وقال السيوطى فى التدريب : ( أما مرسل الصحابى كأخباره عن شىء فعله النبى صلى الله عليه وسلم أو نحوه مما يعلم أنه لم يحضره لصغر سنه أو تأخر اسلامه فمحكوم بصحته على المذهب الصحيح الذى قطع به الجمهور من أصحابنا وغيرهم وأطبق عليه المحدثون المشترطون للصحيح القائلون بضعف المرسل وفى الصحيحين من ذلك ما لا يحصى لأن أكثر رواياتهم عن الصحابة وكلهم عدول ورواياتهم عن غيرهم نادرة واذا رووها بينوها بل أكثر ما رواه الصحابة عن التابعين ليس أحاديث مرفوعة بل اسرائيليات أو حكايات أو موقوفات ) أهـ ومن ذلك كله يتبين أنه لا كذب من أبى هريرة اذ أنه لم يقل فى هذا الضرب من الحديث : (( سمعت رسول الله يقول كذا أو رأيته يفعل كذا )) بل كان يقول: (( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا أو فعل كذا وما شابه ذلك)) - كما أنه لا تدليس منه أيضا لأن الراوى المحذوف من الصحابة والاجماع قائم على عدالتهم . ١٥٩ (هـ) قالوا: نهاه عمر عن التحديث، وقال له: ((لتتركن الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو لألحقنك بأرض دوس)) وهذا من عمر يدل على كذب أبى هريرة . والجواب : ان أبا هريرة كان يرى لزاما عليه أن يحدث الناس بما سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، خروجا من اثم كتمان العلم ، وقد ألجأه ذلك الى أن يكثر من رواية الحديث ، فكان فى المجلس الواحد يسرد الكثير من أحاديثه صلى الله عليه وسلم . ولكن عمر رضى الله عنه كان يرى أن يشتغل الناس أولا بالقرآن ، وأن يقلوا الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فى غير أحاديث العمل ، وأن لا يروى للناس أحاديث الرخص لئلا يتكلوا عليها ولا الأحاديث المشكلة التى تعلو على أفهامهم ، كما أنه كان يخاف على المكثرين الخطأ فى رواية الحديث الى غير ذلك ، ومن أجل ذلك كله نهى عمر الصحابة عن الاكثار من الرواية ، وأغلظ لأبى هريرة القول وهدده بالنفى لأنه كان أكثر الصحابة رواية للأحاديث أفاد ذلك الحافظ ابن كثير ثم قال: (( وقد جاء أن عمر أذن له بعد ذلك فى التحديث فقال مسدد حدثنا خالد الطحان حدثنا يحيى بن عبد الله عن أبيه عن أبى هريرة قال : بلغ عمر حديثى فأرسل الىّ فقال : كنت معنا يوم كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى بيت فلان قال قلت نعم ، وقد علمت لم تسألنى عن ذلك ، قال ولم سألتك ، قلت ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يومئذ: ( من كذب علىّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ) قال أما اذن فاذهب فحدث)) أهـ من البداية والنهاية (٨ - ١٠٦، ١٠٧). ( و) قالوا: ولم يكن عند أبى هريرة رصيد من الأحاديث أكثر ١٦٠ من غيره ، وانما الذى جعله يتفوق على غيره من الصحابة فى كثرة الرواية أنه استجاز لنفسه أن ينسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كل كلام حسن ، قاله أو لم يقله ، مما هو خارج عن دائرة الحلال والحرام، كالحث على مكارم الأخلاق ، وأخبار الجنة والنار . قالوا : وسند أبى هريرة فى ذلك أحاديث رواها عن النبى صلى الله عليه وسلم منها : ١ - (( اذا لم تحلوا حراما ولم تحرموا حلالا وأصبتم المعنى فلا بأس )) . ٢ - (( اذا حدثنم عنى بحديث يوافق الحق فخذوا به حدثت به أو لم أحدث)) . ٣ - (( ما بلغكم عنى من قول حسن لم أقله فأنا قلته)). والجواب عن ذلك : أن كثرة أحاديث أبى هريرة مع تأخر اسلامه لا ترجع الى ما زعموه ، وانما ترجع الى انقطاعه عن الدنيا الى مجالسه صلى الله عليه وسلم وملازمته اياه سفرا وحضرا ، والى دعاء النبى صلى الله عليه وسلم له ألا ينسى شيئا من حديثه ، والى أنه عاش بعد وفاته صلى الله عليه وسلم نحوا من خمسين عاما يأخذ عن الصحابة ما فاته من الأحاديث ثم يرويها للناس . وأما زعمهم أنه استجاز لنفسه أن يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فى غير الحلال والحرام فباطل من وجوه : ١ - أن أبا هريرة من رواة حديث ( من كذب علىّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ) وثبت عنه أنه كان يذكره بين يدى ما يريد أن يرويه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فى كثير من مجالسه . ٢ - وأن الصحابة قد أقروه على رواية الأحاديث ، ورووها عنه ،