النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١ النبى يعمل على نشر الكتابة هذا ولما جاء الاسلام أخذ بيد العرب الى ترقية الكتابة والنهوض بها والعمل على نشرها، وكان للكتابة منزلة عظيمة فى حفظ الوحى وتبليغ الرسالة الى الملوك وأهل الآفاق . لذا كانت عناية النبى صلى الله عليه وسلم بها شديدة ، فقد انتهز أول فرصة لنشر الكتابة بين المسلمين فجعل فداء بعض الأسرى فى بدر ممن يعرفون الكتابة أن يعلم الواحد منهم عشرة من صبيان المسلمين بالمدينة القراءة والكتابة ، ولا يطلق إلا بعد أن يتم تعليمهم . كتابة القرآن والرسائل وقد استعمل النبى صلى الله عليه وسلم الكتابة فى تدوين ما ينزل من القرآن ، وفى ارسال الرسائل الى الملوك يدعوهم فيها الى الاسلام، واتخذ لذلك كتابا من الصحابة . فأول من كتب له بمكة من قريش عبد الله ابن سعد بن أبى سرح لكنه ارتد وهرب من المدينة إلى مكة ثم عاد الى الاسلام بعد الفتح وأول من كتب له بالمدينة أبى بن كعب وكان اذا غاب دعا النبى صلى الله عليه وسلم زيد بن ثابت فكتب له وكان زيد وأبى يكتبان الوحى والرسائل أيضاثم لما فتحت مكة وأسلم معاوية بن أبى سفيان كان يكتب للنبى الوحى وغير هؤلاء كثير كانوا يكتبون لرسول الله صلى الله عليه وسلم كالخلفاء الراشدين وآبان بن سعيد وزيد بن آرقم وحنظلة بن الربيع (١) . هذا وقد كتب القرآن كله بين يدى النبى صلى الله عليه وسلم على الرقاع والأضلاع والحجارة الرقاق لأن الورق المعروف الآن لم يكن قد وجد عند العرب فى زمن النبى صلى الله عليه وسلم ، وقد كان نزول (١) فتوح البلدان ص ٤٥٨ . ١٢٢ القرآن متفرقا على حسب الحوادث والأسئلة ، فكانت الآية تنزل على النبى صلى الله عليه وسلم فيأمر كاتب الوحى بكتابتها فى موضع كذا من سورة كذا ، وقد مكث الأمر على هذا الحال ثلاثة وعشرين عاما ((على أحد الأقوال)) من يوم مبعث النبى صلى الله عليه وسلم الى أن توفاه الله . هل كتب الحديث فى حياة النبى صلى اللّه عليه وسلم كما كتب القرآن ؟ حكمة النهى عن كتابة الحديث نزل القرآن كما قدمنا لك منجما آية آية وسورة سورة ، واتخذ النبى صلى الله عليه وسلم لكتابته أفرادا من الصحابة . والقرآن الكريم وان امتاز عن سائر كلام البشر بجزالة المعنى ، وفخامة اللفظ ، وحسن السياق ، وكمال النظم ، الأمر الذى أعجز البلغاء عن محاكاته ، فخروا لبلاغته ساجدين ، فانه مع ذلك قديلتبس الأمر على من ليسوا من فرسان البلاغة ، اذ يشتبه عليهم الآية من القرآن بالحديث من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فدفعا لهذا الاشتباه ، ومنعا للوقوع فى خطر التغيير والتبديل ، الذى وقع فيه أهل الكتاب من اليهود والنصارى من قبل ، منع رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه من كتابة السنن ، وتدوين الأحاديث ، حتى يتسع المجال أمام القرآن ، ويأخذ مكانه من الحفظ والكتابة معا ، وحتى يثبت فى صدور الحفاظ وتألفه أسماعهم ، وبذلك يزول خطر الالتباس . لذلك نهى النبى صلى الله عليه وسلم عن كتابة الحديث . روى مسلم فى صحيحه عن أبى سعيد الخدرى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( لاتكتبوا عنى شيئا غير القرآن ومن ١٢٣ كتب عنى شيئا غير القرآن فليمحه ). فتراه قد منعهم من كتابة الحديث ، ووكله الى حفظهم، وأجاز لهم روايته ونقله عنه ، مع تحذيره لهم من الكذب عليه ، وقد كان الصحابة كما تقدم لك على جانب عظيم فى الحفظ فلم يكن هناك خوف على السنن من الضياع . وشىء آخر جعل النبى صلى الله عليه وسلم ينهاهم عن كتابة الحديث هى المحافظة على تلك الملكة التى امتازوا بها فى الحفظ فلو أنهم كتبوا لاتكلوا على المكتوب وأهملوا الحفظ فتضيع ملكاتهم بمرور الزمن . أضف الى هذا أن الكتابة لم تكن منتشرة فيهم ، ولم يكونوا أتقنوها حتى تحل محل الحفظ ، وما كان من الكتابة عند أفراد قلائل فقد انحصر عملهم فى كتابة القرآن والرسائل ولو أنهم كلفوا مع ذلك كتابة السنن لوقع الناس فى حرج عظيم ، والتبس عليهم أمر السنة والكتاب . التوفيق بين أحاديث النهى عن الكتابة والاذن فيها : - هذا وربما يقول قائل أن النبى صلى الله عليه وسلم كما نهى عن كتابة الحديث كذلك ورد عنه الأذن بالكتابة واباحتها ، فقد روى البخارى فى كتاب العلم أن النبى صلى الله عليه وسلم قال اكتبوا لأبى شاه يعنى الخطبة التى سمعها منه صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة وقد سأله أبو شاه أن يكتبها له ، وروى عن أبى هريرة أنه قال ليس أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر حديثا منى الا ما كان من عبد الله بن عمرو فانه كان يكتب ولا أكتب . إلى غير ذلك من الآثار الدالة على اباحته صلى الله عليه وسلم كتابة الحديث عنه وهى بظاهرها تتعارض مع حديث أبى سعيد فى النهى عن ذلك . والجواب عن هذا التعارض : أن النهى كان خاصا بوقت نزول ١٢٤ القرآن خشية التباسه بغيره والأذن بالكتابة كان فى غير ذلك الوقت . أو أن النهى كان عن كتابة غير القرآن مع القرآن فى صحيفة واحدة والأذن كان بكتابة ذلك متفرقا حتى يؤمن الالتباس . أو يقال كان النهى عن الكتابة متقدما لخوف التباس القرآن بالحديث أو لخوف الاتكال على الكتابة وأهمال الحفظ أو غير ذلك وكان الأذن متأخرا ناسخا للنهى السابق عند أمن اللبس أو عدم الخوف من الاتكال على المكتوب . على أن بعض العلماء يرى أن حديث أبى سعيد هذا موقوف عليه وليس من كلام النبى صلى الله عليه وسلم قال ذلك البخارى وغيره . وعلى أى حال فان الحديث لم يكتب فى زمن النبى صلى الله عليه وسلم على النحو الذى كتب عليه القرآن فلم يأمر النبى أحدا من كتاب الوحى بكتابة حديثه وأن وجد من بعض الأفراد كتابة شىء فذلك قليل جدا وقد كان جل اعتمادهم على الحفظ كما رأيت . ثم اننا لو لم نلتفت إلى قول بعض العلماء فى وقف حديث أبى سعيد وقلنا برفعه الى النبى صلى الله عليه وسلم فان الذى نميل اليه ونستظهره هو أن آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الاذن بكتابة الحديث ، ودليلنا على ذلك : أولا - مارواه البخارى عن ابن عباس أنه قال: ( لما اشتد بالنبى صلى الله عليه وسلم وجعه قال انتونى بكتاب أكتب لكم كتابا لاتضلوا بعده .. الحديث) فقد هم النبى صلى الله عليه وسلم أن يكتب لأصحابه كتابا حتى لا يختلفوا من بعده ، والنبى صلى الله عليه وسلم لا يهم الا بحق ، فهذا منه صلى الله عليه وسلم نسخ للنهى السابق فى حديث أبی سعید . ١٢٥ ثانيا - روى أحمد والبيهقى فى المدخل والعقيلى من طرق مختلفة أن أبا هريرة قال : ما كان أحد أعلم بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم منى الا عبد الله بن عمرو فانه كان يكتب استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكتب بيده ما سمع منه فأذن له . فاستئذان عبد الله ابن عمرو من النبى فى كتابة الحديث يدل على أن الكتابة كانت منهيا عنها فى أول الأمر ، وقد أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم نه بالكتابة لما استأذنه ، ولا خصوصية لعبد الله بن عمرو على غيره . وعليه فيمكن أن يقال أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يلتحق بالرفيق الأعلى الا وكتابة الحديث مأذون فيها (١) . كتابة الحديث بعد زمن النبى صلى الله عليه وسلم : توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم تدون السنة كما دون القرآن الكريم للحكمة التى أشرنا إليها فيما سبق . فلما كان عهد الخلفاء الراشدين - وقد رأيت أمرهم بتقليل الرواية مخافة أن يشتغل الناس بالحديث ويتركوا القرآن وأكثرهم لايزال حديث عهد به ولما يتم له جمعه فى صدره - کذلك لم يريدوا أن يدونوا الحديث فى الصحف كراهة أن يتخذها الناس مصاحف ، يضاهون بها صحف القرآن العزيز ، فيشتبه على بعضهم القرآن بالأحاديث ، وربما اشتغلوا بها عن تلاوته ودرسه . لهذا نرى عمر بن الخطاب رضى الله عنه يجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ليستشيرهم فى كتابة السنن فيشيرون عليه بكتابتها ثم يحجم عمر عن كتابتها مخافة أن يتخذها الناس مصاحف كالقرآن فيلتبس الأمر على عامتهم ومن يأتى بعدهم فيقعوا فيما وقع فيه أهل (١) بل هذا هو المتعين قال فى الفتح (١ - ١٨٢): أن السلف اختلفوا فى ذلك عملا وتركا وأن كان الأمر استقر والاجماع انعقد على جواز كتابة العلم بل على استحبابه بل على وجوبه على من خشى النسيان ممن يتعين عليه تبليغ العلم ١ هـ . ١٢٦ الكتاب حيث كتبوا الكتاب بأيديهم وقالوا هذا من عند الله وتركوا كتاب الله وراء ظهورهم. وقد حدثنا القرآن عنهم فقال (( ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب الا أمانى وان هم الا يظنون . فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون)). روى البيهقى فى المدخل عن عروة بن الزبير أن عمر بن الخطاب أراد أن يكتب السنن فاستشار فى ذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأشاروا عليه أن يكتبها فطفق عمر يستخير الله فيها شهرا ثم أصبح يوما وقد عزم الله له فقال أنى كنت أردت أن أكتب السنن وأنى ذكرت قوما كانوا قبلكم كتبوا كتبا فأكبوا عليها وتركوا كتاب الله. وانى والله لا ألبس كتاب الله بشىءأبدا (١). وقد كان هذا رأيا من عمر رضى الله عنه يتناسب وحالة الناس فى ذلك الوقت فان عهدهم بالقرآن مايزال جديدا لاسيما من يدخل الاسلام من أهل الآفاق فلو أن السنن دونت ووزعت على الأمصار وتناولها الناس بالحفظ والدرس لزاحمت القرآن الكريم وما أمن أن تلتبس به على كثير . فأراد عمر بثاقب فكره أن يحبس الناس على القرآن الكريم حتى يتمكن حفظه من نفوسهم وترسخ صورته فى قلوبهم وينتشر بين خاصهم وعامهم فلا تحوم حوله الشبهات ، ولا تؤثر فيه الشكوك والأوهام ، فأمر بتقليل الرواية أولا ، وأحجم عن كتابة السنن ثانيا ، سدالذرائع الفساد وغلقا لباب الفتنة . وليس فى هذا تضييع للأحاديث فانه مازال الناس بخير وما زالت ملكاتهم قوية وحوافظهم قادرة على حفظ السنن . وقد تتابع الخلفاء على سنة عمر رضى الله عنه فلم يشأ أحدهم أن يدون السنن ولا أن يأمر (١) تدريب الراوى ص ١٥١. ١٢٧ الناس بذلك حتى جاء عمر بن عبد العزيز فأمر بجمع الحديث لدواع اقتضت ذلك بعد حفظ الأمة لكتاب ربها وأمنها عليه أن يشتبه بالسنن أول من أمر بتدوين السنة من الخلفاء : كاد القرن الأول ينتهى ولم يصدر أحد من الخلفاء أمره الى العلماء بجمع الحديث بل تركوه موكولا الى حفظهم وبعض كتابات لأفراد منهم يعملونها لأشخاصهم أو لمن يطلبها منهم . ومرور مثل هذا الزمن الطويل كفيل بتركيز القرآن فى نفوسهم فقد أصبح يتلوه القاصى والدانى ويعرفه الخاص والعام لا يختلف فيه أحد ولا يتشكك فى شىء من آياته ولأول وهلة يسمع المسلم حرفا من القرآن يعلم لوقته أنه هو القرآن لاغيره يحمل متانة الفاظه وجزالة أسلوبه وقوة اعجازه ومرور هذا الزمن الطويل كفيل أيضا بأن يذهب بكثير من حملة الحديث من الصحابة والتابعين ويهيىء لكثير من أهل الأهواء كالخوارج والروافض أن يتزيدوا فى الحديث ماشاءوا وشاءت لهم أهواؤهم . ومرور مثل هذا الزمن جعل العرب يختلطون بالأعاجم فى البلدان المختلفة فيحصل بينهم الأزدواج والتناسل فينشأ جيل جديد قليل الضبط ضعيف الحفظ . لذلك لما أن ولى الخلافة عمر بن عبد العزيز فى العام التاسع والتسعين من الهجرة نظر بثاقب رأيه الى الحديث النبوى فوجد من الواجب عليه كتابته وتدوينه فقد زال المانع وتوفرت الدواعى . فازاء هذا كله أصدر عمر بن عبد العزيز أمره الى علماء الآفاق بجمع الحديث وتدوينه . روى البخارى فى باب كيف يقبض العلم : ( وكتب عمر بن عبد العزيز الى أبى بكر بن حزم أنظر ماكان من حديث رسول ١٢٨ الله صلى الله عليه وسلم فاكتبه فانى خفت دروس العلم وذهاب العلماء ولا تقبل الا حديث النبى صلى الله عليه وسلم ولتفشوا العلم ولتجلسوا حتى يعلم من لا يعلم فان العلم لا يهلك حتى يكون سرا) وأخرج أبو نعيم فى تاريخ اصبهان : ( ان عمر بن عبد العزيز كتب الى أهل الآفاق انظروا الى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجمعوه ) وروى مالك فى الموطأ - رواية محمد بن الحسن - ( أن عمر بن عبد العزيز كتب الى عامله وقاضيه على المدينة أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن أنظر ماكان من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاكتبه فأنى خفت دروس العلم وذهاب العلماء ) . من هذه الروايات ترى أن عمر بن عبد العزيز كتب الى أهل الآفاق بأن يكتبوا الحديث . لكن من ذا الذى كان له فضيلة السبق فى تدوين السنن منهم المشهور على ألسن علماء الحديث وحفاظ الأثر ، أن ابن شهاب الزهرى هو أول من جمع الحديث على رأس المائة الأولى للهجرة بأمر الخليفة الأموى عمر بن عبد العزيز . ذكر الحافظ ابن حجر العسقلانى فى باب كتابة العلم من فتح البارى ما نصه : ( قال العلماء وکره جماعة من الصحابة والتابعين كتابة الحديث واستحبوا أن يؤخذ عنهم حفظا كما أخذوه حفظا لكن لما قصرت الهمم وخشى الأئمة ضياع العلم دونوه وأول من دون الحديث ابن شهاب الزهرى على رأس المائة بأمر عمر بن عبد العزيز ثم كثر التدوين ثم التصنيف وحصل بذلك خير كثير والحمد لله) اهـ (ج ١ ص ٨١٥ الأميرية ). هذا وكانت طريقتهم فى التدوين تتبع وحدة الموضوع فهم يجمعون فى المؤلف الواحد الأحاديث التى تدور حول موضوع واحد كالصلاة ١٢٩ مثلا يجمعون الأحاديث الواردة فيها فى مؤلف واحد وهكذا الصوم والزكاة والطلاق وهلم جرا . الا أنه لم يبلغنا شىء من هذه الكتب الحديثية والظاهر أن العلماء فيما بعد أدمجوها ضمن مصنفاتهم لاسيما اذا كانت محفوظة لهم كما هو الغالب من حالهم . المبحث السادس تراجم لبعض مشاهير الرواة من الصحابة رضى الله عنهم رأينا أن نترجم لبعض مشاهير الرواة من الصحابة حتى يتبين لنا شىء من عنايتهم بالسنة النبوية ، وحرصهم عليها تلقياوأداء . ويحسن أن تقدم بين يدى ذلك كلمة موجزة عن معنى الصحابى ، وبم تعرف الصحبة ، وعن اجماع الأمة على عدالتهم وتوثيقهم فنقول : - من هو الصحابى ؟ المحققون من أهل الحديث . كالبخارى وأحمد بن حنبل على أن الصحابى من لقى النبى صلى الله عليه وسلم وهو مميز مؤمنا به ومات على الاسلام ، طالت مجالسته له آو قصرت ، روى عنه آو لم يرو ، غزا معه أو لم يغز . قال البخارى فى صحيحه : من صحب النبى صلى الله عليه وسلم أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه أهـ . وقال أبو المظفر السمعانى : أصحاب الحديث يطلقون اسم الصحابى على كل من روى عنه صلى الله عليه وسلم حديثا أو كلمة ويتوسعون حتى يعدون من رآه رؤية من الصحابة . وهذا لشرف منزلة النبى صلى الله عليه وسلم أعطوا كل من رآه حكم الصحبة . وذكر أن اسم الصحابى من حيث اللغة والظاهر يقع على من طالت صحبته للنبى صلى الله عليه وسلم ١٣٠ وكثرت مجالسته له على طريق التبع له والأخذ عنه قال : وهذا طريق الأصوليين أهـ. وقال ابن الصلاح فى مقدمته : روينا عن شعبة عن موسى السيلانى - وأثنى عليه خيرا - قال : أتيت أنس بن مالك فقلت : هل بقى من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد غيرك ، قال : بقى. ناس من الأعراب قد رأوه ، فأما من صحبه فلا )) اسناده جيد حدث به مسلم بحضرة أبى زرعة اهـ. وهذا القول قريب من قول الأصوليين . بم تعرف الصحبة ؟ يعرف كون الراوى صحابيا : (١) بالتواتر كما فى الخلفاء الأربعة ، (٢) أو بالاستفاضة والشهرة القاصرة عن التواتر كما فى ضمام بن ثعلبة. وعكاشة بن محصن (٣) أو بأن يروى عن آحاد الصحابة أنه صحابى كما فى حممة بن أبى حممة الدوسى الذى مات باصبهان مبطونا فان أبا موسى. الأشعرى شهد له أنه سمع النبى صلى الله عليه وسلم (٤) أو بقوله وأخباره عن نفسه بأنه صحابى بعد ثبوت عدالته ومعاصرته للنبى صلى. الله عليه وسلم (٥) وكذلك تعرف الصحبة بأخبار أحد التابعين أن فلانا. من الصحابة بناء على قبول التزكية من الواحد العدل وهو الراجح . اجماع الأمة على عدالة الصحابة : للصحابة بأسرهم خصيصة وهى أنه لا يسأل عن عدالة أحد منهم وذلك أمر مسلم به عند العلماء لكونهم على الاطلاق معدلين بنصوص الكتاب والسنة واجماع من يعتد به فى الاجماع من الأمة . قال الله تبارك وتعالى: ((محمد رسول الله، والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا ، سيماهم فى وجوههم من أثر السجود، ذلك مثلهم فى التوراة. ومثلهم فى الانجيل كزرع أخرج ١٣١ شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار ، وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما )). وفى نصوص السنة الشاهدة بذلك كثرة ، منها حديث أبى سعيد المتفق على صحته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تسبوا أصحابى فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه ) ومنها حديث عبد الله بن مغفل عند الترمذى وابن حبان فى صحيحه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الله الله فى أصحابى ، لا تتخذوهم غرضا بعدى ، فمن أحبهم فبحبى أحبهم ، ومن أبغضهم فيبغضى أبغضهم ، ومن آذاهم فقد آذانى ، ومن آذانى فقد آذى الله ، ومن آذى الله يوشك أن يأخذه). وبعد تعديل الله تعالى ورسوله لهم ، لا يحتاج أحد منهم الى تعديل أحد من الخلق ، على أنه لو لم يرد من الله تعالى ورسوله الكريم شىء فى تعديلهم لأوجبت حالهم تعديلهم ، لما كانوا عليه من الهجرة ، والجهاد ، ونصرة الأسلام، وبذل المهج والأموال ، وقتل الآباء والأبناء فى سبيل الله ، والمناصحة فى الدين ، وقوة الإيمان واليقين . قال أبو زرعة الرازى : ( إذا رأيت الرجل ينتقص أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلم أنه زنديق ، وذلك أن الرسول حق، والقرآن حق ، وما جاء به حق ، وانما أدى ذلك كله الينا الصحابة . وهؤلاء الزنادقة يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة ، فالجرح بهم أولى ) قال ابن الصلاح: (( ثم أن الأمة مجمعة على تعديل جميع الصحابة ومن لابس الفتن منهم فكذلك باجماع العلماء الذين يعتد بهم فى الاجماع ٠ ١٣٢ احسانا للظن بهم ونظرا الى ما تمهد لهم من المآثر وكأن الله سبحانه وتعالى أتاح الاجماع على ذلك لكونهم نقلة الشريعة)) أهـ . عدد الصحابة هذا وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرون جدا ولا يعرف عددهم على اليقين ومن حدهم من العلماء فانما أراد التقريب . روى البخارى فى صحيحه أن كعب بن مالك قال فى قصة تخلفه عن غزوة تبوك: ( وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير لا يجمعهم کتاب حافظ ) وقيل لأبى زرعة : أليس يقال حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة آلاف حديث ! قال : هذا قول الزنادقة ، ومن يحصى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ? قبض رسول الله عن مائة ألف وأربعة عشر ألفا من الصحابة ممن روى عنه وسمع منه فقيل له : هؤلاء أين كانوا وأين سمعوا منه ! قال : أهل المدينة وأهل مكة ومن بينهما والأعراب ومن شهد معه حجة الوداع كل رآه وسمع منه بعرفة) اهـ ومن هذا ترى أن الرواة من الصحابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير جدا - لذلك نكتفى بذكر بعضهم ممن اشتهروا بالحديث مقتصرين على الناحية الحديثية لكل راو مع اجمال الكلام على حياته العامة فنقول : أبو هريرة هو عبد الرحمن بن صخر وكنيته أبو هريرة ، أسلم وقدم على النبى. صلى الله عليه وسلم عام خيبر سنة سبع من الهجرة فى المحرم . وهو أحفظ من روى الحديث فى دهره بشهادة الامام الشافعى رضى الله عنه وغيره ، مع قلة صحبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، والسر فى ذلك أمور نذكرها لك : ١٣٣ أولا - مواظبته على حضور مجالس النبى صلى الله عليه وسلم فقد روى الشيخان وغيرهما أن أبا هريرة قال : انكم تزعمون أن أبا هريرة يكثر الحديث عن النبى صلى الله عليه وسلم، انى كنت امرأ مسكينا صحبت النبى صلى الله عليه وسلم على ملء بطنى وكان المهاجرون يشغلهم الصفق فى الأسواق وكانت الأنصار يشغلهم القيام على أموالهم فحضرت من النبى صلى الله عليه وسلم مجلسا فقال : من بسط رداءه حتى أقضى مقالتى ثم يقبضه اليه فلن ينسى شيئا سمعه منى فبسطت بردة على حتى قضى حديثه ثم قبضتها الىَّ فوالذى نفسى بيده ما نسيت منه شيئا بعد)). ثانياً - رغبته الشديدة في تحصيل العلم حتى نالته دعوة النبي صلى الله عليه وسلم ألا ينسى شيئا من العلم ، فبز أقرانه فى كثرة الحديث عن النبى صلى الله عليه وسلم ، مع أنه لم يصحبه سوى ثلاث سنين . روى النسائى فى باب العلم من سننه ( أن رجلا جاء الى زيد بن ثابت فسأله عن شىء فقال عليك أبا هريرة ، فانى بينما أنا جالس وأبو هريرة وفلان فى المسجد ذات يوم ندعو الله ونذكره اذ خرج علينا النبى صلى الله عليه وسلم حتى جلس الينا فسكتنا فقال : عودوا للذى كنتم فيه قال زيد: فدعوت أنا وصاحبى قبل أبى هريرة وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤمن على دعائنا . ثم دعا أبو هريرة فقال : اللهم انى أسألك ما سألك صاحباى وأسألك علما لاينسى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم آمين فقلنا يارسول الله : ونحن نسأل الله تعالى علما لا ينسى فقال : سبقكم بها الغلام الدوسى) وروى البخارى فى باب الحرص على الحديث من كتاب العلم عن أبى هريرة أنه قال : يارسول الله من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لقد ظننت يا أبا هريرة أن لايسألنى عن هذا الحديث أحد أول منك لما رأيت من ١٣٤ حرصك على الحديث - أسعد الناس بشفاعتى يوم القيامة من قال لا اله الا الله خالصا من قلبه أو نفسه)). ثالثا - أدرك أبو هريرة كبار الصحابة وأخذ عنهم الشىء الكثير من الحديث فتكامل علمه به واتسع أفقه فيه . رابعا - طول حياته بعد وفاة النبى صلى الله عليه وسلم فقد عاش بعده سبعة واربعين عاما ينشر الحديث ويبثه بين الناس بعيدا عن المناصب والمشاغل والفتن . من هذه الأمور مجتمعة كان أبو هريرة أحفظ الصحابة للحديث ، متفوقا عليهم فى باب التحمل والرواية معا ، وكان كل ما رواه أبو هريرة مجتمعا يثبت متفرقا لدى جميع الصحابة أو كثير منهم ، لهذا كانوا يرجعون اليه ، ويعتمدون فى الرواية عليه ، حتى أن ابن عمر كان يترحم عليه فى جنازته ويقول: (( كان يحفظ على المسلمين حديث النبى صلى الله عليه وسلم)) قال البخارى : ((روى عن أبى هريرة نحو من ثمانمائة رجل من أهل العلم من الصحابة والتابعين وغيرهم)) اهـ . وجاء عنه من الحديث خمسة آلاف وثلثمائة واربعة وسبعون حديثا (٥٣٧٤) اتفق الشيخان منها على ثلثمائة وخمسة وعشرن (٣٢٥) وانفرد البخارى بثلاثة وتسعين (٩٣) ومسلم بمائة وتسعة وثمانين (١٨٩) توفى أبو هريرة بالمدينة سنة ( ٥٧ ) سبع وخمسين من الهجرة على المعتمد عن ثمانية وسبعين عاما رضى الله عنه . أبو سعيد الخدرى هو سعد بن مالك بن سنان الخدرى الأنصارى الخزرجى استشهد أبوه يوم أحد ولم يترك ه مالا فتحمل أبو سعيد هموم العيش ومصاعب ١٣٥ الحياة صغيرا . لكن لم يمنعه ذلك عن حضور مجالس النبى صلى الله عليه وسلم وتلقى الحديث عنه فى رغبة وحرص فائقين حتى تحمل عنه مالم يتحمله من كان فى مثل متاعبه المعيشية فعد بحق من مشهورى الصحابة وفضلائهم ومحدثيهم المكثرين ورواتهم النابهين . عاش أبو سعيد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة وستين عاما مكنته من تحمل الحديث من كبار الصحابة ثم نشره وأدائه الى الناس لذلك كثر المروى عنه حتى جاوز الألف . فقد نقل عنه أصحاب الحديث (١١٧٠) الفا ومائة وسبعين حديثا اتفق الشيخان منها على (٤٦) ستة واربعين وانفرد البخارى (١٦) بستة عشر حديثا ومسلم باثنين وخمسين حديثا ( ٥٢ ) روى الحديث عن أبى سعيد كثير من الصحابة والتابعين فمن الصحابة جابر وزيد بن ثابت وابن عباس وأنس وابن عمر وابن الزبير . ومن التابعين سعيد بن المسيب وأبو سلمة وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وعطاء بن يسار وغيرهم . وشهد مع النبى صلى الله عليه وسلم اثنتى عشرة غزوة أولاها الخندق . وكان قوالا للحق لا يرهب فيه أحدا مهما كان سلطانه وعظيم شأنه . توفى أبو سعيد بالمدينة سنة أربع وسبعين عن بضع وثمانين سنة . نشر فيها كثيرا من الحديث وكان محل تقدير الصحابة والتابعين . فرضى الله عنه . جابر بن عبد الله هو جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصارى السلمى الصحابى ١٣٦ ابن الصحابى أحد المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . روى عن النبى صلى الله عليه وسلم وعن كثير من أصحابه كأبى بكر وعمر وعلى . وروى عنه أولاده عبد الرحمن وعقيل ومحمد . وكثير من التابعين كسعيد بن المسيب وعمرو بن دينار والحسن البصرى وغيرهم . استشهد والده فى غزوة أحد وترك بنات صغارا ودينا كبيرا مما جعل جابرا يذوق نصب الحياة وشظف العيش . الا أن النبى صلى الله عليه وسلم تلقاه بعطفه وكرمه ورعاه بعنايته حتى قضى دينه . على أن مالقيه جابر من صعوبات الحياة لم يكن مانعا له من تحصيل العلم وتلقى الحديث عن النبى صلى الله عليه وسلم ، فقد لازمه فى كل غزواته بعد مقتل أبيه ، وأتاح له صغر سنه وامتداد عمره وشهوده عصر كبار الصحابة الاكثار من تحمل الحديث وروايته حتى كان له حلقة فى المسجد النبوى يؤخذ عنه فيها العلم . عاش جابر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة وستين عاما قضاها فى نشر الحديث حتى روى له (١٥٤٠) ألف وخمسمائة واربعون حديثا . اتفق البخارى ومسلم منها على ستين حديثا . وانفرد البخارى بستة وعشرين حديثا ومسلم بمائة وستة وعشرين حديثا . ومناقبه رضى الله عنه كثيرة : منها ما رواه الشيخان عنه قال : قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية: ( أنتم اليوم خير أهل الأرض ) وكنا الفا واربعمائة . قال جابر : لو كنت أبصر اليوم لأريتكم مكان الشجرة . كف بصره فى أواخر عمره وتوفى سنة ثمان وسبعين من الهجرة على أحد الاقوال رضى الله عنه . ١٣٧ أنس بن مالك هو أنس بن مالك بن النضر الأنصارى الخزرجى النجارى خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزيل البصرة. جاءت به أمه أم سليم الى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقدمه المدينة وقالت يا رسول الله : هذا غلام يخدمك ، فقبله النبى صلى الله عليه وسلم. فوجد أنس فيه أكبر العزاء عن والده ، ونشأ فى بيت النبوة ، وشاهد ما لم يشاهده غيره ، ووقف من أحوال النبى وأفعاله على الشىء الكثير . وعاش بعد النبى صلى الله عليه وسلم ثلاثة وثمانين عاما ، فساعده ذلك على تلقى الكثير من الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعن الكبار من أصحابه بعده . كما أمكنه طول حياته من نشر الحديث بين الناس . استقر بالبصرة بعد المدينة ، وتصدر للرواية ، وتخرج عليه كثير من أئمة الحديث من التابعين ، أمثال الحسن وابن سيرين وحميد الطويل وثابت البنانى وغيرهم . روى لأنس ألف ومائتان وستة وثمانون حديثا (١٢٨٦) اتفق الشيخان منها على مائة وثمانية وستين . وانفرد البخارى بثلاثة وثمانين . ومسلم بأحدی وسبعين . وروى البخارى فى تاريخه عن قتادة قال لما مات أنس قال مورق : ذهب اليوم نصف العلم قيل له كيف ذلك ؟ قال كان الرجل من أهل الأهواء اذا خالفنا فى الحديث قلنا تعال الى من سمعه من النبى صلى الله عليه وسلم . وكانت وفاة أنس خارج البصرة على نحو فرسخ ونصف ، ودفن فى موضع يعرف بقصر أنس والصحيح الذى عليه الجمهور أنه توفى سنة ثلاث وتسعين من الهجرة . ١٣٨ عائشة أم المؤمنين هى عائشة بنت أبى بكر الصديق ، احدى أمهات المؤمنين ، وزوج النبى صلى الله عليه وسلم ، ولدت بعد بعثة النبى بسنتين على أحد الأقوال . ثبت فى الصحيح أن النبى صلى الله عليه وسلم تزوجها وهى بنت ست سنين وبنى بها وهى بنت تسع سنين فى شوال من السنة الأولى للهجرة . وقيل من السنة الثانية بعد منصرفه من بدر . هيأ لها زواجها من رسول الله صلى الله عليه وسلم واختلاطها به مع ذكائها النادر وفطنتها العظيمة وفكرها الثاقب ورغبتها الشديدة فى معرفة أحكام الدين أن تحملت كثيرا من الحديث وعلوم القرآن حتى ضربت فى كل علم بسهم وافر وأصبحت المرجع فى الحكم عند الاختلاف . فلا غرابة أن تلقى عنها كبار الصحابة ، وتحمل عنها الحديث عمر بن الخطاب على كثرة ملازمته لرسول الله صلى الله عليه وسلم . أضف الى ذلك أنها بقيت بعد وفاته صلى الله عليه وسلم تسعة وثلاثين عاما يغترف الناس من بحرها الزاخر وعلمها الفياض . فلاجرم ان كانت عائشة معدودة من المكثرين لرواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . روى لها الفان ومائتان وعشرة أحاديث (٢٢١٠) اتفق الشيخان من ذلك على مائة واربعة وسبعين حديثا . وانفرد البخارى باربعة وخمسين ومسلم بثمانية وستين . قال مسروق : رأيت مشيخة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الأكابر يسألونها عن الفرائض . توفيت رضى الله عنها سنة سبع وخمسين من الهجرة . ١٣٩ عبد الله بن عباس هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن أخت زوجه ميمونة بنت الحارث الهلالية أم المؤمنين . ولد قبل الهجرة بثلاث سنين على الأصح وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث عشرة سنة على أحد الأقوال . فى الصحيح أن النبى صلى الله عليه وسلم ضمه اليه وقال اللهم علمه الحكمة . كان لابن عباس بحكم قرابته من النبى صلى الله عليه وسلم وصغر سنه اختلاط كثير مكنه من كثرة الرواية عنه . أضف الى هذا ميله الطبيعى الى تحصيل الحديث وشغفه العظيم به مما وجه نظر النبى صلى الله عليه وسلم اليه فسر به ودعا له . وقد ظهر لكل هذه العوامل آثارها فى شخص هذا الصحابى الجليل حتى أصبح ترجمان القرآن وحبر الأمة وعد من المكثرين لرواية الحديث . عاش ابن عباس بعد وفاة النبى صلى الله عليه وسلم ثمانية وخمسين عاما هيأت له أسباب الأخذ والتحمل عن كبار الصحابة وصغارهم روى الدارمى فى مسنده عن عبد الله بن عباس أنه قال : ( لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت لرجل من الأنصار هلم فلنسأل أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم فانهم اليوم كثير . قال : واعجبا لك ، أترى الناس يفتقرون اليك قال : فتركت ذلك الرجل وأقبلت أسأل فان كان ليبلغنى الحديث عن رجل فآتى بابه وهو قائل فأتوسد ردائى على بابه يسفى الريح على من التراب فيخرج فيرانى ، فيقول يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما جاء بك؟ هلا أرسلت الى فآتيك فأقول : لا ، أنا أحق ١٤٠ أن آتيك فأسألك عن الحديث فعاش ذلك الرجل الأنصارى حتى رآنى وقد اجتمع الناس حولى يسألوننى . فقال هذا الفتى كان أعقل منى ). من هذا الأثر يمكنك أن تستخلص مقدار عقله ، وحرصه على جمع الحديث ، وتفانيه فيه ، كما يؤخذ منه مبلغ ماوصل اليه ابن عباس من الأمامة فى الحديث ، والعمل على نشره ، حتى كان الناس يجتمعون اليه ، ويستمعون لحديثه ، وهذا عمر بن الخطاب على مهارته وحذقه ، واجتهاده لله وللمسلمين ، كان اذا جاءته قضية معضلة قال لابن عباس : انها قد طرأت علينا أقضية وعضل ، فأنت لها ولأمثالها ويأخذ بقوله . فاق ابن عباس غيره فى العلم والفقه والحديث والتأويل والحساب والفرائض والعربية حتى لقد كان يجلس يوما لا يذكر فيه الا الفقه، ويوما التأويل ، ويوما المغازى ، ويوما أيام العرب . قالوا وما جلس اليه عالم قط الاخضع له ولا سأله الا وجد عنده علماً . حتى قال طاوس : وقد قيل له : لزمت هذا الغلام وتركت الأكابر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( انى رأيت سبعين رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا تدارءوا فى أمر صاروا الى قول ابن عباس ) . وقصارى القول أن ابن عباس كان أمة وحده فى العلم والحديث روى له ألف وستماية وستون حديثا . اتفق الشيخان على رواية خمسة وتسعين منها وانفرد البخارى بمائة وعشرين ومسلم بتسعة واربعين . استعمله على رضى الله عنه على البصرة فبقى أميرا عليها ثم فارقها قبل مقتل على وعاد الى الحجاز فقضى أخريات أيامه يعلم الناس بمكة وتوفى بالطائف سنة ثمانية وستين من الهجرة فرضى الله عنه .