النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠١ يبعثوا اليهم من يعلمهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحكام دينهم . على أن كثيرا من الصحابة نزحوا الى تلك الأمصار المختلفة من تلقاء أنفسهم معلمين ومرشدين ومنهم من طاب له المقام فاستوطن البلد الذى نزله حتى الممات . وبنزول الصحابة فى تلك البلدان المختلفة أصبحت معاهد لتعليم القرآن والحديث يجتمع عليهم طلاب العلم يغترفون من بحارهم الفياضة ويحفظون عنهم ما حفظوه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تخرج على أيديهم فى كل قطر طبقة من التابعين كانوا فيما بعد حماة السنة ورواة الحديث . ولا يقعن فى خاطرك أنه كان هناك مدارس ومعاهد بالمعنى المعروف عندنا الآن ، ذات نظم خاصة ومكتبات وقاعات للمحاضرات وما الى ذلك . بل كان القوم على البساطة الأولى فقد كان الصحابى يحمل علمه فى صدره ويعيه بقلبه وكانت المساجد فى الغالب هى دور العلم ومعاهد الحديث يجلس الصحابى فى المسجد وحوله حلقة من أتباعه وتلاميذه يستمعون له ويحفظون عنه ويسألونه ويستفتونه وهو فى كل ذلك لا يخرج عن كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أو الرأى المستند الى أصل صحيح منهما وقلما يكون ذلك . ولا بأس أن نذكر نبذا عن دور الحديث بالأقطار المختلفة فنقول : - دور الحديث فى الأمصار المختلفة ١ - دار الحديث بالمدينة المنورة : كانت المدينة المنورة هى مهاجر النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه وبها حدث النبى صلى الله عليه وسلم أكثر حديثه لأن أكثر التشريع ١٠٢ الاسلامى كان بها . وكان المهاجرون يحبون المقام بها ويكرهون التحول عنها الى مكة أو غيرها . وما زالت المدينة بعد وفاته صلى الله عليه وسلم هى عاصمة الأمة الاسلامية ومركز الخلافة الراشدة ومقركبار الصحابة . لذلك كانت المدينة هى موطن الصحابة الأول ، الذى يفضلونه على غيره حيث يصيبون من بركة النبى صلى الله عليه وسلم فى حياته وبعد وفاته وكانوا لا يبرحونها إلا لحاجة ملحة حكومية أو معاشية أو تعليمية . روى ابن سعد فى الطبقات عن محمد بن عمر أنه قال . لا نعلم أحدا من المهاجرين من أهل بدر رجع الى مكة - يعنى بعد وفاة النبى صلى الله عليه وسلم - فنزلها غير أبى سبرة فأنه رجع الى مكة بعد وفاة النبى صلى الله عليه وسلم فنزلها فكره ذلك له المسلمون ، وولده ينكرون ذلك ويدفعون أن يكون رجع الى مكة ، فنزلها بعد أن هاجر منها ، ويغضبون من ذكر ذلك . وقد اشتهر بالمدينة من الصحابة الذين كانت لهم قدم فى الحديث والفقه عدد كثير منهم أبو بكر وعمر وعلى قبل انتقاله الى الكوفة وأبو هريرة وعائشة أم المؤمنين وعبد الله بن عمر وأبو سعيد الخدرى وزيد بن ثابت الذى اشتهر بفهم الأحكام من الكتاب والسنة والرأى السديد حتى أن عمر كان يستبقيه للاستئناس برأيه فيما يعرض له من القضايا . وقد استمر زيد متر تساعلى القضاء والفتوى والقراءة والفرائض زمن عمر وعثمان وعلى الى أن مات سنة ٤٥ فى خلافة معاوية رضى الله عنهم . هذا وقد تخرج على أيدى هؤلاء الأفاضل الفوج الأول من التابعين لهم بالمدينة ومن أشهر هؤلاء سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير بن العوام وابن شهاب الزهرى وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ١٠٣ وسالم بن عبد الله بن عمر والقاسم بن محمد بن أبى بكر ونافع مولى ابن عمر وغير هؤلاء من حفاظ السنة الذين كان اليهم المرجع فى الحديث والفتوى . ٢ - دار الحديث بمكة المكرمة : لما فتح النبى صلى الله عليه وسلم مكة خلف بها معاذ بن جبل يعلم أهلها الحلال والحرام ويفقههم فى الدين ويقرئهم القرآن الكريم . وكان معاذ من أفضل شباب الأنصار علما وحلما وسخاء شهد مع رسول الله المشاهد كلها وكان يعد من أعلم الصحابة بالحلال والحرام . وقد روى عنه ابن عباس وعمر وابنه . وأخيرا تزعم دار الحديث بمكة عبد الله بن عباس بعد رجوعه من البصرة واليه يرجع الفضل فيما كان لمكة من شهرة علمية . فقد كان عبد الله من أوعية العلم وحفاظ الحديث . وكان بها كثير من الصحابة غيره ذكر منهم الحاكم فى كتابه (( معرفة علوم الحديث)) جملة وافرة . فمنهم عبد الله بن السائب المخزومى قارىء الصحابة بمكة وعتاب بن أسيد خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها وأخوه خالد بن أسيد والحكم بن أبى العاص. وعثمان بن طلحة وغيرهم . وقد تخرج بهذه الدار على يد عبد الله بن عباس كثير من التابعين من أشهرهم مجاهد بن جبر وعكرمة مولى ابن عباس وعطاء بن أبى رباح وغيرهم . هذا ولا تنس ما لمكة والمدينة من أثر كبير امتازتا به على جميع بلدان العالم حتى فى عصرنا الحاضر ففيهما ينعقد هذا المؤتمر الاسلامى فى كل عام ويأتى اليه المسلمون من كل فج عميق . ولا يخفى ما لهذا الاجتماع من أثر كبير فى نشر العلوم والمعارف اذ يلتقى فيه رواة ١٠٤ الحديث وحملة العلم بعضهم ببعض يعرضون الأحاديث وينقحون الأسانيد فيستكمل الراوى علمه بالحديث ورجاله . ولقد كان الحج من أعظم الروابط والصلات التى تربط الأقطار الاسلامية بالحياة العلمية فى هذين البلدين . الا أن ذلك لم يكن ليسد حاجة هذه الأقطار الواسعة لذلك نزح كثير من الصحابة اليها هداة ومعلمين . ٣ - دار الحديث بالكوفة : كانت الكوفة هى قاعدة الجيوش الاسلامية لذلك نزل بها عدد كبير من الصحابة زمن الفتوح وأكثرهم دفن بها . منهم على وعبد الله بن مسعود وسعد بن أبى وقاص وسعيد بن زيد وخباب بن الأرت وسلمان الفارسى وحذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر وأبو موسى الأشعرى والبراء بن عازب والمغيرة بن شعبة والنعمان بن بشير وأبو الطفيل وأبو جحيفة وكثير جدا غيرهم. ( علوم الحديث للحاكم ص ١٩١). وقد كانت الزعامة فى هذه الدار الى عبد الله بن مسعود لكثرة علمه وطول مكثه بها فتخرج على يديه كثير من أصحابه من أشهرهم مسروق ابن الأجدع الهمدانى وعبيدة بن عمرو السلمانى الذى قال فيه الشعبى : كان يوازى شريحا فى القضاء . والأسود بن يزيد النخعى وشريح بن الحارث الكندى الذى استقضاه عمر على الكوفة ولم يزل قاضياً عليها حتى زمن الحجاج ثم استقال قبل موته بسنة وابراهيم بن يزيد النخعى فقيه العراق وسعيد بن جبير وعامر بن شراحيل الشعبى علامة التابعين وكان اماما حافظا. أعلام الموقعين (١ - ٢٠ ). ١.٠٥ ٤ - دار الحديث بالبصرة : زعيم هذه الدار هو أنس بن مالك رضى الله عنه وقد نزلها كثير من الصحابة غيره منهم ابن عباس - وكان واليا عليها من قبل على - وعتبة بن غزوان وعمران بن حصين . وأبو برزة الأسلمى ومعقل بن يسار وأبو بكرة وعبد الرحمن بن سمرة وعبد الله بن الشخير وجارية بن قدامة وغيرهم ( علوم الحديث للحاكم ص ١٩١ ). وقد تخرج بهذه الدار من التابعين أبو العالية رفيع بن مهران الرياحى والحسن البصرى وأدرك خمسمائة من الصحابة ومحمد بن سيرين وأبو الشعثاء جابر بن زيد صاحب ابن عباس . وقتادة بن دعامة الدوسى ومطرف بن عبد الله بن الشخير وأبو بردة بن أبى موسى وغير هؤلاء كثير . ٥ - دار الحديث بالشام : لما فتح المسلمون الشام دخل كثير من أهلها فى الاسلام وقد اهتم الخلفاء بهذا القطر فأرسلوا اليه فضلاء الصحابة كمعاذ بن جبل الذى أخذ مكانة علمية فائقة فهو مبعوث النبى صلى الله عليه وسلم الى اليمن وهو خليفته على أهل مكة يعلمهم الحلال والحرام وهو مبعوث عمر الى الشام ليفقههم فى دين الله . روى ابن سعد فى الطبقات عن أبى مسلم الخولاني قال : دخلت مسجد حمص فاذا فيه نحو من ثلاثين كهلا من أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم . واذا فيهم شاب أكحل العينين براق الثنايا ساكت لا يتكلم فاذا امترى القوم فى شىء أقبلوا عليه فسألوه فقلت لجليس لى من هذا ؟ قال : معاذ بن جبل ويروى ابن سعد أيضا عن عمر ابن الخطاب أنه قال حين خرج معاذ الى الشام . لقد أخل ١٠٦ خروجه بالمدينة وأهلها فى الفقه وما كان يفتيهم به . ولقد كنت كلمت أبا بكر رحمه الله أن يحبسه لحاجة الناس اليه فأبى على ، وقال : رجل أراد جهادا يريد الشهادة فلا أحبسه فقلت والله ان الرجل ليرزق الشهادة وهو على فراشه)». ومن أشهر من قام بالتعليم فى هذا القطر أيضا عبادة بن الصامت الذى امتاز بجمع القرآن وكان من أفقه الناس فى الدين شديدا فى الحق لا تأخذه فى الله لومة لائم . أنكر على معاوية كثيرا من اموره . ومنهم أبو الدرداء الأنصارى وكان معدودا من فقهاء الصحابة وحفاظ الحديث وقد أرسلهما عمر مع معاذ الى الشام اجابة لطلب يزيد بن أبى سفيان فانه كتب الى عمر بن الخطاب : قد احتاج أهل الشام الى من يعلمهم القرآن ويفقههم فأرسل معاذا وعبادة وأبا الدرداء . ذكر ذلك البخارى فى تاريخه . كان هؤلاء هم حجر الزاوية فى الحركة العلمية ونشر السنة المحمدية فى ربوع تلك البلاد . وقد أرسل عمر أيضا عبد الرحمن بن غنم للمهمة نفسها وكان يقال له صاحب معاذ لكثرة ملازمته له على انه اختلف فى صحبته . هذا وكثير من الصحابة غير هؤلاء انتشروا فى الشام هداة ومعلمين منهم شرحبيل بن حسنة والفضل ابن العباس بن عبد المطلب . يروى الحاكم أنه مدفون بالأردن . وأبو مالك الأشعرى وغيرهم كثير . وقد تخرج على أيديهم كثير من التابعين فى مدارس الشام المختلفة منهم أبو ادريس الخولانى عائذ الله . وقبيصة بن ذؤيب ومكحول بن أبى مسلم ورجاء بن حيوة الكندى العالم الثقة الفاضل . ١٠٧ ٦ - دار الحديث بمصر : فتح المسلمون مصر فدخل كثير من أهلها الاسلام كذلك نزلها كثير من الصحابة ينشرون أحكام الدين وتعاليمه وأشهرهم عبد الله بن عمرو بن العاص الذى كان من أكثر الصحابة حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . كما امتاز عن غيره من سائر الصحابة بكتابة ما يسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم . خرج عبد الله مع أبيه عمرو بن العاص الى مصر عند ماولاه إياها معاوية ولما توفى عمرو بقى ابنه عبد الله مقيما بمصر فكان يحج ويعتمر ثم يرجع اليها الى أن توفى بها فى بعض الأقوال . وقد نزل كثير من الصحابة غير عبد الله بن عمرو مصر وقاموا بمهمة التعليم وتفقه على أيديهم كثير من أهل البلاد منهم عقبة بن عامر الجهنى وخارجة بن حذافة وعبد الله بن سعد بن أبى سرح ومحمية بن جزء وعبد الله بن الحارث بن جزء وأبو بصرة الغفارى وأبو سعد الخير ومعاذ بن أنس الجهنى وغيرهم حتى لقد أفردهم محمد بن الربيع الجيزى بالتأليف فبلغ عددهم مائة ونيفا وأربعين صحابيا كما أورد أحاديثهم فى تأليفه ذلك (١) . تخرج على هؤلاء الصحابة كثير من التابعين منهم أبو الخير مرتد بن عبد الله اليزنى مفتى أهل مصر روى عن أبى أيوب الأنصارى وأبى بصرة الغفارى وعقبة بن عامر الجهنى . ومنهم يزيد بن أبى حبيب . روى عن بعض الصحابة وأكثر روايته عن التابعين وهو بربرى الأصل أبوه من أهل دنقلة ولكنه نشأ بمصر . (١) أعلام الموقعين (١-٢١) علوم الحديث للحاكم ( ص ١٩٣ ) ضحى. الاسلام ( ٣ - ٨٩ ). ١٠٨ هذه نبذة قصيرة عن معاهد العلم ودور الحديث فى أشهر الأمصار الاسلامية لذلك العهد تدلك على مكانة هؤلاء الصحابة وتابعيهم فى نشر ورواية الحديث . ثانيا - رحلة العلماء فى طلب الحديث تفاوت الصحابة فى حفظ الحديث رأيت كيف اتسعت الفتوح الاسلامية وما تبع ذلك من تفرق الصحابة فى الأمصار المتباعدة ينشرون دين الله وأحاديث رسول الله . وبدهى أن الصحابة لم يكونوا على درجة واحدة فى حفظ الحديث وجمع السنن بل كانوا مختلفين اختلافا كبيرا فكان عند بعضهم الحديث الواحد وعند بعضهم الحديثان وهكذا . فقد حدث النبى صلى الله عليه وسلم قوما بما لم يحدث به آخرين ووقع من الحوادث أمام قوم مالم يطلع عليه آخرون . ومن هنا قال مسروق - وكان من التابعين - لقد جالست أصحاب محمد فوجدتهم كالأخاذ فالأخاذ يروى الرجل والأخاذ يروى الرجلين والأخاذ يروى العشرة والأخاذ يروى المائة والأخاذ لو نزل به أهل الأرض لأصدرهم . ماذا يكون الحال اذا تفرق الصحابة كما رأيت وحالهم على مارأيت . لقد تناثرت الأحاديث فى الأمصار تبعا لتفرق الصحابة فى البلدان والأحاديث لاغنى عنها فى فهم القرآن والتفقه فى أحكام الدين نعم جمع القرآن الكريم على عهد عثمان رضى الله عنه ووزعت المصاحف على الأقطار وحفظه المسلمون لا يختلفون فيه . أما السنة التى هى بيان للكتاب فلم تكتب لافى عهد النبى صلى الله عليه وسلم ولا فى عهد الخلفاء الراشدين الى نهاية القرن الأول لأسباب ستأتى فيما بعد . ١٠٩ حاجة العلماء الى الرحلة فى هذا العصر ماذا يصنع أهل كل مصر فيما يعن لهم من الحوادث ويتجدد لهم من الأحكام والحال كما وصفنا ? . انه ليس أمامهم سوى باب واحد يطرقونه مهما كلفهم ذلك من عناء ومهما بذلوا فيه من أموالهم وأنفسهم . وذلك هو الرحلة من قطر الى قطر - وذلك هو الذى كان من الصحابة والتابعين بل واتباع التابعين فشمروا عن ساعد الجد وجابوا البلاد شرقا وغربا مستعذبين كل مر وصاب فى سبيل الحصول على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم . وانك اذا تتبعت تراجم المحدثين من الصحابة والتابعين وتابعيهم ومن جاء بعدهم الى أن دونت السنة فى بطون الكتب بل وبعد تدوينها أيضا تجد أن المؤرخين لحياتهم يقولون فى الرجل منهم مثلا هو فلان بن فلان المكى ثم المدنى ثم الكوفى ثم البصرى ثم الشامى ثم المصرى إيذانا منهم بأن هذا الراوى كان رحالة فى طلب الحديث والعلم . أثر الرحلة فى تمحيص الأحاديث ليس هناك من شك فى أن الرحلة الى العلماء والتقاء الحفاظ بعضهم ببعض طريق عظيم فى تثقيف العقول وتنقيح العلوم وتمحيص المحفوظ من الحديث وبها يقف الراوى بنفسه على سيرة الرواة فى بلدانهم ويعلم قوتهم من ضعفهم فضلا عن الاستزادة من الحديث وحفظ مالم يكن موجودا عند علماء بلده وأهل مصره . وقد كانت الرحلة هى سنة العلماء من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم الى أن ادرك الأمة الاسلامية التكاسل والتواكل وقعدت عن العمل النافع المجدى الذى كان عليه أسلافهم . ١١٠ وقد قدمنا لك أن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم کان اذا بعدت به الدار يركب الى المدينة فيسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم . واستمر أمر الصحابة على ذلك أيضا بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم يرحل بعضهم إلى بعض فى طلب الحديث . الا أنه لما اتسعت الفتوح الاسلامية وتفرق بها الصحابة كما سبق شاعت الرحلة وظهر أمرها بين الصحابة والتابعين فى عصرنا هذا . ونحن نذكر لك طائفة. من الآثار بعضها عن الصحابة وبعضها عن التابعين لتلمس بنفسك تلك الجهود الجبارة التى قام بها أسلافنا حيال جمع الحديث وليتضح لك عنايتهم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحرصهم على جمعها . فهذا أبو أيوب الأنصارى يرحل من المدينة إلى عقبة بن عامر بمصر يسأله عن حديث سمعه من النبى صلى الله عليه وسلم . فلما قدم الى منزل مسلمة بن مخلد الأنصارى أمير مصر خرج اليه فعانقه ثم قال له . ما جاء بك. يا أبا أيوب؟ قال حديث سمعته من النبى صلى الله عليه وسلم لم يبق أحد سمعه منه غيرى وغير عقبة فابعث من يدلنى على منزله . فبعث معه من يدله على منزل عقبة فخرج اليه عقبة فعانقه فقال . ماجاء بك ياأبا أيوب! فقال . حديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبق أحد سمعه منه غيرى وغيرك. فى ستر المؤمن . قال عقبة : نعم . سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (( من ستر مؤمنا فى الدنيا على خزية ستره الله يوم القيامة)) فقال أبو أيوب. صدقت ثم انصرف أبو أيوب الى راحلته فركبها راجعا إلى المدينة وما حل رحله فما أدركته جائزة مسلمة بن مخلد الا بعريش مصر . فانظر رعاك الله الى همة صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف هانت عليهم الدنيا وصغرت أمامهم العظائم فى سبيل المحافظة ١١١ على سنة رسول الله فضحوا براحتهم وركبوا الأخطار وقطعوا المفاوز والقفار فى طلب الحديث . فأبو أيوب على تقدم صحبته وكثرة سماعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم يرحل من المدينة الى مصر متحملا مشقة السفر ووعثاءه ثم هو يرجع من ساعته ولا تحدثه نفسه بالمقام بمصر يوما أو يومين يستجم فيه . وهذا عمرو بن أبى سلمة يقول للأوزاعى . يا أبا عمرو أنا ألزمك منذ أربعة أيام ولم أسمع منك الا ثلاثين حديثا . قال . وتستقل ثلاثين حديثا فى أربعة أيام ! لقد سار جابر بن عبد الله الى مصر واشترى راحلة فركبها حتى سأل عقبة بن عامر عن حديث واحد وانصرف إلى المدينة وأنت تستقل ثلاثين حديثا فى أربعة أيام ? . فجابر بن عبد الله معدود من المكثرين فى الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع ذلك يستعظم أن يفوته بعض الحديث فيرحل الى مصر على بعد الشقة بينها وبين المدينة ويشترى لهذه الغاية الشريفة دابة يركبها . فانظر إلى أى حد كان الصحابة يخدمون دينهم ويجمعون أحاديث نبيهم وكل همهم أن يكونوا سعداء بحمل الحديث وتبليغه والعمل به . وهذا سعيد بن المسيب يقول . انى كنت لاسافر مسيرة الأيام والليالى فى الحديث الواحد ((روى هذه الآثار كلها الحاكم فى معرفة علوم الحديث ص ٧، ٨)). وروى البخارى فى كتاب العلم عن صالح الهمدانى عن الشعبى عن أبى بردة عن أبيه أنه قال . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم . أيما رجل كانت عنده وليدة فعلمها فأحسن تعليمها وأدبها فأحسن تأديبها وأعتقها فتزوجها فله أجران . وأيما رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه ١١٢ وآمن بى فله أجران وأيما مملوك أدى حق مواليه وأدى حق ربه فله أجران . فلما انتهى الشعبى من رواية هذا الحديث قال للسامع الذى يتلقاه عنه. (( خذها بغير شىء قد كان الرجل يرحل فيما دونها الى المدينة )) فكلمة الشعبى هذه وهو من التابعين تعلمنا بما كان يقوم به العلماء من الصحابة والتابعين من الرحلات الى مدينة النبى صلى الله. عليه وسلم فى طلب الحديث مهما كان قليلا . وعن جابر بن عبد الله قال بلغنى حديث عن رجل من أصحاب النبى. صلى الله عليه وسلم فابتعت بعيرا فشددت عليه رحلى ثم سرت اليه شهرا حتى قدمت الشام فاذا عبد الله بن أنيس الأنصارى فأتيت منزله وأرسلت اليه أن جابرا على الباب فرجع الى الرسول فقال جابر بن عبد الله فقلت نعم فخرج الى فاعتنقته واعتنقنى قال قلت : حديث بلغنى عنك أنك سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فى المظالم لم أسمعه أنا منه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (« يحشر الله تبارك وتعالى العباد ... الحديث)) وهذا عبد الله بن عباس رضى الله عنهما. يقول : كان يبلغنا الحديث عن رجل من أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم فلو أشاء أن أرسل اليه حتى يجيئنى فيحدثنى فعلت ولكنى كنت أذهب اليه فأقيل على داره حتى يخرج فيحدثنى وهذا بسر بن عبد الله. الحضرمى يقول : ان كنت لأركب الى المصر من الأمصار فى طلب الحديث. الواحد لأسمعه رواهما ابن عبد البر فى جامع بيان العلم وفضله وقد عقد بابا لذلك خاصة سماه باب ذكر الرحلة فى طلب العلم ، وأخرج الخطيب. عن أبى العالية قال : كنا نسمع عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه. وسلم فلا نرضى حتى خرجنا اليهم فسمعنا منهم . ١١٣ هكذا تعاون العلماء فى الأمصار المختلفة على حفظ السنة رحل بعضهم إلى بعض وتلقى بعضهم عن بعض وجاهدوا فى سبيل الحديث وجمعه جهادا عظيما وضربوا المثل عاليا لمن بعدهم من أهل الحديث فساروا على ضوء نبراسهم . وقد كان للرحلة أثر عظيم فى عصور التدوين حتى لقد عد من يكتب الحديث فى بلده ولا يرحل فى طلبه ضالا طريق الرشاد بعيدا عن محجة الهدى والسداد . فهذا يحيى بن معين يقول : أربعة لا تؤنس منهم رشدا حارس الدرب ومنادى القاضى وابن المحدث ورجل يكتب فى بلده ولا يرحل فى طلب الحديث ولأمر ما يقول عبد الله بن عمر بن الخطاب قلت لطالب العلم يتخذ نعلين من حديد . التفت أيها القارىء - وتصور العصر الذى نحدثك عنه وكيف كانت المواصلات فيه لم تكن هناك طرق معبدة ولا سيارات ولا طائرات بل كانت ركوبتهم الخيل والجمال يقطعون بها الفيافى المخيفة ما بين حزون وسهول وجبال وتلال وأسود وذئاب وكثيرا ما تلفحهم الصحارى بقيظها وتقرسهم الفيافى بقرها ويغشاهم الليل بظلمات بعضها فوق بعض اذا أخرج الواحد منهم يده لم يكد يراها . وكل هذه المخاطر كانت فى نظرهم قليلة فى جنب الله هيئة فى سبيل جمعهم لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم . فجزاهم الله عن المسلمين خير الجزاء . أثر الرحلة فى شيوع رواية الحديث وتعدد طرقه تفرق علماء الصحابة فى البلدان ينشرون الحديث ويروون السنن ولتفاوتهم فى حفظ الحديث قلة وكثرة نشطت الرحلة ونزح العلماء من قطر الى قطر فى جمع الحديث . وتبع اتساع الفتوح تجدد الحوادث والأقضية فأبرز العلماء من الصحابة ماعندهم من أحكام رسول الله صلى الله عليه وسلم وقضاياه وقضايا الخليفتين من بعده . فكان طبيعيا ١١٤ أن يترتب على كل ذلك شيوع رواية الحديث بين العلماء فى الأقطار المختلفة فبعد أن كان المصرى مثلا يتحمل الحديث ويرويه عن عبد الله بن عمرو بن العاص وغيره ممن نزل مصر أصبح يروى الحديث عن معاذ بن جبل وأبى الدرداء وأبى موسى وابن عباس وجابر بن عبد الله وعبد الله ابن عمر بن الخطاب وهكذا وبعد أن كان الحدیث یقع للراوى من طريق واحد أصبح يرويه من طرق عديدة . وبعد أن كانت بعض البلدان أكثر حظا بالحديث وحملته كالمدينة مثلا أصبحت البلدان كلها تتمتع برواية الحديث وتعمل به فى أحكامها وقضاياها وعباداتها ومعاملاتها . وكل ذلك بفضل ارتحال علماء الأقطار من بلد إلى بلد فى طلب الحديث وتلقيه حتى رأينا الصحابى ينزح من المدينة التى هى مهبط الوحى وملاذ الحديث الى مصر فى طلب حديث سمعه زميله من النبى صلى الله عليه وسلم . ثالثا - ظهور الكذب فى الحديث ومناهضة العلماء للكذابين كان حسنا أن تشيع رواية الحديث بين المسلمين فى الأقطار المختلفة وكان حسنا أن يتلقى التابعون عن الصحابة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بشغف عظيم وكان حسنا أن يطبق المسلمون أحاديث نبيهم على كل أمورهم دينية كانت أم دنيوية . ولكن لاتنس أيها القارىء أن للاسلام كما قدمناه لك أعداء واقفين له بالمرصاد فمن الوقت الذى وقعت فيه الفتنة بين المسلمين بقتل الخليفة الثالث أولا وبافتراقهم الى شيعة وخوارج وجمهور ثانيا وجد اعداء الاسلام من الفرس وغيرهم ستارا يحجبهم فعملوا فى الخفاء ودسوا الأكاذيب كما قدمناه لك . ولما شاعت رواية الحديث واتسعت الأقطار ١١٥ وجد هؤلاء الكائدون جوا صالحا لبث سمومهم والقاء أكاذيبهم فى طول البلاد وعرضها . كان الصحابة فى الدور الأول زمن الخلافة الراشدة لا يبرحون المدينة الا لحاجة ماسة وكانوا مشغولين بالحروب وكانت المدينة هى دار الحديث الوحيدة وكان أبو بكر وعمر قد أخذا الناس بالحزم وأمراهم بأقلال الرواية حتى لاتفشو وتشيع فيتخذها الجهال والمنافقون ذريعة للكذب والقاء بذور الشر والفساد وقد نجحت تلك التجربة أيما نجاح وكفى الله السنة شر الكذابين . ولما انقضى عهد الخلافة الراشدة وانشق المسلمون بعضهم على بعض ظهر الكذابون والمنافقون من أهل الملل الأخرى الذين لم يتجاوز الايمان حناجرهم وقد قدمنا لك بعضا من أعمالهم وخرافاتهم . فلما أن شاعت رواية الحديث كما رأيت بين أهل الأقطار الاسلامية ظهر هؤلاء الدجالون من أرباب الفرق المختلفة بوجوه فى نهاية التبجح والقحة فأخذوا يكذبون على الصحابة ويدعون أنهم رووهم الحديث وربما لم يكونوا قد رأوهم ولا سمعوا منهم . أخذ هؤلاء الكذابون يأتون بالعظائم مما لم يأذن به الله ولا رسوله . فهذا جابر بن يزيد بن الحارث الجعفى ابو عبد الله الكوفى الرافضى المتوفى سنة ١٢٧ هـ يقول . عندى خمسون ألف حديث ماحدثت منها بشىء . ويقول فيه سفيان سمعت جابرا يحدث بنحو ثلاثين ألف حديث ما أستحل أن أذكر منها شيئا وان كان لى كذا وكذا . وروى الحميدى عن سفيان قال. سمعت رجلا سأل جابرا عن قوله عز وجل . (( لن أبرح الأرض حتى يأذن لى أبى أو يحكم الله لى وهو خير الحاكمين )). فقال جابر لم يجىء تأويل هذه الآية . قال سفيان وكذب فقلنا وما أراد بهذا قال : ان الرافضة تقول : ان عليا فى السحاب فلا نخرج مع من خرج من ١١٦ ولده حتى ينادى مناد من السماء - يريد أن عليا ينادى - اخرجوا مع فلان يقول جابر فذا تأويل هذه الآية وكذب . كانت فى أخوة يوسف )) . وهذا همام يقول . قدم علينا أبو داود الاعمى فجعل يقول : حدثنا البراء وحدثنا زيد بن أرقم . فذكرنا ذلك لقتادة فقال كذب ما سمع منهم انما كان اذ ذاك سائلا يتكفف الناس زمن طاعون الجارف أى عام سبع وثمانين ويقول همام دخل أبو داود الأعمى على قتادة فلما قام قالوا ان هذا يزعم أنه لقى ثمانية عشر بدريا فقال قتادة : هذا كان سائلا قبل الجارف لا يعرض لشىء من هذا ولا يتكلم فيه . فوالله ماحدثنا الحسن عن بدرى مشافهة ولا حدثنا سعيد بن المسيب عن بدرى مشافهة الا عن سعد بن مالك (١) . فانظر كيف ادعى هذا الأعمى أنه سمع ثمانية عشر صحابيا ممن شهد بدرا مع أن الحسن وسعيد بن المسيب وهما أكبر منه سنا وأكثر اعتناء بالحديث وملازمة لأهله واجتهادا فى الأخذ عن الصحابة ماحدث واحد منهما عن بدرى واحد فكيف بأبى داود الأعمى يدعى أنه لقى ثمانية عشر بدريا سبحانك هذا بهتان عظيم . ولكن الصحابة والتابعين رضى الله عنهم أخذوا على هؤلاء الوضاعين المسالك وشردوا بهم من خلفهم . انظر الى قول الشعبى رضى الله عنه . حدثنى الحارث الأعور وكان كذابا . وهذا عبد الله بن عباس رضى الله عنهما يؤتى بقضاء على كرم الله وجهه فى خريطة فيمحوه ولا يترك منه الا مقدار ذراع . وذلك لأن الشيعة أفسدوا كثيرا من علم الامام على فقاتلهم الله أنى يؤفكون . وهذا بشير بن کعب یأتی ابن عباس فيحدثه بأحاديث فيقول له ابن عباس : عد لحديث كذا وكذا فيعود له ثم يحدث (١) هو سعد بن أبى وقاص . ١١٧ فيقول له عد لحديث كذا وكذا فيعود له . فقال له : ما أدرى أعرفت حديثى كله وأنكرت هذا أم أنكرت حديثى كله وعرفت هذا . فقال له ابن عباس : انا كنا نحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ لم يكن يكذب عليه فلما ركب الناس الصعبة والذلول تركنا الحديث عنه . وهذا مجاهد يقول : جاء بشير العدوى الى ابن عباس فجعل يحدث ويقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل ابن عباس لا يأذن لحديثه ولا ينظر اليه فقال : يا ابن عباس . مالى أراك لاتسمع لحديثى ? أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تسمع ؟ فقال ابن عباس: انا كنا مرة اذا سمعنا رجلا يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ابتدرته ابصارنا وأصغينا اليه بآذاننا فلما ركب الناس الصعبة والذلول لم تأخذ من الناس الا ما نعرف ذكر هذه الآثار مسلم فى مقدمة صحيحة . هذا وهناك صنف من الوضاعين كان شرا مستطيرا على الحديث ألا وهم القصاص الذين يستهوون العامة بالمناكير ويأخذون عليهم قلوبهم برواية الغرائب التى لا أصل لها وقد وجد منهم فى هذا الدور خلق كثير . فهذا هو الشعبى التابعى العظيم أحد أعيان المائة الأولى للهجرة (١٧ - ١٠٤) يقول: بينما عبد الملك بن مروان جالس وعنده وجوه الناس من أهل الشام قال لهم : من أعلم أهل العراق قالوا ما نعلم أحدا أعلم من عامر الشعبى . فأمر بالكتاب الى فخرجت اليه حتى نزلت (( تدمر)) فوافقت يوم جمعة فدخلت أصلى فى المسجد فاذا الى جانبى شيخ عظيم اللحية قد أطاف به قوم فحدثهم قال حدثنى فلان عن فلان يبلغ به النبى صلى الله عليه وسلم : أن الله تعالى خلق صورين فى كل صور ١١٨ تفختان نفخة الصعق ونفخة القيامة . قال الشعبى فلم اضبط نفسى أن خففت صلاتى ثم انصرفت فقلت ياشيخ اتق الله ولا تحدثنا بالخطأ أن الله تعالى لم يخلق الا صوراواحدا وانما هى نفختان نفخة الصعق ونفخة القيامة . فقال لى يافاجر انما يحدثنى فلان عن فلان وترد على ثم رفع فعله وضربنى بها وتتابع القوم على ضربا معه فو الله ما أقلعوا عنى حتى حلفت لهم أن الله تعالى خلق ثلاثين صورا له فى كل صور نفخة فاقلعوا عنى . فرحلت حتى دخلت دمشق ودخلت على عبد الملك فسلمت عليه . فقال لى ياشعبى: بالله حدثنى بأعجب شىء رأيته فى سفرك فحدثته حديث المتقدمين فضحك حتى ضرب برجليه ذكره السيوطى فى تحذير الخواص ص ٥١، ٥٢ . فانظر الى أى حد بلغ الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فى ذلك العصر وانظر الى استماع العامة للأكاذيب وتعلقهم بها حتى أنهم اذا نصحوا ثاروا على الناصح فأهانوه وضربوه . فمن ذلك نأخذ أن مهمة المحدثين فى هذا الوقت كانت من أشق مايكون فقد أفسد القصاص والزنادقة قلوب العامة وحشوها بالخرافات وشأن العامة فى كل زمان الاستماع للغريب من الحديث والجلوس الى القاص اذا ماكان كلامه عجيبا خارجا عن فطر العقول أو كان رقيقا يحزن القلوب ويستغزر العيون . وهذا ابن عمر يزجر القاص ويأمره بالقيام من المسجد فلا يستمع لأمره حتى يستعين عليه بصاحب الشرطة فيبعث اليه شرطيا يخرجه الى غير ذلك من الحوادث . وقد رأينا أن تتكلم على نشأة الوضع فى الحديث وتاريخه وجهود العلماء لمناهضة الوضاعين فى فصل خاص ان شاء الله عند الكلام على ١١٩ أنواع من علوم الحديث في الخاتمة لأن الوضع لم يكن خاصاً بعصر من العصور بل هو وليد العصور جميعها ونكتفي بهذا القدر الآن . المبحث الخامس كتابة الحديث الكتابة عند العرب قبيل الاسلام الخط مظهر من مظاهر التحضر ، وأثر من آثار الاجتماع والتمدن ، لذا سبق اليه الأمم المتمدينة ، وكان أبعد الناس منه الأمم البادية . والعرب لما كانوا قوما بدويين كانوا بطبيعة الحال أميين لا يقرءون ولا يكتبون ، اللهم الا فى الجهات التى عرفتها الحضارة من جزيرتهم كاليمن ، فقد كان أهل هذه البلاد يخطون وكان خطهم يسمى بالخط المسند . على أنه لم تكن الكتابة عندهم بالشىء الذائع يتناوله جميع الأفراد ، بل كان ذلك فى الخاصة منهم . ومن اليمن انتقل الخط الى الحيرة والأنبار لما كان من الارتباط بين ملوك الأقليمين . وكانوا يسمون خطهم بخط الجزم لأنه اقتطع من المسند الحميرى . ومن الحيرة انتقل الخط الى مكة ، نقله حرب بن أمية ، وكان رجلا سفارا ، ومن عهده بدأ الخط بمكة ، فتعلمه بعض رجال قريش . هذه هى الجهات الثلاث التى وجدت بها الكتابة الخطية على أنها كما قلنا لم تكن بالشىء الذائع المتداول . أما بادية العرب فلم تكن تخط بل كانت ترى الخط وصمة عار وسمة عيب كما هو شأنها فى سائر الصناعات المدنية . هذا وكأن الله تعالى اذن بنقل الكتابة من الحيرة الى مكة قبيل الاسلام لتكون فيما بعد عاملا من عوامل حفظ القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة ، ثم انه لم تكن الكتابة منتشرة بين العرب ، بل كانت منحصرة فى أفراد قليلين مما يجعل الحكم على الأمة العربية بأنها ١٢٠ أمة أمية لا تقرأ ولا تكتب من السهولة بمكان حتى لقد سماها القرآن عند مجىء الاسلام بذلك فقال سبحانه وتعالى (( هو الذى بعث فى الاميين رسولا منهم )) وقد كان عدم انتشار الكتابة وذيوعها بين العرب من أهم العوامل فى تنمية ملكة الحفظ فيهم ، فقد اعتمدوا على قوة الحافظة فى جمع ما يهمهم من الأشعار والأنساب والمفاخر والأيام . والملكة متى استعملت عظمت ونمت ، ولذا كان العرب من أحفظ الأمم التى عرفها التاريخ الى يومنا هذا . الكتابة بمكة عند مجىء الاسلام وأيا ما كان الأمر فقد جاء الاسلام وليس بمكة ممن يعرف الكتابة سوى سبعة عشر رجلا منهم عمر بن الخطاب وعلى بن أبى طالب وعثمان ابن عمان وأبو عبيدة بن الجراح وطلحة ويزيد بن أبى سفيان ومعاوية ابن أبى سفيان وأبو سفيان بن حرب وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة وحاطب بن عمرو وأبو سلمة بن عبد الأسد المخزومى . وبعض من نسائهم كن يكتبن أيضا منهن الشفاء بنت عبد الله العدوية وحفصة بنت عمر زوج النبى صلى الله عليه وسلم وأم كلثوم بنت عقبة وكريمة بنت المقداد وغيرهن . الكتابة بالمدينة عند قدوم النبى صلى الله عليه وسلم اليها أما فى المدينة فكانت الكتابة بين الأوس والخزرج قليلة ، وكان بعض اليهود قد علم كتابة العربية ، وكان يعلمها الصبيان بالمدينة فى الزمن الأول . فجاء الاسلام وفى الأوس والخزرج عدة يكتبون ، منهم سعد بن عبادة والمنذر بن عمرو وأبى بن كعب وزيد بن ثابت الذى كان يكتب العربية والعبرانية ورافع بن مالك وأسيد بن حضير . وغيرهم وقد عدهم البلاذرى أحد عشر رجلاء.