النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
الجلة فهذا كله راجع الى معنى الالحاق بأصل الخبائث كما ألحق عليه
الصلاة والسلام الضب والحبارى والأرنب واشباهها بأصل الطيبات .
٢ - أباح الله من صيد الجارح المعلم ما أمسك عليك وعلم من ذلك
أن مالم يكن معلما فصيده حرام أذ لم يمسك الا على نفسه فدار بين
الأصلين ماكان معلما ولكنه أكل من صيده فالتعليم يقتضى أنه أمسك
عليك والأكل يقتضى أنه اصطاد لنفسه لالك فتعارض الأصلان فجاءت
السنة ببيان ذلك فقال عليه الصلاة والسلام ((فأن أكل فلا تأكل فانى
أخاف أن يكون انما أمسك على نفسه )) أخرجه الشيخان .
٣ - أحل الله صيد البحر فيما أحل من الطيبات وحرم الميتة فيما
حرم من الخبائث فدارت ميتة البحر بين الطرفين وأشكل حكمها فقال
عليه الصلاة والسلام ( هو الطهور ماؤه الحل مينته ) أخرجه أصحاب
السنن .
٤ - حرم الله الميتة وأحل المذكاة فدار الجنين الخارج من بطن
المذكاة ميتا بين الطرفين فاحتمل أن يلحق بكل منهما فقال النبى صلى
الله عليه وسلم ( ذكاة الجنين ذكاة أمه ) رواه أبو داود والترمذى وحسنه
وهذا منه صلى الله عليه وسلم ترجيح لجانب الجزئية على جانب
الاستقلال .
٥ - قال تعالى ( فأن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وان
كانت واحدة فلها النصف ) فبقيت البنتان مسكوتا عنهما فنقل فى السنة
حكمهما وهو الحاقهما بما فوق البنتين .
فهذه أمثلة يستعان بها على ماسواها وبها يتبين أن السنة فى هذا
النوع مبينة للقرآن الكريم .
البيان بطريق القياس : -
قد ينص القرآن على حكم شىء فيلحق به الرسول صلى الله عليه

٤٢
وسلم ما اجتمع معه فى العلة بطريق القياس وذلك راجع فى الحقيقة الى
دلالة القرآن فأن النص القرآنى المقرر لحكم الأصل وأن كان خاصا به
فى الصورة فهو عام فى المعنى من حيث عموم العلة وسواء علينا اقلنا
آن النبى صلى الله عليه وسلم قاله بالقياس أم بالوحى الا أنه جار فى
أفهامنا مجرى القياس .
ومن أمثلة هذا النوع : -
١ - أن الله عز وجل حرم الربا . وربا الجاهلية الذى قالوا فيه ( أنما
البيع مثل الربا) هو فسخ الدين فى الدين يقول الطالب : اما أن تقضى
واما أن تربى وهو الذى دل عليه قوله تعالى ( وان تبتم فلكم رؤوس
أموالكم لاتظلمون ولا تظلمون ) ولما كان المنع فيه من قبل كونه زيادة
بلا عوض الحقت السنة به كل مافيه زيادة بهذا المعنى فقال عليه الصلاة
والسلام ( الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير
والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد فمن زاد
أو ازداد فقد أربى فاذ اختلفت هذه الاصناف فبيعوا كيف شئتم اذا
کان يدا بيد ) .
٢ - حرم الله الجمع بين الاختين ثم قال: ((وأحل لكم ماوراء ذلكم))
فجاء نهيه صلى الله عليه وسلم عن الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها من
باب القياس لأن المعنى الذى من أجله حرم الجمع بين الاختين موجود
هنا وقد روى هذا المعنى فى الحديث ( فأنكم اذا فعلتم ذلك قطعتم
ارحامكم ) رواه ابن حبان .
٣ - بين القرآن بعض المحرمات من الرضاع بقوله (وأمهاتكم
اللاتى ارضعنكم واخواتكم من الرضاعة ) فالحقت السنة بهاتين سائر
القرابات بالرضاعة من اللاتى كن يحرمن بالنسب كالعمة والخالة وبنت
الأخ وبنت الأخت فقال صلى الله عليه وسلم ( ان الله حرم من الرضاع

٤٣
ماحرم من النسب ) أخرجه الترمذى وقال حسن صحيح وهذا الألحاق
بطريق القياس من باب نفى الفارق بين الأصل والفرع .
البيان بطريق استنباط القواعد العامة من نصوص القرآن الجزئية فى المواضع
المختلفة : -
قد تأتى نصوص من القرآن الكريم فى معان مختلفة لكن يشملها
معنى واحد فتأتى السنة بمقتضى ذلك المعنى الواحد فيعلم أو يظن أن
ذلك المعنى مأخوذ من مجموع تلك النصوص القرآنية ومن أمثلة
ذلك : -
١ - قوله صلى الله عليه وسلم ( إنما الأعمال بالنيات وأنما لكل
امرىء ما نوى ) فهاتان القاعدتان تؤخذان من الآيات التى تحث على
الأخلاص وتذم الرياء وتبين أنه ليس للأنسان الا ماسعى مثل ( وما
أمروا الا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) ( ألا لله الدين الخالص ) (فمن
كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا ) ( ان
المنافقين فى الدرك الأسفل من النار ) ( واذا قاموا الى الصلاة قاموا
كسالى يراؤون الناس ) (ومن يخرج من بيته مهاجرا الى الله ورسوله
ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله ) الى غير ذلك .
٢ - قوله صلى الله عليه وسلم ( لاضرر ولا ضرار) فهذه القاعدة
مأخوذة من عدة أوامر ونواه متفرقة فى القرآن الكريم فى جزئيات
مختلفة منها ( ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا ) ( لاتضار والدة بولدها
ولا مولود له بولده) (ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن) (ولا تعضلوهن
لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن ) (ولا يضار كاتب ولا شهيد ) وما
فى معناها .
٣ - قوله صلى الله عليه وسلم ( من حام حول الحمى يوشك أن
يقع فيه ) وقوله ( دع ما يريبك إلى مالا يريبك ) فكل من الحديثين معناه
سد ذرائع الفساد وهو منتزع من آيات كثيرة منها ( ولا يضربن بأرجلهن

٤٤
ليعلم ما يخفين من زينتهن ) (ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله
فيسبوا الله عدوا بغير علم ) ( لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا) ( ولولا
رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطؤوهم فتصيبكم منهم
معرة بغير علم ) .
ومن ذلك كله يعلم أن السنة موضحة للقرآن ومبينة لمقاصده
الكلية والجزئية .
الجواب الثانى : -
فأن أبيت الا أن تجعل الأحكام التى جاءت بها السنة زيادة عما فى
القرآن من قبيل استقلال السنة بالتشريع فلا يضيرنا ذلك بعد ما نطق
القرآن نفسه بأن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم أنما هى طاعة لله
عز وجل وأنه لا ينطق عن الهوى فلو كان لايطاع الا فيما يوافق القرآن
لم تكن له طاعة خاصة وقد قال تعالى ( اطيعوا الله واطيعوا الرسول
وأولى الأمر منكم ) وقال ( من يطع الرسول فقد أطاع الله ) كرر الفعل
فى الآية الأولى وجعل طاعته فى الثانية طاعة لله أشارة الى ماذكرنا وأنه
يجب طاعته مطلقا وأما قوله تعالى ( لتبين للناس ما نزل اليهم ) فلا يفيد
قصره صلى الله عليه وسلم على البيان بل يستفاد من هذه الآية ومن
الآيتين السابقتين انه يبين للناس كتاب الله وأنه اذا جاوز البيان الى
غيره من الأحكام التى لم يتعرض لها القرآن لا ينطق عن الهوى وقد صرح
بهذا طائفة من علماء السلف فمن ذلك ما روى عن عبد الرحمن بن يزيد
أنه رأى محرما عليه ثيابه فنهاه فقال اثتنى بآية من كتاب الله تنزع ثيابى
فقرأ عليه ( وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) وما روى
عن طاوس أنه كان يصلى ركعتين بعد العصر فقال له ابن عباس اتركهما
فقال انما نهى عنهما أن تتخذا سنة فقال ابن عباس قد نهى رسول الله
صلى الله عليه وسلم عن صلاة بعد العصر فلا أدرى أتعذب عليها أم

٤٥
تؤجر لأن الله تعالى قال: ( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله
ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ) الآية وكذلك ما روى
عن ابن مسعود حينما لعن الواشمة والمستوشمة وقد تقدم ( الموافقات
٤ - ٢٤ إلى ٤٨).
هذا ونحن نرى أنه لاتخالف بين الجوابين على أصل الاعتراض فمن
.قال أن السنة لاتأتى بأحكام زائدة عما فى القرآن أراد أن القرآن اشتمل
على جميع الاحكام اما بطريق التفصيل واما بطريق الاجمال ومن قال
ان السنة تأتى بأحكام زائدة عما فى القرآن أراد بها الاحكام التفصيلية
التى لم ينص عليها صراحة فى القرآن وبذلك يلتقى القولان عند
نقطة واحدة .
بيان السنة للقرآن فى غير الأحكام . - يقع على ثلاثة أضرب :
الأول - ما يرد موافقا لما فى القرآن فيكون مؤكدا له ولا يخلو مع
ذلك عن شرح وبيان كحديث الخضر مع موسى عليه السلام فى البخارى
وغيره فانه يوافق القصة المذكورة عنهما فى سورة الكهف .
الثانى - ما يرد مورد التوضيح والشرح ومثاله قول النبى صلى
الله عليه وسلم: (( يدعى نوح فيقال هل بلغت فيقول نعم فيدعى قومه فيقال
هل بلغكم فيقولون ما أتانا من نذير وما أتانا من أحد فيقال من شهودك
فيقول محمد وأمته قال فيؤتى بكم تشهدون أنه قد بلغ فذلك قول الله
تعالى ((وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون
(الرسول عليكم شهيدا)) أخرجه البخارى والترمذى .
الثالث - ما يرد على طريق الاستقلال ومن أمثلته حديث جريج
العابد وحديث الابرص والأقرع والأعمى وحديث الصخرة فهذه
الأحاديث وما فى معناها مؤكدة للمقاصد التى جاء بها القرآن وحكمتها
تنشيط المكلفين وتنبيه الغافلين .

السنة فى أدوارها المختلفة
الدور الأول
السنة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم
ويشتمل على أربعة مباحث : -
المبحث الأول : استعداد الصحابة رضى الله عنهم لحفظ السنة
ونشرها .
المبحث الثانى : مجالس النبى صلى الله عليه وسلم العلمية ..
المبحث الثالث : كيف كان الصحابة يتلقون الحديث عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم .
المبحث الرابع : البعوث والوفود وأثرها فى انتشار الحديث النبوى .
المبحث الأول
((استعداد الصحابة لحفظ السنة ونشرها))
كان العرب قبل البعثة المحمدية فى جهالة جهلاء وضلالة عمياء ، بلغ
بهم الجهل أن نحتوا من الحجارة اصناما آلهة يعبدونها من دون الله وبلغ
بهم الضلال والقسوة أن كانوا يقتلون أولادهم خشية العار أو الفقر .
وبلغت بهم الهمجية أن كانوا يشنون الغارات لأتفه الأسباب . الحمية.
الجاهلية بعض صفاتهم والعصبية القبلية متمكنة من نفوسهم يعاقرون
الخمور ويتعاملون بالميسر كثيرا ما تنشب الحرب بينهم أعواما طوالا

٤٧
حتى تأتى على الأخضر واليابس . لا حاكم يزجرهم ولا دين يردعهم .
وبالجملة فقد كانوا فى فتن مدلهمة وظلمات بعضها فوق بعض حتى ضجت
الجزيرة العربية من الحروب المتلاحقة واشتكت الارض الى ربها من هذه
الدماء المسفوكة . وتشوقت النفوس الى من ينتشلها من ظلمات الحيرة
وينقذها من أحضان الجهل والوحشية . وجعلوا يلتمسون الخلاص
مما هم فيه فلا يستطيعون كالذى يبسط كفيه الى الماء ليبلغ فاه وما
هو ببالغه .
فكان من رحمة الله بهم وبالانسانية جمعاء أن بعث فيهم رسولا من
أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة . وهذا
الرسول هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب أشرف الناس نسبا وأكرم
قريش أصلا ومحتدا . بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم الدعوة الى
الله سرا حتى لايفجأ القوم بها وهم على ما وصفنا غارقون فى جهلهم
هائمون فى غيهم . فتبعه منهم أفراد قلائل لايتجاوزن اصابع اليد ثم جهر
بالدعوة إلى الله عز وجل فدخل فى الدين من علية القوم خلق كثير .
دخلوا الإسلام على بينة من أمره واستمعوا الى كتاب ربهم وسنة
نبيهم فخالطت بشاشة الإيمان قلوبهم ، لاسيما وهم متعطشون الى
ما ينقذهم من ظلمات الشرك ويهديهم الى سبل السلام فصادف الاسلام
قلوبا مستعدة ونفوسا متلهفة متهيأة فتمكن منها كل التمكن وجرى
الإيمان فيهم مجرى الدم فى عروقهم . ذلك أنهم عرفوا من الرسول صلى
الله عليه وسلم أن هذا الدين هو منبع سعادتهم ومعقد عزهم وسبب
نهضتهم فعقدوا عليه خناصرهم وأحبوا رسول الله حبا يعلو على حب
الآباء والأبناء وانكبوا على ماجاءهم به من القرآن يحفظونه وعلى
ما حدثهم به من بيان للكتاب أو تشريع للأحكام فجمعوه فى صدورهم

٤٨
وطبقوه على جميع أحوالهم . ثم كانت الهجرة الى المدينة فانفسح المجال
لاستماع القرآن وحضور مجالس النبى صلى الله عليه وسلم .
علم اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم للسنة مكانها من الدين
وأنها الركن الثانى فى بنائه القويم بعد الكتاب العزيز كما علموا وصية
الله تعالى باتباعها وتحذيره الشديد من مخالفتها . وأن من فرط فى أمرها
أو تهاون بشأنها فهو محروم ومن حفظها وعمل بها فهو سعيد مشكور .
ولم يخف عليهم أن القرآن العزيز رفع من شأن العلم والعلماء
وحط من شأن الجهل والجهلاء فقال (( قل هل يستوى الذين يعلمون.
والذين لا يعلمون)) وقال (( يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا
العلم درجات)) وحث على التفقه فى الدين وتبليغه الى الناس فقال
(( وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة
ليتفقهوا فى الدين ولينذروا قومهم اذا رجعوا اليهم لعلهم يحذرون)).
كما لم يخف عليهم الوعيد الشديد على كتمان العلم فى قوله تعالى.
(( أن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس.
فى الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون)) وكما جاءت الآيات
القرآنية حاثة لهم على تعلم الدين وأحكامه ودرسه ونشره كذلك جاءت.
الأحاديث النبوية محببة اليهم حمل العلم والتفقه فى الدين محذرة لهم
من كتمانه حاضة على تبليغه الى الناس فقال صلى الله عليه وسلم (( من
يرد الله به خيرا يفقهه فى الدين)) متفق عليه (( الدنيا ملعونة ملعون ما فيها
الا ذكر الله وما والاه وعالما ومتعلما)) حسنه الترمذى ((نضّر الله أمراً
سمع منا شيئا فبلغه كما سمعه فرب مبلغ أوعى من سامع )) صححه
الترمذى (( من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا الى.

٤٩
الجنة)) رواه مسلم (( من سئل عن علم فكتمه جاء يوم القيامة ملجما
بلجام من نار)) رواه أبو يعلى ورواته ثقات . والآيات والاحاديث فى
هذا الباب كثيرة شهيرة .
ملكت هذه الآيات والأحاديث على الصحابة مشاعرهم وأخذت
عليهم البابهم وافعمت قلوبهم حبا لله ورسوله صلى الله عليه وسلم
والهبت نفوسهم نشاطا نحو العلم والعمل فلم يدخروا وسعا فى حفظ
الأحكام والسنن وضحوا فى سبيل ذلك بأموالهم وأنفسهم .
والى جانب هذه الحمية الدينية استعداد فطرى ونشاط طبيعى هو
استعداد الحافظة ونشاط الذاكرة وسرعة الخاطر وقوة الذكاء وكمال.
العبقرية .
فالصحابة عرب خلص أميون لا يقرؤون ولا يكتبون فكل اعتمادهم
على ملكاتهم فى الحفظ وقوة شأنهم فيه . واعتبر ذلك بحالهم فى الجاهلية
فقد حفظوا أنسابهم ومناقبهم وأشعارهم وخطبهم وكثيرا ما كانت تقع
بينهم المفاخرة بالأنساب والاحساب فلا يسعفهم غير اللسان يثيرون به
ماحفظوه من أخبارهم وأخبار خصومهم مما يرفع من شأنهم ويحط من
شأن أعدائهم . فكان كل امرىء منهم على مقدار حفظه وقوة وعيه
ترجمان قبيلته يرفع من قدرها ويتحدث عن مفاخرها وأحسابها والقوم
من ورائه كأنهم سجل ملىء بالحوادث والأخبار وكتاب شحن بالتواريخ
والآثار . ساعدهم حبهم للتفاخر بالاحساب والأنساب والتنابز بالمثالب
والالقاب مع مارسخ فيهم من عصبية قبليه على اجادة الحفظ والضبط
ونشاط فى الذاكرة لم يتوفر لأمة من الأمم .
وكأن الله تعالت قدرته هيأ هذه الامة العربية على هذا الاستعداد
الهائل ارهاصا لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم فكانت هذه الصدور

٥٠
الحافظة مهدا لآى الذكر الحكيم وكانت هذه القلوب الواعية أوعية
لحديث النبى الكريم فاندفع هؤلاء الصحابة الأجلاء الى تلقى حديث
رسول الله بنهم عظيم وشوق كبير واظهر الله بهم دينه على الدين كله
وكان أمر الله قدرا مقدورا .
نعم تظاهر هذان العاملان العامل الروحى والعامل الفطرى فأتى
القوم بما لم تأت به أمة من يوم أن بعث الله تعالى رسله الى الخلق
فحفظوا كتاب ربهم وسنة نبيهم واتخذوا شريعته نبراسا فى أمر معاشهم
ومعادهم وبلغوها الى الناس على وجهها غضة طرية .
المبحث الثانى
((مجالس النبى صلى الله عليه وسلم العلمية))
رأيت فيما سبق كيف كان النبى صلى الله عليه وسلم يبين أحكام
القرآن العزيز وضربنا لك الأمثال التى أوضحت وظيفته صلى الله عليه
وسلم فى التبليغ والبيان . ولم يكن للنبى صلى الله عليه وسلم مدرسة
مشيدة ولا معهد للتعليم يجلس فيه الى أصحابه بل كانت مجالسه
العلمية كيفما اتفق فهو فى الجيش معلم وواعظ يلهب القلوب بوعظه
ويحمس الجنود بقوله وهو فى السفر مرشد وهاد وهو فى البيت يعلم
أهله . وهو فى المسجد مدرس وخطيب وقاض ومفت . وهو فى الطريق
يستوقفه أضعف الناس ليسأله عن أمر دينه فيقف . وهو على كل
أحواله مرشد وناصح ومعلم . ألا أنه كثيرا ما كان يعقد لأصحابه المجالس
العلمية بالمسجد حيث يجتمعون فيه فى أغلب الأوقات لأداء فريضة
الصلاة فكان يتخولهم بالموعظة تلو الموعظة والدرس تلو الدرس حتى
لا يملوا ويسأموا . روى البخارى عن ابن مسعود رضى الله عنه أنه قال :
(( كان النبى صلى الله عليه وسلم يتخولنا بالموعظة فى الأيام كراهة السآمة

٥١
علينا )) وفى هذه المجالس كان صلى الله عليه وسلم يفيض على أصحابه
من الكلم الطيب والعلم النافع والهدى الرشيد مايشرح صدورهم ويفعم
قلوبهم . وكانوا يحضرون أولادهم مجالس الرسول صلى الله عليه وسلم
لسماع حديثه والتأدب بآدابه وكان عليه السلام كثيرا مايستفتى فيفتى
أو يسأل فيجيب أو تقع أمامه الحادثة فيكشف عن حكم الله فيها أو تنزل
عليه الآية من القرآن فيفصح عن مراد الله منها أو يقع من بعض الصحابة
عمل لم يكن يعرف حكمه فيسكت ايذانا منه بأنه جائز فى الدين .
ولا تظن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ملكا محجوبا عن
رعيته أو سلطانا مترفعا عن الاختلاط بأفراد أمته . بل كان على عكس
ذلك متقلبا بين ظهرانيهم يبلغ رسالة ربه ويعود مرضاهم ويشيع موتاهم
ويفصل فى قضاياهم ويفض منازعاتهم ويقضى على اختلافاتهم وهم فى
كل ذلك مقبلون عليه بآذان صاغية وقلوب واعية .
هذا ولم تكن الصحابة رضى الله عنهم فى حضور مجالسه العلمية
سواء بل كان منهم من يلازمه ولا يتخلف عنه فى الحضر ولا فى السفر
كما كان من أبى بكر وأبى هريرة رضى الله عنهما . وكان منهم من يتخلف
عنه فى بعض الأوقات لقضاء مصالحه المعيشية كزراعة أو تجارة
أو نحوها أو الخروج فى سرية الى غير ذلك . ومع ذلك فكانوا حريصين
على مافاتهم من دروس النبى صلى الله عليه وسلم فاذا ماحضروا سألوا
واستفسروا . وكان من الصحابة من يشتد به الحرص على حديث رسول
الله صلى الله عليه وسلم فيتناوب حضور مجالسه مع جار له يحضر هذا
يوما وهذا يوما ثم يخبر كل منهما صاحبه عما سمعه فى يومه كما جاء
ذلك فى صحيح البخارى عن عمر بن الخطاب أنه كان هو وجار له من
الأنصار يتناوبان مجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم ويخبر كل منهما
صاحبه بما رآه أو سمعه .

٥٢
أما من بعدت عليهم الشقة فكانوا إذا نزلت بهم نازلة وأشكل
عليهم حلها فانهم يضربون أكباد الابل الى مدينة الرسول صلى الله عليه
وسلم ليقفوا على حكم الله فيما عرض لهم من الحوادث وربما مكثوا
فى أسفارهم الأيام والليالي ذوات العدد . يروى لنا البخارى فى صحيحه
عن عقبة بن الحارث أنه أخبرته امرأة بأنها أرضعته هو وزوجه فركب
من فوره - وكان بمكة - قاصدا المدينة حتى بلغ رسول الله صلى الله
عليه وسلم فسأله عن حكم الله فيمن تزوج امرأة لا يعلم أنها أخته من
الرضاع ثم أخبرته بذلك من أرضعتهما فقال له النبى صلى الله عليه
وسلم . (( كيف وقد قيل)) ففارق زوجته لوقته .
علم النبى صلى الله عليه وسلم أن أصحابه سيخلفونه من بعده
وسيقع على كاهلهم أمر الارشاد والتعليم فأتى فى دروسه التعليمية بأمور
كان لها أكبر الأثر فى توجيه الصحابة وتعليمهم كيف يضطلعون بمهمة
التعليم فيما بعد ولنذكر لك أمثلة من هديه التعليمى الذى كان منارا
اهتدى به أصحابه رضى الله عنهم .
كان من هديه التعليمى عليه السلام أنه إذا سئل عما لا يعلم يسكت
منتظرا الوحى من الله بذلك . وكان من هديه صلى الله عليه وسلم أنه
اذا قال كلمة أعادها ثلاثا حتى تفهم عنه وكان من هديه عليه السلام
أنه ربما طرح المسألة على أصحابه ليختبر ماعندهم من العلم وليشحذ
أذهانهم للفهم . وكان إذا سئل عن مسألة فأجاب عنها فانه قد يفيض فى
مسائل أخرى لها مناسبة بالمقام أو صلة بالجواب فيستطرد اليها ليفيد
السائل والحاضرين علما جديدا وكان يتخولهم بالموعظة كراهة الملل حتى
أن أصحاب ابن مسعود طلبوا منه أن يحدثهم كل يوم فأبى وقال انما
تتخولكم بالموعظة كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخولنا

٥٣
كراهة السآمة علينا . وكان صلى الله عليه وسلم يخص بعض أصحابه
بالعلم دون بعض مخافة الا يفهموا فيفتنوا . إلى غير ذلك من الأمثلة
التى اذا تتبعناها فى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم اطلعنا منه
على خطة حكيمة فى توجيه الصحابة حتى كانوا أساتذة فى التعليم أمناء
على أحكام الدين كما ستطلع عليه عند الكلام على السنة فى الدور
الثانى ان شاء الله .
المبحث الثالث
(( كيف كان الصحابة يتلقون الحديث عن النبى صلى الله عليه وسلم))
لم يكن فى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من يحسن
الكتابة الا نفر قليل فقد كانت الأمية غالبة عليهم فكان اعتمادهم فى تلقى
الحديث عنه صلى الله عليه وسلم على استعدادهم فى الحفظ على ماسبق
لك آنفا كما أنهم نهوا عن كتابة الحديث فى بدء الأمر خوف اختلاطه
بالقرآن الكريم . وكان الصحابة يتلقون الحديث عن النبى صلى الله
عليه وسلم اما بطريق المشافهة واما بطريق المشاهدة لأفعاله وتقريراته
واما بطريق السماع ممن سمع منه صلى الله عليه وسلم أو شاهد أفعاله
وتقريراته لأنهم لم يكونوا جميعا يحضرون مجالسه صلى الله عليه وسلم
بل كان منهم من يتخلف لبعض حاجاته .
هذا ولما كان عدد الحاضرين للسماع من حضرة النبى صلى الله
عليه وسلم يختلف قلة وكثرة اختلف لذلك المروى عنه فبعضه بلغ درجة
التواتر وهو مانقله عنه صلى الله عليه وسلم جمع يؤمن تواطؤهم على
الكذب وهذا نوعان متواتر لفظا وهو قليل من الاحاديث كحديث (( من
كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار )) ومتواتر معنى وهو كثير
ومن ذلك الأحاديث الواردة فى أحكام الطهارة والصلاة والزكاة والصوم

٥٤
والحج والبيوع والنكاح والغزوات مما لم يختلف فيه فرقة من فرق
الاسلام . وبعضه لم يبلغ درجة التواتر وهو الذى يسميه العلماء (( خبر
الآحاد)).
كان الصحابة يحفظون الأحاديث عن ظهر قلب ويبلغونها للناس
بطريق المشافهة الا ماكان من بعض أفراد قلائل كعبد الله بن عمرو بن
العاص فقد أذن له النبى صلى الله عليه وسلم فى كتابة الحديث عنه .
روى الإمام أحمد فى مسنده عن عبد الله بن عمرو هذا أنه قال: (( كنت
أكتب كل شىء اسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أريد حفظه
فنهتنى قريش فقالوا انك تكتب كل شىء تسمعه من رسول الله صلى
الله عليه وسلم ورسول الله بشر يتكلم فى الغضب والرضا . فامسكت
عن الكتاب فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ((اكتب
فوالذي نفسي بيده ماخرج منى الا حق)) .
هذا ولاختلاف الصحابة فى معرفة الكتابة وعدم معرفتها وكثرة
حضورهم مجالسه صلى الله عليه وسلم وقلة حضورهم اختلفوا فى تحمل
الحديث وأدائه قلة وكثرة فكان منهم المقل ومنهم المكثر هذا ابو هريرة
رضى الله عنه يقول فيما رواه عنه البخارى فى كتاب العلم (( ما من أصحاب
رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد أكثر حديثا عنه منى الا ما كان من
عبد الله بن عمرو فانه كان يكتب ولا أكتب )) .
وكما اختلف الصحابة فى صفة الأخذ عن رسول الله صلى الله عليه
وسلم وفى كثرة المروى وقلته لاسباب أشرنا اليها كذلك اختلفوا فى
فقه الحديث حسب اختلافهم فى الفهم والاستعداد الفطرى فلم يكونوا
سواء فى معرفة الناسخ والمنسوخ والعام والخاص والمطلق والمقيد
والمجمل والمفسر ونحو ذلك الا أنهم كانوا كثيرا ما يرجعون الى الرسول.

٥٥
صلى الله عليه وسلم عند ما يقع الاختلاف بينهم فيصدر حكمه الفصل
وقضاءه العدل .
أثر النساء فى نشر الحديث : -
لم تكن مجالسه صلى الله عليه وسلم قاصرة على الرجال بل كان
كثير من النساء يحضرن المسجد أيضا ويستمعن الى حديثه الشريف
وفى الاحتفالات العامة كالاحتفال بصلاة العيد كن يخرجن جميعا الى
المصلى لاستماع الموعظة النبوية وكان النبى صلى الله عليه وسلم بعد
أن يلقى خطبة العيد فى الصفوف الأمامية للرجال ينتقل الى صفوف
النساء يتحدث اليهن ويعلمهن ألا أن المجالس النبوية بوجه عام كانت
الغلبة فيها للرجال دون النساء لذلك جاء وفد النساء الى رسول الله صلى
الله عليه وسلم وطلبن اليه أن يجعل لهن يوما يعلمهن فيه فكان النبى
صلى الله عليه وسلم يجببهن الى ذلك . على أن هذه الدروس كلها من
عامة وخاصة لم تكن قائمة بحوائج النساء الدينية فكثيرا ما كانت تتجدد
لهن شئون لاسيما وهن حديثات عهد بالاسلام فكانت المرأة تقصد
رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يعرض لها من أمر دينها ولا تستحى
أن تسأله لعلمها أنه لاحياء فى التعلم وربما قدمت بین یدی سؤالها قولها
(( يارسول الله ان الله لا يستحى من الحق)) ثم تذكر حاجتها فتقول - كما
جاء فى البخارى - مثلا ( هل على المرأة من غسل اذا هى احتلمت وكثيرا
ما يكون ذلك فى نساء الأنصار حتى امتدحتهن عائشة زوج النبى صلى
الله عليه وسلم بقولها (( نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن
يتفقهن فى الدين)) أما من كان يغلب عليها الحياء منهن فكان لها من
أمهات المؤمنين اعظم وسيط لدى رسول الله صلى الله عليه وسلم
يستوضح لها عن جواب سؤالها .

٥٦
أمهات المؤمنين يبلغن الحديث عن رسول الله
ولا ننس ما لزوجاته صلى الله عليه وسلم من فضل كبير فى تبليغ
أحكام الدين ونشر السنن بين نساء المؤمنين لاسيما ماكان من عائشة
رضى الله عنها التى كانت على مقدار عظيم من الذكاء والفهم فقد كانت
تسأله صلى الله عليه وسلم وتناقشه فى بعض المسائل التى قد تخفى
عليها وتستوضح عن كثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية روى
البخارى فى كتاب العلم عن ابن ابى مليكة أن عائشة زوج النبى صلى
الله عليه وسلم كانت لا تسمع شيئا لاتعرفه الا راجعت فيه حتى تعرفه .
وأن النبى صلى الله عليه وسلم قال من حوسب عذب . قالت عائشة .
أوليس يقول الله تعالى فسوف يحاسب حسابا يسيرا . قالت فقال : انما
ذلك العرض ولكن من نوقش الحساب يهلك . ولعل من الحكم التى
لأجلها أباح الله لنبيه صلى الله عليه وسلم الزواج بأكثر من أربع قيام
هؤلاء الزوجات بالتبليغ عنه صلى الله عليه وسلم وبخاصة فى الأمور
التى لا توجد منه صلى الله عليه وسلم بين اصحابه أو يستحى من فعلها
بينهم ولا يمكن الاطلاع عليها لأحد غير أمهات المؤمنين رضى الله عنهن
لذلك نجد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعده اذا اختلفوا
فى شىء من الأحكام كالغسل والحيض والجماع ونحوها يلجأون الى
أمهات المؤمنين ويرجعون إلى أقوالهن عن رسول الله صلى الله عليه
وسلم وبذلك يزول مابينهم من خلاف .
هذا ولا ريب فى أن نساءه صلى الله عليه وسلم كن على جانب عظيم
من العلم فقد أمرهن الله تعالى بالاستقرار فى بيوتهن ومدارسة القرآن
والسنة فى قوله « وقرن فى بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى»
إلى أن قال ((واذكرن مايتلى فى بيوتكن من آيات الله والحكمة)).

٥٧
لذا كان لأمهات المؤمنين أثر فعال فى نشر السنة ولولاهن لضاعت
أحاديث وأحكام ماكنا لنطلع عليها من غيرهن ولا سيما الافعال التى تقع
بين النبى صلى الله عليه وسلم وأزواجه مما لا يمكن لأحد الاطلاع عليها
والوقوف على أحكامها .
المبحث الرابع
البعوث والوفود وأثرها فى انتشار الحديث النبوى
١ - بعوثه صلى اللّه عليه وسلم وأثرها فى نشر الحديث : -
بدأت الدعوة المحمدية سرا كما رأيت واستمرت على ذلك ثلاث
سنين ثم أمر الله نبيه بأن يجهر بها بعد أن تكونت نواة صالحة من
المسلمين . فما كان من قريش الا أن ناصبوه العداء واستمر الأمر على
ذلك حينا من الزمان حتى دخل الأسلام كثير من أهل المدينة فأمر الله
نبيه بالهجرة اليها فانتقل اليها مع أصحابه وأصبحت المدينة من ذلك
الوقت مهبط الوحى وقاعدة الاسلام . غزا منها النبى صلى الله عليه
وسلم أعداء الدين وحدث بها أكثر حديثه الا أن القتال كان حائلا دون
دخول كثير من القبائل فى الاسلام كما كان مانعا من وصول الدعوة
إلى أطراف الجزيرة فما أن وقع صلح الحديبية بين النبى صلى الله
عليه وسلم وأهل مكة حتى أمن الناس بعضهم بعضا وجالس بعضهم
بعضاً وتحدثوا فى شأن هذا الدين الجديد وفى ظل هذه الهدنة المباركة
دخل كثير من العرب فى الاسلام فانتهز النبى صلى الله عليه وسلم هذه
الفرصة وأرسل كتبه الى الملوك يدعوهم الى الاسلام وبعث بعوثه الى
القبائل المسلمة لتعليمهم السنن والأحكام . فبعث منهم الى اليمن والى
البحرين والى اليمامة والى حضرموت والى عمان وغير ذلك من بلاد
العرب .

٥٨
كانت هذه البعوث رسل رحمة وهداية للناس بما حملوه اليهم من
القرآن والسنة اللذين هما حياة النفوس والأرواح كما كانت هذه
البعوث عاملا مهما فى نشر حديث النبى صلى الله عليه وسلم بين المسلمين
فى أنحاء الجزيرة . وقد كان النبى صلى الله عليه وسلم يتخير لهذه
المهمة من كان على جانب عظيم فى العلم بالقرآن والسنن وكان يزودهم
بحديثه الشريف وارشاده الحكيم ويعلمهم كيف يدعونالى الله بالحكمة
والموعظة الحسنة . أنظر إلى قوله لمعاذ بن جبل حين بعثه الى اليمن :
(( انك تأتى قوما أهل كتاب فقل لهم . أن الله فرض عليكم فى اليوم.
والليلة خمس صلوات فان هم أطاعوك فقل : أن الله فرض عليكم فى
السنة صوم شهر رمضان . فان هم أطاعوك فقل : أن الله فرض عليكم.
حج البيت من استطاع إليه سبيلا فأن أطاعوك فقل . آن الله فرض عليكم
فى أموالكم صدقة تؤخذ من أغنيائكم فترد فى فقرائكم)» الخ وبطبيعة
الحال كان المبعوث يبين أحكام كل ذلك بما سمعه من حديث النبى
عليه الصلاة والسلام . وبسبب هذا الهدى النبوى آنت هذه البعوث
ثمرتها الطيبة فى نشر الحديث الشريف بين ربوع المسلمين .
٢ - وفود القبائل اليه صلى الله عليه وسلم وأثر ذلك فى نشر الحديث : -
لما تم لرسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الانتصارات الباهرة
والفتوح المتكاثرة وفرغ من غزوة تبوك جاءته الوفود من أطراف
الجزيرة العربية تضرب اليه أكباد الأبل يحفزها الشوق إلى لقاء هذا
النبى الأمين . ليأخذوا الدين من منبعه الأول . فقد عرفت هذه القبائل
أنه لا طاقة لها بحرب محمد صلى الله عليه وسلم بعد أن انضوت قريش
تحت لواء الإسلام . وقريش هى هى فى نظرهم لها الأمامة والسيادة
فدخلت هذه القبائل فى الدين أفواجا ووفدوا على رسول الله صلى الله
عليه وسلم زرافات ووحدانا مصداقا لقوله تعالى ((اذا جاء نصر الله

٥٩
والفتح ورأيت الناس يدخلون فى دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك
واستغفره أنه كان توابا ))
جاءت الوفود تترى الى رسول الله كما جاءته الكتب والرسل من
الملوك تخبره بأسلامهم ومفارقتهم للشرك وأهله وكلما جاء وفد أكرمهم
صلى الله عليه وسلم وأرشدهم وعرفهم أمر دينهم وبشرهم ان هم أطاعوا
وحذرهم وأفهمهم بما لهم وما عليهم . وكان قدوم الوفود سنة تسع من
الهجرة حتى سميت هذه السنة بسنة الوفود. ولم تكن هذه الوفود تأتى
لنيل عطاء وان كان النبى صلى الله عليه وسلم يكرمهم ويعطيهم من مال
الله الذى آتاه بل كانوا يأتون اليه فيسألون عن أحكام الأسلام أصوله
وفروعه وكان النبى صلى الله عليه وسلم يتحدث اليهم فى كل ذلك
ويجيبهم على اسئلتهم ويخطب فيهم ويرشدهم ويعلمهم ويوصيهم بتقوى
الله والسمع والطاعة .
وأن من يقرأ كتب السيرة النبوية يجد أن وفودا كثيرة جدا أقبلت
عليه صلى الله عليه وسلم حتى كأنه لم تبق قبيلة من قبائل العرب الا
قدم منها وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولقد عرف الصحابة
رضى الله عنهم تلك الوفود وفدا وفدا وحفظوا ماحدثهم به النبى صلى
الله عليه وسلم من حديث وما خطبهم من خطب وما بثه فيهم من مواعظ
ونصائح وأحكام وسنن حتى أنك لتجد كتب الحديث والسير والمغازى
مملوءة بذكر هذه الوفود وما كان لها من أثر عظيم فى نشر الدين
والسنن سواء ما كان من هذه الوفود فى سنة تسع وما كان قبلها .
وهاك بعض الوفود التى أقبلت عليه صلى الله عليه وسلم : -
١ - وقد بنى سعد بن بكر - وكان وافدهم الى النبى صلى الله عليه
وسلم هو ضمام بن ثعلبة وفد على رسول الله سنة تسع من الهجرة ولما

٦٠
قدم المدينة وجد النبى صلى الله عليه وسلم جالسا بين أصحابه ولا
يعرفه . فقال أيكم ابن عبد المطلب ؟ فأشاروا إلى النبى صلى الله عليه
وسلم فدنا منه وقال آنى سائلك فمشدد عليك فى المسألة . قال سل عما
بدالك . فقال يامحمد جاءنا رسولك فذكر لنا أنك تزعم أن الله أرسلك .
قال صدق . فقال أنشدك برب من قبلك ورب من بعدك . قال اللهم نعم .
قال أنشدك بالله آلله أمرك أن تصلى خمس صلوات فى كل يوم وليلة .
قال اللهم نعم . قال فأنشدك بالله الله أمرك أن تأخذ من أموال أغنيائنا
فترده على فقرائنا قال اللهم نعم . قال وأنشدك بالله آلله أمرك أن نصوم
هذا الشهر من اثنى عشر شهرا؟ قال اللهم نعم . قال وأنشدك بالله الله
أمرك أن يحج هذا البيت من استطاع إليه سبيلا ؟ قال اللهم نعم . قال
فأنا قد آمنت وصدقت وأنا ضمام بن ثعلبة )» ثم رجع ضمام الى قومه
فأسلموا جميعا .
٢ - وفد عبد القيس - لما قدموا على النبى صلى الله عليه وسلم
قالوا يارسول الله انا لا نستطيع أن نأتيك الا فى الشهر الحرام وبيننا
وبينك هذا الحى من مضر فمرنا بأمر فصل ثُخبر به من وراءنا وندخل
به الجنة وسألوه عن الأشربة فأمرهم بأربع ونهاهم عن اربع . أمرهم
بالأيمان بالله وحده . قال أتدرون ما الأيمان بالله وحده ؟ قالوا الله
ورسوله أعلم . قال . شهادة ألا اله ألا الله وأن محمدا رسول الله واقام
الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان وأن تعطوا من المغنم الخمس .
ونهاهم عن أربع عن الحنتم والدباء والنقير والمزفت . وقال احفظوهن
وأخبروا بهن من وراءكم)) رواه البخارى فى كتاب الأيمان .
٣ - وفد تجيب - وكانوا ثلاثة عشر رجلا ساقوا معهم صدقات
أموالهم التى فرض الله عليهم فسر النبى صلى الله عليه وسلم بهم وأكرم
مثواهم وقالوا يارسول الله انا سقنا اليك حق الله فى أموالنا فقال لهم