النص المفهرس
صفحات 21-40
٢١ ٢ - الرد على من ينكر الاحتجاج بالسنة وأنها من أصول الدين. المنكرون لذلك طائفتان : طائفة ردوا السنة جملة سواء كانت متواترة أم آحادية زعما منهم أن لا حاجة اليها وفى القرآن غنية عنها وأن النظر فيه يوصل إلى مقاصده بدون الرجوع اليها وبنوا هذا الزعم على شبه منها :- ١ - ما فهموه من قوله تعالى ( ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شىء) ب - وما فهموه من قوله تعالى ( ما فرطنا فى الكتاب من شىء ) جـ - وما نسبوه الى النبى صلى الله عليه وسلم ( ما أتاكم عنى فاعرضوه على كتاب الله . فان وافق كتاب الله فأنا قلته . وان خالف كتاب الله فلم أقله أنا وكيف أخالف كتاب الله وبه هدانى الله ) . وطائفة ردوا أخبار الآحاد فقط زعما منهم أن الراوى ليس معصوما من الكذب وانه يجوز عليه الخطأ والنسيان . الرد على من ينكر الاحتجاج بالسنة جملة . هؤلاء القوم محجوجون بالأدلة السابقة وبغيرها مثل قوله تعالى ( وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل اليهم ) فلو كان القرآن فى غنى عن السنة لما كان لهذه الآية معنى ونحن إذ نستمسك بالسنة ونعمل بما جاء فيها انما نعمل بكتاب الله. قيل لمطرف بن عبد الله بن الشخير لا تحدثونا الا بالقرآن . فقال والله ما نبغى بالقرآن بدلا ولكن نريد من هو أعلم منا بالقرآن . وقال عبد الله بن مسعود رضى الله عنه ( لعن الله الواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله ) فبلغ ذلك امرأة من بنى أسد فقالت يا أبا عبد الرحمن بلغنى أنك لعنت كيت وكيت . فقال وما لى لا ألعن من لعنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ٢٢ وهو فى كتاب الله . فقالت المرأة لقد قرأت ما بين لوحى المصحف فما وجدته فقال لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه . أما قرأت ( وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ) قالت بلى . قال فانه قد نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم . وروى أن طاوسا كان يصلى ركعتين بعد العصر فقال له ابن عباس اتركهما فقال انما نهى عنهما أن تتخذا سنة . فقال ابن عباس قد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة بعد صلاة العصر فلا أدرى أتعذب عليهما أم تؤجر لأن الله تبارك وتعالى قال ( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ) وعن عمران بن حصين أنه قال لرجل ( انك امرؤ أحمق أتجد فى كتاب الله الظهر أربعا لا يجهر فيها بالقراءة ثم عدد عليه الصلاة والزكاة ونحو هذا . ثم قال أتجد ذلك فى كتاب الله مفسرا . ان كتاب الله أبهم هذا وان السنة تفسر ذلك ذكر هذه الآثار كلها ابن عبد البر فى كتابه ( جامع بيان العلم وفضله) (٢ - ١٨٨ ). وأما ما استندوا اليه فشبه واهية نجيب عنها بما يأتى :- ١ - المراد من قوله تعالى ( ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شىء) ان القرآن بيان لأمور الدين اما بطريق النص أو بالاحالة على السنة والا لناقض قوله تعالى ( وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل اليهم ). ٢ - وأما قوله تعالى ( ما فرطنا فى الكتاب من شىء ) فالمراد بالكتاب فيه اللوح المحفوظ لا القرآن بدليل السياق . قال تعالى ( وما من دابة فى الأرض ولا طائر يطير بجناحيه الا أمم أمثالكم ) أى مكتوبة أرزاقها وآجالها وأعمالها كما كتبت أرزاقكم وآجالكم وأعمالكم ٢٣ ( ما فرطنا ) أى ما تركنا وما أغفلنا ( فى الكتاب ) أى فى اللوح المحفوظ ( من شىء ) أى من ذلك لم نكتبه ولم تثبت ما وجب أن يثبت مما يختص به ( ثم إلى ربهم يحشرون ) يعنى الأمم كلها من الدواب والطير فيعوضها وينصف بعضها من بعض . أفاده فى الكشاف وعلى تقدير أن المراد بالكتاب هنا القرآن فتأويله : ما فرطنا فيه من شىء من أمور الدين فهو دال عليها اما بطريق النص أو بالاحالة على السنة كما سبق ٣ - وأما الحديث الذى نسبوه الى النبى صلى الله عليه وسلم فذكر أئمة الحديث أنه مكذوب وضعته الزنادقة والخوارج . قال الحافظ ابن عبد البر فى جامع بيان العلم وفضله ما نصه ( أمر الله عز وجل بطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم واتباعه أمرا مطلقا مجملا لم يقيد بشىء ، كما أمرنا باتباع كتاب الله ؛ ولم يقل اذا وافق كتاب الله كما قال بعض أهل الزيغ . قال عبد الرحمن بن مهدى . الزنادقة والخوارج وضعوا ذلك الحديث يعنى ما رووا عنه صلى الله عليه وسلم ( ما أتاكم عنى فاعرضوه على كتاب الله فان وافق كتاب الله فأنا قلته. وان خالف كتاب الله فلم أقله . وانما أنا موافق كتاب الله وبه هدانى اللّه) وهذه الألفاظ لا تصح عنه صلى الله عليه وسلم عند أهل العلم بصحيح النقل من سقيمه وقد عارض هذا الحديث قوم من أهل العلم وقالوا نعرض هذا الحديث على كتاب الله قبل كل شىء ونعتمد على ذلك قالوا فلما عرضناه على كتاب الله وجدناه مخالفا لكتاب الله . لأنا لم نجد فى كتاب الله أنه لا يقبل من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الا ما وافق كتاب الله . بل وجدنا كتاب الله يطلق التأسى به والأمر بطاعته ويحذر من المخالفة عن أمره جملة على كل حال ١٠ هـ (٢ - ١٩٠). ٢٤ ونقل صاحب كشف الخفاء عن الصغانى أن هذا الحديث موضوع فلم يبق لهؤلاء المبتدعة الذين نابذوا السنة وتأولوا القرآن على غير وجهه من حجة الا اتباع الهوى ( ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله ) ولقد أنبأنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بما أطلعه الله عليه من الغيب عن هذه الفرق ومسلكها وأنهم لا يرفعون للسنة رأسا مع أنها من وحى الله سبحانه فقال ( يوشك رجل منكم متكئا على أريكته يحدث بحديث عنى فيقول . بيننا وبينكم كتاب الله فما وجدنا فيه من حلال استحللناه وما وجدنا فيه من حرام حرمناه ألا وأن ما حرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل الذى حرم الله ) رواه أبو داود والترمذى وغيرهما . وروى ابن عبد البر أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال ( ما أخاف على هذه الأمة من مؤمن ينهاه ايمانه ولا من فاسق بين فسقه ولكنى أخاف عليها رجلا قد قرأ القرآن حتى أذلقه بلسانه ثم تأوله على غير تأويله ) . ٣ - الرد على من ينكر الاحتجاج بالسنة الآحادية . قسم المحدثون الحديث النبوى الى متواتر وآحاد :- الحديث المتواتر : هو ما نقله جمع يحصل العلم بصدقهم ضرورة بأن يكونوا عددا كثيرا لا يمكن تواطؤهم على الكذب عن مثلهم من أوله إلى آخره ولذا كان مفيدا للعلم الضرورى وهو الذى يضطر اليه الانسان بحيث لا يمكنه دفعه ويجب العمل به من غير بحث عن رجاله ولا يعتبر فيه عدد معين فى الأصح . ثم المتواتر قسمان : لفظى وهو ما تواتر لفظه . ومعنوى وهو ما تواتر القدر المشترك فيه . ٢٥ وللأول أمثلة منها حديث (من كذب علي معتمداً فليتبوأ مقعده من النار ) . والثانى أمثلة كثيرة منها أحاديث رفع اليدين فى الدعاء فقد روى عنه صلى اللّه عليه وسلم نحو مائة حديث فيه رفع يديه فى الدعاء لكنها فى قضايا مختلفة وكل قضية منها لم تتواتر والمتواتر هو القدر المشترك فيها وهو الرفع عند الدعاء . خبر الواحد وأما خبر الواحد فهو ما لم يوجد فيه شروط المتواتر سواء كان الراوى له واحدا أم أكثر وهو نوعان ( مقبول ) وهو ما اتصل اسناده بنقل العدل الضابط عن مثله من مبدئه إلى منتهاه من غير شذوذ ولا علة . ( ومردود) وهو ما لم يتصل اسناده كذلك . خبر الواحد الثقة حجة يلزم بها العمل الذى عليه جماهير المسلمين من الصحابة والتابعين فمن بعدهم من المحدثين والفقهاء وأصحاب الأصول أن خبر الواحد الثقة حجة من حجج الشرع يلزم العمل بها ويفيد الظن ولا يفيد العلم ويقابل هذا المذهب مذاهب أخرى منها : ١ - ما ذهب اليه القدرية والرافضة وبعض أهل الظاهر أنه لا يجب العمل به . ٢ - وقال الجبائى من المعتزلة، لا يجب العمل الا بما رواه اثنان عن اثنين . ٣ - وقال بعضهم . لا يجب العمل الا بما رواه أربعة عن أربعة . وهذه الأقاويل التى تقابل ما عليه جماهير المسلمين كلها باطلة فلم نزل كتب النبى صلى الله عليه وسلم وآحاد رسله يعمل بها ويلزمهم ٢٦ النبى صلى الله عليه وسلم العمل بذلك واستمر على ذلك الخلفاء الراشدون فمن بعدهم . ولم يزل الخلفاء الراشدون وسائر الصحابة فمن بعدهم من السلف والخلف على امتثال خبر الواحد اذا أخبرهم بسنة وعلى قضائهم به ورجوعهم اليه فى القضاء والفتيا ونقضهم به ما حكموا على خلافه وطلبهم خبر الواحد عند عدم الحجة ممن هو عنده واحتجاجهم به على من خالفهم وانقياد المخالف لذلك وهذا كله معروف لا شك فيه والعقل لا يحيل العمل بخبر الواحد وقد جاء الشرع بوجوب العمل به فوجب المصير اليه . واحتج بعض العلماء لقبول خبر الواحد بأن كل صحابى أو تابعى سئل عن نازلة فى الدين فأخبر السائل بما عنده فيها لم يشترط على السائل أن لا يعمل بما أخبره به من ذلك حتى يسأل غيره فضلا عن أن يسأل الكافة بل كان كل منهم يخبره بما عنده فيعمل بمقتضاه ولا ينكر عليه ذلك فدل على اتفاقهم على وجوب العمل بخبر الواحد . واذا وقع من بعضهم التردد فى العمل به فى بعض الأحوال فذلك لأسباب خارجة عن كونه خبر واحد من ريبة فى الصحة أو تهمة للراوى أو وجود معارض راجح أو نحو ذلك . قال ابن القيم فى اغاثة اللهفان ما ملخصه ( ولا ترد أحاديث الصحابة وأحاديث الأئمة الثقات بتفرد الراوى فكم من حديث تنفرد به واحد من الصحابة وقبله الأئمة كلهم فلم يرده أحد منهم وكم من حديث تفرد به واحد من التابعين ولم يرده أحد من الأئمة ولا نعلم أحدا من أهل العلم قديما ولا حديثا قال ان الحديث اذا لم يروه الا صحابى واحد لم يقبل وانما يحكى عن أهل البدع ومن تبعهم فى ذلك أقوال لا يعرف لها قائل من الفقهاء وقد تفرد الزهرى بنحو ستين ستة لم يروها غيره وعملت بها الأئمة ولم يردوها لتفرده ثم ان هذا القول ٢٧ لا يمكن أحدا من أهل العلم ولا من الأئمة ولا من أتباعهم طرده ولو طردوه لبطل كثير من أقوالهم وفتاويهم . فان قيل فهذا هو الحديث الشاذ وأقل أحواله أن يتوقف فيه ولا يجزم بصحته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل ليس هذا هو الشاذ وانما الشذوذ أن يخالف الراوى الثقات فيما رووه فيشذ عنهم بروايته فأما اذا روى الثقة حديثا منفردا به لم يرو الثقات خلافه فان ذلك لا يسمى شاذا وان اصطلح على تسميته شاذا بهذا المعنى لم يكن هذا الاصطلاح موجبا لرده ولا مسوغا له . قال الشافعى رحمه الله . وليس الشاذ أن ينفرد الثقة برواية الحديث بل الشاذ أن يروى خلاف ما رواه الثقات . قاله في مناظرته بعض من رد الحديث بتفرد الراوى فيه )» ١ هـ وقد جود الكلام على قبول خبر الواحد الامام الشافعى رحمه الله تعالى فى رسالته المشهورة فى باب على حدة فارجع اليه ان شئت وسيأتيك طرف منه ان شاء الله تعالى . ٤ - عذر الأئمة فى ترك العمل ببعض الأحاديث وأنه لا يعد طعنا منهم فى السنة. قد يقول قائل قررت أن السنة بنوعيها المتواتر منها والآحاد يجب اتباعها ولا تجوز مخالفتها ولكننا نرى كثيرا من الأئمة المجتهدين يعمل فى بعض المسائل على خلاف ما جاءت به الأحاديث . والجواب أنه ليس أحد من الأئمة المقبولين عند الأمة يتعمد مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى شىء من سنته دقيق أو جليل فانهم مجمعون على وجوب اتباعه صلى الله عليه وسلم فى كل ما جاء به ولكن إذا وجد لواحد منهم قول قد جاء حديث صحيح بخلافه فلابد له من عذر فى تركه والأعذار فى هذا الباب كثيرة جدا واليك أمثلة من هذه الأعذار . ٢٨ ١ - أن لا يكون الحديث قد بلغه فى تلك المسألة ومن لم يبلغه الحديث لا يكلف العمل به وهذا هو الغالب على أكثر ما يوجد من أقوال السلف مخالفا لبعض الأحاديث . والاحاطة بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تكن لأحد من الأئمة كائنا من كان وقد كان النبى صلى الله عليه وسلم يحدث أو يفتى أو يقضى أو يفعل الشىء فيسمعه أو يراه من يكون حاضرا ثم يبلغه أولئك الحاضرون أو بعضهم لمن يبلغونه فينتهى علم ذلك الى من شاء الله من الصحابة والتابعين ومن بعدهم فلم تكن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم يحيط بها صحابى واحد أو تابعى واحد أو امام من الأئمة . ومن ادعى ذلك فقد أحال وإنما يتفاضل العلماء من الصحابة ومن بعدهم بكثرة العلم أو جودته واعتبر ذلك بالخلفاء الراشدين الذين كانوا أعلم الأمة بأمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته وأحواله . فهذا أبو بكر رضى الله عنه لما سئل عن ميراث الجدة قال (( مالك فى كتاب الله من شىء ولكن أسأل الناس )» فسألهم فقام المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة فشهدا أن النبى صلى الله عليه وسلم أعطاها السدس . وهذا عمر بن الخطاب رضى الله عنه لم يكن يعلم سنة الاستئذان حتى أخبره بها أبو موسى رضى الله عنه ولم يكن يعلم أن المرأة ترث من دية زوجها حتى كتب اليه الضحاك ابن سفيان أمير رسول الله صلى الله عليه وسلم على بعض البوادى يخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ((ورث امرأة أشيم الضبابى من دية زوجها )) ولم يكن يعلم حكم المجوس فى الجزية حتى أخبره عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ((سنوا بهم سنة أهل الكتاب)) ولما قدم ((سرغ)) وبلغه أن الطاعون بالشام استشار المهاجرين الأولين الذين معه ثم الأنصار ثم مسلمة الفتح فأشار ٢٩ كل عليه بما رأى ولم يخبره أحد بسنة حتى قدم عبد الرحمن بن عوف فأخبره بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الطاعون وأنه قال ( اذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه واذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه ) - وهذا عثمان رضى الله عنه لم يكن عنده علم بأن المتوفى عنها زوجها تعتد فى بيت زوجها حتى حدثته الفريعة بنت مالك أخت أبى سعيد الخدرى بقضيتها لما توفى زوجها وان النبى صلى الله عليه وسلم قال لها (( امكثى فى بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله )) فأخذ به عثمان . وأهدى لعثمان مرة صيد كانقد صيد لأجله فهم بأكله فأخبره على رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم رد لحما أهدى له - وهذا على رضي الله عنه يقول (كنت إذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا نفعنى الله بما شاء أن ينفعنى منه واذا حدثنى غيره استحلفته فاذا حلف لى صدقته وحدثنى أبو بكر وصدق أبو بكر وذكر حديث صلاة التوبة المشهور ). وأفتى هو وابن عباس وغيرهما بأن المتوفى عنها زوجها إذا كانت حاملا تعتد أبعد الأجلين ولم يكن قد بلغهم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى سبيعة الأسلمية حيث أفتاها النبى صلى الله عليه وسلم بأن عدتها وضع حملها . وأفتى هو وزيد وابن عمر وغيرهم بأن المفوضة اذا مات عنها زوجها فلا مهر لها ولم تكن قد بلغتهم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى بروع بنت واشق وأنه قضى لها بمهر مثلها وهذا باب واسع يبلغ المنقول منه عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عددا كثيرا وأما المنقول منه عن غيرهم فلا يمكن الاحاطة به ومن اعتقد أن كل حديث صحيح قد بلغ كل واحد من الأئمة أو اماما معينا فهو مخطىء خطأ بينا . ٣٠ ٢ - أن يكون للحديث طريقان أحدهما صحيح وثانيهما غير صحيح فيبلغ هذا الحديث بعض الأئمة من الطريق الذى لم يصح فلا يعمل به ويبلغ آخرين من الطريق الصحيح فيعملون به - ولهذا وجد فى كلام غير واحد من الأئمة تعليق القول بموجب الحديث على صحته فيقول : قولى فى هذه المسألة كذا وقد روى فيها حديث بكذا فان كان صحيحا فهو قولى . ٣ - أن يكون للحديث طريق واحد ولكنه يختلف فيه الأئمة فيراه بعضهم صحيحا لعدم القادح لديه فى متنه أو سنده ويراه بعضهم غير صحيح لقادح فى سنده أو متنه . وهذا باب واسع وللعلماء بالرجال وأحوالهم وفى فهم المرويات ودلالتها ما لسائر العلماء فى الفنون الأخرى من الاختلاف . ٤ - أن يكون الحديث قد بلغه وثبت عنده ولكنه نسیه وهذا کثیر فى السلف والخلف ومن ذلك الحديث المشهور عن عمر رضى الله عنه أنه سئل عن الرجل يجنب فى السفر فلا يجد الماء فقال: (( لا يصلى حتى يجد الماء)) فقال له عمار. ((يا أمير المؤمنين أما تذكر إذ كنت أنا وأنت فى الابل فأجنبنا فأما أنا فتمرغت كما تمرغ الدابة وأما أنت فلم تصل فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : إنما يكفيك هكذا وضرب بيديه الأرض فمسح بهما وجهه وكفيه)) فقال له عمر (( اتق الله ياعمار)) فقال ان شئت لم أحدث به فقال بل نوليك من ذلك ما توليت )) . فهذه سنة شهدها عمر ثم نسيها حتى أفتى بخلافها وذكره عمار فلم يذكر ومع ذلك لم يكذب عمارا وأمره أن يحدث به . ٥ - أن يبلغه الحديث ولكنه يرى أن دلالته على الحكم قد عارضها ما يدل على انها ليست بمرادة مثل معارضة العام بخاص أو المطلق بمقيد ١١ أو الأمر المطلق بما ينفى الوجوب أو الحقيقة بما يدل على المجاز الى غير ذلك من أنواع التعارض . ٦ - أن يبلغه الحديث ولكنه يرى نسخة بدليل آخر ومن أمثلة ذلك حديث شداد بن أوس وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( افطر الحاجم والمحجوم)) بين الشافعى رحمه الله أن هذا الحديث منسوخ بحديث ابن عباس أن النبى صلى الله عليه وسلم احتجم وهو صائم وذلك أنه روى فى حديث شداد أنه كان مع النبى صلى الله عليه وسلم زمان الفتح فرأى رجلا يحتجم فى شهر رمضان فقال ((افطر الحاجم والمحجوم)) وروى فى حديث ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم صائم فبأن بذلك أن الأول كان زمن الفتح فى سنة ثمان من الهجرة وأن الثانى كان فى حجة الوداع سنة عشر - ومن الأمثلة أيضا حديث قتل شارب الخمر فى المرة الرابعة فانه منسوخ بدليل الاجماع على ترك العمل به . وهذا وفى كثير من الأحاديث يجوز أن يكون للامام حجة فى ترك العمل بالحديث لم نطلع نحن عليها فان مدارك العلم واسعة ولم نطلع نحن على جميع ما فى بواطن العلماء والعالم قد يبدى حجته وقد لا يبديها واذا أبداها فقد تبلغنا وقد لا تبلغ واذا بلغتنا فقد ندرك موضع احتجاجه وقد لا ندركه سواء أكانت الحجة صوابا فى نفس الأمر أم لا وقد ذكرنا أمثلة بارزة من أعذارهم فى ترك العمل ببعض الأحاديث وأنه لا يعد طعنا منهم فى السنة أو قصورا فى العلم وجماع هذه الأعذار ثلاثة ((أحدها )) عدم اعتقاده أن النبى صلى الله عليه وسلم قال الحديث ((ثانيها)) عدم اعتقاده ارادة تلك المسألة بذلك الحديث ((ثالثهما)) اعتقاده أن ذلك ٣٢ الحديث منسوخ وبالله التوفيق . راجع كتاب ( رفع الملام عن الأئمة الأعلام ) لشيخ الاسلام ابن تيمية . ٥ - ما يطلب من المسلم اذا وجد حديثا على خلاف مذهبه . ١ - ثبت بالكتاب والسنة والإجماع أن الله تعالى افترض على العباد طاعته وطاعة رسوله ولم يوجب على هذه الأمة طاعة أحد بعينه فى كل ما أمر به ونهى عنه إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم واتفق العلماء على أنه ليس أحد معصوما فى كل ما أمر به ونهى عنه الا رسول الله صلى الله عليه وسلم . ٢ - عمل الصحابة والتابعون ومن بعدهم من الأئمة بهذا الأصل فكانوا يطلبون الحكم فى المسائل التى تقع من الكتاب والسنة فان لم يجدوا اجتهدوا واستنبطوا وقاسوا معترفين أن اجتهادهم يحتمل الخطأ والصواب وان كان يغلب على ظن المجتهد فى هذه الحالة أنه إلى الصواب أقرب وكان من طريقتهم أنهم إذا وجدوا حديثا فى الحكم الذى اجتهدوا فيه على خلاف رأيهم رجعوا عن اجتهادهم اليه عملا بقوله تعالى ( فان تنازعتم فى شىء فردوه إلى الله والرسول ان كنتم يؤمنون بالله واليوم الآخر ) وقوله ( فبشر عبادى الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ) وقال غير واحد من هؤلاء الأئمة كل أحد يؤخذ من كلامه ويترك الا رسول الله صلى الله عليه وسلم . ٣ - وقد ذكرنا فيما سبق أمثلة من رجوع الصحابة عن آرائهم الى السنة حينما ظهرت لهم وهؤلاء الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المدونة قد نهوا الناس عن تقليدهم فى كل ما يقولونه وقرروا أن الدليل اذا قام على خلاف رأيهم كان أولى بالاتباع وصح عن كل واحد منهم أنه ٣٣ قال :( اذا صح الحديث فهو مذهبى ) ولما اجتمع أبو يوسف بامام دار الهجرة مالك بن أنس وسأله عن مسألة الصاع وصدقة الخضراوات ومسألة الاحباس فأخبره مالك بما دلت عليه السنة فى ذلك قال (( رجعت الى قولك يا أبا عبد الله ولو رأى صاحبى ما رأيت لرجع كما رجعت ) ومالك رحمه الله كان يقول ((إنما أنا بشر أصيب وأخطىء فاعرضوا قولى على الكتاب والسنة)) والشافعى رحمه الله كان يقول ((اذا صح الحديث بخلاف قولى فاضربوا بقولى عرض الحائط . وإذا رأيت الحجة موضوعة على طريق فهى قولى)) وقال ابن القيم فى اعلام الموقعين : ((كان الامام أحمد اذا وجد النص أفتىبموجبه ولم يلتفت الى ما خالفه ولا منخالفه كائنا من كان ولذا لم يلتفت الى خلاف عمر رضى الله عنه فى المبتوتة لحديث فاطمة بنت قيس)) الى أمثلة كثيرة ذكرها فلتراجع (١ - ٣٢) طبع المنيرية . ٤ - ومع هذه الوصايا المتكررة نرى كثيرا من العلماء المقلدين الهؤلاء الأئمة اذا وجدوا حديثا يخالف مذهبهم ولم يستطيعوا الجواب عنه نراهم يلتزمون المذهب ويهملون العمل بالحديث ويعمدون إلى فتح جاب الاحتمالات البعيدة ويلتمسون لمذاهب أئمتهم أوجها من الترجيح . وان عجزوا عن ذلك ادعوا النسخ بلا دليل أو الخصوصية أو عدم العمل به أو غير ذلك. فإن عجزوا عن ذلك كله ادعوا أن امامهم اطلع على كل مروى . فما ترك هذا الحديث الا لأنه مطعون فيه . وتارة يقولون أن أمر الحديث عظيم وليس لمثلنا أن يفهمه فكيف يعمل به وما دروا أن تعظيم الحديث انما هو فى العمل به وأن تركه اهانة له وان فهمه على الوجه الذى هو مناط التكليف حاصل والا لما قامت الله ولا لرسوله حجة الا على أمثال الأئمة المجتهدين . وقد عاب عليهم صنيعهم هذا كثير من العلماء منهم العز بن عبدالسلام حيث قال: (( ومن العجب العجيب أن الفقهاء المقلدين يقف أحدهم على ٣٤ ضعف مأخذ أمامه بحيث لا يجد لضعفه مدفعا وهو مع ذلك يقلده فيه. ويترك من شهد الكتاب والسنة والأقيسة الصحيحة لمذهبهم جمودا على، تقليد امامه بل يتحيل لدفع ظواهر الكتاب والسنة ويتأولها بالتأويلات. البعيدة الباطلة نضالا عن مقلده )) بفتح اللام المشددة . قال: (( ولم يزل الناس يسألون من اتفق من العلماء من غير تقيد بمذهب. ولا انكار على أحد من السائلين الى أن ظهرت هذه المذاهب ومتعصبوها من المقلدين فان أحدهم يتبع امامه مع بعد مذهبه عن الأدلة مقلدا له فيما: قال كأنه نبى أرسل وهذا نأى عن الحق وبعد عن الصواب لا يرضى به أحد من أولى الألباب )) انظر كتاب حجة الله البالغة (١ - ١٥٥). ٥ - والذى تراه بعد هذا أن من تفقه على مذهب امام من الأئمة وتبصر فيه ثم اشتغل بعده بالحديث وراض نفسه على استنباط الأحكام. منه فوجد أحاديث صحيحة على خلاف، مذهب امامه ولا يعلم لها ناسخا ولا مخصصا ولا معارضا أنه لا مناص له من العمل بالحديث وترك المذهب لا سيما اذا قال بالحديث امام من الأئمة الموثوق بهم وأن فى هذا المسلك العمل بنصوص الشريعة وتنفيذ ما أجمع عليه الأئمة والوقوف من أصحاب المذاهب موقفهم من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يقال لمن يفعل هذا أنت أعلم من امامك الذى خالفته لأن امامه قد خالفه فى هذه المسألة من هو نظيره . فالمصير الى الحديث فى هذه الحالة أولى والا لزم عليه الاعراض عن أمر الله ورسوله وبقی کل امام فى أتباعه بمنزلة النبى فى أمته واعتبر بما ورد عن ابن عباس وقد ناظره مناظر فى المتعة فقال له ((قال أبو بكر وعمر)) فقال ابن عباس: ((يوشك أن ينزل عليكم حجارة من السماء أقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقولون قال أبو بكر وعمر)) وكذلك ابن عمر رضى الله عنه لما سألوه عنها فأمر بها فعارضوه بقول عمر فبين لهم أن عمر لم يرد ما يقولونه ٣٥ فألحوا عليه فقال لهم (( أرسول الله صلى الله عليه وسلم أحق أن يتبع أم عمر)) مع علم الناس بأن أبا بكر وعمر أعلم من ابن عمر وابن عباس رضى الله عنهم أجمعين والمراد بالمتعة متعة الحج لا متعة النكاح . ٦ - ولا بأس أن نذكر هنا كلمات عن بعض العلماء من أتباع الأئمة تؤيد ما ذهبنا اليه وأنه لا ينبغى لأهل العلم والمعرفة أن يتركوا الأحاديث الى المذاهب فنقول : المقالة الأولى: قال ابن الصلاح: ((من وجد من الشافعية حديثا يخالف مذهبه نظر ان كملت له آلة الاجتهاد مطلقا أو فى ذلك الباب أو المسألة كان له الاستقلال بالعمل به وأن لم يكمل له آلة الاجتهاد وشق عليه مخالفة الحديث بعد أن يبحث فلم يجد للمخالف جوابا شافيا عنه فله العمل به ان كان عمل به امام مستقل غير الشافعى ويكون هذا عذرا له فى ترك مذهب امامه ههنا » وحسنه النووى قاله الدهلوى فى حجة الله البالغة (١ - ١٥٨). المقالة الثانية: قال الامام الشعرانى فى الميزان (( فان قلت فما أصنع بالأحاديث التى صحت بعد موت امامى ولم يأخذ بها فالجواب ينبغى لك أن تعمل بها فان امامك لو ظفر بها وصحت عنده لربما كان أمرك بها فأن الأئمة كلهم أسرى فى يد الشريعة ومن فعل ذلك فقد حاز الخير بكلتا يديه ومن قال لا أعمل بالحديث الا ان أخذ به امامى فاته خير كثير كما عليه كثير من المقلدين الأئمة المذاهب وكان الأولى لهم العمل بكل حديث صح بعد امامهم تنفيذا لوصية الأئمة فان اعتقادنا فيهم أنهم لو عاشوا وظفروا بتلك الأحاديث التى صحت بعدهم لأخذوا بها وعملوا بها وتركوا كل قياس كانوا قاسوه وكل قول كانوا قالوه وقد بلغنا من طرق صحيحة أن الامام الشافعى أرسل يقول للامام أحمد بن حنبل اذا صح عندكم حديث فأعلمونا به لنأخذ به ونترك كل قول قلناه قبل ذلك أو قاله غيرنا فانكم أحفظ للحديث ونحن أعلم به )) ا هـ . ٣٦ المقالة الثالثة: وقال الامام السندى الحنفى: (( تقرر أن الصحابة ما كانوا كلهم مجتهدين على اصطلاح العلماء فان فيهم القروى والبدوى ومن سمع منه صلى الله عليه وسلم حديثا واحدا أو صحبه مرة ولا شك. أن من سمع حديثا عن النبى صلى الله عليه وسلم أو عن واحد من الصحابة. رضى الله عنهم كان يعمل به حسب فهمه مجتهدا كان أو لا ولم يعرفه. أن غير المجتهد منهم كلف بالرجوع الى المجتهد فيما سمعه من الحديث. لا فى زمانه صلى الله عليه وسلم ولا بعده فى زمان الصحابة رضى الله عنهم .. وهذا تقرير منه صلى الله عليه وسلم بجواز العمل بالحديث لغير المجتهد .. واجماع من الصحابة عليه ، ولولا ذلك لأمر الخلفاء غير المجتهد منهم سيما أهل البوادى أن لا يعملوا بما بلغهم عن النبى صلى الله عليه وسلم مشافهة أو بواسطة حتى يعرضوا على المجتهدين منهم ، ولم يرد فى هذا عين ولا أثر، وهذا هو ظاهر قوله تعالى (( وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا)) ونحوه من الآيات ، حيث لم يقيد بأن ذلك على فهم الفقهاء . ومن هنا عرفت أنه لا يتوقف العمل بعد وصول الحديث. الصحيح على معرفة عدم الناسخ ، أو عدم الاجماع على خلافه ، أو عدم المعارض ، بل ينبغى العمل به الى أن يظهر شىء من الموانع ، فينظر ذلك ويكفى فى العمل كون الأصل عدم هذه العوارض المانعة عن العمل . وقد بنى الفقهاء على اعتبار الأصل فى شىء أحكاما كثيرة فى الماء ونحوه. لا تخفى على المتتبع لكتبهم . ومعلوم أن من أهل البوادى والقرى. البعيدة من كان يجىء اليه صلى الله عليه وسلم مرة أو مرتين ويسمع شيئا ثم يرجع الى بلاده ويعمل به والوقت كان وقت نسخ وتبديل ، ولم يعرف أنه صلى الله عليه وسلم أمر أحدا من هؤلاء بالمراجعة ليعرفه الناسخ من المنسوخ بل أنه صلى الله عليه وسلم قرر من قال (( لا أزيد على هذا ولا أنقص)) على ما قال ولم ينكر عليه بأنه يحتمل النسخ . ٣٧ بل قال (( دخل الجنة ان صدق)) وكذلك ما أمر الصحابة أهل البوادى وغيرهم بالعرض على مجتهد ليميز له الناسخ من المنسوخ . فظهر أن المعتبر فى النسخ ونحوه بلوغ الناسخ لا وجوده . ويدل على أن المعتبر البلوغ لا الوجود أن المكلف مأمور بالعمل على وفق المنسوخ . بل صحح ذلك حديث نسخ القبلة الى الكعبة المشرفة فان خبره وصل الى أطراف المدينة المنورة كأهل قباء وغيرهم بعد ما صلوا على وفق القبلة المنسوخة فمنهم من وصله الخبر فى أثناء الصلاة . ومنهم من وصله بعد أن صلى الصلاة . والنبى صلى الله عليه وسلم قررهم على ذلك. ولم يأمر أحدا منهم بالاعادة فلا عبرة لما قيل (( لا يجوز العمل قبل البحث عن المعارض والمخصص )) وأن ادعى عليه الاجماع فانه لو سلم فاجماع الصحابة وتقرير النبى صلى الله عليه وسلم مقدم على اجماع من بعدهم . على أن ما ادعى من الاجماع قد علم خلافه كما ذكر فى بحر الزركشى فى الأصول)) اهـ . ملخصا . المبحث الرابع فى أن السنة النبوية مبينة للقرآن الكريم أنزل الله القرآن الكريم هداية للناس فى أمور دينهم ودنياهم ولكن بأسلوب أجمالى فى الغالب لا يمكن الوقوف منه على مراد الله عز وجل بطريق الوضوح وقد وكل الله الى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم أن يبلغ القرآن الكريم للناس وأن يبين لهم بقوله وفعله مايحتاج الى البيان فقال ( وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس مانزل اليهم ) وهو صلى الله عليه وسلم أذ يبين للناس كتاب الله لا يصدر عن نفسه ولكنه يتبع ما يوحى اليه من ربه ( وما ينطق عن الهوى ان هو الا وحى يوحى ) ( من يطع الرسول فقد أطاع الله) فالسنة النبوية وظيفتها تفسير القرآن الكريم ٣٨ والكشف عن أسراره وتوضيح مراد الله تعالى من أوامره وأحكامه ونحن اذا تتبعنا السنة من حيث دلالتها على الأحكام التى اشتمل عليها القرآن اجمالا أو تفصيلا وجدناها ترد على هذه الوجوه الأربعة . الأول - أن تكون موافقة لما جاء فى القرآن فتكون واردة حينئذ مورد التأكيد ومن أمثلة ذلك : - ١- قوله صلى الله عليه وسلم ( لا يحل مال امرىء مسلم الا بطيب من نفسه) رواه الديلمى فانه يوافق قوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ) . ٢ - قوله صلى الله عليه وسلم ( اتقوا الله فى النساء فأنهن عوان عندكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله ) فأنه يوافق قوله تعالى ( وعاشروهن بالمعروف ) . ٣ - قوله صلى الله عليه وسلم (ان الله ليملى للظالم فاذا أخذه لم يفلته ) يوافق قوله تعالى (وكذلك أخذ ربك اذا أخذ القرى وهى ظالمة ) . الثانى - أن تكون بيانا لما أريد بالقرآن ومن أمثلة هذا النوع :- ١ - بيان المجمل فى مثل الأحاديث التى جاء فيها تفصيل أحكام الصلاة والزكاة والصيام والحج وغيرها . ٢ - تقييد المطلق كالأحاديث التى بينت المراد من اليد فى قوله تعالى ( والسارق والسارقة فاقطعوا ايديهما ) وأنها اليمنى وأن القطع من الكوع لامن المرفق . ٣ - تخصيص العام كالحديث الذى بين أن المراد من الظلم فى قوله تعالى ( الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ) هو الشرك فان بعض الصحابة فهم منه العموم حتى قال ( أينا لم يظلم ) فقال النبى صلى الله عليه وسلم (( ليس بذاك أنما هو الشرك)). ٣٩ ٤ - توضيح المشكل كالحديث الذى بين المراد من الخيطين فى. قوله تعالى ( وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر) فهم منه بعض الصحابة العقال الأبيض والعقال الأسود فقال صلى الله عليه وسلم ( هما بياض النهار وسواد الليل ) . الثالث - أن تكون دالة على حكم سكت عنه القرآن ومن أمثلة. هذا النوع : - ١ - قوله صلى الله عليه وسلم فى البحر ( هو الطهور ماؤه الحل ميتته ) . ٢ - قوله صلى الله عليه وسلم فى الجنين الخارج ميتا من بطن أمه. المذكاة ( ذكاة الجنين ذكاة أمه ) . ٣ - الأحاديث الواردة فى تحريم ربا الفضل . ٤ - الأحاديث الواردة فى تحريم كل ذى ناب من السباع وكل ذى مخلب من الطير ، وتحريم لحوم الحمر الأهلية . الرابع - أنها تكون ناسخة لحكم ثبت بالكتاب على رأى من يجوز نسخ الكتاب بالسنة ومثال ذلك حديث ((لاوصية لوارث)) فأنه ناسخ لحكم الوصية للوالدين والأقربين الوارثين الثابت بقوله تعالى فى سورة البقرة (( كتب عليكم اذا حضر أحدكم الموت ان ترك خيرا الوصية. للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين )) - على أحد الوجوه فى تفسير الآية - وحديث (( البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام)) فهو ناسخ لآية النساء ((واللاتى يأتين الفاحشة من نسائكم)» الآية على أحد الوجوه أيضا . والأمثلة كثيرة لاسيما على مذهب الحنفية الذين يقولون ان الزيادة على الكتاب من قبيل النسخ . والمسألة مختلف فيها بين الفقهاء على ما هو معروف فى الأصول . ٤٠ هذا والنسخ من قبيل البيان لأنه بيان انتهاء أمد الحكم ، ولذلك يطلق عليه بعض علماء الأصول (( بيان التبديل)). هل السنة النبوية تستقل بالتشريع ؟؟ وقد يقول قائل : أن الوجه الثالث الذى ذكرته يفيد أن السنة قد يثبت بها أحكام لم ترد فى القرآن اجمالا ولا تفصيلا وهو يخالف ظاهر قوله تعالى ( وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس مانزل اليهم ) فأنه يفيد أن السنة انما تبين القرآن ولا تتعداه إلى غيره ولنا عن ذلك جوابان : - الجواب الأول : أنا لا نسلم خلو القرآن عن الأحكام المذكورة فى الوجه الثالث من أوجه البيان ولكنه اشتمل عليها بطريق الأجمال فصح أن تكون السنة بيانا للقرآن بهذا الاعتبار . وتوضيح ذلك أن الأحكام التى جاءت بها السنة وسكت عنها القرآن ظاهرا يمكن أن تكون بيانا له اما بطريق الالحاق واما بطريق القياس واما بطريق استنباط القواعد العامة من الجزئيات، واليك توضيح ذلك : - البيان بطريق الالحاق : - قد ينص القرآن على حل شىء وحرمة آخر ويكون هناك شىء ثالث لم ينص على حكمه وهو آخذ من كل منهما بطرف فيكون ثم مجال للاجتهاد فى ألحاقه بأحدهما فيعطيه النبى صلى الله عليه وسلم حكم أحدهما وحينئذ يتبين أنه كان من مشمولاته . ومن الأمثلة على ذلك : - ١ - أحل الله الطيبات وحرم الخبائث وبقى بين هذين الأصلين أشياء يمكن الحاقها بأحدهما فبين عليه الصلاة والسلام فى ذلك ما اتضح به الأمر فنهى عن أكل كل ذى ناب من السباع وكل ذى مخلب من الطير ونهى عن أكل لحوم الحمر الأهلية وقال انها رجس . ونهى عليه الصلاة والسلام عن أكل الجلالة والبانها ذلك لما فى لحمها ولبنها من أثر ٠