النص المفهرس

صفحات 361-380

٣٦١
معرفة المؤتلف والمختلف
وتعريفه: هو أن تتفق الأسماء خطًّا ونطقًا، وتختلف الآباء نطقًا مع
ائتلافهما خطًّا كمحمد بن عقيل - بفتح العين - ومحمد بن عُقيل -
بضمها -.
فالأول: نيسابوري.
والثاني: فريابي، وهما مشهوران وطبقتهما مُتقاربة)).
أو بالعكس كأن تختلف الأسماء نطقًا وتأتلف خطًّا، وتتفق الآباء خطًا
ونطقًا، كشريح بن النعمان، وسريج بن النعمان، الأول: بالشين المعجمة
والحاء المهملة، وهو تابعي يروي عن علي ته والثاني: بالسين المهملة
والجيم، وهو من شيوخ البخاري.
وكذا إن وقع ذلك الاتفاق في الاسم واسم الأب، والاختلاف في
النسبة.
(تنبيه آخر ): كيف يمكن الحذر من الزلل والخطأ في هذه الأنواع؟
يُتَّقى الغلط والزلل في هذه الأنواع بالرجوع إلى الكتب المؤلفة في هذه
الأنواع.
وبالتلقي عن الشيوخ، والحفظ والإتقان، والله أعلم.

٣٦٢
الجواهر السليمانية
معرفة المنكر
قال الناظم تنتفة :
٣٠- والمنْكَرُ الفَرْدُ به راوٍ غَدَا تعديلُه لا يَحْمِلُ التَّفَرُّدَا
لما انتهى الناظم من تعريف المؤتلف والمختلف ؛ عَرَّفَ المنكر -
وكان الأولى به أن يجعله بعد الشاذ، بجامع المخالفة، أو التفرد والله
أعلم -.
وقد ظهر من هذا البيت أن الراوي إذا تفرد برواية، وكان هذا الراوي
قد عُدِّل تعديلًا خفيفًا، إلا أنه لا يُحْتَمَل منه هذا التفرد، أو لا يُقْبَل منه
التفرد، ولم يُتَابَع على ذلك؛ فإن روايته يُطلق عليها : أنها رواية منكرة،
وسيأتي تفصيل ذلك - إن شاء الله تعالى -.
وتحت هذا البيت عدة مسائل :
المسألة الأولى : تعريف المنكر :
تعريف المنكر لغة : هو اسم مفعول من أنكره بمعنى جحده، أو لم
يعرفه، يقال: أنكرته إنكارًا خلاف عَرَفْته.
تعريفه اصطلاحًا :
نظرًا لاختلاف استعمال المتقدمين للمنكر، وإطلاقهم النكارة على
أمور مختلفة؛ فقد اختلفت كلمة العلماء في تعريف المنكر من الجهة
الاصطلاحية، وذلك على وجوه :

٣٦٣
معرفة المنكر
١- تعريف أبي بكر البرديجي :
من نظر فيما نقله الحافظ ابن رجب الحنبلي كثّفُ من كلام البرديجي؛
يظهر له أن البرديجي يُطلق المنكر على ثلاثة معان :
أ- التفرد من الثقة الحافظ: وهو صحيح عنده في هذه الحالة، والدليل
في ذلك قول البرديجي: ((إن المنكر: هو الذي يُحَدِّث به الرجل عن
الصحابة، أو عن التابعين عن الصحابة، لا يُعْرَف ذلك الحديث - وهو متن
الحديث - إلا من طريق الذي رواه ؛ فيكون منكرًا)). اهـ
قال ابن رجب معلقًا على كلام البرديجي هذا: ((ذكَرَ هذا الكلام في
سياق ما إذا انفرد شعبة، أو سعيد بن أبي عروبة، أو هشام الدستوائي
بحديث عن قتادة عن أنس عن النبي ®، وهذا كالتصريح بأن كل ما ينفرد
به ثقة عن ثقة، ولا يُعْرَف المتن من غير ذلك الطريق؛ فهو منكر)). اهـ (١).
فهذا واضح في إطلاق النكارة على تفرد الثقة الحافظ، والدليل على
تصحيح البرديجي لذلك؛ قوله: ((شعبة، وهشام الدستوائي، وسعيد بن أبي
عروبة عن قتادة عن أنس: صحيح)) اهـ (٢).
ب- التفرد من الشيوخ، وهم من دون الأئمة الحفاظ، وفيهم الثقة
وغيره: والدليل على ذلك قول البرديجي: ((وأما أحاديث قتادة التي يرويها
الشيوخ: مثل حماد بن سلمة، وهمام، وأبان، والأوزاعي؛ يُنْظَر في
الحديث: فإن كان الحديث يُحْفَظُ من غير طريقهم عن النبي - عليه الصلاة
والسلام - أو عن أنس بن مالك من وجه آخر؛ لم يُدْفَع، وإن كان لا
﴿ ولا من طريق عن أنس إلا من رواية هذا
يُعْرَف عن أحد عن النبي
(١) ((شرح علل الترمذي)) (١ / ٤٥٠ - ٤٥١).
(٢) ((شرح علل الترمذي)) (٢ / ٥٠٤).

= ( ٣٦٤
الجواهر السليمانية
الذي ذكرتُ لك؛ كان منكرا)). اهـ(١).
ج- إطلاق النكارة على الوهم والمخالفة : قال ابن رجب : ((وقال -
أي البرديجي - في حديث رواه عَمْرو بن عاصم عن همام عن إسحاق بن
أبي طلحة عن أنس ((أن رجلًا قال للنبي ﴿: إني أصَبْتُ حدًّا، فَأَقِمْه عليَّ
.... )) الحديث، قال البرديجي: هذا عندي حديث منكر، وهو عندي وهم
من عَمْرو بن عاصم.
قال ابن رجب : ونَقَل ابن أبي حاتم عن أبيه أنه قال: هذا حديث
باطل بهذا الإسناد))(٢) اهـ
فكلام أبي حاتم يدل على أن وهم عَمْرو بن عاصم كان بسبب مخالفة
من روى الحديث بغير هذا الإسناد، والله أعلم.
٢- المنكر عند الإمام مسلم تكلفة: راجع إلى المخالفة، وللمخالفة
مراتب، ويُخكم على الراوي بقدر مخالفته :
قال كنتُ في ((مقدمة الصحيح)) (٣): ((وعلامة المنكر في حديث
المحدِّث: إذا ما عُرِضَتْ روايته للحديث على رواية غيره من أهل الحفظ
والرضى؛ خالفتْ روايتُهُ روايتَهُمْ، أو لم تكذ توافقها، فإن كان الأغلب من
حديثه كذلك؛ كان مهجور الحديث غير مقبوله ولا مستعمله))(٤).
قال الحافظ في ((النكت)»(٥): ((فالرواة الموصوفون بهذا - أي من غلب
على حديثهم النكارة - هم المتروكون)) قال: ((فعلى هذا رواية المتروكين
(١) ((شرح علل الترمذي (((١ / ٤٥٢).
(٢) ((شرح علل الترمذي ((١ / ٤٥٢).
(٣) (١ / ٧).
(٤) (١/ ٧) .
(٥) (٢ / ٦٧٥).

٣٦٥
معرفة المنكر
عند مسلم تسمى منكرة، وهذا هو المختار)) .
وقال في ((النزهة))(١): ((فمن فحش غلطه، أو كثرت غفلته، أو ظهر
فسقه؛ فحديثه منكر على رأيٍ)). اهـ
وهذا عام يشمل المنكر والشاذ، ومن نظر في ((العلل)) لابن أبي حاتم؛
وجد إطلاق أبي حاتم وغيره النكارة على رواية ثقة خالف من هو أوثق
منه، والله أعلم.
قال الزركشي في ((نكته))(٢): ((ومن تأمل كلام الأقدمين من أهل
الحديث؛ وَجَدَهم إنما يطلقون النكارة على الحديث الذي يخالف رواية
الحفاظِ المتقنين)). اهـ ثم ذكر كلام مسلم السابق.
٣- المنكر عند ابن الصلاح :
قال تخلّفُ: المنكر ينقسم إلى قسمين :
أ- وهو المنفرد المخالف لما رواه الثقات.
ب- وهو الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والإتقان ما يحتمل معه
التفرد. اهـ. وهذا ما يُسَمَّى بالضعيف، وهذا التعريف هو الذي
استعمله الناظم، والله أعلم.
٤- المنكر عند الحافظ ابن حجر :
قال الحافظ في ((النزهة))(٣): ((فإن وقعت المخالفة مع الضعف؛
فالراجح يقال له: المعروف، ومقابله يقال له: المنكر ... )) اهـ
(١) (ص ١٢٣).
(٢) (٢ / ١٥٦).
(٣) (ص ٩٨).

=
٣٦٦
الجواهر السليمانية
فظهر من هذا أن الحافظ يشترط للمنكر شرطين :
١- ضعف راويه.
٢- مخالفته لمن هو أرجح منه .
ولا شك أن الضعيف إذا خالف المقبول؛ فهو منكر، لكن هل يُخْصَر
المنكر في ذلك ؟
والجواب : أنه لا يُخْصَر في ذلك.
بل الحافظ نفسه قد صرح بالنكارة على مجرد تفرد الضعيف، وعزا
ذلك لكثير من المحدثين، وعَدَّ ذلك أحد قسمي المنكر، فقال: ((وأما إذا
انفرد المستور، أو الموصوف بسوء الحفظ، أو الضعيف في بعض مشايخه
دون بعض، بشيء لا متابع له ولا شاهد؛ فهذا أحد قسمي المنكر الذي
يوجد في إطلاق كثير من أهل الحديث)). اهـ من ((النكت))(١).
ونقل الحافظ كلام ابن الصلاح، حيث قال : ((وإطلاقُ الحكم على
التفرد بالرد، والنكارة، والشذوذ: موجود في كثير من كلام أهل
العلم)). اهـ
ثم قال معلقًا على ذلك: ((وهذا مما ينبغي التيقظ له، فقد أطلق الإمام
أحمد، والنسائي، وغير واحد من النقاد لفظ ((المنكر)) على مجرد التفرد،
لكن حيث لا يكون المتفرد في وَزْنِ مَنْ يُخكم لحديثه بالصحة بغير عاضد
يعضده)). أهـ (٢).
فظهر من هذا أن الحافظ لا يمنع من وَصْفٍ رواية الضعيف إذا تفرد
بالنكارة، نعم لقد اعتمد الحافظ في المنكر قيد المخالفة فقال - بعد كلامه
(١) (٢ / ٦٧٥).
(٢) (٢ / ٦٧٤).

٣٦٧
معرفة المنكر
في القسم الأول في تفرد المستور، وسيء الحفظ والضعيف -: ((وإن
خولف؛ فهو القسم الثاني، وهو المعتمد على رأي الأكثرين)). اهـ (١).
ومما سبق يتضح أن المنكر عند الأئمة يُسْتَعمل في عدة معانٍ :
١- تفرد المتروك، وهو من غَلَبَتْ على حديثه النكارة، وهذا مأخوذ من
کلام مسلم تثُ، وهذا لا یستشهد به.
٢- مخالفة الضعيف لمن هو أرجح منه، كما اعتمده الحافظ، وعزاه
للأکثر، ولا یستشهد بمن كان كذلك .
٣- تفرد الضعيف، وقد عزاه الحافظ لكثير من المحدثين، وهذا يُسْتَشهد
به.
٤- مخالفة المقبول لمن هو أوثق منه، وهو كلام ابن الصلاح، ويشهد له
بعض كلام أبي حاتم وغيره، وهو الشاذ - على هذا الاستعمال -
وهذا لا يُستشهد به .
٥- تفرد الشيوخ - وهم من دون الحفاظ، وفيهم الثقة ومن دونه، وهذا
بعض كلام البرديجي - ويختلف حكمه - بحسب حال المتفرد فمنه
المقبول بذاته، ومنه الذي يستشهد به .
٦- تفرد الأئمة الحفاظ - وإن حُكِمَ بصحته - وهذا بعض كلام البرديجي .
(فائدة) : بعد ذكْر ما تقدم ؛ فمن تأمل في استعمال الأئمة للفظ
النكارة ؛ وجدهم يطلقونها أيضًا في أمور أخرى، منها :
١- مخالفة الرواية لما هو مشهور من قواعد الشريعة، أو لما هو مشهور
عند المحدثين، أو مخالفتها لما هو في الباب، وكل هذا لا يلزم منه
(١) (٢ / ٦٧٥).

٣٦٨
الجواهر السليمانية
اتحاد مخرج الحديث، وأما مخالفة الراوي لمن شاركه في شيخه؛
فهذا لا إشكال فيه.
٢- تطلق النكارة - أيضًا - على الأحاديث المكذوبة .
٣- تطلق النكارَة ويُراد بها المدح، ويكون المراد: أن الراوي لا نظير
له، قال علي بن المديني: ((قلت ليحيى بن سعيد: إن ابن مهدي يُثَبِّتُ
القاسم بن الفضل؟! قال: ذاك منكر الحديث، وَجَعَل يُثْني عليه)). اهـ
قال أبو داود: ((كان صاحب حديث، قال يحيى: كان مُنْكرًا، يعني
من فطنته)). اهـ من ((تهذيب التهذيب)) ترجمة القاسم(١).
(فائدة أخرى): قال السيوطي: ((ولا يلزم من شذوذ السند ونكارته
وجود ذلك الوصف في المتن)). اهـ ((التدريب))(٢).
أي أن المتن قد يكون مشهورًا من روايات أخرى، وقد يحكم على
راوٍ بأنه شذ في سند معين، أو في سياق معين، وأما أصل الحديث
فمشهور، والناظر في كتب العلل يجد من ذلك الشيء الكثير، فعليه بالتأني
قبل جعل الحكم الخاص عامًّا، والله اعلم.
(فائدة أخيرة): هناك من يُطلق القول بأن المتقدمين يطلقون النكارة
على مجرد التفرد فقط، كاللكنوي، والتهانوي، وغيرهما، وهناك من الأئمة
من قد يُفْهَم من كلامه أن القطان، وأحمد، والنسائي، والبرديجي، يريدون
بإطلاق النكارة التفرد.
والواقع أن من نظر في كلام هؤلاء وغيرهم من المتقدمين وجدهم
(١) (٨ / ٣٢٩).
(٢) (١ / ٢٣٩).

٣٦٩
معرفة المنكر
يطلقون ذلك على الجرح الشديد، وعلى الخطأ والوهم، ويطلقون ذلك
أيضًا على التفرد، والأصل في إطلاق الأئمة هؤلاء وغيرهم النكارة على
الجرح لا مجرد التفرد، فلا بد من التأني في الأمر، والله أعلم.

=
٣٧٠
الجواهر السليمانية
معرفة المتروك من الحديث
قال الناظم تخلف :
٣١- مَتْرُوكُهُ ما واحدٌ بِهِ انفَرَدْ وأجْمعُوا لضِعْفِهِ فَهْوَ كَرَدْ
شرع الناظم في الكلام على الحديث المتروك، وهو نوع مستقل، ذكره
الحافظ ابن حجر كنتُ في ((النخبة)) وكذا السيوطي في ((الألفية)) وسماه
الذهبي في الموقظة بـ ((المطّرح)) ولم يذكره ابن الصلاح، ولا النووي، ولا
العراقي في ((ألفيته)).
وقوله: ((فَهُوَ كَرَد)) إما أن يقال: أي كالمردود في عدم الاستشهاد به،
أو يقال: الكاف زائدة، والله أعلم.
وتحت هذا البيت عدة مسائل :
المسألة الأولى : تعريف الحديث المتروك :
لغة : اسم مفعول مِنْ تَرك يترك تركًا تِرْكانًا - بالكسر -.
والتَّرِيكة - كسفينة -: البيضة بعد أن يخرج منها الفرخ ؛ والتريك :
العنقود إِذَا أُكِلَ ما عليه، فهي فعلية بمعنى مفعول، فكل هذه متروكة؛ لأنها
لا فائدة فيها. اهـ. من ((القاموس)) مادة ((ترك)).
واصطلاحًا : عَرَّفه الناظم بأنه: ((ما انفرد به راوٍ مُجْمَعٌ على ضَعْفِه)) وكذا
عَرَّفه عزالدين ابن جماعة في ((شرح منظومة ابن فرج الإشبيلي))(١).
وفي هذا نظر، ومنشأ ذلك: أنه لا يلزم من كون الراوي مجمعًا على
(١) انظر ((خلاصة الفِكر، شرح المختصر، في مصطلح أهل الأثر)) للشنشوري (ص ١٠٤).
.

٣٧١
معرفة المتروك من الحديث
ضعفه؛ أن يكون متروكًا، فالمُجمع على ضعفه : هو من اتفق العلماء على
أنه ضعيف، وقد يكون ضعيفًا ضعْفًا ينجبر، وقد يكون ضعيفًا ضعفًا لا
ينجبر، والله أعلم.
وعلى ذلك: فانفراد الضعيف المجمع على أن ضعيف بالحديث لا
يلزم منه أن یکون حديثه متروكًا.
وعرف الذهبي الحديث المتروك أو المطّرح، بأنه: ((ما انحط عن رُتبة
الضعيف)). اهـ. من ((الموقظة))(١) وهو تعريف غير مانع ؛ فإن الموضوع
کذلك أيضًا.
وعرفه الحافظ ابن حجر بأنه: ((الحديث الذي في إسناده راوٍ متهم
بالكذب»(٢).
قلت: لا يُشْتَرط في راوي المتروك أن يكون متهمًا بالكذب، فقد
يكون ضعيفًا جدًّا، أو فاحش الغلط، أو شديد الغفلة، أو فاسقًا، فانفراد
من كان كذلك بحديث يجعله متروكًا، انظر ((النزهة))(٣) وزاد السيوطي في
((التدريب)»(٤) بعد كلام الحافظ: ((أو كان - أي راوي الحديث المتروك -
كثير الغلط، أو الفسق، أو الغفلة)) وكذا ذكر العلامة أحمد شاكر كثّفُ في
شرحه على ((ألفية السيوطي))(٥)، وقد سبق الحافظ في ((النزهة)) جعل الثلاثة
هذه من قسم المنكر، انظر ((النزهة))(٦).
(١) (ص ٣٤).
(٢) ((النزهة)) (ص ١٢٢).
(٣) (ص ١٢٢)
(٤) (١ / ٢٤١).
(٥) (ص ٢٣).
(٦) (ص ١٢٢ - ١٢٣).

٣٧٢
الجواهر السليمانية
وعندي: أن المتروك: ((هو انفراد ضعيف ضعفًا لا ينجبر برواية؛ مالم
يكن كذابًا)) فيدخل في ذلك من كان مردود الرواية، ضعيفًا جدًّا، وكذا من
كان متروكًا لفحش تخاليطه، أو لفسقه، أو لكونه داعيًا إلى بدعة - على
تفاصيل في ذلك - أو مُصِرًّا على الخطأ، معاندًا للأئمة، أو لتهمة
بالكذب، ونحو ذلك، هذا في الأصل؛ وإلا فقد يطلقون المتروك على
المنكر، وعلى حديث الكذاب، والله اعلم.
المسألة الثانية: مرتبة الحديث المتروك، وحُكم العمل به :
الحديث المتروك من أردأ أنواع الضعيف، فهو يلي الموضوع في شدة
الضعف، كما رتبه الحافظ ابن حجر كثُّ وعلى ذلك فهو لا يصلح في
الشواهد والمتابعات، انظر ((التدريب))(١).
المسألة الثالثة : إطلاق المتروك على غير المعنى الاصطلاحي :
قد يطلقون ((المتروك)) بمعنى المنسوخ، فيراد به ترك العمل، لا ترك
الرواية.
قال: ابن عبدالبر: ((خبر ابن عباس في رد أبي العاص إلى زينب بنت
خبر متروك، لا يجوز العمل به عند الجميع».
رسول الله
ويعني بقوله: ((متروك)) أي منسوخ، فقد قال قبل هذا عن هذا الحديث
نفسه: ((وهذا الخبر - وإن صح - فهو متروك منسوخ عند الجميع)). اهـ.
من ((التمهيد))(٢). والله أعلم.
(١) (١ / ٢٩٥).
(٢) (١٢ / ٢٠ - ٢٤).

٣٧٣
معرفة الموضوع
معرفة الموضوع
قال الناظم كثفة :
٣٢- والكَذِبُ المُخْتَلَقُ المصْنُوعُ عَلَى النَّبِيْ فَذَلِكَ الموضُوعُ
تكلم الناظم كثّفُ في هذا البيت على الحديث الموضوع مبيّنًا حَدَّه.
وقوله: ((المخْتَلَق المصنوع)) أي: الذي ليس من كلام النبي
أصلًا، وإنما افتعله الكذاب مِنْ قَبَلٍ نفسه، وعزاه إلى النبي و﴿، أو رواه
كذلك مغفَّلٌ لم يعلم بحاله.
والمخْتَلَق، والموضوع، والمصنوع: ألفاظ مترادفة، معناها واحد،
وجيء بهذه الألفاظ المتقاربة للتأكيد في التنفير منه.
وهذا ترتيب حسن من الناظم: حيث جعل الكلام في بداية المنظومة
على أفضل الأنواع، وأشرفها، وهو الحديث الصحيح، وختمه بأرداً
الأنواع، وهو الحديث الموضوع، ولعله أخره لتأخير رُتْبَتِه ومرتبة راويه،
والله أعلم.
والكلام على هذا النوع يكون في عدة مسائل :
المسألة الأولى : تعريف الحديث الموضوع :
الموضوع لغة: للوضع عدة معانٍ - منها الافتراء، والاختلاق، كوضع
فلان هذه القصة :- أي اختلقها وافتراها، قال ابن منظور: ((ووضع الشيء
وضعًا اختلقه))(١).
(١) ((لسان العرب)) (٨ / ٣٩٧) مادة: ((وضع)).

=
٣٧٤
الجواهر السليمانية
واصطلاحًا : عرفه الناظم بأنه: ((هو الكذب المختلَق المصنوع على
النبي (﴿) وقد سبقه إلى هذا ابن الصلاح، حيث قال: ((وهو المخْتَلَق
المصنوع )»(١).
فقوله: ((المخْتَلَق)) أخرج مالم يكن عن عمد، فلا يسمى موضوعًا على
ذلك.
والصواب: أن الموضوع: ((هو المكذوب على رسول الله )) سواء
تعمد ذلك راويه، أو أخطأ في ذلك، فإن الرجل المغفَّل قد يشتبه عليه
ليست من كلامه، إلا أنه شُبِّه
الأمر، ويذكر أحاديث عن رسول الله
عليه، هذا من حيث وصف الحديث بأنه موضوع، أما الراوي فلا يلزم من
ذلك أن يُوصَف بأنه وضَّاع، إلا إذا كان متعمدًا لذلك؛ فوضَّاع ولا كرامة.
وعَرَّف الذهبي الموضوع في ((الموقظة)»(٢) بقوله: ((ما كان متنه مخالفًا
للقواعد، وراويه كذابًا)). اهـ. وهذا ليس بلازم في تعريف الموضوع، والله
أعلم.
وكذلك قول من قال: ((إذا رأيتَ الحديث يباين المعقول، أو يخالف
المنقول، أو يناقض الأصول؛ فاعلم أنه موضوع))(٣).
المسألة الثانية: الأسباب الحاملة على الوضع :
سبق أن سوء الحفظ قد يُوقِع صاحبه في الوضع من حيث لا يشعر،
وهناك أسباب حملت أهل الوضع على تعمد وضع الأحاديث على النبي
منها :
(١) في ((المقدمة)) (ص ١٣٠) مع ((التقييد)).
(٢) (ص ٣٦).
(٣) قاله ابن الجوزي، وانظر ((التدريب)) (١/ ٢٧٧).

٣٧٥
معرفة الموضوع
١- الزندقة والطعن في الدين: ومن ذلك ما جاء عن ابن أبي العوجاء لما
أُتي به إلى محمد بن سليمان بن علي فأمر بضرب عنقه، فلما أيقن
بالقتل؛ قال: والله لقد وَضَعْتُ فيكم أربعة آلاف حديث، أُحَرِّم فيها
الحلال، وأُحِلُّ فيها الحرام، لقد فطّرتكم في يوم صومكم،
وصَوَّمْتُكم في يوم فطركم)). اهـ. من ((الموضوعات)) لابن الجوزي(١).
٢- التعصب لرأي أو مذهب: كما فَعَلَت الرافضة في وضع الأحاديث في
فضل علي رظُه وآل البيت، وعليٍّ ◌َبه له مناقب كثيرة وشهيرة عند
أهل السنة، فقد أغناه الله عن كذب الروافض واختلافهم.
٣- العصبية للجنس، والقبيلة، واللغة، والوطن، كما وضع الشعوبيّون
حديث : ((إن الله إذا غضب أنزل الوحي بالعربية، وإذا رضي أنزل
الفارسية)) وكذا مَنْ وَضَع من العرب: ((أبغض الكلام إلى الله تعالى
الفارسية، وكلام الشيطان الخوزية، وكلام أهل النار البخارية، وكلام
أهل الجنة العربية)) .
كما وضع ميسرة بن عبد ربه أربعين حديثًا في فضل قزوين.
٤- قال ابن حبان: ((ومنهم من استفزه الشيطان، حتى كان يضع الحديث
على الشيوخ الثقات في الحث على الخير، وذكر الفضائل، والزجر
عن المعاصي، والعقوبات عليها؛ متوهمين أن ذلك مما يؤجرون
عليه، ثم ساق سنده إلى عبد الرحمن بن مهدي أنه قال لميسرة بن
عبد ربه - وكان ممن يضع الحديث -: من أين جِئْتَ بهذه
الأحاديث: (من قرأ كذا؛ فله كذا))؟! قال: وضَعْتُها أُرَغِّب الناس
فيها)). اهـ. وانظر ((المجروحين)) لابن حبان(٢).
(١) (ص ١٨).
(٢) (١ / ٦٤).

٣٧٦
الجواهر السليمانية
٥- قصد التكسب وطلب المال والتزلف للحكام :
كما رُوي في قصة حفص بن غياث حين دخل على المهدي، فوجده
يلعب بالحمام، فساق في الحال إسنادًا إلى النبي ® أنه قال: ((لا
سَبْقَ إلا في نَصْلٍ، أو خُفٍ، أو حافر، أو جناح)) فزاد في الحديث
أو ((جناح)) فعرف المهدي أنه كذب لأجله، فذبح الحمام. اهـ. من
((الميزان))(١).
٦- المصالح الشخصية: كالانتقام والانتصار للنفس، والترويح لما يبيعه
من بضاعة، ومثاله: مارواه ابن حبان بإسناده عن سيف بن عمر
التميمي، قال: كنا عند سعد بن طريف الإسكاف، فجاء ابنه يبكي،
فقال مالَكَ؟! قال: ضَرَبَني المعلِّم، فقال: ((أما والله لأُخْزِيَنَّهُم:
حدثني عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله: ﴿: ((معلِّمُوا
صبيانِكم شرارُكُم، أَقَلَّهم رحمةً لليتيم، وأغلظهم على المسكين)) .
ومثال الثاني: ما وضعه صاحب الهريسة.
٧- قَصْد الاشتهار: قال ابن الجوزي(٢): القسم السادس في قوم وضعوا
أحاديث قصدًا للإغراب ليُطْلَبُوا، أو ليُسْمَع منهم.
قال أبو عبدالله الحاكم: ((منهم إبراهيم بن اليسع بن أبي حية، كان
يحدث عن جعفر الصادق، وهشام بن عروه، فیرگِّب حديث هذا على
حديث ذلك ؛ ليستغرب تلك الأحاديث بتلك الأسانيد)).
٨- ومنهم من استجاز وضع الأسانيد لكل كلام حَسَنٍ في المعنى.
(١) (٣ / ٣٣٨).
(٢) ((الموضوعات)) (١ / ٢٧ - ٢٨).

٣٧٧
معرفة الموضوع
المسألة الثالثة: أقسام الرواة الذين وقع في حديثهم الحديث المكذوب :
I
قال ابن الجوزي (١) تَُّ: ((واعلم أن الرواة الذين وقع في حديثهم
الموضوع، والكذب، والمقلوب ؛ انقسموا إلى خمسة أقسام :
القسم الأول: قوم غَلَبَ عليهم الزهد والتقشف، فغفلوا عن الحفظ
والتمييز، ومنهم من ضاعتْ كتبه، أو احترقتْ، أو دفنها، ثم حَدَّث مِنْ
حفظه فغلط.
فهؤلاء تارة يرفعون المرسل، وتارة يُسْنِدون الموقوف، وتارة يَقْلِبون
الإسناد، وتارة يُدْخِلُون حديثًا في حديث.
القسم الثاني: قوم لم يعانوا علم النقل، فكثر خطؤهم وفَحُشَ، على
نحو ما جرى للقسم الأول.
القسم الثالث: قوم ثقات، لكنهم اختلطت عقولهم في أواخر
أعمارهم، فخلطوا في الرواية.
القسم الرابع: قوم غلبت عليهم البلاهة والغفلة، ثم انقسم هؤلاء:
فمنهم من كان يُلَقَّن فيتلقن، ويقال له: قُلْ؛ فيقول، وقد كان بعض أولاد
هؤلاء، أو وَرَّاقه یضع له الحدیث فیرویه، ولا یعلم، ومنهم من کان يروي
الحديث وإن لم يكن سماعًا له، ظنًّا منه أن ذلك جائز، وقد قيل لبعض
المغفلين: هذه الصحيفة سماعك؟ فقال: لا، ولكن مات الذي رواها
فرویتها مكانه.
القسم الخامس: قوم تعمدوا الكذب، ثم انقسموا هؤلاء ثلاثة أقسام:
أ- قوم روَوْا الخطأ من غير أن يعلموا أنه خطأ، فلما عرفوا
(١) ((الموضوعات)) (١ / ١٥ - ١٧).

٣٧٨
الجواهر السليمانية
الصواب، وأيقنوا به؛ أَصَرُّوا على الخطأ، أَنَفَةً أن يُنْسَبوا إلى
غلط.
ب- قوم رووا عن كذابين وضعفاء وهم يعلمون، ودلّسوا أسماءهم،
فالكذب من أولئك المجروحين، والخطأ القبيح من هؤلاء
المدلسین.
ومن هذا القسم: قوم رووا عن أقوام ما رأوهم، مثل إبراهيم بن هدية
عن أنس، ويحدث عن شريك، فقيل له حين حَدَّث عن أنس: ((لعلك
سمعته من شريك؟ فقال: أقول لك الصِّدْق؟ سمعت هذا من أنس بن
مالك عن شريك !!
وقد حدث عبدالله بن إسحاق الكرماني عن محمد بن أبي يعقوب،
فقيل له: مات محمد قبل أن تولد بتسع سنين.
وحدث محمد بن حاتم الكشي عن عبد بن حميد، فقال أبو عبد الله
الحاكم: هذا الشيخ سمع من عبد بن حميد بعد موته بثلاث عشرة سنة.
ج- قوم تعمدوا الكذب الصريح، لا لأنهم أخطؤوا، ولا لأنهم
رووا عن كذاب، وهؤلاء تارة يكذبون في الأسانيد، فيروون
عمن لم يسمعوا منه، وتارة يسرقون الأحاديث التي يرويها
غيرهم، وتارة يضعون أحاديث، وهؤلاء الوضاعون انقسموا
ثمانية أقسام .... ثم ذكرهم بنحو ما سبق.
المسألة الرابعة: كيف يُعْرَف الوضع في الحديث؟
قال الحافظ ابن حجر: ((والحكم عليه - أي على الحديث بالوضع -
إنما هو بطريق الظن الغالب، لا بالقطع، إذْ قد يَصْدُق الكذوب، لكن
لأهل العلم بالحديث مَلَكَة قوِّية يُميزون بها ذلك، وإنما يقوم بذلك منهم

= (
٣٧٩
معرفة الموضوع
من يكون إطلاعه تامًّا، وذهنه ثاقبًا، وفهمه قويًا، ومعرفته بالقرائن الدالة
على ذلك متمكنة)). اهـ. من ((النزهة))(١).
قلت : والقرائن التي يُعْرَف بها الحديث الموضوع ترجع إلى أمرين :
الأمر الأول : بالنظر إلى الراوي.
الثاني: النظر إلى المروي.
أما الأول - وهو نادر كما قال الحافظ - فيدرك بأمور :
١- أن يقرَّ واضعه بالوضع، قال ابن دقيق العيد: ((لكن لا يُقْطَع بذلك؛
لاحتمال أن يكون كَذَبَ في ذلك الإقرار)»(٢).
قال الحافظ: ((وفَهِمَ منه بعضهم: أنه لا يُعْمَل بذلك الإقرار أصلًا،
وليس ذلك مراده؛ وإنما نفى القطع بذلك، ولا يلزم من نَفْي القطع
نَفْيُ الحكم؛ لأن الحكم يقع بالظن الغالب، وهو هنا كذلك، ولولا
ذلك لما ساغ قتل المقر بالقتل، ولا رجم المعترف بالزنا؛ لاحتمال
أن يكونا كاذبيْنِ فيما اعترفا به)). اهـ. من ((النزهة))(٣).
٢- ما يُنَزَّل مَنْزِلة إقرار الوضع :
ومنه قرائن ترجع إلى حال الراوي، وقرائن ترجع إلى حال المروي.
فما يرجع إلى حال الراوي: ما قال العراقي: ((هو كأن يُحَدِّث
مُحَدِّثٌ عن شيخ، ثم يذكر أن مولده في تاريخ يُعْلَم تأخره عن وفاة
ذلك الشيخ، ولا يُوجد ذلك الحديث إلا عنده، فهذا لم يَعْتَرِفْ
بوضعه، ولكن اعترافه بوقت مولده يُنَزَّل مَنْزِلة إقراره بالوضع.
(١) (ص ١١٨).
(٢) ((الاقتراح)) (ص ٢٢٩).
(٣) (ص ١٨٨ - ١١٩) وانظر ((النكت)) (٢ / ٨٤٠ - ٨٤١).

٣٨٠
الجواهر السليمانية
ومن أمثلة ذلك: ما رواه البيهقي في ((المدخل)) بسند صحيح : أنهم
اختلفوا في حضور أحمد بن عبدالله الجويباري في سماع الحسن من
قال : ((سمع
أبي هريرة ﴿ه فروى لهم حديثًا بسنده إلى النبي
الحسن من أبي هريرة». أهـ (١).
وإنما ذكرتُ هذا المثال هنا - مع ظهور التمثيل به فيما يرجع إلى
قرائن المروي - لأن فعله هذا يدلُّ على مجازفة هذا الراوي، وعدم
مبالاته .
٣- أن يكون في السند كذاب، ولا يُرْوى الحديث إلا من طريقه، أو
يقال: انفراد كذاب بحديث؛ يدل على أنه موضوع، لاسيما إذا انفرد
به عن إمام مشهور بكثرة الحديث، والأصول، والتلاميذ.
وأما مجرد وجود كذاب في السند؛ فلا يلزم من ذلك الوضع؛
لاحتمال أنه ادعى سماع حديث غيره، والحديث مشهور عند غيره، انظر
كلام العراقي في ((شرح الألفية))(٢).
ثانيًا: بالنظر إلى حال المروي - وهذا هو الأغلب في معرفة الوضع،
كما قال الحافظ - فهناك علامات كثيرة يُعْرَف من خلالها أن هذا ليس من
منها :
قول النبي
١- ركاكة اللفظ وسماجته، قال ابن دقيق العيد: ((وأهل الحديث كثيرًا ما
يَحْكُمون بذلك: باعتبار أمور ترجع إلى المروي، وألفاظ الحديث،
وحاصله: أنهم لكثرة ممارستهم لألفاظ الحديث؛ حَصَلَتْ لهم هيئة
نفسانية أومَلَكَة قوية، يعرفون ما يجوز أن يكون من ألفاظ النبي
،
(١) انظر ((النكت)) (٢ / ٨٤٢).
(٢) (١ / ٢٦١).