النص المفهرس
صفحات 341-360
٣٤١ الحديث المخرج وقولهم: ((من أحد رواته)) يشمل الصحابي فمن دونه. وقولهم: ((دون تمييز)) احتراز مما جاء مميزًا، كقولهم: يعني كذا، أو قال فلان كذا، ونحو ذلك(١). المسألة الثانية : أقسام المدرج : ينقسم المدرج إلى مدرج الإسناد ومدرج المتن، ولقد اقتصر الناظم في كلامه على مدرج المتن، ولعل ذلك لكثرة وقوع الإدراج في المتن. المسألة الثالثة: أما مدرج المتن: فالكلام عليه في مباحث: المبحث الأول: تعريفه: ((هو ما أضيف إلى الخبر من غير كلام صاحبه بلا تمييز)). اهـ. من كلام البقاعي(٢). المبحث الثاني: صُوَر الإدراج في المتن، وهي ثلاث : الأولى : أن یکون ذلك في أول المتن، وهو نادر جدًّا. ومثال ذلك: حديث أبي هريرة: ((أسبغوا الوضوء، ويل للأعقاب من النار)) . وأصل الحديث: ((ويل للأعقاب من النار)) لكن أبا هريرة أمر الصحابة بالإسباغ، واستدل على ذلك بالحديث، فظن بعض الرواة أن الجميع مرفوع، فساقه سياقة واحدة، وفصل غيره، والله أعلم. الثانية : أن يكون الإدراج في أثناء الخبر، وهو قليل. مثاله: قال الحافظ: ((وقد وقع منه قول الزهري: ((والتحنث التعبد)) في (١) انظر ((فتح المغيث)) (١ / ٢٨٧ - ٢٨٨). (٢) انظر حاشيته (١) على ((شرح الألفية)) (ص ١١٨). ٣٤٢ الجواهر السليمانية حديث عن عروة عن عائشة هنا في بدء الوحي، في قولها فيه: ((وكان يخلو بغار حراء، فيتحنث فيه، وهو التعبد الليالي ذوات العدد ... )) إلى آخر الحديث بطوله، فإن قوله: ((وهو التعبد)» من كلام الزهري، أُدْرِج في الحديث من غير تمييز، كما أوضحته في الشرح)). اهـ (١). ومثال الإدارج في المتن في المرفوع: حديث: ((من مسَّ ذَكَرِه، أو أنيثته، أو رفغيه؛ فليتوضأ)) وصوابه: ((من مسَّ ذَكّره؛ فليتوضأ)» وغير الذَّكَر أُدخل قياسًا من كلام عروة، قاله الدارقطني(٢). الثالثة : أن يكون الإدراج في آخره، وهو الأكثر. ومثاله : ما رواه أبو داود ثنا عبدالله بن محمد النفيلي ثنا الحسن بن الحر عن القاسم بن مخيمرة قال: ((أخذ علقمة بيدي، فحدَّثَني أن عبدالله أخذ بيد عبدالله بن مسعود، بن مسعود أخذ بيده، وأن رسول الله فعلمنا التشهد في الصلاة)) الحديث، وفيه ((وإذا قلت هذا - أو قضيت هذا - فقد قضيت صلاتك، إن شئت أن تقوم فَقُمْ، وإن شئت أن تقعد فاقعد)). فقوله: ((إذا قلت هذا ... )) إلى آخره، وصَلَه زهير بن معاوية بالحديث المرفوع في رواية أبي داود هذه، وفيما رواه عنه أكثر الرواة. قال الحاكم(٣) ذلك مدرج في الحديث من كلام ابن مسعود، وكذا قال البيهقي، والخطيب، وقال النووي في الخلاصة: ((اتفق الحفاظ على أنها مدرجة)) . (تنبيه): الإدراج في المتن على مراتب من جهة الكثرة والقلة : (١) انظر ((النكت)) (٢ / ٨٥٢) و((الفتح)) (٨ / ٧١٧) ك / التفسير، سورة (إقرأ باسم ربك الذي خلق) الحديث (٤٩٥٣). (٢) انظر ((السنن)) (١ / ١٤٨) برقم (١٠). (٣) انظر ((المعرفة)) للحاكم (ص ٣٩) ... ٣٤٣ الحديث المهرج ففي أول المتن يكون نادرًا جدًّا، وفي وسطه يكون نادرًا، وفي آخره يكثر، والله أعلم (١). المبحث الثالث - من مباحث الإدراج في المتن -: كيف يُعْرَف الإدراج في المتن ؟ الجواب : لمعرفة ذلك طريقان : على قواعد أهل الأولى : أن يستحيل إضافة ذلك إلى النبي العلم، ومثاله: حديث ابن المبارك عن يونس عن الزهري عن سعيد بن : ((للعبد المملوك المسيب عن أبي هريرة ◌ُه قال: قال رسول الله أجران، والذي نفسي بيده؛ لولا الجهاد في سبيل الله، والحج، وبر أمي؛ لأحببتُ أن أموت وأنا مملوك)) رواه البخاري عن بشير بن محمد عن ابن المبارك به. فهذا الفضل الذي في آخر الحديث لا يجوز أن يكون من قول النبي إذْ يمتنع أن يتمنى أن يصير مملوكًا، وأيضًا فلم يكن له أمٌ يَبَرُّها، بل هذا من قول أبي هريرة لله أُدْرِج في المتن(٢). الطريق الثانية : التنصيص على ذلك، وهذا إما أن يكون من الراوي الصحابي فمن دونه، أو بنص من أحد أئمة الحديث المطّلعين، ولا يكون هذا من الإمام إلا بجمع الطرق. ، ومثال تنصيص الصحابي : حديث ابن مسعود رظُه عن النبي ((من مات وهو لا يشرك بالله شيئًا؛ دخل الجنة، ومن مات وهو يشرك بالله (١) انظر ((النكت)) (٢ / ٨١٢). (٢) انظر ((النزهة)) (ص ١٢٥) و((الفتح)) (٥ / ٢٠٨ - ٢٠٩) ك / الخصومات، ب / العبد إذا أحسن عبادة ربه ... الحديث (٢٥٤٨). = ٣٤٤ الجواهر السليمانية شيئًا؛ دخل النار)) . هكذا رواه أحمد بن عبدالجبار العطاردي عن أبي بكر بن عياش بإسناده، ووهم فيه: فقد رواه الأسود بن عامر شاذان وغيره عن أبي بكر ـه يقول: «من بن عياش بإسناده إلى ابن مسعود، قال: سمعت رسول الله ((من مات جعل الله ندًّا دخل النار)) وأخرى أقولها، ولم أسمعها منه لا يجعل الله ندًّا دخل الجنة)). والحديث في ((صحيح مسلم)) من غير هذا الوجه عن ابن مسعود رضىعنه كلمة، وقلتُ أخرى ... فذكره(١). ولفظه قال رسول الله ومثال التنصيص من أحد الأئمة : حديث عبدالله بن خيران عن أنس بن سيرين أنه سمع ابن عمر يقول: ((طلقت امرأتي وهي حائض، فَذَكَر عمرَله ذلك للنبيِ﴾ فقال: (مُرْهُ فليراجعها، فإذا طَهُرَتْ؛ فليطلقها)) قال: فَتُحْسَب بالتطليقة؟ قال : ((فَمَهْ)) ؟ !! قال الخطيب: هذا مدرج، والصواب أن الاستفهام من قول ابن سيرين، وأن الجواب من ابن عمر بَيَّن ذلك محمد بن جعفر، ويحيى بن سعيد القطان، والنضر بن شميل في رواياتهم عن شعبة. قال الخطيب: ورواه بشر بن عمر الزهراني عن شعبة فوهم فيه وهمًا فاحشًا، فإنه قال فيه: قال عمر ظه يا رسول الله ... أفتحتسب بتلك . ((نعم)) : التطليقة ؟ قال : قال الحافظ : ((قلت: والحكم على هذا القسم الثالث بالإدراج بحسب (١) انظر ((الفصل للوصل المدرج في النقل)) للخطيب (١ / ٢١٨). ٣٤٥ - الحديث المخرج غلبة ظن المحدث الحافظ الناقد، ولا يوجب القطع بذلك، خلاف القسمين الأولين، وأكثر هذا الثالث يقع تفسيرًا لبعض الألفاظ الواقعة في الحديث، كما في أحاديث الشغار والمحاقلة .... )) اهـ ملخصًا مع تقديم وتأخير من ((النكت))(١). المبحث الرابع : الأسباب الحاملة على الإدراج : الزيادة في كلام النبي لم يتعمد الذين أدرجوا في حديث النبي وإنما دعاهم إلى الإدراج أسباب هي : ١- أن يريد الراوي بذلك تفسير بعض الألفاظ الغريبة الواقعة في الحديث النبوي، كما سبق عن الزهري في حديث التحنث. كما جاء ٢- أن يريد الراوي بذلك بيان حكم يُستنبط من كلام النبي في حديث بُسْرة : ((من مسَّ ذكره، أو أُنْثَيْه، أو رفغيه، فليتوضا)) فقد زاد عروة: ((أُنْثَيْه أو رفغيه)) كذا قال الخطيب(٢). قال السيوطي: ((فعروة لما فهم من لفظ الخبر أن سبب نقض الوضوء مظنة الشهوة؛ جعل حكم ما قَرُبَ من الذكر كذلك، فقال ذلك، فظن بعض الرواة أنه من صُلْب الخبر، فنقله مدرجًا فيه، وفهم آخرون حقيقة الحال، ففصلوا)). اهـ(٣). ٣- أن يقصد الراوي بذلك بيان حكم ما، ويُريد أن يستدل على ذلك ﴿ فيأتي به بلا فصل، فَيُتَوَهَّم أن الكل حديث. بقول النبي ومثاله: ما مرَّ من قول أبي هريرة: «أسبغوا الوضوء)). (١) (٢ / ٨١٢ - ٨١٨) وانظر ((الفصل للوصل)) (١ / ١٥٤ - ١٥٨). (٢) ((الفصل للوصل)) (١ / ٣٤٣ - ٣٤٧) برقم (٣٢). (٣) ((التدريب)) (١ / ٢٧). ٣٤٦ الجواهر السليمانية ٤- لا يُستبعد الإدراج عن غفلة من أحد الرواة، كما جرى لثابت بن موسى الزاهد في حديث سمعه من شريك، وسيأتي - إن شاء الله تعالى -. المسألة الرابعة: الإدراج في الإسناد : وفيها مبحثان : المبحث الأول: صور الإدراج في السند: قَسَّم الخطيب الإدراج في الإسناد إلى أربعة أقسام، ووافقه على ذلك ابن الصلاح. وقسمه الحافظ إلى خمسة أقسام، وهاك ملخصها : ١- أن يكون المتن مختلف الإسناد بالنسبة إلى أفراد رواته، فیرویه راوٍ واحد عنهم، فَيَحْمِل بعض رواياتهم على بعض، ولا يميز بينها. ٢- أن يكون المتن عند الراوي له بالإسناد إلا طرفًا منه، فإنه عنده بإسناد آخر، فيرويه بعضهم عنه تامًّا بالإسناد الأول. ومن ذلك: أن يكون المتن عند الراوي إلا طرفًا منه، فإنه لم يسمعه من شيخه فيه، وإنما سمعه من واسطة بينه وبين شيخه، فيدرجه بعض الرواة عنه بلا تفصيل، قال الحافظ: ((وهذا مما يشترك فيه الإدراج والتدليس)). اهـ قلت: والفرق بينهما أن في التدليس يكون الإيهام مقصودًا بخلاف الإدراج. ٣- أن يكون متنان مختلفَي الإسناد، فيدرج بعض الرواة شيئًا من أحدهما في الآخر، ولا يكون ذلك الشيء من رواية ذلك الراوي، ومن هذه ٣٤٧ الحديث المخرج الحيثية فارق القسم الذي قبله، أي أن الذي قبله أُدرج في طرف المتن فقط، وهنا أدرج فيه المتن الآخر كله، وهما حديثان مختلفان. ٤- ألا يَذْكُر المحدث متن الحديث، بل يسوق إسناده فقط، ثم يَقْطَعُه قاطع، فيذكر كلامًا، فيظن بعض من سمعه أن ذلك الكلام هو متن ذلك الإسناد. ومثاله: قصة ثابت بن موسى الزاهد مع شريك القاضي، وذلك ما رواه ابن ماجه عن إسماعيل بن محمد الطلحي عن ثابت بن موسى الزاهد عن شريك عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر مرفوعًا: ((من كثرت صلاته بالليل ؛ حَسُنَ وجْهُه بالنهار)) . قال الحاكم: دخل ثابت على شريك وهو يُمْلي، ويقول: حدثنا الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال: قال رسول الله ، وسَكَتَ ليكتب المُسْتَمْلِي، فلما نظر إلى ثابت ؛ قال: من كثرت صلاته بالليل، حسن وجهه بالنهار، وقصد بذلك ثابتًا؛ لزهده وورعه، فظن ثابت أنه متن ذلك الإسناد، فكان يحدث به، وقد جزم ابن حبان بأنه مدرج. اهـ. ملخصًا من ((النكت))(١). المبحث الثاني: كيف يُعْرف الإدراج في الإسناد؟ يُعْرف ذلك بتنصيص إمام، أو بجمع الطرق : قال الحافظ ابن حجر دَّفُ: ((والطريق إلى معرفة كونه مدرجًا: أن تأتي رواية مفصلة للرواية المدرجة، وتتقوى الرواية المفصلة بأن يرويه بعض الرواة مقتصرًا على إحدى الجملتين)). اهـ من ((النكت)(٢). (١) (٢ / ٨٣٢ - ٨٣٥) و((النزهة)) (ص ١٢٤). (٢) (٢ / ٨٣٦). ٠ ٣٤٨ الجواهر السليمانية المسألة الخامسة: حُكم الإدراج : قال ابن الصلاح كثّهُ: ((واعلم أنه لا يجوز تعمد شيء من الإدراج المذكور))، وتبعه على ذلك النووي، بل حكاه السيوطي إجماعًا عن أهل الحديث والفقه. وقال السمعاني وغيره : ((من تعمد الإدراج؛ فهو ساقط العدالة، وممن يحرف الكلام عن مواضعه، وهو مُلْحَقٌ بالكذابين)) وحجتهم في ذلك ما يتضمن الإدراج من عزو الشيء لغير قائله. وقال السيوطي : ((وعندي: أن ما أُدْرِج لتفسير غريب؛ لايُمْنع، ولذلك فَعَلَه الزهري وغير واحد من الأئمة)). اهـ (١). وقال السخاوي : ((وأسوؤه : ما كان من المرفوع مما لادَخْل له في الغريب المتسامح في خلطه والاستنباط)). أهـ (٢). والخلاصة: أن من أدخل ذلك قاصدًا أن يلبِّس على الناس دينهم؛ فهو كما قال العلماء، وأما من قصد الاستباط، أو الاستدلال، أو التفسير، ونحو ذلك؛ فهو مأجور بقصده، وكان الأولى به أن يفصل كلامه من كلام غيره، والله أعلم. (١) ((التدريب)) (١ / ٢٧٤). (٢) ((فتح المغيث)) (١/ ٢٩٢). ٣٤٩ معرفة المدنج معرفة المدبّج قال الناظم كثافة : ٢٧ - وما رَوَى كلُّ قرينٍ عن أَخِهْ مُدَبَّجُ فاعرِفْهُ حقًّا وانْتَخِهْ شرع الناظم في هذا البيت في الكلام على المدىَّج. وقوله: ((عن أَخِهْ)) بالقصر على اللغة المشهورة في الأسماء الخمسة، أي المساوي له في الأخذ عن الشيوخ. وقوله: ((فاعرفه)) أي : اعرف المدبج. وقوله: ((وانتخه)) أي: افتخر بمعرفته، إذا الانتخاء معناه: الافتخار والتعظم. انظر ((اللسان)) (١). وتحت هذا البيت عدة مسائل : المسألة الأولى: ما المراد بالأقران؟ لما كان تعريف المدبّج فرع عن معرفة الأقران؛ رأيت البدء بالكلام على الأقران، فأقول: الأقران: هم الرواة المتقاربون في السن، والإسناد، أَوْهُم: المتقاربون في السن، والأخذ عن الشيوخ، وقد يكتفي بعض العلماء بالتقارب في الإسناد فقط، وقد يكتفي بعضهم بالتقارب في السن فقط. قال الحاكم ((في معرفة علوم الحديث)): ((النوع السادس والأربعين(٢): (١) (١٥ / ٣١٣). (٢) (ص ٥٧٧) ط / دار ابن حزم. ٣٥٠ الجواهر السليمانية ... وإنما القرينان إذا تقارب سنهما وإسنادهما)). اهـ. هذا مع أن السخاوي ذكر : أن الحاكم يكتفي بالتقارب في الإسناد، وإن تفاوتت الأسنان(١). قال الحافظ في ((النزهة))(٢): ((فإن تشارك الراوي ومن روى عنه في أمر من الأمور المتعلقة بالرواية: مثل السن، واللَّقي، وهو الأخذ عن المشايخ؛ فهو النوع الذي يقال له: رواية الأقران)). اهـ واستظهر السخاوي أن لو حصلت المقاربة بالسن دون الإسناد؛ لكان ذلك كافيًا عند الحافظ(٣). ■ المسألة الثانية: تعريف المدلَّج : قال ابن الصلاح: ((المدبج : هو أن يروي القرينان كل واحد منهما عن الآخر)). وقد سبق الكلام عن معنى الأقران. فقوله: ((القرينان)) أخرج رواية ما عداهما: كرواية الأكابر عن الأصاغر، ورواية الآباء عن الأبناء. وقوله: ((كل واحد منهما عن الآخر)) أخرج رواية الأقران التي يروي فيها القرين عن قرينه، ولا يشترط فيها أن يروي القرين الآخر عن القرين الأول. إلا أن العراقي لم يرتض في تعريف المدنَّج الاقتصار على رواية الأقران بعضهم عن بعض، فقال: ((إنما المدبَّج: أن يروي كل من الروايَيْن (١) انظر ((فتح المغيث)) (٤ / ١٦٨). (٢) (ص ١٥٩). (٣) انظر ((فتح المغيث)) (٤ / ١٦٨). ٣٥١ معرفة المدنج عن الآخر، سواء كانا قرينين، أم كان أحدهما أكبر من الآخر، فيكون رواية أحدهما عن الآخر : من رواية الأكابر عن الأصاغر، فإن الحاكم نقل هذه التسمية عن بعض شيوخه من غير أن يسميهم، والمراد به الدارقطني، فإنه أحد شيوخه، وهو أول من سماه بذلك - فيما أعلم - وصنف كتابًا حافلًا سماه المدنَّج، ولم يتقيد في ذلك بكونهما قرينين، فإنه عن أبي بكر .... ذكر فيه رواية أبي بكر عن النبي ® ورواية النبي وذكر فيه رواية الصحابه عن التابعين الذين رووا عنهم ... كرواية عمر عن كعب الأحبار، ورواية كعب عن عمر ... وذكر فيه رواية التابعين عن أتباع التابعين، كرواية عبدالله بن عون، ويحيى بن سعيد الأنصاري عن مالك، ورواية مالك عن كل منهما ... )) إلى أن قال: ((فهذا يدل على أن المدَّبج لا يختص بكون الراويين اللذين روى كل منهما عن الآخر قرینین، بل الحكم أعم من ذلك، والله اعلم اهـ من ((التقييد والإيضاح))(١). هذا واستظهر الحافظ أن الشيخ إذا روى عن تلميذه؛ لا يسمى مدبَّجًا، مع كون كل منهما روى عن الآخر، وجعله من رواية الأكابر عن الأصاغر، انظر ((النزهة))(٢). المسألة الثالثة: فوائد معرفة هذا النوع : قال السخاوي : ما خلاصته : ١- الأمْن مِنْ ظَنِّ الزيادة في الإسناد . ٢- الأمْن مِنْ ظَنِّ إبدال الواو بـ ((عن)) إذا كان بالعنعنة . ٣- الحرص على إضافة الشيء لراويه، والرغبة في التواضع في (١) (ص ٣٣٣ - ٣٣٤). (٢) (ص ١٦٠). = ٣٥٢ الجواهر السليمانية العلم .اهـ. من كلام السخاوي ((فتح المغيث))(١). ٤- ويضاف إلى ذلك: أن في رواية القرين عن قرينه إشارة إلى ما عند الشيخ منهما من بعض وجوه الترجيح: قال العراقي: ((فإن الإسناد الذي يحتج فيه قرينان، أو أحدهما أكبر، والآخر من رواية الأصاغر عن الأكابر؛ إنما يقع ذلك غالبًا فيما إذا كانا عالميْن، أو حافظيْن، أو فيهما أو في أحدهما نوع من وجوه الترجيح، حتى عدل الراوي عن العلو للمساواة أو النزول لأجل ذلك)). اهـ ((التقييد))(٢). (تنبيه) : يكون المدبَّج تارة مباشرة بدون واسطة - وهذا هو الأكثر - وتارة يكون بواسطة، كرواية الليث عن يزيد بن الهاد عن مالك، ورواية مالك عن يزيد عن الليث، انظر ((القلائد العنبرية)) للزبيدي(٣). والله أعلم. (١) (٤ / ١٦٨، ١٧١ - ١٧٢). (٢) (ص ٣٣٥). (٣) (ص ٩٤). , ٣٥٣ معرفة المتفق والمفترق معرفة المتفق والمفترق قال الناظم كافة : ٢٨- مُؤْتَلِفٌ لفظًا وخظًّا مُتَّفِقْ وضِدُّه فيما ذَكَرنا المُفْتَرِقْ تكلم الناظم في هذا البيت على نوع من أنواع علوم الحديث، وهو ((المتفق والمفترق)) وهو خاص بالرواة، وهو قسم واحد لا قسمان، كما يوهمه قول الناظم: ((وضده فيما ذكرنا المفترق)) وفي البيت تقديم وتأخير، وتقديره: الحديث المتفق والمفترق هو ما اتفق لفظه وخطه، وافترقت مُسَمَّياتُه، وسواء كان الاتفاق في الاسم، أو في الكنية، أو في النسب، ونحو ذلك، وهو الذي يتفق لفظًا وخطًا. وتحت هذا البيت عدة مسائل : ■ المسألة الأولى : تعريف الحديث المتفق والمفترق : قال الحافظ ابن حجر: ((ثم الرواة إن اتفقت أسماؤهم، وأسماء آبائهم فصاعدًا، واختلفت أشخاصهم، فهو المتفق والمفترق)) اهـ ملخصًا من ((النزهة))(١). ٠ وقال السخاوي: ((وهو ما لفظه وخطه متفق، لكن مفترق إذا كانت مُسمياته لعدة)). اهـ. من ((فتح المغيث))(٢). فخلاصة الأمر: أن المتفق والمفترق : هو اتفاق الأسماء، أو الكنى، أو الأنساب، ونحو ذلك، مع اختلاف الأعيان، مثل الخليل بن أحمد: (١) (ص ١٧٥). (٢) (٤ / ٢٦٧). ٠ = ٣٥٤ الجواهر السليمانية فهناك ستة أشخاص يُسَمَّوْن بهذا الاسم، إلا أن أشخاصهم مختلفة. ■ المسألة الثانية : أقسامه : ١- أن تتفق أسماؤهم وأسماء آبائهم خاصة : وذلك كالخليل بن أحمد، فهم ستة، ومنهم شيخ سيبويه صاحب النحو والعروض. ٢- أن تتفق أساؤهم وأسماء آبائهم وأجدادهم : كأحمد بن جعفر بن حمدان، وهم أربعة، وكلهم يروون عمن يُسَمَّى عبدالله، وفي عصر واحد، أحدهم: القطيعي أبو بكر، الذي يروي عن عبدالله بن أحمد بن حنبل. ٣- ما اتفق في الكنية والنسبة : كأبي عمران الجوني، اثنان: عبدالملك التابعي، وموسى بن سهل البصيري. ٤- ما اتفق في الاسم واسم الأب والنسبة : وهما اثنان متقاربان في الطبقة، وهما من الأنصار. فالأول: القاضي أبو عبدالله محمد بن عبدالله بن المثنى بن عبدالله ابن أنس بن مالك الأنصاري البصري. والثاني : أبو سلمة محمد بن عبدالله بن زياد الأنصاري البصري، ضعيف، وقد اشتركا في الرواية عن حميد الطويل، وسليمان التيمي، ومالك بن دينار، وقرة بن خالد. ٥- أن تتفق كناهم وأسماء آبائهم : كأبي بكر بن عياش: ثلاثة، ومنهم أبو بكر بن عياش سالم الأسدي ٣٥٥ معرفة المتفق والمفترق الكوفي راوي قراءة عاصم. ٦- أن تتفق أسماؤهم وكنى آبائهم - وهو عكس الخامس - كصالح بن أبي صالح، وهم أربعة، ومنهم : صالح بن أبي صالح المدني مولى أمه التوأمة أمية بن خلف الجمحي، يروي عن أبي هريرة وابن عباس وغيرهما من الصحابة، وصالح بن أبي صالح ذكوان السمان يروي عن أنس. ٧- أن تتفق أسماؤهم، أو كناهم، أو نسبتهم : كحماد، وهما اثنان: حماد بن زيد وحماد بن سلمة. وعبدالله: قال سلمة بن سليمان : إذا قيل بمكة : عبدالله؛ فهو ابن الزبير، أو بالمدينة؛ فابن عمر، أو بالكوفة؛ فابن مسعود، أو بالبصرة ؛ فابن عباس، أو بخراسان ؛ فابن المبارك. ٨- الاتفاق في النسب لفظًا، والافتراق فيه، أي أن ما نُسِبَ إليه أحدهما غير ما نسب إليه الآخر : كالحنفي، نسبة إلى بني حنيفة، وإلى المذهب. ومن الأول: أبو بكر عبدالكبير بن عبدالمجيد الحنفي، وأخوه عبيدالله، أخرج لهما الشيخان. ٩- زاد السخاوي: أن يتفق اسم أب الراوي، واسم شيخه مع مجيئهما معًا مهملين من نسبةٍ يتميز أحدهما بها عن الآخر، كالربيع بن أنس عن أنس، هكذا يأتي في الروايات، فَيُظَنُّ أنه يروي عن أبيه، كما وقع في (الصحيح)) عن عامر بن سعد عن سعد، وهو أبوه. وليس أنس شيخ الربيع ووالده، بل أبوه بكري، وشيخه أنصاري، وهو أنس بن مالك الصحابي الشهير، وليس المذكور من أولاده. اهـ. ملخصًا =(٣٥٦ الجواهر السليمانية من ((فتح المغيث))(١). (تنبيه): يتضح مما سبق أنه يُشْتَرط في تسمية هذا النوع أن يكون الرواة المتفقة أسماؤهم في طبقة واحدة. قال السيوطي : ((وإنما يحسن إيراد ذلك فيما إذا اشتبه الراويان المتفقان في الاسم لكونهما متعاصرين، واشتركا في بعض شيوخهما أو في الرواة عنهما)). اهـ. من ((التدريب))(٢). قال السخاوي: ((والمهم منه من يكون في مظنة الاشتباه ؛ لأجل التعاصر، أو الاشتراك في بعض الشيوخ، أو في الرواة)). اهـ. وقال: ((وتتبع المتباعدين في الطبقة ليس فيه كبير طائل)). اهـ. ((فتح المغيث))(٣). المسألة الثالثة: فائدة معرفة هذا النوع : قال السخاوي ◌َّفُ : ((وفائدة ضبطه: الأمْنِ مِنْ اللبس، فربما ظُنَّ الأشخاص شخصًا واحدًا ..... وربما يكون أحد المشتركين ثقة والآخر ضعيفًا، فيضعف ما هو صحيح، أو يصحح ما هو ضعيف)). اهـ. من ((فتح المغيث))(٤). ولخَطَرَه قال ابن الصلاح: ((وَزَلَق بسببه غير واحد من الأكابر، ولم يَزَلْ الاشتراكُ مِنْ مظان الغلط في كل عِلْم)). اهـ(٥) .. (تنبيه) : قال الحافظ ابن حجر بعد كلامه على هذا النوع : ((وهذا (١) (٤ / ٢٨٤). (٢) (٢ / ٨٢٠). (٣) (٤ / ٢٧٢). (٤) (٤ / ٢٦٦ - ٢٦٧). (٥) انظر ((المقدمة)) (ص ٤٠٤ - ٤٠٦) مع ((التقييد)). ٣٥٧ معرفة المتفق والمفترق عكس ما تقدم من النوع المسمى بالمهمل؛ لأنه يُخْشى منه أن يُظَن الواحد اثنين، وهذا يُخْشى منه أن يُظَن الاثنان واحدًا)). اهـ(١). (تنبيه آخر): المهمل: هو أن يتفق راويان - أو أكثر - في الاسم ولم يتميزا بما يخص كلَّ منهما عن الآخر. مثاله : ما وقع في صنيع البخاري من روايته عن أحمد غير منسوب عن ابن وهب، فإنه إما أحمد بن صالح، أو أحمد بن عيسى، فهذا هو المهمل، والله أعلم (٢). (١) انظر ((النزهة)) (ص ١٧٦). (٢) انظر ((النزهة)) (ص ١٦٣ - ١٦٤). ٣٥٨ الجواهر السليمانية معرفة المؤتلف والمختلف قال الناظم تختفر : ٢٩- مُؤْتَلِفٌ متفقُ الخطّ فَقَطْ وضِدُّه مُخْتَلِفٌ فاخْشَ الغَلَظْ شرع الناظم في تبيين نوع قريب من النوع الذي قبله، وهو ((المؤتلف والمختلف)) إلا أن عبارة الناظم توهم بأنهما قسمان لا قسم واحد، فقوله ((وضده ... )) يوهم بأن المؤتلف قسم، والمختلف قسم، والحقيقة أنهما قسم واحد، فتنبه. وقوله: ((فاخش الغلط)) أي احذر من الوقوع في التصحيف، فإنه فنٌّ مهم لا يدخله القیاس، وليس قبله شيء يدل عليه ولا بعده، حتى يُخكم في ذلك بالسياق. وتحت هذا البيت عدة مسائل : المسألة الأولى : تعريف المؤتلف والمختلف : وهو: ((ما اتفقت في الخط صورته، واختلفت في اللفظ صيغته)). مثاله : سلَّام وسلام، عُمارة وعِمارة، حزام وحرام، عباس وعياش ... الخ. فأنت ترى كيف اتفقت هذه الأسماء في الخط، واختلفت في النطق. المسألة الثانية: صُوَر المؤتلف والمختلف : للمؤتلف والمختلف صور متعددة، منها : ١- المؤتلف في صورة حروفه، والمختلف في شكله أو ضبطه : ٣٥٩ معرفة المؤتلف والمختلف =( مثاله: ((سَلَّام)) و(سلام)) فاختلف الثاني عن الأول بالشكلة، وهي الشَّدة في اللام، ومثله: ((بَشير)) و((بُشَيْرِ)) و((حَميد)) و((حُمْيد)). ٢- المؤتلف في صورة حروفه، والمختلف في إعجامها : مثل: ((خازم)) و((حازم)) و((حُضَيْن)) و((حُصَيْن)). ٣- المؤتلف في صورة الخط، والمختلف في بعض الحروف : مثل: ((حبَّان)) و((حيَّان)) اتفقا في صورة الخط، إلا الباء الموحدة، والمثناة التحتية . المسألة الثالثة : أقسامه من حيث إمكان ضبطه وعدمه : ينقسم المؤتلف والمختلف إلى قسمين : ١- ما ينضبط لقلة استعمال أحد المشتبهين. ٢- مالا ضابط له يُرجَعْ إليه لكثرته، وإنما يُعْرَف ذلك بالنقل والحفظ: ((كأسِيْد)) و((أُسَيد))، و((حِبَّان)) و((حَبَّان)) و((حيَّان)). فالذي له ضابط ينقسم إلى قسمين، ذكرهما ابن الصلاح وغيره، وهما : ١- ماله ضابط على العموم: بأن يقال: ليس في الاسم الفلاني، على الوجه الفلاني، إلا كذا، والباقي كذا. مثاله: ((سلَّام)) كله مشدد إلا خمسة وهم : أ- والد عبدالله بن سلام. ب- ومحمد بن سلام البخاري - على الصحيح -. ج. وسلام بن محمد بن ناهض . ٥- وجَدُّ محمد بن عبد الوهاب بن سلام المعتزلي الجُبَّائي. )= ٣٦٠ الجواهر السليمانية هـ - وسَلام بن مشكم . ٢- ماله ضابط على الخصوص ((بالصحيحين)) و ((الموطأ)) بأن يقال: ليس في الكتب الثلاثة فلان إلا كذا . مثاله: ((يَسار)) كله بالمثناة، ثم المهملة، إلا محمد بن بشار؛ فبالموحدة والمعجمة، وفيهما سيار بن سلامة، وابن أبي سيار - بتقديم السين -. اهـ. ملخصًا من كلام ابن الصلاح في ((المقدمة))(١). المسألة الرابعة: أهمية العلم بهذا النوع : قال ابن الصلاح: ((هذا فَنَّ جليل، من لم يعرفُهُ من المحدثين؛ كثر عِثَاره، ولم يُعْدَم مخجَّلًا، وهو منتشر لا ضابط لأكثره يُفْزَع إليه، وإنما يضبط بالحفظ تفصيلًا)). اهـ(٢). قال الحافظ ابن حجر : ((ومعرفته من مهمات هذا الفن، حتى قال علي بن المديني: ((أشد التصحيف ما يقع في الأسماء)) وَوَجَّهَه بعضهم بأنه شيء لا يَدْخُلُه القياس، ولا قبله شيء يدل عليه ولا بعده)). اهـ (٣). (فائدة) : أول من صَنَّفَ في ((المؤتلف والمختلف)) هو أبو جعفر محمد بن حبيب البغدادي في كتاب ((المؤتلف والمختلف)» في أسماء القبائل، إلا أنه عام، أما أول من أَلَّف في ((المؤتلف والمختلف)) فيما يتعلق بأسماء المحدثين: هو عبدالغني بن سعيد. (تنبيه): هناك نوع يُذْكَر مع النوعين المتقدمين، هو ما يُسَمَّى بـ ((المتشابه)) وهو يتركب من النوعين اللذين قبله. (١) (ص ٣٨١ - ٣٩٠) مع ((التقييد)). (٢) (ص ٣٨١) مع ((التقييد)). (٣) ((النزهة (((ص ١٧٦ - ١٧٧).