النص المفهرس
صفحات 301-320
٣٠١ الحديث الشاذ (فائدة) : جاء ما يدل على أن الحاكم قد يطلق الشذوذ على تفرد الثقة، ولا يقصد به الرد لحديثه، وذلك ما جاء في كتابه ((المدخل إلى الإكليل))(١) حيث قَسَّم الصحيح إلى عشرة أقسام : خمسة متفق عليها، وخمسة مختلف فيها، وجعل القسم الخامس من المتفق عليها : الأحاديث الأفراد الغرائب، التي يرويها الثقات العدول، تفرد بها ثقة من الثقات. الخ. ورمز لها في آخر الكتاب في قسم الرُّموز بـ (ص ش) - يعني - صحيح شاذ، فهذا يدل على أنه قد يطلق الشاذ على غرائب الصحيح، ويريد مجرد التسمية فقط، ولا مشاحة في التسمية، وإلى ذلك أشار الحافظ في ((النكت))(٢). القول الثالث : تعريف الشافعي كَفُ فقد قال : «ليس الشاذ من الحديث: أن يروي الثقة مالايرويه غيره، هذا ليس بشاذ، إنما الشاذ: أن يروي الثقة حديثًا يخالف فيه الناس))(٣). اهـ وقد وقفتُ على كلام الشافعي في ((آداب الشافعي ومناقبه)) لابن أبي حاتم(٤) وفيه: ((ليس الشاذ من الحديث : أن يروي الثقة حديثًا لم يروه غيره، إنما الشاذ من الحديث : أن يروي الثقات حديثًا، فيشذ عنهم واحد، فيخالفهم)) . قال أبوحاتم : حدثنا أبي ثنا يونس بهذا عن الشافعي، وزاد فيه : ((إنما الشاذ: أن يروي الثقات حديثًا على نصِّ، ثم يرويه ثقة خلافًا لروايتهم، (١) (٢ / ٩١) ضمن ((مجموع الرسائل الكمالية)). (٢) (٢ / ٦٧٠ - ٦٧١). (٣) انظر ((معرفة علوم الحديث)) للحاكم (ص ١١٩). (٤) (ص ٢٣٣، ٢٣٤). = ٣٠٢ الجواهر السليمانية فهذا الذي يقال: شذَّ عنهم)). اهـ وفي هذا التعريف زيادة على ما سبق من تعاريف: حيث قَيَّدَ الشافعي الشذوذ بالمخالفة، ومراعاة المخالفة في الشذوذ أشهر من مجرد التفرد، إلا أنه مع ذلك يرد عليه إيراد يسير: وهو تقييده المخالف بالثقة، وظاهره أن من دون الثقة - كالصدوق - ونحوه لاتسمی مخالفته شذوذًا. ولعله يريد كل من يُوثَق به، سواءً كان في مرتبة الصحيح أو الحسن، ولأجل هذا عَبَّر الحافظ ابن حجر في تعريفه للشاذ بما يُحْتَرزُ به من هذا الإيراد - كما سيأتي -. القول الرابع: تعريف الحافظ ابن حجر كثّفُ وقد قدَّمته على ما بعده لصلته بكلام الشافعي، قال الحافظ في تعريف الشاذ: ((مخالفة المقبول لمن هو أولى منه))(١). فذَكَر ((المقبول)) ليشمل كل من يُقْبَل بذاته، سواء كان من مرتبة الصحيح أو الحسن. وقوله: ((لمن هو أولى منه)) أدق من قول الشافعي ((للثقات)) أو (للناس)) ليدخل في ذلك الواحد إذا كان أعلى في الوصف من مخالفه، لأنه لا يلزم في الشذوذ مخالفة العدد، ولهذا كان تعريف الحافظ أدق التعاريف، وإن كان من راعى في التعريف مجرد التفرد قد سُبق إلى استعمال الشذوذ في التفرد من بعض أهل العلم، والله أعلم. والمقصود بالمخالفة - هنا - : أيُّ زيادة في الألفاظ تحمل زيادة في المعنى؛ فهي زيادة شاذة، سواء أمكن الجمع بينها وبين الأصل أم لا، هذا الذي عليه المحققون من أهل العلم بالحديث، أما من اشترط في الحكم (١) ((النزهة)) (ص ٩٨). ٠ ٣٠٣ الحديث الشاذ عليها بالشذوذ: أن تكون منافية للأصل، منافاة تامة، بحيث لا يمكن الجمع بينهما ؛ فهذا غير صحيح، بل لا أعرف زيادة شاذة لا يمكن الجمع بينها وبين الأصل على طريقة الفقهاء والأصوليين، وكتب العلل مليئة بأحكام الأئمة بالشذوذ على زيادات لا تتنافى مع أصل الحديث، بل بعضها من لوازم العمل بالأصل، كزيادة: ((فَلْيُرِقْه)) في حديث التطهير من ولوغ الكلب، فإنَّ غَسْلَ الإناء لا يكون إلا بعد إراقة ما فيه، ومع ذلك فقد حكم بعض العلماء بشذوذ هذه الزيادة، والله أعلم. القول الخامس : تعريف ابن الصلاح والنووي وغيرهما : وخلاصته أنهم قسموا الشاذ إلى قسمين : ١- مخالفة الراوي لمن هو أولى منه، أو أحفظ وأضبط. ٢- تفرد الضعيف (١). فقولهم في القسم الأول : ((مخالفة الراوي)) يشمل عندهم مخالفة الثقة والضعيف، لأن الشاذ والمنكر عندهم سيان. وقولهم في القسم الثاني : ((تفرد الضعيف)) قد يُشْكل عليه: أن الشاذ ضَعْفُه شديد، لا يصلح في الشواهد والمتابعات، فكيف يسمى تفرد الضعيف شاذًّا، والضعيف يستشهد به ؟ ويجاب عن هذا الإشكال: بأن المراد بالشاذ الذي لا يُستشهد به : الشاذ الذي هو فرعٌ عن مخالفة الأولى، فهذا خطأ مردود، لا يستشهد به، أما إذا كان فرعًا عن تفرد ضعيف؛ فإن ضعفه خفيف، وإن سُمِّي شاذًّا على هذا المذهب، فإن وجدنا شاهدًا له ؛ زال عنه اسم الشذوذ والنكارة، واحتُجَّ به، والله أعلم. (١) انظر كلام ابن الصلاح في ((المقدمة)) (ص ١٠٤) مع ((التقييد)) وانظر كلام النووي في ((الإرشاد)) (١ / ٢١٧ - ٢١٨) وبنحوه كلام ابن كثير، والعراقي، وابن الملقن. ٣٠٤ الجواهر السليمانية المسألة الثانية: ما اسم الحديث المقابل الشاذ؟ ذكر الحافظ ابن حجر كلّفُ أن عكس الحديث ((الشاذ)) يقال له : ((المحفوظ)) كما يقال لعكس ((المنكر)): ((المعروف)) (١) اهـ وليس هذا مطردًا، فقد يطلقون ((المحفوظ)) مقابل ((المنكر))، و((المعروف)) مقابل ((المحفوظ))، والله أعلم. اهـ ■ المسألة الثالثة: هناك حالات يقبل فيها العلماء رواية الثقة؛ وإن خالف من هو أوثق منه، منها : الأولى : أن يكون الراوي من أثبت الناس في الشيخ المختلَف عليه، فتُقبل روايته - في الجملة - وإن خالف أكثر منه عددًا أو وصفًا. الثانية : أن يكون المخالف من الأئمة المشاهير، انظر ((شرح العلل)) لابن رجب(٢). الثالثة : أن يأتي راوٍ آخر - غيرُ الثقة المخالف، وغير الجماعة الذين خالفوه - فيروي الحديث على الوجهين، كما لو روى جماعة حديثا عن مالك عن نافع عن ابن عمر، وخالفهم ثقة فرواه عن مالك عن سالم عن ابن عمر، فجاء من طريق ثالثة عن مالك عن سالم ونافع عن ابن عمر، دل هذا على هذا أن رواية المخالف الذي سَمَّى سالمًا محفوظة، والله أعلم. الرابعة : أن يكون الشيخ المختلف عليه مكثرًا واسع الرواية، فيمكن أن يُحمل الحديث على ما رواه الفرد والجماعة، وانظر ((شرح علل الترمذي))(٣). (١) ((النزهة)) (ص ٩٧). (٢) (١ / ٧١٩). (٣) (١ / ٩١٧) و((النكت)) (٢ / ٧٨٥). ٣٠٥ الحديث الشاذ الخامسة : أن يكون لهذا المخالف رواية أخرى يوافق فيها رواية الجماعة الذين خالفهم، فهذا يدل على أن عنده ما عندهم، بل عنده زيادة علم ليست عندهم، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، وكأنه يقول لمن هو أولى منه: أعلم ما عندكم، إلا أنني وقفتُ على ما لم تقفوا عليه أيضًا. السادسة : أن يكون المخالف من الصحابة، فإن زيادة الصحابي على غيره من الصحابة مقبولة باتفاق المحدثين، كما نقل ذلك العلائي في ((نظم الفرائد)) وابن حجر في ((النكت))(١) والسخاوي في ((فتح المغيث))(٢). السابعة : أن يكون المخالف صاحب كتاب، وحدث من كتابه، ومن خالفه لیس کذلك. الثامنة : إذا احتف حديث المخالف بقرائن خارجية، تدل على أن الحديث محفوظ، كأن يروي مع الحديث قصة، وقد ذَكَرْتُ غالب هذه الحالات مع الأمثلة في ((الإتحاف))(٣). التاسعة : إذا روى الجماعة عن مدلس بالعنعنة، ورواه عنه واحد، فصرَّح في رواية المدلس بالسماع من واسطة عن شيخه في رواية الجماعة أو الأوثق، قُبلت رواية الواحد، كما في رواية جماعة عن هشيم عن إسماعيل بن أبي خالد، ورواه خالد بن القاسم المدائني عن هشيم عن شريك عن إسماعيل، ورجح بعض العلماء رواية خالد، انظر ((علل الدار قطني)»(٤). العاشرة : إذا كان الإسناد يدور على راوٍ، وقد عُرف بأن هذا الراوي (١) (٢ / ٩١ ٦ - ٦٩٢). (٢) (١ / ٢٥٣). (٣) (٢ / ٧٤ - ٨٠) السؤال (٢٦). (٤) (٤ / ٨٩٠٥ / أ) اهـ نقلًا من حاشية ((مسائل أبي داود لأحمد)) (ص ٣٨٨). ٣٠٦ الجواهر السليمانية إذا شك في الحديث ؛ نقص منه، وروى عنه جماعة أو الأحفظ الحديث ناقصًا، ورواه واحد عنه تامًّا، فقد يُحمل الحديث على الوجهين، ويقال : هذا من تصرف الشيخ الذي يدور عليه السند، كما عُرف من شأن مالك وغيره، انظر ما يشير إلى هذا في ((شرح السنة)) للبغوي(١). (تنبيه) : هل الحالات العشر السابقة مطردة : فحيثما وقفنا على ذلك ؛ قَبلْنا رواية الواحد، أم المخالف للأَوْلى ؟ الجواب : معظم هذه الحالات غير مطردة، فقد وقفت على بعض هذه الحالات في كتب العلل، ولم يراع الدارقطني وغيره هذه الحالات في بعض المواضع، وإن عملوا بها في مواضع أخرى، فلعلهم يراعون قرائن أخرى في كل حديث حديث، وأما زيادة الصحابي عن غيره من الصحابة ؛ فقد سبق اتفاق المحدثين على قبولها. والخلاصة : أننا إذا وقفنا على إعمال إمام لشيء من هذه الحالات ؛ قبلنا ذلك، أو كان هناك من العلماء النقاد من صَحَّح الحديث بالوجهين، ولم يذكر دليله على ذلك، ثم وقفنا على شئ من هذه الحالات؛ فيقال حينذاك : لعل الإمام صحح هذا لهذا، وكذا إذا كانت هناك قرائن تدل على صحة إعمال هذه الحالات - مالم يعارض كلام الأئمة المتأهلين في هذا الفن - وإلا ففي النفس شيء من طرد جُلِّ هذه الحالات، والله أعلم . ■ المسألة الرابعة: هل يصلح الشاذ في الشواهد والمتابعات ؟ الجواب : لا يصلح الشاذ في الشواهد والمتابعات، شريطة إذا كان الشذوذ فرعًا عن المخالفة، بخلاف مطلق تفرد الضعيف، كما سبق، وانظر التفصيل في ((إتحاف النبيل))(٢). (١) (١ / ٢٥٥ - ٢٥٦). (٢) (١ / ١٤٤) ضمن السؤال (١٨). ٣٠٧ الحديث المقلوب 1 الحديث المقلوب .... والمقلوبُ قِسْمانِ تَلَا ٢١- ٢٢ - إبدالُ راوٍ ما براوٍ قِسْمُ وقَلْبُ إسنادٍ لمتنٍ قِسْمُ بعد الانتهاء من الكلام على الشذوذ، شرع الناظم في الكلام على الحديث المقلوب مُبَيِّنًا أنه ينقسم إلى قسمين : وقوله: ((تلا)) بمعنى ((تبع)) وهو تتميم للبيت فقط. وقوله : ((ما برارٍ ... )) يجوز أن تكون ((ما)) زائدة، ويجوز أن تكون في موضع جرِّ نعت ((راوٍ))، وقد قال الشيخ ابن عثيمين كَُّ في شرحه: ((ما)) هنا نكرة واصفة، ومعنى نكرة واصفة: أي أنك تقدر ((ما)) بـ ((أي)) والتقدير: إبدال راوٍ برأو)) ا.هـ ((شرح البيقونية))(١). وسيكون الكلام على هذا النوع - بإذن الله - فى عدة مسائل، منها : ■ المسألة الأولى : تعريف الحديث المقلوب : القلب لغة: صرف الشئ عن وجهه. واصطلاحًا: ينقسم المقلوب إلى قسمين : (١) مقلوب السند. (٢) مقلوب المتن. ) أما مقلوب السند: فتعريفه كما قال الحافظ ابن حجر تظلّفهُ : (١) (ص ٧١). = ٣٠٨ الجواهر السليمانية ((وحقيقته إبدال مَنْ يُعْرَف بروايةٍ بغيره)). اهـ. من ((النكت))(١). وقال السخاوي كتََّفهُ : ((وحقيقة القلب: تغيير مَنْ يُعْرَف برواية ما بغيره عمدًا، أو سهوًا)). اهـ. ((فتح المغيث))(٢). وهو على ضربين : أ - جزئي : وهو إبدال راوٍ براوٍ. ب- كُلِّي: وهو أن يُؤْخَذ إسناد متن؛ فَيُجْعَل على متن آخر، وبالعكس. والأول - وهو مقلوب الإسناد الجزئي - ينقسم إلى أقسام : ١- أن يكون الحديث مشهورًا براوٍ، فَيُجْعَل مكانه آخر في طبقته، كأن يكون الحديث معروفًا برواية سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة اته، فيجعل من رواية الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة. ٢- أن يُقَدِّم الراوي ويُؤَخِّر في اسم أحد الرواة، واسم أبيه، مع كونهما في طبقة واحدة، ككعب بن مُرَّة، فيجعله الراوي: مُرّة ابن كعب(٣). ٣- أن يقدم ويؤخر راويًا عن طبقته في السند، ومثاله: ما رواه ابن أبي حاتم في ((العلل))(٤) من حديث سفيان عن حكيم بن سعد عن عمران بن ظبيان عن سلمان، فقال أبوحاتم : هذا الإسناد مقلوب، إنما هو سفيان عن عمران بن ظبيان عن حكيم بن سعد عن سلمان». اهـ. أما الثاني - وهو مقلوب الإسناد الكلي - فهو أن يُؤْخَذَ إسناد متن (١) (٢ / ٨٦٤). (٢) (١ / ٣١٨). (٣) انظر ((شرح النزهة)) للقاري (ص ٤٧٦). (٤) برقم (١٨٥). ٣٠٩ الحديث المقلوب فيُجْعَل على متن آخر، وبالعكس. ومثاله : ما رواه ابن عدي(١) قال: سمعت عدة مشائخ يحكون أن محمد بن إسماعيل البخاري قدم بغداد، فسمع به أصحاب الحديث، فاجتمعوا، وعمدوا إلى مائة حديث، فقلبوا متونها وأسانيدها، وجعلوا متن هذا الإسناد لإسناد آخر، وإسناد هذا المتن لمتن آخر، ودفعوه إلى عشرة أنفس، إلى كل رجل عشرة، وأمروهم إذا حضروا المجلس يلقون ذلك على البخاري، وأخذوا الوعد للمجلس، فحضر المجلس جماعة أصحاب الحديث من الغرباء، ومن أهل خراسان وغيرها من البغداديين، فلما اطمأن المجلس بأهله، انْتُدِب إليه رجل من العشرة، فسأله عن حديث من تلك الأحاديث، فقال البخاري: لا أعرفه، فسأله آخر، فقال: لا أعرفه، فما زال يُلْقِي عليه واحدًا بعد واحد، حتى فرغ من عشرته، والبخاري . يقول: لا أعرفه، فكان الفقهاء ممن حضر يلتفت بعضهم إلى بعض، ويقولون الرجل فَهِمَ، ومن كان منهم غير ذلك يقضي على البخاري بالعجز، والتقصير، وقلة الفهم(٢)، ثم انْتُدِب إليه رجل آخر من العشرة، فسأله عن حديث من تلك الأحاديث المقلوبة، فقال البخاري : لا أعرفه، فلم يَزَلْ يُلْقي إليه واحدًا بعد واحد، حتى فرغ من عشرته، والبخاري يقول : لا أعرفه، ثم انْتُدِبَ إليه الثالث، والرابع، إلى تمام العشرة، حتى فرغوا كلهم من الأحاديث المقلوبة، والبخاري لايزيدهم على: ((لا أعرفه)) فلما علم البخاري أنهم قد فرغوا؛ التفت إلى الأول منهم، فقال : أما حديثك الأول: فهو كذا، وحديثك الثاني فهو كذا، والثالث، والرابع على الولاء، حتى أتى على تمام العشرة، فَرَدَّ كل متنٍ إلى إسناده، وکل إسنادٍ إلى متنه، وفعل بالآخرين مثل ذلك، ورد متونَ الأحاديث كلَّها إلى (١) في ((أسامي من روى عنهم البخاري)) (ص ٦٢). (٢) وفي ((النكت)) (٨٦٩/٢): ((وقلة الحفظ)). = ٣١٠ الجواهر السليمانية أسانيدِها، وأسانيدَها إلى متونها، فأَقَرَّ له الناس بالحفظ، وأذعنوا له بالفضل)) اهـ قال الحافظ ابن حجر : ((سمعت شيخنا - يعني العراقي - غير مرة يقول : ما العجب من معرفة البخاري للخطأ من الصواب في الأحاديث لاتساع معرفته ؛ وإنما يُتَعجَّبُ منه في هذا لكونه حَفِظَ موالاة الأحاديث على الخطأ عن مرة واحدة)) اهـ ((النكت))(١). (فائدة): هذه القصة فيها جماعة مُبْهَمُون من شيوخ ابن عدي، وقد قررتُ في ((إتحاف النبيل))(٢): أن الجمع يجبر الجهالة في طبقتي التابعين وأتباعهم، وهذا في الحديث النبوي، وآثار الصحابة ظه وأتباعهم، أما هذه القصة فلا أرى الإبهام مانعًا من قبولها؛ لاشتهارها بين المصنفين في هذا الباب، والاحتجاج بها دون نكير، ولأنها موافقة لما هو مشهور من سعة اطلاع الإمام البخاري وحِفْظِه، فهذه القرائن تقوي رواية الجمع المبهم أيضًا، وقد أطلق السخاوي تصحيح القصة لانجبار الجهالة بالجمع حيث قال: ((ولا يضر جهالة شيوخ ابن عدي فيها؛ فإنهم عدد ينجبر به جهالتهم)). اهـ. من ((فتح المغيث))(٣). (تنبيه) : وقوعُ القلب في السند أكثر من وقوعه في المتن. • وأما: مقلوب المتن: قفال السخاوي: ((فحقيقته: أن يُعْطَى أحدُ الشيئين ما اشْتُهِر للآخر)) ، ونحوه قول ابن الجزري: ((هو الذي يكون على (١) (٢ /٨٦٩ -٨٧٠٠) وانظر ((هَذْي الساري)) (ص ٤٨٦). وقد أخرج هذه القصة من طريق ابن عدي غير واحد، منهم الخطيب في ((تاريخ بغداد)» (٢ / ٢٠ - ٢١). (٢) (٢ / ٢٤٠ - ٢٤٦) السؤال (٢٢٧). (٣) (١ / ٣٣٨). ٣١١ الحديث المقلوب وَجْهٍ، فينقلب بعضُ لفظه على الراوي، فيتغير معناه، وربما العكس)). اهـ (١). مثاله: ما رواه مسلم في السبعة الذين يُظِلَّهم الله في ظِلِّه، ومنهم: ((رجل تَصَدَّق بصدقة، فأخفاها؛ حتى لا تَعْلَم يمينُهُ ما تنفق شماله)) قال الحافظ: ((فهذا مما انقلب على أحد الرواة»، وإنما هو: ((حتى لا تَعْلَم شمالُه ما تنفق يمينُهُ))، كما في ((الصحيحين))(٢). وهذا من إبدال الكلمة بأخرى، ومنه إبدال جملة بأخرى، مثاله : ((كان ﴿ يقْضِي حاجته مستقبل القبلة، مُسْتَذْبِرَ الشام)). النبي وكذا يدخل فيه - قياسًا على مقلوب الإسناد الكلي - : جَعْلُ متن كاملٍ على إسناد آخر، انظر مثاله في ((النكت))(٣)، والله اعلم. (تنبيهات) : (التنبيه الأول) : لم يتعرض الناظم للكلام على مقلوب المتن، وإنما تكلم على القلب في الإسناد، ولعل ذلك لاختصاره في الكلام على علوم الحديث في منظومته، أولقلة وقوع القلب في المتن، والله أعلم. (التنبيه الثاني) : مقلوب المتن سماه بعضهم كابن الجزري بـ ((المنقلب))(٤)، وسماه البلقيني بـ ((المعكوس))(٥)، وسمى الحافظ المقلوب في الرواة بـ ((المُبْدَل))(٦). (١) انظر (فتح المغيث)) (١ / ٣٢٨). (٢) انظر ((النزهة)) (ص ١٢٦). (٣) (٢ / ٨٧٧). (٤) كما في منظومته، انظر ((الغاية)) (١ / ٣٤٣). (٥) انظر ((النكت)) (٢ / ٨٧٨) ويُنظر أين هو في ((محاسن الاصطلاح)). (٦) قاله السخاوي في ((الغاية)) (١ / ٣٤٦). = ٣١٢ الجواهر السليمانية (التنبيه الثالث) : هذا شكل يلخص لك ما سبق من أقسام المقلوب : المقلوب في الإسناد في المتن جزئي کلي كلي جزئي راو مشهور في رواية ما بغيره التقديم والتأخير كلمة جملة في اسم الراوي واسم أبيه بين الراوي وشيخه ٣١٣ الحديث المقلوب المسألة الثانية: الأسباب الحاملة على القلب، قسمان : ١- منها ما يقع عمدًا . ٢- ومنها ما يقع وهمًا. فالتي على سبيل التعمد هي : ١- بقصد الإغراب ؛ وذلك ليرغب الناس في روايته، والأخذ عنه. وذكر الحافظ أن ممن كان يفعل المقلوب بهذا القصد - على سبيل الكذب - : حماد بن عمرو النصيبي، أحد المذكورين بالوضع، كما وقع له في الحديث المعروف برواية سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة رفعه: ((إذا لقيتم المشركين في طريق؛ فلا تبدؤوهم بالسلام)) فجعله عن الأعمش عن أبي صالح؛ ليُغْرِب به، وهو لا يُعرف عن الأعمش. اهـ. ملخصًا من ((النكت))(١). وقال السخاوي: ((وقد قيل في فاعل هذا: ((يسرق الحديث)) وربما قيل في الحديث نفسه: ((مسروق)) وفي إطلاق السرقة على ذلك نظر، إلا أن يكون الراوي المُبْدَل به عند بعض المحدثين منفردًا به، فيسرقه الفاعل منه، وللخوف من هذه الآفة كَرِهَ أهل الحديث تَتَبُّع الغرائب. اهـ (فتح المغيث))(٢). ٢- بقصد الامتحان أو الاختبار لحفظ الطالب أو الشيخ، واختباره هل اختلط أم لا؟ وهل يقبل التلقين أم لا؟ كما وقع من ابن معين مع أبي نعيم الفضل بن دكين، وقد قال الحافظ في هذا النوع من القلب: ((وشرطه ألا يستمر عليه، بل ينتهي بانتهاء الحاجة)). اهـ. من (١) (٢ / ٨٦٤ - ٨٦٥). (٢) (١/ ٢٣٠) وانظر شيئًا من ذلك في ((الموقظة)) (ص ٦٠). ٣١٤ الجواهر السليمانية (نزهة النظر))(١). وهذا الشرط للسلامة من ظن أن الحديث على الوجه المقلوب، وهو لیس کذلك، والله أعلم. وأما القلب الذي وقع عن وهم: وقد يقع من الثقة لسهوه، فمثاله: ما حصل مع جرير، فقد روى عن ثابت عن أنس مرفوعًا: ((إذا أقيمت الصلاة؛ فلا تقوموا حتى تروني)) فقد انقلب الإسناد على جرير، وهو مشهور ليحيى بن أبي كثير عن عبدالله بن أبي قتادة عن أبيه عن النبي وقد يقع من الضعيف: وذلك لسوء حفظه، وبين هذا وما قبله فرق يسير، فإن الثقات منزَّهون عن سوء الحفظ من الناحية الاصطلاحية، وإلا فمن سها في موضع؛ فقد ساء حفظه فيه على وجه الخصوص، وإن لم يُظْلَق فيه القول بأنه سيء الحفظ، والله أعلم. ■ المسألة الثالثة : حكم حالات القلب : يختلف حكم القلب باختلاف قصد القالب، فإن كان قصده الإغراب حتى يرغب الناس في الرواية عنه، ويرحلوا إليه؛ فلا شك في حرمة ذلك، وهذا من عمل أهل الوضع والسرقة. أما إن كان المقصود منه الامتحان والاختبار؛ فقد اختلف أهل العلم في حکمه ما بین مجیز له ومانع منه. فقد استعمله بعض العلماء كحماد بن سلمة، وشعبة بن الحجاج، ویحیی بن معین، وغيرهم. (١) (ص ١٢٧). ٣١٥ الحديث المقلوب = وهناك من منعه كابن القطان؛ حيث قال: لا أستحله، وذلك لما يترتب عليه من تغليط من يمتحنه، واستمراره على رواية الخطأ؛ لظنه أنه صواب، وقد يسمعه من لا خبرة له؛ فيرويه ظنًّا منه أنه صواب(١). قال العراقي كثّفُ: ((وفي جوازه نظر، إلا أنه إذا فعله أهل الحديث لا یستقر حديثًا)). أي عليه أن يبين أنه قد قلبه للامتحان، لا أن الحديث على هذا الوجه، والله أعلم. قال السخاوي : ((وبالجملة فقد قال شيخنا - يعني الحافظ - إن مصلحته أي التي منها معرفة رتبته في الضبط في أسرع وقت - أكثر من مفسدته)) قال: ((وشرطه - أي الجواز -: أن لا يستمر عليه، بل ينتهي بانتهاء الحاجة)). اهـ. ((فتح المغيث))(٢). أما إن كان القلب من باب السهو والغلط؛ ففاعله معذور غير موزور، لكن إذا أكثر منه؛ فإنه يُخِلُّ بضبطه، وذلك على مراتب متفاوتة، والله أعلم. وقد لخص الحافظ تخلفُ أحكام المقلوب بقوله: ((فلو وقع الإبدال عمدًا - لا لمصلحة - بل للإغراب - مثلاً - فهو من أقسام الموضوع، ولو وقع غلطًا؛ فهو من المقلوب، أو المعلَّل)). اهـ ((النزهة))(٣). قال السخاوي: ((بل هو کالموضوع)) (٤) اهـ. وكأن السخاوي نظر إلى أن الوضع يُظْلَق على الاختلاق والافتعال (١) ((فتح المغيث)) (١ / ٣٢٢). (٢) (١٢٧/١). (٣) (ص ١٢٧). (٤) انظر: ((شرح النزهة)) للقاري (ص ٤٨٨). = ٣١٦ الجواهر السليمانية للشيء دون وجودٍ سابق له أصلًا، وهذا بخلاف المقلوب، ويقوي كلام الحافظ: أن الحديث المقلوب بصورته المجموعة لا يَسْلَم من اختلاق وافتعال على غير مثال سابق، وإذا وقع ذلك عمدًا؛ ففيه معنى الوضع، ومع هذا فعبارة السخاوي أدق، والله أعلم. وذكر ابن دقيق العيد في بعض صور القلب أنه قد يطلق على راويه: أنه يسرق الحديث. اهـ. من ((الاقتراح))(١). وبنحوه قال الذهبي فيمن ركَّب متنا على سند ليس له متعمدًا، قال : ((فهو الذي يُقَال في حقه: فلان يسرق الحديث)). اهـ ((الموقظة))(٢). وتَعَقَّب ذلك السخاوي، فقال: ((وفي إطلاق السرقة على ذلك نظر؛ إلا أن يكون الراوي المبْدَل به عند بعض المحدثين منفردًا به، فيسرقه الفاعل منه)). اهـ. من ((فتح المغيث))(٣). المسألة الرابعة : حكم الحديث المقلوب : الحديث المقلوب من قسم الحديث الضعيف، ولا يصلح في الشواهد والمتابعات، وقد ذكر السيوطي مرتبة المدرج ثم المقلوب، ويليه المضطرب، ونسب هذا الترتيب للحافظ، ولعله أخذه من صنيعه في ((النخبة)). قال السيوطي : وقال الخطابي ((شرها - أي الأقسام - الموضوع، ثم المقلوب)» . أما الزركشي فقد جعل بعد الموضوع: المدرج، ثم المقلوب، (١) (ص ٢٣٠). (٢) (ص ٦٠). (٣) (١ / ٣٢٠). ٣١٧ الحديث المقلوب واستحسنه السيوطي. انظر ((التدريب))(١). قلت: هذه الأحكام معتبرة في الجملة، وليست مطردة، وإلا فقد تكون بعض صور المقلوب أحسن حالًا من بعض صور المضطرب، بل بعض صور المقلوب قد لا تؤثر في الحديث أصلًا. كإبدال صحابي بآخر، أو ثقة بثقة، والله أعلم. المسألة الخامسة : كيف يُعْرَف القلب في الروايات ؟ والجواب : يُعْرَف ذلك بأمور : ١- نص إمام من الأئمة. ٢- بجمع طرق الحديث. ٣- النظر في أصل الشيخ، فيجد الواقف عليه أن الشيخ قد انتقل بصره من حديث إلى حديث، فأخذ سند هذا الحديث ؛ وجعله على متن ذاك الحديث، وهذا أمر ليس متيسرًا للباحثين في الأزمنة المتأخرة. ٤- أن يكون خلاف المشهور عند المحدثين، والله تعالى أعلم. (١) (١ / ٢٩٥). ٣١٨ الجواهر السليمانية الحديث الفرد قال الناظم كلفه : ٢٣- والفَرْدُ ما قَيَّدْتَه بثقةٍ أو جَمْعِ أو قَصْرٍ على روايةٍ تكلم الناظم في هذا البيت على نوع من أنواع التفرد، وهو التفرد النسبي، وقَسَّمه إلى ثلاثة أقسام : ١- المقيَّد بالثقة، أي لم يروه ثقةٌ إلا فلان. ٢- المقيَّد بأهل بلد، وإليه أشار بقوله ((أو جمع)) واستحسن الزرقاني - في ((شرحه للمنظومة))(١) أن لو عبر الناظم بقوله ((أو مَصْرٍ)) بدل قوله ((أو جمع)) . ٣- المقيَّد بقصره على راوٍ مخصوص، أي لم يروه عن فلان إلا فلان، أويقال: ((القصر على الرواية)): بمعنى القصر على معناها، والأول أولى، والفرق بينه وبين القسم الأول: أن الأول مقصور على رواية الثقة، بخلاف هذا فإنه عام . وتحت هذا البيت عدة مسائل : المسألة الأولى : تعريف الحديث الفرد : الفرد لغة : الوتر. واصطلاحًا : ((هو الحديث الذي يُرْوَى من جهة واحدة، سواء من طريق واحد، أو من عدة طرق، لكنها جهة واحدة)). (١) (ص ٧٩). ٣١٩ الحديث الفرد المسألة الثانية : أقسام الفرد : قسم العلماء الفرد إلى قسمين : ١- فرد مطلق. ٢- فرد نسبي. D والفرد المطلق : هو الذي ينفرد به راوٍ واحد في أصل السند، أي: في الموضع الذي يدور الإسناد عليه، ولو تعددت الطرق إلى هذا المنفرد. انظر ((النزهة))(١). ٠. وقد مر بنا في الكلام على الحديث الغريب، وأن الغرابة إذا كانت في أصل السند : أي من الجهة التي فيها الصحابي ؛ فهو الذي يقال له : الفرد المطلق، وذلك برواية تابعي عن صحابي أو أكثر، المهم أن يكون التابعي واحدًا، وكذا إذا استمرالتفرد من التابعي فمن دونه ؛ فمطلق أيضًا، لكن إذا تعدد التابعي ؛ فهو نسبي - وإن انفرد بذلك عن التابعيِّيْن فأكثر راوٍ واحد -(٢) والله أعلم. أما الفرد النسبي : وهو الذي يقع فيه التفرد في أثناء السند : فهو الذي تكلم عليه الناظم تَقْذَفُ في هذا البيت، وسُمِّي نسبيًّا لإضافته إلى جهة شخص، أو صفة، أو بلد خاصة. والفرد المطلق ينقسم إلى قسمين : ١- تفرد شخصٍ من الرواة بالحديث. ٢- تفرد أهل بلد بالحديث دون غيرهم، كأن يتفرد بحديث ما أهل المدينة - مثلًا - ولا يشاركهم غيرهم في هذه الرواية. انظر كلام (١) (ص ٧٨). (٢) انظر نحو ذلك في ((النزهة)) (ص ٧٨). = ٣٢٠ الجواهر السليمانية الحافظ في ((النكت))(١). المسألة الثالثة: أقسام الفرد النسبي : للفرد النسبي ثلاثة أقسام، ذكرها الناظم وغيره، وهي : الأول: المقيد بالثقة، أي بانفراد الثقة بروايته من جملة الثقات، كقولهم: ((لم يروه ثقة إلا فلان)) أي أنه قد رواه هناك آخرون، إلا أنهم ليسوا بثقات، فالحديث ليس فردًا في الجملة؛ إلا إذا نظرنا إلى روايته من طريق الثقات، فلم يروه أحد منهم غير فلان، وإليه أشار الناظم بقوله: ((والفرد ما قيدته بثقة)). الثاني : المقيد بأهل بلد مخصوص، كقولهم : تفرد به فلان عن أهل مكة - مثلًا - وهذا الراوي ليس بمكي، وقد يكون الحديث مرويًّا من غير طريق أهل مكة، وإليه أشار الناظم بقوله ((أو جَمْعٍ)) أي مَصْرٍ. الثالث : المقيد بقصره على راوٍ مخصوص. وإليه أشار الناظم بقوله: ((أو قَصْر على رواية)) أي تَفَرُّد الراوي بالحديث عن راوٍ، بحيث لايرويه عنه غيره، وإن كان مرويًّا من وجوه أخری عن غيره. (فائدة ): قسّم الحافظ الفرد المطلق إلى قسمين، وبالنظر فيهما حصل تداخل بين بعض صوره، وبين بعض صور النسبي. ونقل المناوي عن بعضهم أنه لافرق بين النسبي والمطلق في أقسام النسبي، كما في ((اليواقيت والدرر))(٢) وصرح السخاوي بأن بعض أنواع النسبي (١) (٢ / ٧٠٣). (٢) (١/ ٣٢٢).