النص المفهرس
صفحات 281-300
٢٨١ الحديث المدلس نافع عن ابن عمر ... ثم قال: ((والوليد قد صرح بتحديث الأوزاعي له، وبتحدیث نافع للأوزاعي،فأُمِنَ تدلیس الولید وتسویته)). اهـ وقد ذكرت في ((إتحاف النبيل))(١) عدة أمثلة لذلك، فارجع إليها إن شئت. ويضاف إلى ذلك أيضًا: أنني لا أعرف رجلا وصفوه بتدليس التسوية، وبرؤوه - مع ذلك - من تدليس الإسناد فيما بينه وبين شيخه الذي أظهره في السند، والله أعلم. (تنبيه) : ذكر البقاعي عن الحافظ ابن حجر أنه يدخل في تدليس التسوية : وصْفُ شيوخ السند بما لا يُعرفون به، من غير إسقاط، فيكون تسوية الشيوخ اهـ من كتاب: ((النكت الوفية)) نقلًا من حاشية (١) على كتاب ((الإرشاد)» للنووي(٢). وأشار لذلك السيوطي، فقال: ((قال شيخ الإسلام : ويدخل أيضًا في هذا القسم - يعني تدليس الشيوخ - التسوية : بأن يصف شيخ شيخه (٣) بذلك)» اهـ(٣). قلت : ما قاله الحافظ يحتاج إلى مزيد من نظر وتحقيق، والله أعلم. القسم الرابع : تدليس القطع : وهو: ((أن يَخْذف الصيغة - أي أداة الرواية - أصلًا، ويقتصر على اسم شيخه، كقول: ابن عيينة: ((الزهري عن أنس))(٤). (١) (٢ / ٣٧ - ٣٩) السؤال (٢٠٢). (٢) (١ / ٢٠٨) وانظر ((توضيح الأفكار)) (١ / ٣٧٦). (٣) انظر ((التدريب)) (١ / ٢٢٨). (٤) وانظر ((طبقات المدلسين)) (ص ٢٥). ٢٨٢ الجواهر السليمانية ومثاله: ما رواه الخطيب في ((الكفاية))(١) عن علي بن خشرم قال: كنا عند سفيان بن عيينة في مجلسه، فقال : الزهري، فقيل له: حَدَّثَكُم الزهري؟ فسكت، ثم قال: الزهري، فقيل له: سمعته من الزهري؟ فقال: لا، لم أسمعه عن الزهري، ولا ممن سمعه من الزهري، حدثني عبدالرزاق عن معمر عن الزهري. وأطلقه الحافظ ابن حجر وَمثَّل له بمثال - وإن وقع فيه خطأ في تسمية المدلس - ينطبق على تدليس السكوت الآتي بعد هذا، كما في ((النكت))(٢). وقال زكريا الأنصاري : ((ومن تدليس الإسناد : أن يُسقط الراوي أداة الرواية، مقتصرًا على اسم الشيخ، ويفعله أهل الحديث كثيرًا)) وذكر المثال (٣) السابق(٣). (تنبيه) : روى الخطيب قصة ابن عيينة من طريق الحاكم، والذي عند الحاكم في ((المعرفة)) (٤): ((ابن عيينة عن الزهري)) فلم يسقط صيغة الأداء، ومَثَّل به ابن الصلاح في ((المقدمة)) على تدليس الإسناد بنحو اللفظ الذي في ((المعرفة)) فينظر في ذلك، على أن في رجال سندها من يحتاج إلى بحث، والله أعلم. (١) انظر ((الكفاية)) (ص ٥١٢). (٢) (٢ / ٦١٧). (٣) انظر ((فتح الباقي)) (ص ١٦٥) و((فتح المغيث)) (١ / ٢١٢). (٤) (ص ١٠٥). ٢٨٣ الحديث المدلس القسم الخامس : تدليس السكوت : وهو: ((أن يأتي الرواي بلفظ يفيد السماع، مثل قوله: ((حدثنا، وسمعت)) ونحو ذلك، ثم يسكت قليلًا، وينوي القطع، ثم يقول بعد ذلك: ((هشام بن عروة، الأعمش)) - مثلاً - موهمًا أنه قد سمع منه، وليس كذلك)) وانظر ((التدريب))(١). ومثاله: ما جاء في ((الطبقات)) لابن سعد(٢) ترجمة عمر بن علي المقدمي، قال ابن سعد: وكان يدلس تدليسًا شديدًا، وكان يقول: ((سمعت، وحدثنا)) ثم يسكت، ثم يقول: ((هشام بن عروة، الأعمش)). اهـ. (تنبيه) : ذكر السخاوي أن تدليس القطع والسكوت نوعان، ولم يجعلهما شيئًا واحدًا، والحافظ ذكر تدليس القطع ومَثَّل له بمثال تدليس السكوت، فصنيعه يشير إلى أنهما شيء واحد، والذي يظهر أن كل سكوت قطع، وليس كل قطع سكوتًا، والله أعلم. (تنبيه آخر) : من عُرِف بتدليس السكوت؛ فلا يُقْبل تصريحه بالسماع حتى نعرف من الراوي المحذوف، وما حاله، لأنه يدلس مع تصريحه، وهذا الأمر مع ظهوره؛ إلا أنني أجد من يُمَشِّي حديث عمر بن علي المقدمي - وهو ممن يدلس هذا التدليس - إذا صرح بالسماع، فإن كان هناك من قال برد حديثه - وإن صرح بالسماع - وإلا فما سبق من التنبيه على ردِّ حديثه - وإن صرح بالسماع - كلام نظري فقط، وليس له واقع عملي، وسيأتي في تدليس الصِيَغ شيء قد يُسْتَفاد منه هنا، وذلك فيما يتعلق بعدم قبول التصريح من فطر إلا بصيغة: ((سمعت)). والله أعلم. (١) (١ / ٢٢٧). (٢) (٧ / ٢١٣). ٢٨٤ الجواهر السليمانية القسم السادس : تدليس العطف : وهو: ((أن يصرح بالتحديث في شيخ له، ويعطف عليه شيخًا آخر له، ولا يكون سمع ذلك المروي من الثاني، سواء اشتركا في الرواية عن شيخ واحد، أم لا)) انظر ((فتح المغيث))(١). ومثاله: ما ذكره الحاكم في ((معرفة علوم الحديث))(٢) قال: ((وفيما حدثونا أن جماعة من أصحاب هشيم، اجتمعوا يومًا على ألا يأخذوا منه التدليس، ففطن لذلك، فكان يقول في كل حديث يذكره: ((حدثنا حصين ومغيرة عن إبراهيم)) فلما فرغ؛ قال لهم: هل دلست لكم اليوم؟ فقالوا: لا، فقال: لم أسمع حرفًا واحدًا مما ذكرتُه، إنما قلت: ((حدثني حصين)) ومغيرة غير مسموع لي)). اهـ قلت : هذا المثال ضعيف: لعدم معرفة السند بين الحاكم وهشیم، والله أعلم. أما حكم تدليس العطف : فالعبرة بحال الرواي الأول، فإن كان مقبولًا؛ قُبِلَ الحديث، أما إذا كان ضعيفًا، فلا بد أن يصرح المدلس بالسماع من الثاني، وإلا كان الحديث في حَيِّز الضعف، والله اعلم. القسم السابع : تدليس الصيغة. وهو: ((ما يقع من بعض المحدثين من التعبير بالتحديث، أو الإخبار، عن الإجازة، والوجادة، ونحوهما، أو يذكر ذلك متأولًا، موهمًا السماع، فيُظن أنه سمع، ولا يكون سمع من ذلك الشيخ شيئًا))(٣). (١) (١ / ٢١٣). (٢) (ص ١٠٥). (٣) وانظر ((طبقات المدلسين)) (ص ٢٥). ٢٨٥ الحديث المدلس مثال : ما كان عن تأويل: ما ذكره الخطيب: بأنه رُوِي عن الحسن أنه كان يقول: ((حدثنا أبو هريرة)) ويتأول أنه حَدَّث أهل البصرة، والحسن منهم، وكان الحسن إذْ ذاك بالمدينة، فلم يسمع منه شيئًا(١). ومثال التحديث في الوجادة: ما رواه الحاكم في ((المعرفة))(٢) من طريق أبي الوليد الطيالسي، قال: حدثني صاحب لي من أهل الرأي - يقال له: ((أشرس)) - قال: قدم علينا محمد بن إسحاق فكان يحدثنا عن إسحاق بن راشد، فقدم علينا إسحاق بن راشد، فجعل يقول: ثنا الزهري، وثنا الزهري، قال: فقلت له: أين لقيت ابن شهاب؟ قال: لم ألقه، مررت ببيت المقدس فوجدت كتابًا له ثَم)) . ومثال الإخبار في الإجازة : ما قاله الخطيب: ((قد رأيت لأبي نعيم أشياء يتساهل فيها، منها أن يقول في الإجازة: ((أخبرنا)) من غير أن يُبَيَّن .... )). اهـ. وانظر ما قاله الذهبي معترضًا على الخطيب في ((النبلاء))(٣). ومثال التدليس بعبارة دون أخرى : أن فطر بن خليفة كان يقول فيما سمعه: ((سمعت)) فإن لم يسمعه؛ قال: ((حدثنا))، وذكر السخاوي أنه كان يدلس فيما عدا ((سمعت))، ولذلك فقد سأل عليّ بن المديني يحيى القطان : يُعْتَمَد على قول فطر: ((حدثنا)) ويكون موصولًا؟ فقال: لا، قال: كانت منه سجية؟ قال: نعم، وقال القطان للفلاس: وما يُنْتَفَع بقول فطر: ((حدثنا عطاء)) ولم يسمع منه (٤). اهـ وقد اعتذر السخاوي عن فطر: بأنه لعله تجوَّز في صيغة الجمع؛ (١) انظر ((فتح المغيث)) (١/ ٢١٢). (٢) (ص ١١٠). (٣) (١٧ / ٤٦١) ترجمة أبي نعيم. (٤) انظر ((النبلاء (((٧ / ٣٢) و((فتح المغيث)) (١ / ٢١١ - ٢١٢). ۔ ٢٨٦ = الجواهر السليمانية فأوهم دخوله، كقول الحسن البصري: ((خطبنا ابن عباس ... )) لكن صنيع فطر فيه غباوة شديدة، يستلزم تدليسًا صعبًا، كما قال شيخنا(١) اهـ أما حكمه : فيختلف باختلاف صُوَره: فصنيع الحسن من جملة المرسل، ومع ذلك فهو نادر، ولا يُذْهَب إلیه إلا عند وجود دلیل یدل عليه، وما كان من بقية الصور: فلا يخلو من كراهة، إلا إذا كان استعمالًا مشهورًا في بعض البلدان، ومع ذلك فالأولى البيان، والله اعلم. فالذهبي مع تعقُبه الخطيب عندما رمى أبا نعيم بالتساهل في التعبير عن الإجازة بالإخبار، قال: ((ثم إطلاق الإخبار على ما هو بالإجازة مذهب معروف، قد غلب استعماله على محدِّثي الأندلس، وتوسَّعوا فيه .... والأحوط تجنُُّه»(٢). اهـ (تنبيه) : ذهب بعض أهل العلم - كما هو صنيع الحافظ(٣) - إلى أن أقسام التدليس السابقة تدخل في تدليس الإسناد، واعتذر لمن جعل القسمة ثنائية، وأن التدليس قسمان: تدليس الإسناد، وتدليس الشيوخ، وعندي: أن هذه الأقسام داخلة في تعريف تدليس الإسناد ؛ لأنها رواية من لم يسمع موهمًا السماع، إلا أن تدليس التسوية ليس كذلك؛ لأنه ليس من رواية من لم يسمع؛ فإن الذي لم يسمع الحديث هو شيخ المدلِّس، لا المدلِّس (١) انظر: ((فتح المغيث)) (٢١١/١-٢١٢). (٢) ((النبلاء (((١٧ / ٤١٦). (٣) انظر ((النكت)) (٢ / ٦١٦ - ٦١٧) وقد قال السيوطي في ((التدريب)) (١ / ٢٢٧): ((قال شيخ الإسلام: وهذه الأقسام كلها يشملها تدليس الإسناد، فاللائق ما فعله ابن الصلاح من تقسيمه إلى قسمين)) اهـ وقد قال الحافظ في ((طبقات المدلسين)) (ص ٢٥): ((ويلتحق بتدليس الإسناد: تدليس القطع ... وتدليس العطف ... وتدليس التسوية ... )) اهـ ٢٨٧ الحديث المدلس نفسه، ولعله لذلك جعل العراقي القسمة ثلاثية، كما في ((التقييد))(١) إلا أنه مع ذلك ففيه معنى تدليس الإسناد، وإن لم يكن من فِعْل شيخ المدلس، لأن المدلس أسقط الضعيف أو الصغير، ثم تصرف في صيغة الأداء موهمًا أن السند متصل، فلعل هذا دليل من أطلق إدخال تدليس التسوية في تدليس الإسناد، وليس ذلك ببعيد من حيث المعنى، لامن حيث التعريف، والله أعلم. القسم الثامن : تدليس البلدان : قال: الحافظ ابن حجر كَّ هُ ((ويُلْحَق بقسم تدليس الشيوخ تدليس البلدان، وهو كما إذا قال المصري: ((حدثني فلان بالأندلس)) وأراد موضعًا بالقرافة، أو قال: ((بزقاق حلب)) وأراد موضعًا بالقاهرة. أو قال البغدادي: ((حدثني فلان بما رواء النهر)) وأراد نهر دجلة. أو قال: ((بالرقة)) وأراد بستانًا على شاطئ دجلة. أو قال الدمشقي: ((حدثني بالكرك)) وأراد كرك نوح، وهو بالقرب من دمشق»(٢). اهـ قلت : هذا النوع - وإن کان شبيهًا بقسم تدلیس الشیوخ - لکن لیس تدليسًا لما اشتهر به الشيخ، فإن الشيخ معروف في هذا النوع، إنما هو تدليس لبلده، فأوهم الرحلة، وليس كذلك، والله أعلم. أما حكمه : فقد قال الحافظ: ((حكمه: الكراهة؛ لأنه يدخل في باب التشبع، وإيهام الرحلة في طلب الحديث، إلا إن كان هناك قرينة تدل (١) (ص ٩٥). (٢) ((النكت)) (٢ / ٦٥١). أ ٢٨٨ الجواهر السليمانية على عدم إرادة التكثير؛ فلا كراهة، والله الموفق))(١). اهـ (تنبيه): هناك نوع يُسَمَّى بـ ((تدليس المتون)): وهو المدرج، إذا قصد الفاعل إيهام السامع بأن الكلام كله كلام النبي ® ولا يتميز ذلك من كلام النبي ــ وتعمُّدُ ذلك حرام(٢). المسألة الثالثة : أقوال العلماء في ذم التدليس جملة : قال الخطيب: ((التدليس للحديث مكروه عند أكثر أهل العلم، وقد عظّم بعضهم الشأن في ذمِّه، وتبجَّح بعضهم بالبراءة منه، فمما حفظناه عمن كان يكرهه ويذمه ... )) ثم ساق أسانيده عن جماعة من أهل العلم قد ذموا التدليس، ومنهم : ١- شعبة بن الحجاج، فقد قال: ((التدليس أخو الكذب)). وقال: ((التدليس في الحديث أشد من الزنا، ولأن أسقط من السماء ؛ أحب إلي من أن أدلس)). ٢- جرير بن حازم، فقد ذكر جرير التدليس والمدلسين فعابه، وقال: ((أدنى ما يكون فيه: أنه يُرِي الناس أنه سمع مالم يسمع)). أبو أسامة، فقد قال محمد بن أحمد بن يعقوب حدثنا جدي قال ٣- سمعت الحسن بن علي يقول سمعت أبا أسامة يقول : ((خرَّب الله بیوت المدلسین، ماهم عندي إلا كذابون)» . ٤- حماد بن زيد، فقد قال: ((التدليس كذب)) ثم ذكر حديث النبي : (المتشبع بما لم يُعْطَ كلابس ثوبَيْ زُور)) قال حماد: ((ولا أعلم (١) ((النكت)) (٢ / ٦٥١). (٢) انظر ((النكت)) للزركشي (٢ / ١١٣) وانظر ((فتح المغيث)) (١ / ٢٢٩) و ((اليواقيت والدرر)) (٢ / ٢٠). ٢٨٩ الحديث المدلس = المدلس إلا متشبعًا بما لم يُعْطَ)). ٥- ابن المبارك، فقد قال: ((لأن نخر من السماء ؛ أحب إلي من أن ندلس حدیثًا» . ٦- وكيع بن الجراح، فقد قال: ((نحن لا نستحل التدليس في الثياب، فكيف في الحديث))(١)؟ !. قد يقول قائل : لماذا يذم العلماء التدليس، وقد وُجِد من العلماء الكبار من يدلس ؟ الجواب : إن الذين ذموا التدليس نظروا إليه من جهة التشبع والاستكثار، وما يؤول الأمر إليه مِنْ رَدِّ بعض الروايات الصحيحة، أو تصحيح بعض الروايات الضعيفة، أو التدليس عن الضعفاء والمتروكين مع العلم بذلك، وأما الذين دلَّسوا من الكبار: فقد اعتذر عنهم بعض العلماء بأن لهم مقاصد أخرى غير هذه المفاسد التي ذُم التدليس من أجلها، كما سيظهر ذلك من الكلام على الأسباب الحاملة على التدليس - إن شاء الله تعالى -. وأيضًا : فمما يُعتذر به عن الكبار الذين دلسوا : أن أحدهم قد یدلس شيخه ولم يعلم ضعفه، وهذا أمثل ما يعتذر به عنهم. وذكر السخاوي في ((الغاية))(٢) نحو ذلك، ثم قال: ((والظاهر أن البخاري ونحوه ممن يقع لهم تدليس الشيوخ : لا يقصدون إيهام الاستكثار ... بل يقصدون بهذا الصنيع حض الراوي على المبالغة من التعريف بحال الراوي، بحيث لا يلتبس عليهم على أي وجه كان)). اهـ (١) ((الكفاية)) (ص ٥٠٨ - ٥٠٩). (٢) (١ / ٢٩٦ - ٢٩٧). ٢٩٠ الجواهر السليمانية وقد ذكر ابن دقيق العيد مصلحة للتدليس فقال : ((وأما مصلحته : فامتحان الأذهان في استخراج التدليسات، وإلقاء ذلك إلى من يُراد اختبار حفظه، ومعرفته بالرجال ... )). اهـ (١). وإذا كانت هذه مصلحة، فأولى من يُعتذر بها عنهم الأئمة الذين وقعوا في التدليس، وستأتي أعذار أخرى في المسألة الآتية - إن شاء الله - ومع هذا كله فهناك مواضع تبقى النفس حائرة فيها، وما بقي إلا حسن الظن بهم، وياليتهم نأوا عن ذلك، والله أعلم . وعلى كل حال: فالتدليس ليس جرحًا مستقرًّا، إنما هو جرح في الرواية لا في الديانة، والله أعلم. . ■ المسألة الرابعة: الأسباب الحاملة للمدلِّسين على التدليس : ذكر العلماء أن للمدلسين أغراضًا حملتهم على التدليس، منها المحمود، ومنها المذموم، وهي : ١- ضَعْفُ الشيخ : قال الخطيب - في سياق ذكره الأحوال التي تقتضي ذم التدليس وتوهينه -: ((والثالثة: أن المدلس إنما لم يبين من بَيْنَه وبين من روى عنه؛ لعلمه بأنه لو ذَكَره لم يكن مرضيًّا مقبولاً عند أهل النقل، فلذلك عَدَلَ عن ذِكْره))(٢). اهـ ٢- صِغَرُ سِنِّ سن الشيخ: قال الخطيب في كلامه على تدليس التسوية: ((لكنه يُسْقِط ممن بعده في الإسناد رجلًا يكون ضعيفًا في الرواية، أو صغير السن، ويُحَسِّن الحديث بذلك)). أهـ(٣). (١) ((الاقتراح)) (ص ٢٢١) وانظر نحوه في ((فتح المغيث)) (١ / ٢٢٤). (٢) انظر ((الكفاية)) (ص ٥١١) و((التمهيد)) (١ / ١٥) و((جامع التحصيل)) (ص ١١٨ - ١١٩). (٣) ((الكفاية)) (ص ٥١٨) وانظر ((التمهيد)) (١ / ١٥) و((جامع التحصيل)) (ص ١١٨ - ١١٩) وقد يكون للأنفة من الرواية عمن حدثه، كما قال الخطيب في ((الكفاية)) (ص ٥١١). :: ٢٩١ الحديث المدلس وذلك: لأنه قد يقع في نفس المدلس الحرج أو الأنفة بسبب روايته عن هذا الصغير، فَيُظَن به أنه ليس بصاحب رحلة، وأن الصغار رحلوا إلى المشايخ الكبار، فسبقوه في هذا الفن، فعند ذلك تستنكف نفسه عن الرواية عن هذا الصغير ؛ فيسقطه، ويروي عمن لم يسمع منه. ٣- أن تكون عند هذا المدلس أحاديث كثيرة لهذا الشيخ، فلا يحب تكرار الرواية عنه، حتى لا يقع السامع في ملل بسبب ذلك، فيسقطه المدلس، أو يغير اسمه(١). وقال ابن الصلاح: ((أو لكونه كثير الرواية عنه، فلا يحب الإكثار من ذِكْر شخص واحد على صورة واحدة))(٢). اهـ ٤- إيهام عُلو الإسناد: قال الخطيب: ((وفيه أيضًا: أنه إنما لا يذكر من بينه وبين من دلس عنه طلبًا لتوهيم علو الإسناد)) ((الكفاية))(٣). اهـ ٥- إيهام كثرة الشيوخ : قال ابن دقيق العيد: ((وأكثر مقصود المتأخرين في التدليس طلب العلو، أو إيهام كثيرة المشائخ)) (٤). اهـ. ٦- ((امتحان الأذهان، وشحذها في معرفة الرواة، وطبقاتهم، ونحو ذلك، وإلقاء ذلك إلى من يراد اختبار حفظه، ومعرفته بالرجال»(٥). اهـ. (١) انظر ((جامع التحصيل)) (ص ١١٨). (٢) انظر ((المقدمة)) (ص ١٠٠) مع ((التقييد)). (٣) (ص ٥١١) وانظر ((الاقتراح)) (ص ٢١٨). (٤) ((الاقتراح)) (ص ٢١٥). (٥) ((الاقتراح)) (ص ٢٢١). ٢٩٢ الجواهر السليمانية ٧- أن يقصد التنويع في اسم الشيخ تفنُّنًا في الرواية، وهذا يفعله الخطيب في بعض شيوخه. قال السخاوي كلفُ: ((ويكون كفعل الخطيب الحافظ المكثر من الشيوخ والمسموع في تنويع الشيخ الواحد، حيث قال مرة: ((أنا الحسن بن محمد الخلال، ومرة: أخبرنا الحسن ابن أبي طالب، ومرة: أنا أبو محمد الخلال، والجميع واحد)). اهـ. ((فتح المغيث))(١). ٨- إيهام الرحلة، كما في تدليس البلدان، وقد سبق قريبًا. ٩- الإغراب في الرواية(٢). ١٠- العداوة التي بين التلميذ والشيخ، وقد ذكر ذلك العلائي(٣) مستدلًا بما جرى بين البخاري والذهلي، وفي التسليم بكون البخاري مدلِّسًا بحث، والله أعلم . ١١- تحسين الحديث وإظهاره مستويًا بالثقات، كما في تدليس التسوية. ١٢- قَصْد الدفاع عن الشيخ حتى لا يُرغب عن حديثه، كما جرى من الوليد بن مسلم في حق الأوزاعي . ١٣- قَصْد إثارة الرغبة في الحديث وترويجه، وذلك بإسقاط الضعيف، أو تسمية الشيخ الضعيف باسم يوافق اسم شيخ ثقة، وقد روى المدلس (١) ((فتح المغيث)) (١ / ٢٢٣) وانظر دفاع الحافظ عن الخطيب، وقد نقله الصنعاني في ((توضيح الأفكار)) (١ / ٣٦٩). (٢) انظر ((الاقتراح)) (ص ٢١٩) وانظر ((جامع التحصيل)) (ص ١١٩). (٣) انظر ((جامع التحصيل)) (ص ١١٩) وانظر ((النكت)) للزركشي (٢ / ١٣٠ - ١٣١). = ( ٢٩٣ الحديث المدلس عنهما جميعًا، كما يُرْوى من فعْل عطية العوفي في تكنية الكلبي بأبي سعيد(١). ١٤- أن يكون الساقط ثقة عند المدلس، وليس كذلك عند غيره، فيسقطه ليجوز حديثه في الناس، للاحتياج إليه(٢). ١٥- نشر الأخبار في الأمصار، ومن أراد العمل بها، فلينظر في طرق الحديث، ويعمل بما ظهر له(٣). ١٦- الدعوة إلى الله: قال ذلك الحاكم في ((المعرفة))(٤). ١٧- وقد يكون لكون المدلَّس حيًّا، وعدم التصريح به أبعد عن المحذور الذي نهی الشافعي عنه لأجله(٥). قلت : ولعله يعني قول الشافعي : ((إياك والرواية عن الأحياء)) لاحتمال أن ينسى الحي، ويجحد ما رواه، فينال تلميذَه من ذلك شيء(٦). ١٨- قد يحمل المدلس على ذلك ما يحيط به من ظروف تجعله يخاف من التصريح باسم شيخه، أو وقوع فتنة من غالٍ أو جافٍ مقبول عند الناس، أو الولاة، كما يُذكر أن الحسن البصري كان يُخفي اسم عليٍّ - إن صح ذلك - زمن بني أمية (٧). ٠ (١) انظر ((النكت)) للزركشي (٢ / ١٣٢) وما نُسب إلى عطية لا يصح سنده، والله أعلم. (٢) انظره مختصرًا بنحوه في ((فتح المغيث)) (١ / ٢٢٣). (٣) انظر بعض ذلك من كلام ابن الوزير في ((توضيح الأفكار)) (١ / ٣٦٩). (٤) (ص ١٠٤). (٥) انظر المصدر السابق. (٦) انظره مُفَصَّلًا في ((التقييد والإيضاح)) (ص ١٥٤ - ١٥٥). (٧) انظر شيئًا من ذلك في ((توضيح الأفكار)) (١ / ٣٦٨). ٢٩٤ = الجواهر السليمانية ١٩- تأخر وفاة الشيخ، فيشارك المدلسَ من هو دونه في الرواية عنه، فيأنف من ذلك، فيسقط شيخه(١). ٢٠- الشَّرَه في الرواية، فيحمله ذلك على التدليس، وهذا جامع للاستكثار في الشيوخ، والطرق، والغرائب، والفوائد، والله أعلم. المسألة الخامسة : مفاسد التدليس : قد ذكر الخطيب جملة من الأسباب الحاملة على ذم التدليس، فقال: ((والتدليس يشتمل على ثلاثة أحوال تقتضي ذم التدليس وتوهينه : فإحداها : إيهامه السماع ممن لم يسمع منه، وذلك مقارب الإخبار بالسماع ممن لم يسمع منه. والثانية: عُدُوله عن الكشف إلى الاحتمال، وذلك خلاف موجَب الورع والأمانة. والثالثة : إن المدلس إنما لم يبين من بَيْنَه وبين من روى عنه؛ لعلمه بأنه لو ذكره لم يكن مرضيًّا مقبولًا عند أهل النقل، فلذلك عدل عن ذِكْره، وفيه أيضًا : أنه إنما لا يذكر مَنْ بينه وبين مَنْ دلَّس عنه؛ طلبًا لتوهيم عُلوِّ الإسناد، والأنَفَة من الرواية عمن حدَّثه، وذلك خلاف موجَب العدالة، ومقتضى الديانة : من التواضع في طلب العلم، وترك الحمية في الإخبار بأخذ العلم عمن أخذه، والمرسِل المُبَيِّن برئٌّ من جميع ذلك)). اهـ. من ((الكفاية))(٢). المسألة السادسة : هل يصلح الحديث المدلَّس في الشواهد والمتابعات؟ قال الحافظ ابن حجر : ((ومتى تُوبع السيئ الحفظ بمعتبر؛ كأن يكون (١) ((شرح الألفية)) للعراقي (١ / ١٨٨). (٢) (ص ٥١٠ - ٥١١). ٠ ٢٩٥ الحديث المدلس فوقه أو مثله - لا دونه - وكذا المختلط الذي لم يتميز، والمستور، والإسناد المرسل، وكذا المدلَّس، إذا لم يُعْرَف المحذوف منه؛ صار حديثهم حسنًا لا لذاته)). اهـ. من ((النزهة))(١). وقال - أيضًا - في كلامه على تعريف الترمذي للحسن: ((وليس هو في التحقيق عند الترمذي مقصورًا على رواية المستور، بل يشترك معه الضعيف بسبب سوء الحفظ، والموصوف بالغلط والخطأ، وحديث المختلط بعد اختلاطه، والمدلس إذا عنعن، وما في إسناده انقطاع خفيف، فكل ذلك عنده من قبيل الحسن .... )). اهـ (٢). قلت : عنعنة المدلس ليست من جملة الجرح الشديد، إلا إذا ظهر في حق راوٍ، أو في حديث بعينه؛ أنه دَلَّس عن متروك، أو كذاب ؛ فإنه لا یستشهد به والحال هذه. وكذا ما إذا عنعن مدلس، ثم جاء عنه من وجه آخر، وصرح بالسماع من ضعيف؛ فالظاهر أن هذا الضعيف هو الذي حُذِفَ من الإسناد المعنعن، فلا يتقويان بذلك، وقريب منه ما إذا روى مدلس بالعنعنة عن شيخ، وتابعه ضعيف عن الشيخ نفسه، فيحتمل أن المدلس أسقط هذا الضعيف، وأنه ما أخذه إلا منه، إلا أن يثبت أنه ليس له عن هذا الضعيف رواية أصلًا؛ فعند ذلك يتقويان، وانظر التفصيل في ((إتحاف النبيل))(٣). فإن قيل : لا يرتقي الحديث المدلَّس إلا بمتابعة ثقة؛ لقول الخطيب : ((فإن وافقه ثقة على روايته ؛ وجب العمل به، لأجل رواية الثقة له خاصة، (١) (ص ١٣٩) في كلامه على وجوه الطعن في الراوي. (٢) ((النكت)) (١ / ٣٨٧). (٣) (١ / ٣٢٧) السؤال (١٧٥). == ٢٩٦ الجواهر السليمانية دون غيره) اهـ (١). فالجواب : إذا كان الشافعي قوَّى المرسَل بمثله، ومعلوم أن الإرسال أشد في الانقطاع من التدليس - في الجملة - لأن المدلَّس يكون سماعه في الأصل ثابتًا - في الغالب - فإذا تقوى المرسَل بمثله ؛ فمن باب أولى أن يتقوى المدلِّس بمثله، مع مراعاة القيود السابقة، والله أعلم. المسألة السابعة : هل التدليس جرح الراوي؟ للعلماء في ذلك تفصيل : فمنهم من يقول: إذا روى عن ضعيف أو كذاب، وقصد ترويج حديثه، وأسقط الشيخ من أجل ذلك ؛ فهذا يُطْعَن فيه من أجل هذا. وذلك: لأنه غَاشٌّ للأمة، ومُرَوِّج لما هو غريب عن حديث رسول الله بين الناس، موهمًا أن هذا الحديث من أحاديث الثقات. والحقيقة: أن هذا من جهة النظر له وجه وجيه، أما من حيث الواقع: فلا أعلم هناك رجلًا طُعن في عدالته، ورُدَّ حديثه - وإن كان ثقة - بسبب التدليس، اللهم إلا أن يكون مع التدليس شيء آخر، وأما من كان أكثر حديثه مدَّسًا، وأُلْصقت به عهدة النكارة؛ فإنه يضعف لذلك أيضًا. وقد جاء في ((نقد بيان الوهم والإيهام))(٢) للذهبي، في حديث لبقية عن ابن جريج ... ((قال الدارقطني: «هذا باطل، لعل بقية دلَّسه عن واه)) فقال ابن القطان : ((فهذا مُفْسِدٌ لعدالة بقية)) قال الذهبي متعقبًا ابن القطان: «قلت: هو مذهب ورأيٌ له وللوليد بن مسلم، وما رأيناك تغمز الوليد)) !! اهـ (١) ((الكفاية)) (ص ٥١٨). (٢) (ص ١٠٧ - ١٠٨). ٢٩٧ الحديث المدلس وسبق اعتذار الذهبي عن بقية والوليد والكبار في التدليس، وذلك في مسألة حُكم من وقع في تدليس التسوية، وعلى كل حال : فانظر («إتحاف النبيل)) والله أعلم. والمقصود : أن الأصل في التدليس: أنه جرح في الرواية لا في الديانة، كما سبق عن الصنعاني كُّ والله تعالى أعلم. (فائدة): إذا قال إمام من الأئمة في راوٍ ما : ((فلان مدلس)) فهل نقبل هذا منه، أم نتوقف فيه لاحتمال أنه أراد بذلك الإرسال؟ والجواب : إذا لم يظهر دليل يدل على خلاف ما قال الإمام العدل في كلامه على الرواة ؛ فالأصل إعمال كلامه، لا الوقف فيه، لأن الأصل في كلام الأئمة التفريق بين الإرسال والتدليس، وكونهم أطلقوا التدليس فيمن لم يسمع، فلا يلزم من ذلك أن يكون الإرسال والتدليس مترادفين من جميع الوجوه، لأن من قصد الإيهام - وإن لم يسمع - فهو مدلس أيضًا عند جماعة من العلماء، ولا شك أن التدليس نوع من الإرسال، لكن ليس كل إرسال تدليسًا (١) والله أعلم. (١) انظر التفرقة بين الإرسال والتدليس في ((الكفاية)) (ص ٥١٠) و((جامع التحصيل)) (ص ١١١) فقد قال العلائي: ((فكل مدلَّس مرسَل، ولا ينعكس، إلا على القول الضعيف)) اهـ ٢٩٨ الجواهر السليمانية الحديث الشاذ قال الناظم تنتشر : ٢١- وما يخالف ثقةٌ به الملا فالشاذ تكلم الناظم في هذا البيت على الحديث الشاذ، والمقصود بـ ((الملا)) الجماعة. وفي هذا البيت عدة مسائل : المسألة الأولى : تعريف الشاذ لغة واصطلاحا : أما في اللغة: فهو المنفرد عن الجمهور، يقال: ((شذ يشْذُ شذوذًا)» - بضم الشين المعجمة وكسرها - : إذا انفرد عن الجمهور، ونَدَر، فهو شاذ. انظر ((اللسان))(١). وأما في الاصطلاح : فقد اختلف أهل العلم في تعريفه على عدة أقوال : الأول: تعريف الخليلي: حيث قال في ((الإرشاد))(٢): ((والذي عليه حفاظ الحديث: الشاذ ما ليس له إلا إسناد واحد، يشذ بذلك شيخ : ثقة كان أو غير ثقة، فما كان من غير الثقة؛ فمتروك لايُقْبَل، وما كان عن ثقة، یُتَوَقَّف فیه، ولا يُخْتج به)). اهـ وقد فهم بعض أهل العلم من هذا التعريف: كابن الصلاح، والنووي، (١) (٣ / ٤٩٤). (٢) (١ / ٤٠١). ٢٩٩ الحديث الشاذ والعراقي، وابن الملقن، والحافظ ابن حجر (١)، وغيرهم: أنه يريد أن كل فرد شاذ، فإن كان تفردَ ثقة؛ فهو في حَيِّز التوقف، وإن كان تفردَ غير ثقة ؛ فمتروك لا يُقْبل. ثم اعترضوا عليه بغرائب ((الصحيح)) التي تفرد بها الثقات والأئمة الحفاظ، فإنه يلزم على إطلاقه أن تكون شاذة يُتَوَقَّف فيها، كحديث: ((الأعمال بالنيات)) وغيره. إلا أن ابن رجب خفف من قوة الإيراد على الخليلي، فقال في ((شرح العلل)) : ((ولكن كلام الخليلي في تفرد الشيوخ، والشيوخ في اصطلاح أهل العلم: عبارة عمن دون الأئمة الحفاظ، وقد يكون فيهم الثقة وغيره، فأما ما انفرد به الأئمة والحفاظ ؛ فقد سمّاه الخليلي فردًا، وذكر أن أفراد الحفاظ المشهورين الثقات، أو أفراد إمام من الحفاظ الأئمة: صحيح، متفق عليه))(٢). اهـ (١) انظر كلام هؤلاء مفرقًا في ((المقدمة)) لابن الصلاح (ص ١٠٢ - ١٠٣) مع (التقييد)) و((الإرشاد)) للنووي (ص ٢١٤ - ٢١٧) و((التقييد والإيضاح)) (ص ١٠١) و ((المقنع)) (١ / ١٦٥ - ١٦٨) و((النكت)) (٢ / ٦٥٢). (٢) (١ / ٤٦١) وكلام الخليلي موجود في ((الإرشاد)) (١ / ١٦٧) وقد مثّل الخليلي بحديث المغفر، وهو مما اعترضوا به عليه. قلت: وعبارة الخليلي في تعريف الشاذ لا تسلم من إيراد، لأنه جعل القسمة ثنائية: إما تفرد ثقة، أو غير ثقة، وهذا الإطلاق يشمل الحفاظ الثقات أيضًا، وما اعتذر به ابن رجب من جهة عُرْف الأئمة في إطلاق الشيوخ؛ ليس على إطلاقه، فإنهم يطلقون ((شيخ)) - في الغالب - على من لا يحتج به، لامن هو ثقة، ولم يبلغ درجة الأئمة الحفاظ، ولعل الخليلي أراد بكلمة ((شيخ)) أي: رجل، أو راوٍ، وهذا لا صلة له بالقبول والرد، والله أعلم. وقد قسّم الخليلي الأفراد إلى تَفَرُّد الحافظ المشهور الثقة، وتَفَرُّد الضعيف، وتفرد من لم يُجرَّح، ولم يذكر الثقة الذي لم يبلغ درجة الحفاظ المشاهير، واحتج بتفرد الحفاظ المشاهير فقط، فقد يقوى هذا ورود الإيراد عليه، وأنه عنى بقوله: ((ثقة كان)) في التعريف السابق كل من يحتج به، وإن كانوا من الحفاظ. = ٣٠٠ الجواهر السليمانية القول الثاني : تعريف الحاكم: حيث قال في ((معرفة علوم الحديث))(١): ((فأما الشاذ فإنه حديث يتفرد به ثقة من الثقات، وليس للحديث أصل متابع لذلك الثقة)) اهـ وظاهره أن تفرد كل ثقة يكون شاذًّا، وفيه ما فيه، إلا أن للحاكم كلامًا آخر في ((المعرفة)) يدل على أن الشذوذ إنما يطلق على حديث الثقة الذي فيه علة لا يُهْتَدَى إليها، حيث ينقدح في نفس الناقد أن الحديث غلط، ولم يقف الناقد على جهة الوهم فيه، كما أشار إلى ذلك ابن الصلاح وغيره، فقد قال الحاكم : ((هذا النوع: منه معرفة الشاذ من الروايات، وهو غير المعلول، فإن المعلول ما يُوقَّف على علته، أنه دخل حديث في حديث، أو وهم فيه راوٍ، أو أرسله واحد، ووصله واهم، فأما الشاذ ... )) ثم ذكر التعريف السابق، ثم ذكر مثال الشاذ، فذكر حديث معاذ في جمع التقديم، ثم قال : هذا ((حديث رواته أئمة ثقات، وهو شاذ الإسناد والمتن، لانعرف له علة نعلِّله بها ... )) إلى أن قال: ((فلما لم نجد له العلتين - أي اللتين أشار إليهما قبل ذلك - خرج عن أن يكون معلولًا ... ))(٢). اهـ = إلا أن أمثل ما يُجاب به عن الخليلي: أنه قسّم الأفراد إلى ما سبق ذكره، ثم ذكر تعريف الشاذ السابق، فهذا التعريف يُستثنى منه تفرد الحفاظ الثقات لكلامه عنهم قبل ذلك في الأفراد، فإذا حملنا كلامه بعضه على بعض؛ فإنه يُفسِّر بعضه بعضًا، ويظهر لنا مذهب الخليلي، وأنه يُتَوقَّف في تَفَرُّد الثقة - الذي لم يبلغ درجة الحفاظ - وما دونه، ما لم يكن متروكًا غير ثقة، أو وضاعًا، فهو بين التوقف فيه، أو رده، وإن كان لا يُسَلَّم له إطلاق التوقف في تفرد الثقة، والله أعلم. (١) (ص ١١٩). (٢) (ص ١١٩ - ١٢٠)، وبهذا يظهر أن للشاذ عند الحاكم صورتين: إحداهما: تفرد الثقة، والثانية: الحديث الذي فيه علة لا يُهتدى إليها.