النص المفهرس
صفحات 261-280
٢٦١ الحديث المدلس المبحث الثاني: الصيغ الموهمة التي تُستعمل في تدليس الإسناد: وهي ما كانت ظاهرة في السماع، وليست صريحة فيه، كقول الراوي : ((عن، وقال، وذَكَر، وحَدَّث، وأخبر، ونحو ذلك))، فكل هذا من صيغ الأداء المحتملة (١) وللحافظ كلام في الفرق بين قول المحدث: ((قال)) و ((قال لي)) فعدَّ الثانية صريحة في السماع، بخلاف الأولى، وكلامه ظاهر، انظره في ((النكت))(٢). المبحث الثالث: حكم الاحتجاج بالرواية التي فيها تدليس الإسناد : اختلف العلماء في رواية المدلِّس قبولًا وردًّا، على أقوال كثيرة، أشهرها : القول الأول: قالوا: خبر المدلس غير مقبول؛ لأن التدليس يتضمن الإيهام بخلاف الحقيقة، وترك تسمية من لعله غير مرضي ولا ثقة، وقد قال بهذا القول فريق من الفقهاء وأصحاب الحديث، انظر ((الكفاية))(٣). القول الثاني : وقال خلق كثير من أهل العلم: خبر المدلس مقبول؛ لأنهم لم يجعلوه بمثابة الكذاب، ولم يروا التدليس ناقضًا لعدالته، وذهب إلى ذلك جمهور من قَبِلَ المراسيل من الأحاديث، وزعموا أن نهاية أمره أن يكون التدليس بمعنى الإرسال، انظر ((الكفاية)) (٤). القول الثالث : وهناك من فضَّل في ذلك، وتفصيل العلماء راجع إلى (١) انظر ((النكت)) (٢ / ٦٠١) و((النزهة)) (ص ١١٣). (٢) (٢ / ٦٠١). (٣) (ص ٥١٥). (٤) (ص ٥١٥). = ٢٦٢ الجواهر السليمانية عدة اعتبارات : ١- ما عزاه ابن عبد البر لأكثر أئمة الحديث من التفصيل: فمن كان لا يدلس إلا عن ثقات؛ كان تدليسه عند أهل العلم مقبولًا، وإلا فلا، قاله البزار، وصرح به أيضًا أبو الفتح الأزدي، وأشار إليه الصيرفي ((شرح الرسالة)) وجزم به ابن حبان، وابن عبدالبر، وغيرهما في حق سفيان بن عيينة (١) . وقد يقول قائل: وكيف يُعتمد قبول رواية من لم يدلس إلا عن ثقة، ونحن قد رددنا توثيق المبهم ؟ فالجواب : أن هناك فرقًا بين قول العالم: ((حدثني الثقة)) وبين ما إذا سئل العالم عمن حذفه، فسمى رجلًا ثقة عند الجميع، وابن عيينة قد أُوقف وسئل في أحاديث كثيرة، كان يعنعن فيها، فَيُسَمِّي الذي حدثه بها، فيكون ثقة عند ابن عيينة وغيره، وهذا لا شك أنه ليس من توثيق المبهم، هذا ما يمكن أن يُعْتَذَر به عن تدليس ابن عيينة. لكن قد يقال: هل نستطيع أن نجزم بذلك في جميع عنعنة ابن عيينة؟ والجواب: لا نستطيع أن نجزم بذلك، لكن قد يقال: لعل ذلك هو الأغلب، والنادر يأخذ حكم الأغلب، إلا لقرينة أخرى، فيعمل بها في موضعها، والله أعلم. ٢- إن كان وقوع التدليس من المدلس نادرًا؛ قُبِلَتْ عنعنته ونحوها، وإلا فلا، وهو ظاهر جواب ابن المديني، فإن يعقوب بن شيبة قال: ((سألته عن رجل يدلس، أيكون حجة فيما لم يَقُلْ فيه: ((حدثنا))؟ (١) انظر ((النكت)) (٢ / ٦٢٤) و((فتح المغيث)) (١ / ٢١٥) وانظر كلام ابن عبدالبر فى ((التمهيد)» (١ / ١٧) و((شرح علل الترمذي)) (١ / ٣٥٤). ٢٦٣ الحديث المدلس فقال: إذا كان الغالب عليه التدليس فلا، حتى يقول: ((حدثنا)) أهـ (١). ٣- وهو قول الأكثر من أئمة الحديث والفقه والأصول: أنهم قبلوا من حديث المدلسين ما صرحوا فيه بالسماع ونحوه، ومالم يصرحوا فيه بذلك لم يقبلوه. وممن ذهب إلى إطلاق هذا التفصيل : الشافعي، وابن معين، ونسبه العلائي لجمهور أئمة الحديث والفقه والأصول(٢). وصحح هذا المذهب كل من الخطيب(٣) وابن الصلاح(٤) والحافظ ابن حجر(٥) بل نفى ابن القطان الخلاف في ذلك، وعبارته: ((إذا صرح المدلس (١) انظر ((الكفاية)) (ص ٥١٦ - ٥١٧) و((التمهيد)) لابن عبدالبر (١ / ١٧ - ١٨). وقال الإمام مسلم في ((مقدمة صحيحه)) في ب / الاحتجاج بالحديث المعنعن: ((وإنما تفقّد من تفقَّد منهم سماع رواة الحديث ممن (رواه) عنهم: إذا كان الراوي ممن عُرف بالتدليس في الحديث، واشْتُهِر به، فحينئذٍ يبحثون عن سماعه في رواياته، ويتفقدون ذلك منه؛ كي تنزاح عنه علة التدليس)) اهـ (١ / ١٣٧) مع ((شرح النووي)). قال ابن رجب بعد إشارته إلى كلام مسلم: ((وهذا يحتمل أنه يريد كثرة التدليس في حديثه، ويحتمل أنه يريد ثبوت ذلك عنه وصحته، فيكون كقول الشافعي)). اهـ ((شرح العلل)) (١ / ٣٥٤). قلت: الاحتمال الثاني خلاف الظاهر من كلام مسلم، والله أعلم. وقد قال ابن عبدالبر: (( ... إلا أن يكون الرجل معروفًا بالتدليس؛ فلا يُقْبل حديثه حتى يقول: ((حدثنا)) أو ((سمعت)) فهذا مما لا أعلم فيه - أيضًا - خلافًا)) اهـ من ((التمهيد)) (١ / ١٣). (٢) انظر ((جامع التحصيل)) (ص ١١١ - ١١٢). (٣) انظر ((الكفاية)) (ص ٥١٥ - ٥١٨). (٤) انظر ((المقدمة)) (ص ٩٩) مع ((التقييد)). (٥) وهذا ظاهر عبارته في ((النزهة)) (ص ١١٣) لأنه قَيّد التفصيل بمن ثبت عنه التدليس، وهذا يقع بمرة واحدة، إلا أن صنيعه في ((طبقات المدلسين)) يدل على أنه يُمشي عنعنة من وقع منه التدليس نادرًا، والله أعلم. = ٢٦٤ الجواهر السليمانية الثقة بالسماع؛ قُبِلَ بلا خلاف، وإن عنعن؛ ففيه الخلاف))(١). والخلاصة : أن الراجح من هذه الأقوال : اعتبار التفصيل. ومن خلال ماسبق من كلام أهل العلم المفصِّلين في رواية المدلسين ؛ يظهر لنا : أن هناك من لم يلتفت إلى من قلَّ تدليسه، وهناك من يرى أن تدليسه مرة واحدة كافٍ في التوقف في عنعنته. قال الخطيب كثّفُ - وهو ممن يقف في عنعنة المدلس، ولو مرة واحدة - : فإن قيل : لم إذا عُرِف تدليسه في بعض حديثه ؛ وجَبَ حَمْل جميع حديثه على ذلك، مع جواز ألا يكون كذلك ؟ قلنا : لأن تدليسه الذي بان لنا صَيَّر ذلك هو الظاهر من حاله، كما أن من عُرِف بالكذب في حديث واحد؛ صَار الكذبُ هو الظاهر من حاله، وسقط العمل بجميع حديثه، مع جواز كونه صادقًا في بعضها، فكذلك حال من عُرِف بالتدليس، ولو بحديث واحد .. ))(٢))هـ ويمكن أن نلخص هذا المبحث فنقول: إن المدلس تُقْبل عنعنته في هذه الحالات : الأولى : إذا صرح المدلس بالسماع عن الشيخ نفسه من طريق أخرى محفوظة؛ دلَّ ذلك على أن عنعنته لم يكن الإيهام فيها مقصودًا. فإذا كان عندنا إسنادان: أحدهما فيه عنعنة مدلس، وآخر فيه تصريحه بالسماع عن شيخه، فلا نطلق القول بأن المدلس قد صرح بالسماع، وزالت علة تدليسه، وإنما يُنْظَر في هذا السند الذي صرح المدلس فيه (١) انظر ((فتح المغيث)) (١ / ٢٣١). (٢) انظر ((الكفاية)) (ص ٥١٨). ٢٦٥ الحديث المدلس بالسماع: هل هو مرجوح، فيكون شاذًّا أو منكرًا، ولا يقبل، وتبقى العنعنة في حيز التوقف، أم هو راجح محفوظ، فيقبل تصريحه بالسماع، وتكون العنعنة خالية من الإيهام؟ فلابد من التفرقة بين هاتين الحالتين. الحالة الثانية: إذا كان ذلك الراوي مُقِلًا من التدليس، وهو كثير الروايات المتصلة، فلا يليق أن يُتوقّف في حديث الرواي كله إذا لم يصرح بالتحديث من أجل تدليس نادر، إنما يُرَدُّ من حديثه ما ظهرت فيه نكارة، أو نحو ذلك، وقد سبق كلام ابن المديني وغيره في هذا. الحالة الثالثة : إذا كان لا يدلس إلا عن ثقة، وهذا يحتاج إلى نص من العلماء بذلك، كما جاء في حق ابن عيينة، ولا أعلم غيره في هذا الباب، وقد قال ابن حبان: (( ... اللهم ألا يكون المدلس يُعْلَم أنه ما دلَّس قط إلا عن ثقة، فإذا كان كذلك؛ قُبِلَتْ روايته وإن لم يبيِّن السماع، وهذا ليس في الدنيا إلا لسفيان بن عيينة وحده)) اهـ (١). الحالة الرابعة : إذا كان المدلس مكثرًا عن أحد الشيوخ، وعُرِفَتْ ملازمته له، فتُمَشَى عنعنته إذا عنعن عن هذا الشيخ، لأن الفرض أنه بملازمته إياه؛ أنه قد عرف حديثه، فلو سمعه بواسطة عنه، ورأى أن هذا ليس من حديث شيخه ؛ فدينه وأمانته يمنعانه من نسبة هذا الحديث إلى شیخه، وهو يعلم عنه خلاف ذلك. قال الذهبي في ((الميزان))(٢) في ترجمة سليمان الأعمش: ((قلت : وهو يدلِّس، وربما دلس عن ضعيف، ولايُذْرَى به، فمتى قال: ((حدثنا)) فلا كلام، ومتى قال: ((عن)) تطرَّق إليه احتمال التدليس، إلا في شيوخ له أكثر عنهم : كإبراهيم، وأبي وائل، وأبي صالح السمان، فإن روايته عن (١) ((صحيح ابن حبان)) (١ / ١٦١). (٢) (٢ / ٢٢٤). =٢٦٦ الجواهر السليمانية هذا الصنف محمولة على الاتصال)) اهـ وقال العلامة المعلمي اليماني كَذَفُهُ(١): ((كان ابن جريج يدلس عن غير عطاء، فأما عن عطاء؛ فلا، قال - أي ابن جريج -: إذا قلت : ((قال عطاء)) فأنا سمعته منه، وإن لم أقل سمعت)). قال المعلمي : «وإنما هذا لأنه کان یری أنه قد استوعب ما عند عطاء، فإذا سمع رجلًا يُخبر عن عطاء بمالم يسمعه منه ؛ رأى أنه كذِبٌ، فلم يستحل أن يحكيه عن عطاء، وهذا كما قال أبو إسحاق : قال أبو صالح وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج : ليس أحد يحدِّث عن أبي هريرة، إلا علمنا أصادق أم كاذب، يريدان : أنه إذا حدَّث عن أبي هريرة بما لم يسمعاه منه ؛ عَلِمَا أنه كذِبٌ ؛ لإحاطتهما بحديث أبي هريرة)) اهـ. قلت : وما قالاه مُقَيَّدٌ بما إذا كان المدلس من أهل النباهة والفهم، لامطلق المدلس المكثر عن شيخه، وقد فضَّلْتُ ذلك في كتابي : «إتحاف النبيل))(٢) والله المستعان. الحالة الخامسة : إذا كان تلميذه لا يروي عنه إلا ما علم أنه قد سمعه من شيخه، كما جاء في شعبة عن قتادة، حيث كان شعبة يتتبع فا قتادة، فإن قال: ((حدثنا)) أو نحوه ؛ أخذ عنه، وإن قال: ((عن)) أو نحوه؛ تركه، فكان لا يأخذ عنه إلا ما صرح فيه بالسماع، فإن رواه شعبة بعد ذلك عنه بالعنعنة ؛ فلا يضر(٣). قلت : ولا يلزم من ذلك أن كل إسناد فيه شعبة، وشيخه فيه مدلِّس ؛ (١) انظر ((التنكيل)) (١ / ٨٦٥). (٢) (١ / ٣٣٠) السؤال (١٧٨). (٣) انظر (مقدمة الجرح والتعديل)) (١ / ١٦٠) في الكلام على جهود شعبة، ب / ما ذُكر من مراجعة شعبة لِنَقَلَّةِ الحديث. ٢٦٧ الحديث المدلس سس أن تزول علة التدليس لوجود شعبة، فإن شعبة قال : ((كفيتكم تدليس ثلاثة: قتادة، وأبو إسحاق، والأعمش)) ولم يقل : کفیتکم تدلیس المدلسین، . فتنبّه. الحالة السادسة : إذا كان حديثه في أحد ((الصحيحين)) بالعنعنة، ولم يُعلَّه بذلك أحد الحفاظ(١). المبحث الرابع : هل مرسل الصحابي يسمى تدليسًا ؟ قد اتضح من القيد السابق في تعريف تدليس الإسناد - وهو قصد الإيهام - أن مراسيل الصحابة ليست من قبيل التدليس؛ فالصحابي لا يقصد إيهام من يخاطبه بذلك، ولا يريد التشبع بما يروي، كما هو الحال في كثير من المدلسين، وقد ذم العلماء التدليس، ولم يذموا الإرسال، فبهذا يظهر الفرق بين مرسل الصحابي وبين التدليس، ولم يصح عن عالم من العلماء المتقدمين أنه وصف صحابيًّا بالتدليس - فيما أعلم -. إلا أنه قد جاء في ((النبلاء)) (٢) ترجمة أبي هريرة ظبه قال يزيد ابن هارون: سمعت شعبة يقول: ((وكان أبو هريرة يدلس)). قال الذهبي: «تدليس الصحابة كثير، ولا عيب فيه؛ فإن تدليسهم عن صاحب أكبر منهم، والصحابة كلهم عدول)) . اهـ (١) انظر ((النكت)) (٢ / ٦٣٤ - ٦٣٦) وعمدة من ذهب إلى هذا: إما تحسين الظن بالشيخين، وإما أنهما وقفا على التصريح بالسماع من جهة أخرى، وإما تلقي الكتابين بالقبول، وعلى كل حال: فما لم يُنْتقد عليهما أو أحدهما؛ فقبوله أولى، لكل ما سبق أو بعضه، وقد قال القطب الحلبي: ((وأكثر العلماء: أن العنعنات التي في ((الصحيحين)) مُنَزَّلة منزلة السماع)) اهـ من ((فتح المغيث)) (١ / ٢١٨)، وانظر («إتحاف النبيل)) (١ / ٩٧ - ١٠٣) السؤال (١٤). (٢) (٢ / ٦٠٨). ٢٦٨ = الجواهر السليمانية قلت: قول شعبة هذا، قد أسنده ابن عدي في ((الكامل))(١) في الكلام على شعبة، وفيه التستري، وهو كذاب وضاع، وعلى ذلك فلا يصح نسبة هذا إلى شعبة، ولعل الذهبي تبع شعبة في هذا التعبير، فإذا . سقط الإسناد إلى شعبة ؛ فأرجو أن يسقط ما يُبنى عليه من كلام الذهبي، والله أعلم. وقد قال الحافظ في ((النكت))(٢): ((واعلم أن التعريف الذي ذكرناه للمرسل(٣) ينطبق على ما يرويه الصحابة عن النبي ﴿ مما لم يسمعوه منه، وإنما لم يطلقوا عليه اسم التدليس أدبًا، على أن بعضهم أطلق ذلك)) ... ثم ذكر قول شعبة المتقدم، ثم قال: ((والصواب ما عليه الجمهور من الأدب في عدم إطلاق ذلك، والله الموفق))اهـ قلت : والذي يترجح عندي عدم إطلاق ذلك في حق الصحابة من الأصل، وليس فقط من باب الأدب، فإننا نراعي معهم الأدب إذا وقعوا في ذلك، أما إذا لم يقعوا فيه ؛ فلا يُنسب إليهم التدليس، ثم يقال: ((يُترك ذلك من باب الأدب)) !! لأنهم لم يقصدوا الإيهام أصلًا، وهذا القيد لابد منه في تعريف التدليس، وكل ما ذكر من الأسباب الحاملة على التدليس؛ لا يوجد عند الصحابة منه شئ، والعلة التي من أجلها عاب الأئمة التدليس؛ لا توجد فيهم، ولم أقف إلا على قول الذهبي بذلك، وكلام شعبة لا يصح عنه، والله أعلم. (١) (١ / ٨١). (٢) (٢ / ٦٢٣ - ٦٢٤). (٣) كذا في الأصل، ولعل المراد: ((التدليس)) لا المرسل؛ فإن السياق في الكلام على التدليس. ٢٦٩ الحديث المدلس القسم الثاني من أقسام التدليس: تدليس الشيوخ : وتحت هذا القسم مباحث : المبحث الأول: تعريفه : ((هو أن يصف الراوي شيخَه بما لم يشتهر به: من اسم، أو كنية، أو لقب، أو نسبة، إيهامًا للتكثير - غالبًا - وقد يفعل ذلك لضعف شيخه؛ فيدلسه توعيرًا للوقوف على حال الضعيف، وتعميةً لأمره)». مثاله : مارُوي عن أبي بكر بن مجاهد المقرئ أنه روى عن أبي بكر عبدالله بن أبي داود السجستاني، فقال : حدثنا عبدالله ابن أبي عبدالله، وهو لا يُعْرَف بذلك عند المحدثين، وإنما هو مشهور بينهم بأنه عبدالله بن أبي داود(١). المبحث الثاني: حُكم تدليس الشيوخ : إن الحكم عليه يختلف باختلاف قَصْدٍ فاعله : قال ابن الصلاح: ((فَأَمْره أخف - أي من تدليس الإسناد - .... ويختلف الحال في كراهة ذلك بحسب الغرض الحامل عليه))(٢). اهـ. فإن كان يفعل ذلك لضعف شيخه؛ فهذه خيانة ممن تعمده. اهـ بمعناه من كلام الحافظ ابن حجر(٣). قال العراقي ◌َُّهُ: ((فَشَرُّ ذلك: إذا كان الحامل على ذلك كونُ (١) وانظر ((المقدمة)) لابن الصلاح (ص ٩٦) مع ((التقييد))، وانظر تعريف تدليس الشيوخ في ((النكت)) (٢ / ٦١٥). (٢) انظر ((المقدمة)) (ص ١٠٠) مع ((التقييد)). (٣) انظر ((طبقات المدلسين)) (ص ٢٦) والمراد بذلك أن يكون الشيخ ضعيفًا عند المدلِّس، لا أنه ضعيف عند غيره، ثقة عنده، والله أعلم. ٢٧٠ = الجواهر السليمانية المروي عنه ضعيفًا، فيدلسه حتى لا تظهر روايته عن الضعفاء)). اهـ من (شرح الألفية))(١). ومع أن العلماء قد صرح بعضهم بأن ذلك قد يكون خيانة؛ إلا أنني لا أعلم من أسقطوا عدالته لذلك، لكن من مضار تدليس الشيوخ: أن الباحث قد لا يهتدي لمعرفة من هذا الراوي الذي سماه أو كناه بغير ما اشتهر به، مما يؤدي إلى الحكم على الحديث بالضعف، وقد يوافق بهذا التصرف رجلًا آخر ثقة، ويشاركه في اسمه الجديد، وطبقته، ونحو ذلك؛ فيصحح الحديث، وليس كذلك، فما أحلى الصدق والتجرد، وما أقبح التدليس والتشبع، والله المستعان. قال ابن دقيق العيد: ((وللتدليس مفسدة، وفيه مصلحة، فإنه قد يَخْفَى ويصير الراوي مجهولًا، فيسقط العمل بالحديث ؛ لكون الراوي مجهولًا عند السامع، مع كونه عدلًا معروفًا في نفس الأمر، وهذه خيانة عُظمى، ومفسدة كبرى، وأما مصلحته : فامتحان الأذهان في استخراج التدليسات، وإلقاء ذلك إلى من يُراد اختبار حفظه، ومعرفته بالرجال، ووراء ذلك مفسدة أخرى، يراعيها أرباب الصلاح والقلوب : وهو ما في التدليس من التزيين ... )). اهـ (٢). ٠ قال الحافظ معلقًا عليه : قلت : ((وقد نازعته في كونه يصير مجهولًا عند الجميع، لكن من مفسدته أن يوافق ما يدلس به شهرة راوٍ ضعيف، يمكن ذلك الراوي الأخذ عنه، فيصير الحديث من أجل ذلك ضعيفًا، وهو في نفس الأمر صحيح، وعكس هذا في حق من يدلس الضعيف ليُخْفي أمره، فينتقل عن رتبة من يُرَدُّ خبره مطلقًا إلى رتبة من يتوقف فيه، فإن (١) (ص ٨٣). (٢) انظر ((الاقتراح)) (ص ٢٢١ - ٢٢٢). ٢٧١ الحديث المدلس صادف شهرة راو ثقة يمكن ذلك الراوي الأخذ عنه؛ فمفسدته أشد، كما وقع لعطية العوفي في تكنيته محمد بن السائب الكلبي: ((أبا سعيد)» فكان إذا حدث عنه يقول: ((حدثني أبو سعيد)) فيوهم أنه أبو سعيد الخدري $، ح لأن عطية كان لقيه وروى عنه، وهذا أشد ما بلغنا من مفسدة تدليس الشيوخ، وأما ما عدا ذلك من تدليس الشيوخ: فليس فيه مفسدة تتعلق بصحة الإسناد وسقمه، بل فيه مفسدة دينية فيما إذا كان مراد المدلس إيهام تكثير الشيوخ، لما فيه من التشبع، والله أعلم))(١). وقال الخطيب في ((الكفاية))(٢) مبيّنًا حكم الحديث الذي وقع فيه التدليس : ((وفي الجملة : فإن كل من روى عن شيخ شيئًا، سمعه منه، وعَدَلَ عن تعريفه بما اشتهر من أمره، فَخَفِيَ ذلك على سامعه ؛ لم يصح الاحتجاج بذلك الحديث للسامع ؛ لكون الذي حدَّث عنه في حاله ثابت الجهالة، معدوم العدالة، ومن كان هذا صفته ؛ فحديثه ساقط، والعمل به غير لازم ... )). اهـ المبحث الثالث: أيهما أضر: تدليس الشيوخ، أم تدليس الإسناد؟ يختلف الحال باختلاف حال الشيخ المدلَّس؛ وإن كان تدليس الإسناد - في الجملة - أضر من تدليس الشيوخ، وذلك لأن تدليس الإسناد من حيث وجوده: فهو أكثر وقوعًا من تدليس الشيوخ؛ لأن الذين وُصِفوا بتدليس الإسناد أكثر من الذين وُصِفوا بتدليس الشيوخ. أضف إلى ذلك: أن تدليس الشيوخ يتفطن له الأئمة النقاد كثيرًا، فالإمام منهم يقول: فلان الذي في السند: هو فلان بن فلان، ويَرُدّ الأمر إلى نصابه، كما اكتشفوا تصرف المدلسين في اسم محمد بن سعيد (١) انظر ((النكت)) (٢ / ٦٢٨). (٢) (ص ٥٢٧). ٢٧٢ الجواهر السليمانية المصلوب، أما تدليس الإسناد فإذا أُسْقِط من السند رجل ؛ فربما لا يهتدي إليه أحد، والله أعلم. ويدل على ذلك ما قاله الحافظ، فقد قال : ((لا يصير بذلك مجهولًا إلا عند من لا خبرة له بالرجال، وأحوالهم، وأنسابهم إلى قبائلهم، وبلدانهم، وحرفهم، وألقابهم، وكناهم، وكذا الحال في آبائهم، فتدليس الشيوخ دائر بين ما وصفنا، فمن أحاط علمًا بذلك؛ لا يكون الرجل المدَّس عنده مجهولًا)). اهـ. من ((النكت))(١). (شبهة) : قد يقول قائل: إن تدليس الشيوخ داخل في تدليس الإسناد، وذلك لأن الشيوخ يكونون في الإسناد لا في المتن، وعلى ذلك فلا حاجة لهذا التقسيم، ويكون الجميع من تدليس الإسناد !! والجواب : أن معنى تدليس الإسناد: أي تدليس السماع، وبهذا سماه العلائي في ((جامع التحصيل)) (٢) فإن الراوي يوهم سماع ما لم يسمع، والسماع يسمى إسنادًا أيضًا، وتدليس الشيوخ ليس من هذا النوع، فليس فيه إسقاط أضْلًا، وإنما أوقع بعض الطلبة في هذا الوهم: ظنه أن الإسناد مقابل المتن، ورأى أن نوعي التدليس واقعان في الإسناد لا في المتن، ولو تنبه لما سبق؛ لما وقع له هذا الإشكال، والله أعلم. القسم الثالث: تدليس التسوية : والكلام فيه على مباحث : المبحث الأول : تعريفه : ٠٠ قال الحافظ العراقي : ((وصورة هذا القسم من التدليس : أن يجيئ (١) (٢ / ٦٢٦). (٢) (ص ١١٠). = ( ٢٧٣ الحديث المدلس المدلس إلى حديث سمعه من شيخه، وقد سمعه ذلك الشيخ الثقة من شيخ ضعيف، وذلك الشيخ الضعيف يرويه عن شيخ ثقة، (فيعمد) المدلِّس الذي سمع الحديث من الثقة الأول، فيسقط منه شيخه الضعيف، ويجعله من رواية شيخه الثقة عن الثقة الثاني، بلفظ محتمل، كعنعنة ونحوها، فيصير الإسناد كله ثقات، ويُصرح هو بالاتصال بينه وبين شيخه، لأنه قد سمعه منه، فلا يظهر حينئذٍ في الإسناد ما يقتضي عدم قبوله إلا لأهل النقد والمعرفة بالعلل)). اهـ. من ((التقييد))(١). وقد عَدَّ الحافظ ابن حجر هذا التعريف غير جامع، ثم قال: ((بل حق العبارة أن يقول: أن يجيئ الراوي - ليشمل المدلِّسَ وغيره - إلى حديث قد سمعه من شيخ، وسمعه ذلك الشيخ من آخر عن آخر، فيسقط الواسطة بصيغة محتملة، فيصير الإسناد عاليًا، وهو في الحقيقة نازل)). اهـ. من ((النكت))(٢). فظهر من كلام الحافظ أنه ينتقد شيخه في موضعين: الأول: قول العراقي: ((أن يجيء المدلس)) والحافظ يرى الإطلاق، وذلك بقوله: ((أن يجيء الراوي)) ليشمل المدلس وغيره، وعندي: أن كلام العراقي في هذا الموضع أولى؛ لأنه في مقام تعريف تدليس التسوية، لا التسوية التي أراد الحافظ إدخالها في التعريف. الثاني: قول العراقي: ((وقد سمع ذلك الشيخ الثقة من شيخ ضعيف)» انتقده الحافظ بقوله: ((سمعه ذلك الشيخ من آخر)) ولم يقيده بالضعف، ليدخل في ذلك الصغير الثقة، لكن مَثَّلَ لذلك بمثال في التسوية، لا في تدليس التسوية، كما صرح بذلك الحافظ نفسه. (١) (ص ٩٥ - ٩٦) وانظره مختصرًا في ((شرح الألفية)) للعراقي (ص ٨٤). (٢) (٢ /٦٢٠ - ٦٢١). : = ٢٧٤ الجواهر السليمانية وقد ذكر الخطيب أن مدلس تدليس التسوية قد يسقط ضعيفًا أو صغيرًا، فقال كتفه: ((وربما لم يسقط المدلس اسم شيخه الذي حدثه، لكن يُسْقِط ممن بعده في الإسناد رجلًا يكون ضعيفًا في الرواية، أو صغير السن، ويُحَسِّن الحديث بذلك ... )). اهـ. من ((الكفاية))(١). وكثير ممن عَرَّف تدليس التسوية لم يذكر إسقاط الصغير، والله أعلم. فظهر من ذلك : أن مدلس تدليس التسوية يعمد إلى إسقاط الحُدثاء أو الأدنياء، ويُظهر الأجواد الرفعاء، فيغتر بذلك الظاهر من لا يعرف الحقيقة، والله أعلم. مثال تدليس التسوية : ما رواه ابن أبي حاتم في ((العلل)) (٢) قال: ((سمعت أبي وذَكَر الحديث الذي رواه إسحاق بن راهوية، عن بقية، حدثني أبو وهب الأسدي، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي﴿ قال: ((لا تَحْمَدوا إسلام المرء؛ حتى تَعْلَموا عُقْدَة رأيِه)) فقال أبي: هذا الحديث له علة، قلَّ مَنْ يفهمها: روى هذا الحديث عبيدالله بن عمرو، عن إسحاق بن أبي فروة، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ®، وعبيدالله بن عمرو كنيته أبو وهب، وهو أسدي، فكأن بقية بن الوليد كنَّى عبيدالله بن عمرو، ونسبه إلى بني أَسَد ؛ لكيلا يفطن له، حتى إذا تُرِك إسحاق بن أبي فروة من الوسط ؛ لا يُهْتَدَى له، قال - أي أبو حاتم - : وكان بقية مِنْ أَفْعِلِ الناس لهذا)) اهـ فبقية دلَّس هنا تدليس الشيوخ، وتدليس التسوية، والله المستعان. (١) (ص ٥١٨). (٢) (٢ / ١٥٤ - ١٥٥) برقم (١٩٥٧). ٢٧٥ الحديث المدلس المبحث الثاني : حكم تدليس التسوية : قال العلائي في ((جامع التحصيل)) (١): ((وهو مذموم جدًّا من وجوه كثيرة : ١- منها: أنه غِشُ وتغطية لحال الحديث الضعيف، وتلبيس على من أراد الاحتجاج به. ٢- ومنها: أنه يروي عن شيخه ما لم يتحمله عنه - أي عن شيخ شيخه الظاهر في السند - لأنه لم يسمع منه الحديث إلا بتوسط الضعيف، ولم يروه شيخه بدونه . ومنها: أنه (يعترف) على شيخه بتدليس لم يأذن له فيه، وربما أَلْحَق ٣- بشيخه وضْمَة التدليس؛ إذا اطلع عليه أنه رواه عن الواسطة الضعيف، ثم يُوجَد ساقط في هذا الرواية؛ فَيُظَن أن شيخه الذي أسقطه، ودلس الحديث، وليس كذلك)) . قال : ((ولا ريب في تضعيف مَنْ أَكْثَرَ من هذا النوع)) إلى أن قال: ((وبالجملة: فهذا النوع أفحش أنواع التدليس مطلقًا، وشرُّها، لكنه قليل بالنسبة إلى ما يوجد عند المدلسين)). اهـ قلت : ويعني بالقلة هنا: أي بالنسبة لتدليس الإسناد والشيوخ، أما الذين وقعوا فيه فهم كثير، بلغت عدتهم عندي (١٩ رجلًا) كما في ((إتحاف النبيل))(٢). قلت : ويؤيد هذا الوجه الثالث : ما ذكره العلائي نفسه عن صالح جزرة، أنه قال: سمعت الهيثم بن خارجة يقول : ((قلت للوليد بن مسلم: (١) (ص ١١٧ - ١١٨). (٢) (٢ / ٤٢ - ٥٨) السؤال (٢٠٣). = ٢٧٦ الجواهر السليمانية قد أفسدت حدیث الأوزاعي، قال: وكيف؟ قلت: تروي عنه عن نافع، وعنه عن الزهري، وعنه عن يحيى بن أبي كثير، وغيرك يُدْخِل بين الأوزاعيِّ ونافع عبدَالله بنَ عامر الأسلمي، وبينه وبين الزهرِّي قرةً، فما يَحْمِلُك على هذا؟ قال : أُنْبِل الأوزاعيَّ بأن يروي عن مثل هؤلاء، قلت: فإذا روى الأوزاعي عن هؤلاء المناكير، وهم ضعفاء، فأسقطتهم أنت، وصَيَّرتَها من رواية الأوزاعي عن الأثبات؛ ضُعِّفَ الأوزاعي، فلم يلتفت إلى قولي ... ))(١).اهـ وقال العراقي بعد نقله كلام شيخه العلائي: ((ومما يلزم منه - أي من تدليس التسوية - من الغرور الشديد: أن الثقة الأول قد لا يكون معروفًا بالتدليس، ويكون المدلس قد صرح بسماعه من هذا الشيخ الثقة، وهو كذلك، فتزول تهمة تدليسه، فيقف الواقف على هذا السند، فلا يرى فيه موضع علة؛ لأن المدلس صرح باتصاله، والثقة الأول ليس مدلسًا، وقد رواه عن ثقة آخر، فيُحكّم له بالصحة وفيه ما فيه من الآفة التي ذكرناها، وهذا قادح فيمن تَعَمَّد فِعْله، والله أعلم)). اهـ. ((التقييد))(٢). وقال ابن الوزير: ((وهو شر أقسام التدليس)). اهـ. من («توضيح الأفكار)»(٣). قلت : عدَّ هؤلاء العلماء تدليس التسوية شر الأنواع لعدة أسباب : خلاصتها : ١- أن جناية المدلس يتحملها شيخه، وهذا أمر فاحش : أن يجْني الرجل، وغير يتحمل وِزْره !! (١) ((جامع التحصيل)) (ص ١١٨). (٢) (ص ٩٧). (٣) (١ / ٣٧٣). ٢٧٧ الحديث المدلس ٢- إذا كان شيخ المدلس الذي يُظهره في السند لم يكن معروفًا بالتدليس، حُمِلتْ عنعنته على الاتصال، مع أنه لم يسمعه إلا بواسطة الضعيف، الذي أسقطه المدلس، وعلى ذلك فتنفق رواية الضعيف بسبب تدليس المدلس، وقد ذكر ذلك العراقي كَُّ، والله تعالى أعلم. المبحث الثالث: حُكْم مَنْ وَقَع في تدليس التسوية : قال العلائي: ((ولا ريب في تضعيف مَنْ أَكْثَرَ من هذا النوع، وقد وقع فيه جماعة من الأئمة الكبار لكن يسيرًا : كالأعمش، وسفيان الثوري، حكاه عنهما الخطيب)). اهـ (١). وقال العراقي: ((وهو قادح فيمن تعمد فِعْله))(٢). وقال الحافظ ابن حجر: ((لا شك أنه جَرْح، وإن وُصِف به الثوري والأعمش؛ فالاعتذار عنهما : أنهما لا يفعلانه إلا في حق من يكون ثقة عندهما، ضعيفًا عند غيرهما)). اهـ(٣). وقال البقاعي: ((سألت شيخنا - يعني الحافظ ابن حجر -: هل تدليس التسوية جرح؟ قال: ((لاشك أنه جَرْح؛ فإنه خيانة لمن يُنْقل إليهم وغرور، فقلت : كيف يوصف به الثوري والأعمش مع جلالتهما ؟ فقال: أحسن ما يُعْتذر به في هذا الباب : أن مثلهما لا يفعل ذلك إلا في حق من يكون ثقة عنده، ضعيفًا عند غيره)). اهـ (٤) . قلت : قد سبق التنبيه على أنني لا أعلم من طعنوا في عدالته، وعَدُّوه (١) ((جامع التحصيل)) (ص ١١٧). (٢) ((التقييد)) (ص ٩٧). (٣) انظر ((التدريب)) (١ / ٢٢٦). (٤) انظر ((توضيح الأفكار)) (١ / ٣٧٥). ٢٧٨ الجواهر السليمانية متروكًا بسبب التدليس، وقد جاء في ((الميزان)) (١) ترجمة بقية: ((وقال أبو الحسن بن القطان: بقية يدلس عن الضعفاء، ويستبيح ذلك، وهذا إن صَحَّ مُفْسِدٌ لعدالته». قال الذهبي : ((قلت : نعم والله صح هذا عنه، إنه يفعله، وصح عن الوليد بن مسلم، بل وعن جماعةٍ كبارٍ فِعْلُه، وهذا بليَّةٌ منهم، ولكنهم فعلوا ذلك باجتهاد، وما جَوَّزوا على ذلك الشخص الذي يسقطون ذكره بالتدليس: إنه تعمد الكذب، هذا أَمْثَلُ ما يُعْتَذَر به عنهم)) اهـ قلت : والذي أعرفه: أن العلماء يجرحون بذلك في الرواية لا في الديانة، وقد قال الصنعاني في ((توضيح الأفكار))(٢): ((وفي الإيهام في موضع الخلاف نوع من الجرح في الرواية، وإن لم يَجرح في الديانة)). اهـ . المبحث الرابع: هل يشترط في قبول حديث المدلِّس تدليس التسوية التصريحُ بالسماع ونحوه في جميع طبقات السند ؟ الذي تطمئن إليه نفسي: أنه يُكتفى بتصريح المدلس عن شيخه بالسماع، وبتصريح شيخه عن شيخه، أي أن يكون التصريح في طبقتين، ولا نتوقف في صحة السند من أجل العنعنة فيما فوق ذلك؛ إلا إذا علمنا عن رجل بعينه أنه يسقط في الطبقات العليا، أو كان في السند أو المتن نكارة، فالعلماء - أحيانًا - يُعِلُّون بعلل غير مطَّرِدة، وذلك لقرائن معينة. والذي جعلني أقول بهذا القول أمور: وهي: الأول: أنني نظرت في تعريف العلماء لتدليس التسوية، فرأيت أكثرهم يعرفونه بما يدل على أن الغلة في هاتين الطبقتين فقط. (١) (١ / ٣٣٩). (٢) (١ / ٣٧٥). ٢٧٩ الحديث المدلس الثاني : أن الأمثلة التي مَثَّل بها العلماء في هذا القسم: تدل على أن العلة في هذا الموضع، لا فيما بعد ذلك. الثالث : صنيع الحافظ ابن حجر كَُّ يدل على أنه يكتفي من مدلس تدليس التسوية بأن يصرح بالسماع من شيخه، وأن يصرح شيخه بالسماع من شيخه، ومنها ما جاء في ((نتائج الأفكار))(١): قال الحافظ في رواية من روايات بقية : ((وبقية صدوق، أخرج له مسلم، وإنما عابوا عليه التدليس والتسوية، وقد صرح بتحديث شيخه له، وسماع شيخه ؛ فانتفت الريبة)). اهـ وقد توسعت في الكلام على هذه المسألة في كتابي ((إتحاف النبيل))(٢) فارجع إليه. الرابع: أنني لم أجد أحدًا توقّف في رواية مدلّس تدليس التسوية مع تصريحه بالسماع في الطبقتين المذكورتين؛ لعنعنة التابعي عن الصحابي، وذلك يدل على أنه لا يُخشى منه في غير ذاك الموضع. المبحث الخامس : مالفرق بين التسوية وتدليس التسوية ؟ قال الحافظ ابن حجر: ((والتحقيق أن يقال: متى قيل تدليس التسوية ؛ فلا بد أن يكون كل من الثقات الذين حُذِفت بينهم الوسائط في ذلك الإسناد قد اجتمع الشخص منهم بشيخ شيخه في ذلك الحدیث، وإن قیل تسوية بدون لفظ التدليس ؛ لم يحتج إلى اجتماع أحد منهم بمن فوقه، كما فعل مالك، فإنه لم يقع في التدليس أصلًا، ووقع في هذا، فإنه يروي عن ثور عن ابن عباس، وثور لم يلْقَه، وإنما روى عن عكرمة عنه، فأسقط (١) (١ / ٣٥٧ - ٣٥٨). (٢) (٢ / ٣١ - ٤٢) السؤال (٢٠٢). ٢٨٠ الجواهر السليمانية عكرمة؛ لأنه غير حجة عنده، وعلى هذا يفارق المنقطع: بأن شرط الساقط هنا أن يكون ضعيفًا، فهو منقطع خاص)»(١). اهـ والذي في ((النكت))(٢): ((التسوية أعم من أن يكون هناك تدليس، أو لم يكن ... )) ثم ذكر المثال السابق. : فلعل السيوطي كثّفُ نقل ما نقل عن الحافظ من موضع آخر من كتب الحافظ، أو ذكر ما فهم من كلام الحافظ بالمعنى، والله أعلم. وقد سبق في تعريف التدليس: أن من العلماء من لم يشترط في المدلس اللقاء أو السماع من شيوخ شيخه، إنما يكتفي بالمعاصرة مع قصد الإيهام، فإن كان العلماء قد استعملوا التدليس في هذا؛ فيكون الحافظ قد ضيَّق واسعًا، والله أعلم. المبحث السادس: إذا كان مدلس تدليس التسوية يُسْقِط شيخ شيخه، فلماذا يُشترط تصريحه بالسماع فيما بينه وبين شيخه أيضًا ؟! والجواب : أن تدليس التسوية نوع غريب من الإغراق في تعمية الأمر على السامع، ولا يفعل هذا إلا من قد مرَّ بالتدليس المعروف فيما بينه وبين شيخه الذي أظهره في السند، فهذا أمر اشترك فيه كل من دلَّس تدليس الإسناد، فلما علم المدلْس تدليس الإسناد أن أمره قد كُشِفَ؛ ذهب إلى نوع غريب لا يُتَفَطّن له فيه، فإذا كنا نشترط تصريحه فيما بين شيخه وشيخ شيخه؛ فمن باب أولى أن نشترط تصريحه فيما بينه وبين شيخه. وذكر الحافظ في ((الفتح))(٣) رواية الوليد بن مسلم ثنا الأوزاعي أخبرني (١) انظر ((التدريب)) (١ / ٢٢٦). (٢) (٢ / ٦١٧ - ٦١٨). (٣) (٢/ ٤٦٣). ٠ ٤٠