النص المفهرس

صفحات 421-440

الذهبي تبادلهما ذلك من قبيل كلام الاقران لما بينهما من الوحشة (59). وجرح
النسائي أحمد بن صالح المصري بكلام لم يقبله كل من وقف عليه ، قال فيه : « ليس
بثقة ولا مامون » ونقل تكذيبه عن يحي بن معين وما نقله عنه وهم حملة عليه سوء
رأيه فيه لأن أحمد كان لا يحدث أحدا حتى يسأل عنه فلما أن قدم النسائي مصر
جاء اليه وقد صحب قوما من أهل الحديث لا يرضاهم فأبى أن يحدثه فذهب وجمع
: الأحاديث التي وهم فيها أحمد وشرع يشنع عليه قال ابن حجر : « وما ضره ذلك
شيئا ، وأحمد بن صالح ثقة وما نقله النسائي عن ابن معين في أحمد بن صالح ليس هو
المقصود فيه بل شخص آخر واتفق الحفاظ على أن جرح النسائي هذا فيه
تحامل » (60) .
هذه الامثلة من الجرح المردود دعت النقاد الى البحث عن أسباب الجرح لا سيما
إن كان الناقد قد انفرد به ولو كان من الأئمة ، فردوا ما حصل بين النظراء مما كان
بدافع المنافسة والحسد والعداء ولم يقبلوا الا ما وقع بيانه بوضوح وان أمكن التأويل
وتحسين الظن وإلا فيلغى . فالمعاصرة وحدها لا توجب رد كلام المعاصر فيمن عاصره
وانما تقتضي ذلك اذا كان الكلام بغير برهان وحفت به قرينة تفيد أن عاملا خاصا قد
دفع اليه . وهذا المعنى جاء عن ابن عبد البر فأثبت أن الامام الثقة المعتني بالعلم لا
يقبل الجرح فيه الا ببينة ثابتة ، لان امامته تمت بشهادات العدول الحفاظ فلا يمكن
أن يقدح فيه قول فرد صدر في ظروف خاصة ، ولا يصح ما نقده به أمين
الخولي (61) في قوله: « انه جعل الامامة واقيا من النقد » لان الامامة نتيجة
مؤهلات ومكتسبات ثبت الاتصاف بها فهي نتيجة وليست منطلقا . وما ثبت
بالاغلبية لا يزول بقول واحد ثم ان ما وقع الطعن به ليس جرحا فلا يقدح لا في
العدالة ولا في الضبط وليس هو سوى نفثة مصدور كما يقال ولا طعن فيمن صدرت.
عنهم هذه النفئات فالأولى أن لا تصدر ولكنها وقد صدرت عفا الله عنهم ولا أثر لها في
(59) ميزان الاعتدال 1 : 111
(60) هدي الساري : 386
.(61) مَالكِ بن أنس 3 : 484
423

المقول فيه قال ابن عبد البر وقد كان بين أصحاب رسول الله وجلة العلماء كلام هو
أكثر من هذا ، ولكن أهل الفهم والعلم والميز لا يلتفتون الى ذلك لأنهم يغضبون
ويرضون، والقول غير القول في الغضب (((62).
الجرح بسبب المخالفة في المذهب
ذم أهل الحديث الرأي فما هو الرأي المذموم عندهم ؟ ذكر ابن عبد البر أنه
يقصد به عند طائفة منهم البدع المخالفة للسنن في الاعتقاد ويشمل آراء سائر الفرق
من غير أهل السنة في بعض المسائل العقدية كصفات الله تعالى ورؤيته والشفاعة
وغيرها مما جاءت به الأحاديث فردها الذين خالفوا أهل السنة في هذه
المسائل (63) .
وفسره جمهور أهل العلم بالقول في أحكام الشرع بالاستحسان والظنون ورد
الفروع والنوازل بعضها على بعض قياسا دون ردها إلى أصولها ، والنظر في علتها
فاستعمل فيها الرأي قبل أن تنزل وفرعت قبل أن تقع وتكلم فيها قبل أن تكون بالرأي
المضارع بالظن .
وفي الاشتغال بهذا تعطيل للسنن وعمل على جهلها وترك للوقوف على ما يلزم
الوقوف عليه منها ومن كتاب الله (64) والرأي بالمفهوم الأول تحدثنا على المجروحين به.
في الفصل السابق . وأما من جرحوا بسبب استعمال الرأي بالمفهوم الثاني فنذكرهم
بعد زيادة بعض التوضيح له فهو بايجاز اعتماد المفتي فيما لا نص فيه على مقاصد
الشرع وما يتفق على أحكامه في جملتها فيلحق الشبيه بشبيهه وبهذا يشمل الرأي :
القياس والاستحسان والمصالح المرسلة والعرف (65) وهذا الفهم يجعل المذمومين به
(62) جامع بيان العلم وفضله 2 : 155
(63) جامع بيان العلم وفضله 2 : 138
(64) جامع بيان العلم وفضله : 139
(65) أبو زهرة ، أبو حنيفة : 104
424

من أهل السنة أنفسهم ويشمل الفقهاء وفقهاء المحدثين وهم الذين يعنوننا ، والاعتماد
على الرأي ككل ظاهرة فكرية نشأ منذ عهد الصحابة وتدرج الى أن صار مدرسة
مكتملة عند أهل الكوفة ونسب الى أبي حنيفة ومن تابعه وقد نشأ الى جنب مدرسة
أهل الحديث بالحجاز والمنهجان يهدفان إلى غاية واحدة هي استنباط الأحكام الملائمة
للقضايا الحادثة في المجتمع وكلاهما يعتمد النقل والعقل بيد أن أهل الحديث يتهمون
الرأي ولا يأخذون به الا اضطرارا ولا يتهيبون الرواية فيعملون بالمرسل والموقوف
وساعدهم على ذلك توفر الأحاديث عندهم وبساطة البيئة الحجازية .
بينما أهل الرأي يعتمدون الرأي ويتشددون في الرواية أكثر من الآخرين فقلت
عندهم ، وكانت القضايا في بيئتهم متشعبة . والذي باعد بين المنهجين وجعل
الجماعتين تتبادلان الذم افراط أهل الرأي في اعتماد القياس وإيجاد حلول لقضايا
افتراضية ، وتخوف أهل الحديث من الرأي وتنفيرهم منه فالعلم عندهم كل العلم بعد
القرآن في الحديث وهذا لا منازع فيه ولكن هل إن استعمال الرأي لفهم الاثر
عيب ؟ هذا ما بالغ فيه هؤلاء فذموا الرأي عموما ولو اقتصروا على ذم الافراط فيه لما
عد ذما وهذه عينات من أقوالهم .
كان عامر الشعبي محقرا للرأي عنيفا مع من سماهم الارائيين سئل عن مسألة ليس
له فيها أثر فقيل له قل برأيك قال : « وما تصنع برأيي ؟ بل على رأيي » (66)
ووصف الارائيين بأنهم بغضوا اليه المسجد (67) وقال الزهري: « اياكم وأصحاب
الرأي أعيتهم الأحاديث أن يعوها » (68) وقال الاوزاعي : « عليك بآثار من سلف
وان رفضك الناس وإياك ، وآراء الرجال وإن زخرفوا لك القول » (69) واعتبر أيوب
السختياني الرأي اجترارا للباطل (70) ونسب ابن عيينة ابتداع الرأي الى ربيعة بن
(66) ابن سعد ، الطبقات الكبرى 6 : 250
(67) نفس المرجع 6 : 261، وابن عبد البر، جامع بيان العلم وفضله 2 : 146
(68) ابن عبد البر ، جامع بيان العلم وفضله 2 : 138
(69) نفس المرجع 2 : 144
(70) نفس المرجع 2 : 145
425

عبد الرحمن (136) بالمدينة، وعثمان البتي (143) بالبصرة وأبي حنيفة بالكوفة (71)
وكان عبد الرحمن بن مهدي ينكر على من يقول بالرأي في الأحكام والحدود .. وجاء
عنه النهي عن اتباعهم لضلالهم واضلالهم (72) ووصف أصحاب الرأي بالاحتيال
لنقض سنة الرسول صلى الله عليه وسلم (73) ومثل هذه الشدة نجدها عند أحمد بن
حنبل من بعد فطعن في الرأي ولو صدر عن أهل الحديث قال : « رأي الاوزاعي
ورأي مالك ورأي أبي حنيفة كله رأي وهو عندي سواء وانما الحجة في
الآثار» (74) .
وقوله هذا يؤكد ما قلناه من أن أهل الحديث أنفسهم يلجؤون الى الرأي أحيانا
وهو ما جعل بعض المؤلفين ينسبون إليه جماعة منهم ، وموقف أحمد من أهل الرأي
تظهر شدته أولا ومرونته بعد في قوله التالي : « ما زلنا نلعن أهل الرأي ويلعنوننا حتى
جاء الشافعي فمزج بيننا » (75) . فالطعن بالرأي قبل الشافعي كان أكثر شدة منه
بعد ظهوره ، فعند بداية تدوين السنة ، وتمكن العراقيين من الاطلاع عليها ، وبعد
تتلمذ أفراد من الجماعتين على الاخرى وتوسط الشافعي بينهما في الفقه وأصوله ،
تقاربت الجماعتان ووضح عياض دور الشافعي فأبان أنه في تمسكه بصحيح الآثار
واستعمالها ، وفي بيانه الحاجة إلى بعض الرأي وبناء أحكام الشرع عليه قياسا على
أصولها فعلم أصحاب الحديث أن صحيح الرأي فرع للأصل ، وعلم أصحاب الرأي
أنه لا فرع إلا بعد أصل وأنه لا غنى عن تقديم السنن وصحيح الآثار أولا (76)
وهذا الرأي المعتدل أشار اليه من قبل عبد الله ابن المبارك فنصح باعتماد الأثر والاخذ
٥
(71) السجستاني أبو داود ، مسائل الامام أحمد : 275
(72) الاصبهاني أبو نعيم ، حلية الأولياء 9 : 10
(73) السجستاني ، مسائل الامام أحمد : 276
(74) ابن عبد البر ، جامع بيان العلم وفضله 2 : 149
(75) عياض، ترتيب المدارك 1 : 91 3 : 181 (ط الرباط)
(76) ترتيب المدارك 1: 91 (ط. الرباط)
426

من الرأي بما يفسر الحديث (77) لكن الشافعي تخصص في الفقه وأصوله وفي
الحديث ، وجمع وصنف فانتشرت آراؤه ، وقبلت من ذوي المذاهب المختلفة . وصدر
الجرح بالانتماء إلى أهل الرأي عن المفرطين في ذمه ولم يكن كثيرا . والمجروحون به هم
الفقهاء او فقهاء المحدثين ، وأكثر من تعرض له ابو حنيفة وبالغ البعض في
ذمه فقال لمن أخذ عنه : « مضغت كلاما كثيرا ورجعت من غير ثقة» (78) وجاء
عن مالك قوله : « ما زال هذا الامر معتدلا حتى نشأ أبو حنيفة فأخذ فيهم
بالقياس فما أفلح » واعتبر مجيئه بالقياس والرأي أشد من الخروج بالسيف (79)
وتكلم فيه حماد بن زيد كلاما عنيفا (80) ، وحتى لو لم تثبت هذه الاقوال كلها أو
: بعضها فان الثابت أن الكلام في أبي حنيفة ومن تبعه من أهل الرأي كان في البداية
، شديدا مما دفع بابن عبد البر المالكي الى أن يخفف عنه ما رموه به فيقول « ان الذين
وثقوا أبا حنيفة ، وأثنوا عليه اكثر من الذين تكلموا فيه والذين تكلموا فيه من أهل
الحديث أكثر ما عابوا عليه الاغراق في الرأي والقياس والارجاء ، وكان يقال : يستدل
على نباهة الرجل من الماضين بتباين الناس فيه » (81) وممن جرح بالافتاء بالرأي
ربيعة بن عبد الرحمن (82) ومحمد بن عبد الله بن المثنى تلميذ أبي حنيفة وشيخ
البخاري ، قال أحمد : « ما يضعفه عند أهل الحديث الا النظر في الرأي » (83) ،
والوليد بن كثير المخزومي فلم يضعفه أحد وانما عابوا عليه الرأي (84) وأحمد بن أبي
بكر الزهري الملقب بأبي مصعب تلميذ مالك خرج له الشيخان في صحيحيهما
وروى عنه أبو حاتم وأبو زرعة الرازيان ، قال أبو بكر بن أبي خيثمة : « خرجت الى
(77) الأصبهاني أبو نعيم ، حلية الأولياء 8 : 165
(78) السجستاني أبو داود ، مسائل الامام أحمد : 275
(79) ابن عبد البر ، جامع بيان العلم وفضله 2 : 147 .
(80) الأصبهاني أبو نعيم ، حلية الأولياء 6 : 258
(81) جامع بيان العلم وفضله 2 : 149
(82) ابن حجر ، هدي الساري : 461
(83) نفس المرجع : 440
(84) نفس المرجع : 450
427

مكة فقلت لابي عمن أكتب ؟ قال : « لا تكتب عن أبي مصعب وأكتب عمن
شئت » : قال القاضي عياض: « وإنما قال ذلك لان أبا مصعب كان يميل الى
الرأي ، وأبو خيثمة من أهل الحديث وممن يناصر ذلك فلذلك نهى عنه والا فهو ثقة
لا نعلم أحدا ذكره الا بخير » (85) .
الجرح بسبب الشبه المتولدة عن القول بخلق القرآن
الاختلاف في الاعتقاد أحد أسباب الجرح الرئيسية لكن منه ما هو جارج وهو
الغلو في مخالفة أهل السنة والدعوة الى البدعة المعتقدة وما لم يكن بهذا الوصف فليس
بجارح كما وضحنا سابقا . ومن القضايا الخلافية الدقيقة التي كان لها أثرها الكبير في
مسار حرية التفكير ، وفي العلاقات الاجتماعية بين الجماعات الاسلامية وفي رواية
الحديث مسألة خلق القرآن وكنا بيناها سابقا من الناحية التاريخية ، ونوجز الآن بيان
أثرها في الجرح فقد نجد محدثا يجرح آخر بكونه من الواقفة أو اللفظية أو أجاب في
المحنة .
فمن المحدثين من دعوا الى القول بخلق القرآن فأجابوا خوفا دون اعتقاد ، ومنهم من
تورعوا عن الخوض فيما لم يخض فيه السلف فتوقفوا ، ومنهم من امتنعوا أن يجيبوا
وصرحوا بأن القرآن غير مخلوق وصبروا على ما نالهم من التعذيب والموت ، ونحن هنا
ليس من واجبنا المقارنة بين المواقف والحكم لبعضها أو على البعض ، فذلك من
مباحث العقيدة ولكن الذي يهمنا هو نظرة بعض النقاد لها لا سيما والذين امتحنوا
هم المحدثون فهل تترك الرواية عمن أجاب صراحة أو بشبهة في نظر بعضهم أو توقف
فرمي بقسم كبير من الاحاديث أم لا يعتبر ذلك جرحا وتقبل روايات الجميع ما لم
توجد أسباب أخرى جارحة أو تكون الاجابة صريحة وعن اقتناع قد تصاحبه الدعوة الى
المبادئ الجهمية ذلك هو الموقف المعتدل ، ولم يتكلم في المذكورين الا المتشددون في
هذه المسألة ذلك أن قضية خلق القرآن مرت بأطوار لم تمر بها أي قضية فكرية
(85) ترتيب المدارك 3: 347 - 348 (ط. الرباط)
428

وأحدثت من ردود الفعل بين منكريها والقائلين بها ما جعل الطرفين يفرطان ولا سيما
بعد محنة الامام أحمد بن حنبل وحتى قبلها فقد سجلت ضدها مواقف في منتهى
الشدة ، فهذا عبد الرحمن بن مهدي المتوفى قبل بدايتها الفعلية بمدة غير يسيرة يقول :
« لو كان لي سلطان لأُلقيت من يقول ان القرآن مخلوق في دجلة بعد أن أضرب
عنقه» (86) . وكان ينهى عن الصلاة خلف الجهمية ، ومناكحتهم ويعتبرهم كفارا
بكتاب الله ونفاة لصفة الكلام (87) وكنا ذكرنا موقف يزيد بن هارون في الفترة
السابقة لها عندما اختبره المأمون دون أن يشعره . هذه نبذة فقط من مواقف السنّيين
ضد الجهمية قبل استفحال الازمة - كما يقال ــ وهي لا شك ناتجة عن تشدد
الجهمية نحوهم ويكفي كمثال لذلك تسخير الدولة كلها لنشر أفكارهم ، مما شعب
القضية وأحدث لها آثار سيئة جدا في علم الجرح حتى بعد رفع المحنة قال محمد زاهد
الكوثري في تعليقه على شروط الأئمة الخمسة للحازمي « ومن أشرف على سيز المسألة
- أعني خلق القرآن - يرى مبلغ ما اعترى الرواة من التشدد في مسائل يكون
الخلاف فيها لفظيا » وعاب عليهم تدخلهم فيما لا يعنيهم في نظره ورأى أن من أثر
صنيعهم غير المرضي امتلاء غالب كتب الجرح بجروح لا طائل تحتها كقولهم « فلان
من الواقفة الملعونة أو من اللفظية الضالة » وغيرها من الجرح بمسائل أخرى كمجرد
النظر في الكلام (88) . وفعلا فقد توسع نطاق الجرح بهذه المسألة فشمل أئمة
الرواية والجرح والتعديل أنفسهم كعلي بن المديني ويحيى بن معين. والبخاري وغيرهم ،
فأما يحي بن معين فقال أحمد بن حنبل « أكره الكتابة عمن أجاب في المحنة
كيحي .. » وعلق الذهبي على ذلك فقال: « ذكرت أن ليس كل كلام وقع في
حافظ كبير بمؤثر فيه بوجه» ثم بين منزلة يحي في التعديل (89).
وأما على بن المديني فقال ابن أبي حاتم الرازي « كتب عنه أبي وأبو زرعة وترك أبو
(86) الذهبي ، تذكرة الحفاظ 1 : 302 . الأصبهاني ، حلية الأولياء 9 : 7
(87) الأصبهاني ، حلية الأولياء 9 : 6 - 7
(88) الحازمي، شروط الأئمة الخمسة : 10 (تعليق)
(89) الذهبي ، ميزان الاعتدال 4 : 410
429

زرعة الرواية عنه من أجل ما كان منه في المحنة - يعني اجابته في مسألة خلق
القرآن - » (90) .
وتكلم فيه أحمد بعد المحنة قال ابنه عبد الله بعد أن روى عن أبيه عن علي حديث
« لم يحدث أبي بعد المحنة عنه بشيء » ، وفي المسند حدثنا أبي ، حدثنا علي بن عبد
الله - وهو ابن المديني - قبل أن يمتحن (91). قال ابن حجر : « تكلم فيه أحمد
ومن تابعه لاجل ما تقدم من اجابته في المحنة وقد اعتذر الرجل عن ذلك وتاب
وأناب » (92) ونهى أبو خيثمة عن الكتابة عنه بينما سمح بها ابن معين واتهمه ابراهيم
الحربي بزيادة لفظة في حديث ارضاء لابن أبي دؤاد ، وأنه كان يضرب على حديث
أحمد ليرضيه (93) . والقادحون في البخاري يستندون الى ما وقع بينه وبين شيخه
محمد بن يحي الذهلي حين قدم البخاري نيسابور وسألوه عن اللفظ فقال : « القرآن
كلام الله غير مخلوق ومن زعم لفظي بالقرآن مخلوق فهو مبدع لا يجلس
الينا ولا نكلم بعد هذا من يذهب الى محمد بن إسماعيل البخاري »
فانقطع الناس على البخاري الا مسلم بن الحجاج وأحمد بن
سلمة ، وبعث مسلم الى الذهلي جميع ما كان كتب عنه ، وقال الذهلي لا يساكنني
محمد بن اسماعيل في البلد فخشي البخاري على نفسه وسافر منها (94) . وعقب
السبكي على مثل هذا النقد فقال : « ومن أمثلة ما قدمنا قول بعضهم في البخاري
تركه أبو زرعة وأبو حاتم من أجل مسألة اللفظ فيالله والمسلمين أيجوز لاحد أن يقول
البخاري متروك وهو حامل لواء الصناعة ومقدم أهل السنة والجماعة ثم يالله والمسلمين
أتجعل ممادحه مذام فان الحق في مسألة اللفظ معه اذ لا يستريب عاقل من المخلوقين في
أن تلفظه من أفعاله الحادثة التي هي مخلوقة لله تعالى وانما أنكرها الامام أحمد رضي الله
(90) كتاب الجرح والتعديل ق 1 ج 3 : 194
(91) تهذيب التهذيب 7 : 357
(92) تهذيب التهذيب 7 : 356
(93) نفس المرجع 7 : 354 - 355
(94) ابن حجر ، هدي الساري : 490 - 491
430

عنه لبشاعة لفظها » (95) ومن المجروحين بهذا السبب علي بن أبي هاشم الليثي قال
أبو حاتم « وقف في القرآن فوقفنا عن الرواية عنه فاضربوا على حديثه » (96) وحسين
الكرابيسي كان صديقا لأحمد بن حنبل ولما خالفه في القرآن انقلبت الصداقة عداوة
وطعن كل منهما في الآخر (97) . وكان الكرابيسي يقول القرآن غير مخلوق ولفظي به
مخلوق ولما بلغه انكار أحمد بن حنبل عليه قال : « ما ندري ايش نعمل بهذا الفتى ؟
إن قلنا مخلوق قال بدعة وان قلنا غير مخلوق قال بدعة » (98) وأحمد بن ابراهيم
القطيعي تكلم فيه أحمد بن حنبل ، قال ابن حجر « غمزة أحمد لانه أجاب في
المحنة (99) ويعقوب بن أبي شيبة توقف في القرآن فأمر أحمد بهجرانه وهجران من
كلمه (100) .
ومن الطعن المردود الناشىء عن الاختلاف في مسائل عقدية قول بعض المجسمة في
محمد بن حبان « لم يكن له كبير شأن نحن أخرجناه من سجستان لانه أنكر
الحد لله» قال السبكي : « فيا ليت شعري من أحق بالاخراج من يجعل ربه محدودا أو
من ينزهه عن الجسمية » (101). ويلحق بالاختلاف في العقائد :
· 1 - الخلاف الواقع بين الصوفية وأصحاب الحديث فقد طعنوا في بعضهم فتكلم
أحمد بن حنبل في الحارث المحاسبي (102).
2 - نقد المنتمين لبعض الفرق من سواهم من الفرق الأخرى كجرح ابراهيم
(95) طبقات الشافعية 1 : 170
(96) الرازي ابن أبي حاتم ، الجرح والتعديل ق 1 ج 3 : 195
(97) ابن عبد البر ، الانتفاء : 106
(98) ابن حجر ، تهذيب التهذيب 2 : 361
(99) ابن حجر ، هدي الساري 390 ,461
(100) شاكر أحمد محمد ، مقدمة مسند أحمد بن حنبل : 77
(101) طبقات الشافعية 1 : 190
(102) نفس المرجع 1 : 195 . و2 : 39 - 40
431

الجوزجاني وهو مغال في النصب لاحد الكوفيين وهو اسماعيل بن ابان الوراق فقد قال
فيه « كان مائلا عن الحق » . ويقصد بذلك تشيعه ، قال ابن حجر : « الجوزجاني .
كان ناصبيا منحرفا عن علي فهو ضد الشيعي المنحرف عن عثمان ، والصواب
موالاتهما جميعا ولا ينبغي أن يسمع قول مبتدع في مبتدع» (103) وقال في كوفي
آخر من الفقهاء كان زائغا - يعني غاليا في التشيع - فعلق عليه ابن حجر بقوله :
« الجوزجاني غال في النصب فتعارضا ؟ وقد احتج به الشيخان وخرج له الترمذي
حديثين أحدهما متابعه (104) وقال السخاوي : انه أخذ يلين مثل الأعمش وأبى
نعيم وعبيد الله بن موسى وأساطين الحديث وأركان الرواية ورأى أنه اذا عارضه مثله أو
أكثر منه فوثق رجلا ممن ضعفه هو قبل التوثيق (105) ومثله عبد الرحمن بن يوسف
ابن خراش المحدث الحافظ فانه من غلاة الشيعة بل نسب الى الرفض فيتأنى في جرحه
لاهل الشام للعداوة البينة في الاعتقاد وكذا كان ابن عقدة شيعيا فلا يستغرب منه أن
يتعصب ضد أهل الشام لاهل الرفض (106) .
الجرح بسبب التقرب من السلطان والدخول في عمله
اتحدت مواقف العلماء المسلمين من الحكام في الزامهم بما ألزمهم به الله تعالى من
اقامة الشرع ، واختلفت شدة ولينا في العمل معهم ومجالستهم : ونصحهم أو
الاعراض عنهم ومواجهتهم ، وأخذ عطائهم أورده اذا لم يلتزموا بكل ما جاء في الشرع
وكان رد الفعل من الحكام نتيجة لهذه المواقف عنيفا مع الذين اشتدت مواجهتهم ولينا
مع الذين لانوا ، وعلماء الحديث على عادتهم في تتبع الراوي في كل أحواله بحثوا عن
الرواة الذين كانت تربطهم بالحكام علاقات وتجنب بعضهم الرواية عنهم فهل يعد هذا
جرحا ؟ وهل كثر عدد المجروحين به ؟
(103) ابن حجر ، هدي الساري : 390
(104) ابن حجر ، هدي الساري : 406
(105 106) فتح المغيث 3 : 329
432

ان المتتبع لتاريخ علاقة علماء الحديث بالحكام يجد أن الفقهاء منهم هم الذين
كانت لهم مواقف معهم لان الحكام احتاجوا اليهم لاخذ آرائهم وللعمل معهم فتعاون
معهم البعض في حدود ما رأوه جائزا شرعا . وتجنبهم آخرون فتعرضوا للمحن ، وهذه
مواقف بعضهم فسعيد بن المسيب توقف في بيعة ابني عبد الملك بن مروان فضرب
وسجن (107) ثم في بيعة ابن الزبير فضرب أيضا ، وسعيد بن جبير خرج على
الحجاج فقتله (108) وطاوس اليماني لم يمتحن وكان له موقف شجاع مع هشام بن
عبد الملك (109) والأئمة أصحاب المذاهب السنية الاربعة المتبوعة تعرضوا الى محن
متفاوتة فأبو حنيفة لم يرض عن سياسة المنصور ورفض عطاءه ، ونقد قاضيه ابن أبي
ليلى وامتنع عن تولي القضاء فسجن وضرب ثم أفرج عنه لكنه منع من الفتوى
والجلوس للناس (110) .
والامام مالك ضرب من لدن أعوان المنصور وادعى المنصور جهله بذلك ورفعت
المحنة ونشط الامام مالك في تأليفه (111) وأما الامام الشافعي فاتهم بالعلوية من والي
اليمن وكان يعمل له بنجران فأرسل مع المتهمين الى الرشيد ببغداد ولكن الله تعالى أنجاه
من كيد من تآمر عليه بعد أن مثل امام الرشيد مقيدا (112) .
وأما الامام أحمد بن حنبل فكنا ذكرنا سابقا محنته بتفصيل . وكان للبخاري أيضا
نصيب من المحنة فقد طلب منه أمير خراسان وهو في بلدة بخارى أن يحضر اليه
ليسمع أولاده منه فامتنع قائلا « في بيتي يؤتى العلم » فحاول الامير تنفير الناس منه
(107) ابن سعد ، الطبقات الكبرى 5 : 126
(108) البدري ، الاسلام بين العلماء والحكام: 138 - 144 (نشر المكتبة العلمية بالمدينة المنورة
(1966
(109) نفس المرجع : 117
(110) نفس المرجع: 151 وما بعدها
(111) نفس المرجع : 155 وما بعدها
(112) نفس المرجع : 182 وما بعدها
433

فلم يفلح فنفاه الى بلدة خرتنك على فرسخين من سمرقند وهناك مرض ثم .
مات (113) .
هذه محن جماعة من المحدثين عددنا منهم الامام أبا حنيفة وان قلت روايته لامامته
في الفقه وهناك علماء امتحنوا بعد من ذكرنا لكن يهمنا من هم في عصر الرواية من
أصحاب الحديث خاصة .
ولجماعة آخرين مواقف من نوع آخر فقد مات الثوري في البصرة
في الاختفاء من المهدي لأنه كان قوالا للحق شديد الإنكار على
المنحرفين (114) . وكان أيوب السختياني صديقا ليزيد بن الوليد فلما ولي الخلافة
قال : « اللهم أنسه ذكري » (115)، وكان وكيع بن الجراح صديقا لحفص بن
غياث فلما ولي القضاء هجره ، وعلى العكس کان يحي بن سعيد صديقا لمعاذ بن معاذ
فلما ولى القضاء لم يهجره (116) .
واتصل البعض بالخلفاء ونصرهم ولم يشتد معهم بل كان واعظا صادقا ذكيا من
هؤلاء الحسن البصري والاوزاعي ومالك بن أنس وغيرهم (117) . والبعض تولى
وظائف فأحمد بن أبي بكر القاسم بن محمد روى عن مالك الموطأ وتفقه بأصحابه
تولى الشرطة ثم القضاء بالمدينة وكان من أعلم أهلها روى عنه الشيخان في صحيحيهما
والذهلي ، والرازيان (118) .
وأما من جرحوا لترددهم على الحكام أو توليهم بعض المناصب فمنهم حميد بن
(113) ابن حجر ، هدي الساري : 493
(114) الذهبي ، تذكرة الحفاظ 1 : 206
(115) الذهبي ، تاريخ الاسلام 5 : 229
(116) ابن حجر ، تهذيب التهذيب 11 : 125 - 126
(117) انظر ما يتعلق بمالك عند عياض ترتيب المدارك 2: 95 (المغرب) وانظر اخباره واخبار الاخزين
عند البدري ، الإسلام بين العلماء والحكام : 80 وما بعدها
(118) عياض ، ترتيب المدارك (الرباط) 3: 347 - 348
434

هلال العدوي من كبار التابعين كان ابن سيرين لا يرضاه لدخوله في شيء من عمل
السلطان وقد احتج به الجماعة (119) وعاصم بن سليمان الأحول تكلم فيه لولايته
الحسبة (120) وأحمد بن واقد الحراني تكلم فيه لدخوله في عمل السلطان (121)
وأكثر من نقل عنه الجرح بهذا السبب يحي بن معين فقد نقد عكرمة مولى ابن عباس
لقبوله الجوائز (122) وقال مقارنا بين الزهري والأعمش : « برئت من الاعمشِ أن
يكون مثل الزهري ، الزهري يرى العرض والاجازة ويعمل لبني أمية والاعمش فقير
صبور مجانب للسلطان ورع عالم بالقرآن» (123) وجرح أبا عثمان النهدي لانه كان
شرطيا، وقال في الأوزاعي ((إنه كان من الجند ولا كرامة)) (124) ولابن عيينه قول يفهم
منه مدحه متجنبي السلطان، قال: متجنبو السلطان في زمانهم ثلاثة أبوذر في زمانه
وطاوس في زمانه والثوري في زمانه (125) وکان وکیع بن الجراح إذا روى عن أبيه قرنه
بآخر (126) لأنه على بيت المال ووثق أبو مسهر بن عبد الأعلى راويا وحصر عيوبه في
قربه من السلطان (127) ونقل عن أبي اسحاق الفزاني انه اجتمع إليه الناس يأخذون
عنه فأمره بأن يخرج إليهم ليعلمهم بأن لا يحضر مجلسه منهم من كان يرى القدر ومن كان
يأتي السلطان (128).
ولتقييم هذا الجرح نذكر رأي المحدثين في العمل مع السلطان وفي قبول عطائه لنرى
نظرتهم في الموضوعين فحجة الممتنعين عن الولاية كأحمد أنه لا يمكن العمل لسلطان
جائر لأن التولي له عون على ظلمه. والمتولون كالشافعي يرون أن الوالي لا يعمل
لحساب السلطان الجائر بل بمقتضى العدل فلا ينقص في ذلك أن يكون من ولاه
(119) ابن حجر ، هدي الساري : 400
(120 121) ابن حجر ، هدي الساري : 462
(122) نفس المرجع : 425
(123) ابن حجر ، تهذيب التهذيب 4 : 225
(124) ابن عبد البر ، جامع بيان العلم وفضله 2 : 160
(125) ابن حجر ، تهذيب التهذيب 5 : 10
(126) نفس المرجع 11 : 130
(127) الرازي ابن أبي حاتم ، تقدمه المعرفة : 289
(128) الذهبي ، تذكرة الحفاظ 1 : 273
435

جائرا ، وعمر بن عبد العزيز تولى لسليمان بن عبد الملك وهو كسائر بني أمية . وأما.
العطاء فرفضه جماعة كأبي حنيفة والثوري وأحمد وبالغوا في ذلك وقبله آخرون كالحسن
البصري ومالك ليعيلوا به المعوزين وأهل العلم فالمال في نظرهم للمسلمين وكما ينفق على
الجند لحماية الثغور ينفق على العلماء لمنع الضلال ويأخذون من الخلفاء دون الولاة
وقسم يأخذ ويتصدق به كالشافعي (129) وبعد عرض وجهات النظر المختلفة وقبول
بعض مشاهير المحدثين كالزهري الجوائز وعدم جرحه بذلك يتضح أن قبول الجوائز
جرح عند المتشددين في هذه المسألة دون من سواهم . قال ابن حجر: « وأما قبول
الجوائز فلا يقدح الا عند أهل التشديد وجمهور أهل العلم على الجواز» (130).
ونلاحظ أن قضية العلاقة بالسلطان انما أثيرت عندما جار بعض الخلفاء أما
الخليفة العادل فالتعاون معه لازم فلا جرح في القرب منه .
أخذ الأجر عن التحديث
تشدد شعبة في النهي عن اعتماد رواية الفقراء لان فقرهم قد يدفعهم لعدم الاحتياط
في الرواية رغبة في العوض ، وكان شعبة نفسه فقيرا قال : « لا تكتبوا عن الفقراء شيئا
فانهم يكذبون لكم» ، ونصح بالكتابة عن الموسرين (131) وإذا كان قد تشدد في
الأخذ عن الفقراء فإنه كان شفوقا عليهم . يمدهم بما استطاع من عون رغم فقره ، ومن
الذين قالوا بترك الرواية عمن يأخذ العوض على الحديث : ابن راهويه سئل عن ذلك
فاستشهد بما جاء عن بعضهم مكتوب في الكتب « يا ابن آدم علم مجانا كما علمت
مجانا » ، وأبو حاتم الرازي القائل لمن سأله أيضا « لا يكتب عنه » وأحمد بن حنبل ،
قيل له « أيكتب عمن يبيع الحديث ؟ قال : « لا » ولا كرامة (132) واستاء
(129) أبو زهرة، تاريخ المذاهب الاسلامية 2 : 311 - 312
(130) هدي الساري : 425
(131) الخطيب البغدادي ، الكفاية : 242
(132) العراقي، التبصره والتذكرة 1 : 340 ، السخاوي ، فتح المغيث 1 : 340
436

سليمان بن حرب (224) من فساد القضاء والحديث لقبول القضاة الرشوة والأخذ
المحدثين الأجر (133) ، ولم يفرق القائلون بالمنع بين أن يكون العوض أجرا أو هدية ،
وعندما جلس الحسن البصري للتحديث أهدي له فرد الهدية ، وقدم الرشيد لعيسى
ابن يوسف بن أبي اسحاق السبيعي جائزة كبيرة فردها وقال : « لا يتحدث الناس
أني أكلت للسنة ثمنا » (134) وأهدى أصحاب الحديث للاوزاعي هدية فخيرهم
بين قبولها والكف عن تحديثهم أو ردها وتحديثهم فردوها وحدثهم (135) ونحو هذا
الموقف عن حماد بن سلمة (136) .
وتألم بعض طلاب أبي الفتح الكرخي راوي صحيح الترمذي لفقره فأرسلوا اليه
شيئا من الذهب فرده ، وقال: « بعد السبعين واقتراب الأجل آخذ على حديث
رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا » (137) ورغم أن الأجر على الحديث يشبه
الاجر في تعليم القرآن والتدريس فان العرف لم يألفه واعتبر قدحا في المروءة لعلو همم
المحدثين. وتنزيههم عن سوء الظن بهم فإن بعض من أخذوا العوض عثر على تزيدهم
وادعائهم سماع ما لم يسمعوا ومن الذين اخذوا أجرا على الحديث :
هشام بن عمار الدمشقي وقد أمسك محمد بن مسلم بن واره عن سماعه لانه كان
يبيع الحديث كما قال (139) والحافظ أبو نعيم الفضل بن دكين ، وعفان بن مسلم
أحد الحفاظ الاثبات ، والثلاثة من شيوخ البخاري ، وشهد أحمد بن حنبل بمنزلة
الاخيرين ورفضهما الاجابة في المحنة وذكر كلام الناس فيهما بسبب تحديثهما بالاجر ،
وعن أبي حاتم توثيق عفان والحال أن أحمد وأبا حاتم منعا الاخذ عمن يأخذ العوض
(133) الخطيب البغدادي ، الكفاية : 241
(134) السخاوي ، فتح المغيث 1 : 320 - 321
(135) نفس المرجع 1 : 322
(136) الخطيب البغدادي ، الكفاية : 241
(137) السخاوي ، فتح المغيث 1 : 322
(138) الخطيب البغدادي ، الكفاية : 241
(139) ابن حجر ، هدي الساري : 448
437

فيمكن حمل ذلك على من لم يبلغ هذه المرتبة في الثقة والتثبت ، ويمكن أن لا يكون
الامتناع عاما كما وقع للنسائي مع علي البغوي حیث امتنع عن الاخذ عنه وذمه کثیرا
عندما أفرط ولم يعف الغريب المحتاج (140) وروى النسائي في سننه حديثا عن يعقوب
الدورقي ثم قال : « لم يكن يحدث به الا بدينار » (141) والذين أخذوا العوض منهم
من عمم فأخذ من جميع طلابه ، ومنهم من أعفى الغرباء ، ومنهم من اقتصر على
الاغنياء ، وغرضهم ليس الشره في طلب المال ، ولكنه الحصول على قوت العيال !. قال
الفضل بن دكين : « يلومونني على الاخذ وفي بيتي ثلاثة عشر نفسا وما فيه
رغيف » (142) وهذا باستثناء من أفرط منهم . والممتنعون حملهم ورعهم على ذلك
رغم احتياج بعضهم ، ورواية البخاري والنسائي وغيرهما عمن أخذوا العوض وتوثيق
أحمد بن حنبل وأبي حاتم لبعضهم وهما من القائلين بترك الرواية عن هذا الصنف دليل
على أن الجرح به غير مؤثر اذا كان بدافع الاضطرار وفي حدود الحاجة ، ولا يعدو أن
يكون مخالفا للمروءة فقط دون العدالة .
كلام النقاد في بعض المراسيل
المرسل من أنواع الحديث التي تعددت فيها المباحث سواء في تعريفه أو في
حجيته ، واشترك فيه المحدثون والفقهاء والأصوليون ، والذي يهمنا من هذه المباحث
جميعا هو نظرة المحدثين له فما هو المرسل عندهم ؟ وما درجته في الصحة أو
الضعف ؟ وهل يعتبر الارسال جرحا للراوي ؟
.المرسل لغة مشتق من الارسال وهو الاطلاق فكأن المرسل أطلق الاسناد ولم يقيده
بجميع رواته (143) ، وفي الاصطلاح لم يتفقوا على تعريفه الا في صورة ما اذا كان
(140) الخطيب البغدادي ، الكفاية : 244
(141) سنن النسائي 1 : 49
(142) الانصاري ، فتح الباقي 1 : 341
(143) هيتو حسن ، الحديث المرسل : 7
438

الراوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تابعيا كبيرا فروايته عنه هي من قبيل.
المرسل عند الجميع وألحق به البعض مرسل صغار التابعين كالزهري ، واختلفوا فيما
عدا ذلك ، وتوسع الفقهاء والأصوليون فأطلقوه على قول غير الصحابي قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم فيدخل فيه المنقطع وهو ما لم يتصل اسناده سواء سقط منه
صحابي أو غيره والمعضل وهو ما سقط من اسناده اثنان فأكثر بشرط التوالي كقول
مالك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (144) وأحصى علماء الحديث الرواة
الذين اشتهروا بالارسال وقيموا ارسالهم، قال الحاكم (145) ((أكثر ما تروى المراسيل
من أهل المدينةً عن ابن المسيب: ومن أهل مكة عن عطاء بن أبي رباح، ومن أهل
البصرة عن الحسن البصري، ومن أهل الكوفة عن ابراهيم النخعي ومن أهل مصر عن
سعيد بن أبي هلال، ومن أهل الشام عن مكحول، وبين الحاكم درجة
مرسلات سعيد بن المسيب ، فقال : انها أصح المراسيل في نظر يحي بن معين وأحمد
ابن حنبل لانه من أولاد الصحابة ، ولان مراسيله وجدت مسنده (146). ونقل
السيوطي (147) آراء أئمة الحديث في بعض المراسيل الاخرى فقال فأما مراسيل
عطاء بن أبي رباح فضعفها ابن المديني ويحي بن سعيد القطان وأحمد بن حنبل بسبب
أخذه عن كل أحد .
وأما مراسيل الحسن البصري فضعفها أحمد بن حنبل ، وصحح ابن المديني ما
رواه الثقات عنه ووجد يحي القطان لها أصولا ما عدا حديثا أو حديثين . وذكر
الحسن أنه أرسل ما رواه عن علي خوفا من الحجاج ، وأما مرسلات ابراهيم النخعي
فقال أحمد بن حنبل لا بأس بها وفضلها ابن معين على مراسيل الشعبي ، وقال ابراهيم
عن نفسه ان ما أرسلته رويته عن غير واحد ، وضعفها يحي القطان .
وهناك مراسيل أخرى عن تابعين آخرين بين النقاد درجتها منها : مراسيل الزهري
فضعفها الشافعي لروايته عن أحد الضعفاء ويحي القطان فقال : « انه حافظ وكلما
(144) السيوطي، تدريب الراوي 1 : 195 - 196
(145 و146) معرفة علوم الحديث : 25
(147) تدريب الراوي 1 : 203 - 205
439

قدر أن يسمى سمى وانما يترك من لا يستحب أن يسميه » . وضعفها أيضا ابن
معين .
ومرسلات قتادة ضعفها يحي القطان أيضا واعتبرها بمنزلة الريح ، ومرسلات سعيد
ابن جبير فضلها القطان على مرسلات عطاء وضعف مرسلات أبي اسحاق الهمذاني
والاعمش وسليمان التيمي ويحي بن أبي كثير . أما من بعد التابعین فضعف مرسلات
ابن عيينه ، وفضل عليها مراسيل مالك بن أنس وشهد بصحة حديثه .
درجة الحديث المرسل :
يتبين من خلال أقوال الأئمة السابقين ضعف الحديث المرسل واذا كانت أقوالهم
خصت ببعض المراسيل فان مسلم بن الحجاج عمم وقال : « والمرسل من الروايات
في أصل قولنا وقول أهل العلم ليس بحجة » (148) وقال الترمذي « الحديث اذا
كان مرسلا فإنه لا يصح عند أكثر أهل الحديث قد ضعفه غير واحد منهم»(149)
وما أثبتناه سابقا في بحث الأسناد دليل على رفض الارسال . ورد البعض مراسيل
الصحابة لا للشك في عدالتهم ولكن لان الصحابي قد يروي عن تابعي أو عن أعرابي
لا تعرف صحبته ولا عدالته فاذا صرح بأنه لا يروي الا عن الرسول أو عن صحابي
قبل خبره ، وقبلهما البعض لان الصحابة عدول وما أرسله الصحابي ولم يبين السماع
فيه فاما أن يكون سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أو من صحابي ومن سمع
منهم من غير الرسول أو من غير الصحابة فقد بين في روايته عمن سمع وهو نادر فلا
اعتبار به (150). وقبلت الاكثرية مراسيل كبار التابعين فقط دون مراسيل من قصر
عنهم . ومنهم من قبل مراسيل من عرف منه النظر في أخوال شيوخه والتحري في الرواية
عنهم دون من لم يعرف بذلك (151) وسبب ضعف المرسل القياس على رواية المجهول
(148) صحيح مسلم تصحيح محمد فؤاد عبد الباقي 1 : 30 ، المقدمة : 6
(149) علل الترمذي بآخر صحيحه شرح ابن العربي 13 : 328
(150) الخطيب البغدادي ، الكفاية : 547 - 548
(151) الخطيب البغدادي ، الكفاية : 548 - 549
440

فاذا كان من سمي وجهلت حاله مردود الرواية فرواية المرسل أولى بالرد لان المروي عنه
مجهول العين والحال ، قال ابن حجر: «وإنما ذكر المرسل في قسم المردود للجهل
بحال المحذوف لانه يحتمل أن يكون صحابيا ويحتمل أن يكون تابعيا ، وعلى الثاني
يحتمل أن يكون ضعيفا ويحتمل أن يكون ثقة ويحتمل أن يكون حمل عن صحابي أو
عن تابعي آخر وهكذا يبقى احتمال الجهل ولا يرتفع» (152). قال الترمذي :
« ومن ضعف المرسل فانه ضعفه من قبل أن الائمة حدثوا عن الثقات وغير الثقات
فاذا روى أحدهم حديثا وأرسله لعله أخذه عن غير ثقة قد تكلم الحسن البصري في
معبد الجهني ثم روى عنه » (153) .
الجرح بالارسال :
رغم ما قيل في مرسلات كثير من التابعين وبعض الأئمة من بعدهم فان الارسال
لم يجرح به الا القليل لانه علة من علل الحديث ، والغلل غير الجرح كما قدمنا ، وقد
يكون الراوي يرسل وفيه قدح فيذكر ارساله مع بقية أسباب الطعن فيه . وذكر ابن
حجر في هدي الساري (154) أربعة ممن جرحوا بالإرسال ، وهذا العدد لا يعني
الحصر بل المثال لمن اعتبر إرسالهم جرحا في نظر البعض . أما من اشتهروا بالارسال
فذكرنا أغلبهم .
التدلیس
التدليس مشتق من الدلس بفتحتين بمعنى الظلمة ، ودلس في البيع كتم عيب
السلعة عن المشتري ، ومن هذا أخذ التدليس في الاسناد (155) وفي اصطلاح
المحدثين يحسن أن نعرف كلا من نوعيه على حدة وهما : تدليس الاسناد وتدليس
الشيوخ ، فالاول أن يروي الراوي عمن لقيه ، وأخذ عنه ما لم يسمعه منه موهما أنه
(152) العدوي ، حاشية لقط الدرر : 63
(153) علل الترمذي بآخر صحيحه شرح ابن العربي 13 : 329 - 330
(154) ص : 461 - 462
(155) ابن منظور ، لسان العرب مادة (دلس) 1 : 1002
441

سمعه منه كأن يقول عن فلان ، أو قال فلان أو نحو ذلك فأما اذا صرح بالسماع
أو التحدیث ولم یکن قد سمعه من شيخه ولم يقرأه علیه لم یکن مدلسا بل كان كاذبا
فاسقا وفرغ من أمره (156) وتوسع ابن الصلاح فجعل منه رواية الراوي عمن
عاصره ولم يلقه بما يوهم اللقاء والسماع . واعتبر ابن حجر هذا القسم ارسالا"
خفيا (157) وتدليس القطع وهو أن يحذف الراوي صيغة التحديث ويقتصر على ذكر
راو لم يسمع منه ومثاله قول ابن عيينة مرة قال الزهري فقال له أحد الحاضرين
« حدثكم الزهري ؟ فسكت ثم قال « الزهري » فقيل له « سمعته من الزهري »؟
فقال : لا، لم أسمعه من الزهري فسفيان لقي الزهري ولكنه لم يأخذ عنه بل أخذ عن
عبد الرزاق عن معمر عنه (158) وصيغة تحديثه توهم أخذه عنه فهو مدلس في
قوله « قال الزهري » .
وتدليس العطف وهو : أن يصرح بالتحديث من شيخ وبعطف عليه شيخا آخر
له لم يسمع منه ذلك المروي (159) .
وتدليس التسوية وهو أن يسقط شيخ شيخه أو من فوقه لضعفه أو صغر سنه
تحسينا للحديث وهو شر أقسام التدليس وأفحشها لان الثقة الاول قد لا يكون معروفا
بالتدليس ويجد الواقف على السند ، الحديث كذلك بعد التسوية قد رواه عن ثقة آخر
فيحكم له بالصحة ، وفيه غرر شديد (160) ، وفعله بقية بن الوليد ، والوليد بن
مسلم والاعمش ، وسفيان الثوري .. وكان الوليد يحذف شيوخ الاوزاعي الضعفاء
متعللا بأنه أسمى من أن يروي عنهم فقيل له « اذا روى عن الضعفاء أحاديث مناكير
فأسقطتهم أنت وصيرتها من رواية الأوزاعي عن الثقات فلم يجب » (161). واتفق
(156) شاكر أحمد محمد، الباعث الحثيث : 53 - 54 .
(157) القارىء علي حاشية على شرح النخبة : 119
(158) ابن الصلاح ، علوم الحديث : 66
(159) ابن حجر ، طبقات المدلسين : 3
(160) السيوطي، تدريب الراوي 1 : 224 - 225
(161) السيوطي، تدريب الراوي 1 : 226 - 227
442