النص المفهرس

صفحات 361-380

« ما حدثت بهذا قط» فأتى قتادة فذكر ذلك له فقال: « نسي» (30) وفي رده
على نكران شيخه تلطف لا يوجد في مواقف بعض المحدثين ، من ذلك ما وقع بين
الأعمش وشيخه حصين بن عبد الرحمن فقد حدث الأعمش عنه حديثاً ، مرفوعا الى
النبي صلى الله عليه وسلم سمعه منه أبو بكر بن عياش فذهب إلى حصين ليسمعه
منه فقال : « أنا لم أحدث الأعمش بهذا فرجع اليه فأخبره فكذب شيخه وأقسم على
أنه حدثه ، قال : « كذب والله لقد حدثني» (31). فالأعمش لم يقبل نفي شيخه
تحديثه ، وأبى الا أن يثبت أنه سمع منه فلم يكتف بالقسم بل أعلن تكذيبه لتيقنه من
السماع ، لكن كان عليه أن لا يعلن التكذيب لا سيما وشيخه تأدب معه فاكتفى
بنفي تحديثه وفي ذلك تكذيب ولكنه أخف من التصريح به .
وهذان الموقفان اتفقا في نفي الشيخ تحديث الراوي عنه بل ان الأول نفى التحديث
أساسا ، واختلفا في تعليل موقف الراوي من شيخه فتلطف واحد ، وتشدد آخر ،
وهناك شاهدان آخران يختلفان عن هذين : الاول يتمثل في سؤال ابن جريج للزهري
عن حديث رواه عنه سليمان بن موسى ، فلم يعرفه فلم يثبت ولم ينف ، والشاهد
الثاني رواه أبو داود في سننه عن شيخه أحمد ابن أبي بكر عبد العزيز الدراوردي عن
ربيعة بن عبد الرحمن عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة « أن النبي صلى
الله عليه وسلم قضى باليمين مع الشاهد ».
ونقل بعد ذلك عن الربيع بن سليمان عن الشافعي أن عبد العزيز ذكر الحديث
لسهيل شيخ ربيعة فأجابه : « أخبرني ربيعة ، وهو عندي ثقة أني حدثته ولا أحفظ »
فالشيخ هنا نسي حديثه فأخذه عن تلميذه لثقته به ، ونقل عنه غير هذا الحديث مما
حدثه به ونسيه اذ أنه أصابه مرض عقلي أنساه بعض حديثه فكان بعد أن شفي
يحدث عن ربيعة عنه أي عن نفسه عن أبيه (32) ، وهذا الموقف لم يثر قضية
(30) الخطيب البغدادي ، الكفاية : 220
(31) نفس المرجع 220 - 221
(32) عون المعبود شرح سنن أبي داود 10 : 31 - 33، كتاب القضاء : 22
363

الاعتراف الشيخ بالنسيان وثقته بالطالب ولتيقن الطالب مما أخذ ، ولم ينفرد سهيل بهذا
الموقف بل شاركه فيه غيره مما جعل النقاد يفردون بالبحث مسألة من حدث ونسي ،
وأثارت المواقف السابقة قضايا وهي هل يطعن تكذيب أحد الراوبين للآخر فيه ، وتبعا
لذلك هل يقبل الحديث المختلف فيه أو يرد ؟.
أثبت مسلم في صحيحه حديثا أنكره أحد رواته عمن نقله عنه ، واثباته له دلیل
على عدم اعتباره تأثير الانکار في رد الحدیث روی بسنده عن عمرو بن دينار عن أبي
معبد مولى ابن عباس أنه سمعه يخبر عن ابن عباس ، قال : « ما كنا نعرف انقضاء
صلاة رسول الله الا بالتكبير » . قال عمرو - يعني ابن دینار - فذكرت ذلك لابي
معبد فأنكره ، وقال : « لم أحدثك بهذا»، قال عمرو « وقد أخبرنيه قبل
ذلك » (33) . فهذا الحديث مما أنكره الشيخ على الراوي عنه واحتج به مسلم فتبين
أن مذهبه صحة الحديث ولو أنكره راوية اذا كان الناقل عنه عدلا ومن قبله روى.
الشافعي هذا الحديث عن سفيان وقال كأنه ــ يعني أبا معبد - نسیه بعد أن حدثه
به (34) . والحديث بهذا السند وبدون التنصيص على انكاره من أبي معبد ودون
صيغة الحصر في المتن موجود في صحيح البخاري (35) .
والمحدثين في قضية انكار الأصل لحديث الفرع عنه ، وهما ثقتان التفصيل
الآتي : فان جزم الأصل بالنفي وصرح بالتكذيب فالحديث مردود لأن جزم الفرع
بکون الأصل حدثه یسلتزم تكذیب الأصل في دعواه أنه کذب علیه ، ولیس قبول
قول أحدهما أولى من الآخر ، وإن جزم بالنفي ولم يصرح بالتكذيب كقول معيد لم
أحدثك بهذا فالراجح قبول الحديث وهو صنيع مسلم في هذا الحديث ويعضده
(33) صحيح مسلم تصحيح محمد فؤاد عبد الباقي 1 : 410 كتاب المساجد ومواضع
الصلاة : 121
(34) ابن حجر ، فتح الباري 2 : 326
(35) كتاب الاذان : 155
364

تصحيح البخاري له ويبدو أنهما حملا الشيخ على النسيان كما صرح من قبلهما
الشافعي فقال « كأنه نسي بعد أن حدثه » ؟
وإن لم يجزم بنفي الرواية عنه كأن قال : « لا أذكره » فالرواية مقبولة لأن الفرع ثقة
والأصل لم يطعن فيه ، وخالف البعض في قبولها (36) .
وهناك صورة أخرى هي أن ينفي الشيخ تحديث الطالب دون نفي التحديث بذاك
الحديث لغيره ، فيقبل الحديث من الشيخ نفسه أو بواسطة ثقة آخر عنه لا من
الطريق المنفي ، فان أنكر الحديث نفسه لم يقبل منه بعد ولا من غيره الا اذا ثبت
تحمله له بعد على من رواه عنه (37) .
الاتهام بالكذب
ثاني القوادح في العدالة الاتهام بالكذب وهو دون ثبوته لان التهمة أصلها الوهمة
من الوهم وتعني الظن يقال: اتهمته أي ظننت فيه ما نسبت إليه (38).
وجاء عن شعبة وعبد الرحمن بن مهدي والترمذي فيما نقلناه قريبا عد المتهم
بالكذب من المتروكين، وذكر الترمذي من بين علامات الاتهام بالكذب أن لا يعرف
الحديث الا من جهة المتهم (39) . ومعلوم أنه لو كان المنفرد ثقة فإن الحديث لا يرد
وأضاف ابن حجر الى التفرد بالحديث مع الاتهام مخالفته القواعد المعلومة وحملت.
القواعد على مخالفة من هو أوثق منه ، وليست على قواعد الشريعة لان ما جاء من
جهة المتهم فيه التهمة ولو كان موافقا لها (40) .
بـ
(36) ابن حجر ، فتح الباري 2 : 326 القسطلاني ، ارشاد الساري 1 : 136 - 137
(37) الصنعاني ، توضيح الافكار 2 : 248
(38) ابن منظور ، لسان العرب مادة (وهم) 3 : 994
(39) ابن رجب ، شرح علل الترمذي : 100
(40) العدوي ، حاشية لقط الدرر : 69
365

ومثل المتهم بالكذب في الحديث النبوي المعروف به في كلامه ، وإن لم يقع منه في
حديث النبي صلى الله عليه وسلم وهر وان كان دونه فكلاهما يترك حديثه .
والحديث المتروك في اللغة هو الساقط وفي الاصطلاح ما انفرد بروايته واحد وأجمع
على ضعفه لان اتهام الراوي بالكذب مع تفرده لا يسوغ الحكم بالوضع (41) . ومن
عبارات النقاد في متروك الحديث قولهم : « فلان متهم بالكذب أو الوضع ، وفلان
ساقط ، وفلان هالك ، وفلان ذاهب ، أو ذاهب الحديث ، أو متروك الحديث ، أو
تركوه ، وفلان لا يعتبر به ، أو لا يعتبر بحديثه أو ليس بثقة . ولا مأمون ونحو
ذلك » (42) والرواية عن المتهمين بالكذب غير جائزة الا مع بيان حالهم (43) وبما
أن راوي الحديث المتروك متهم لم تثبت ادانته فانه قد يكون متروكا عند ناقد ، وكذابا
أو ضعيفا عند آخر ، وأقوال النقاد في تراجم المتروكين شاهدة بذلك ، ولاختلاف
وجهات النظر رأى أحمد بن صالح المصري أن لا يترك حديث الرجل حتى يجتمع
الجميع على تركه (44) .
الفسق
ثالث ما يطعن في العدالة الفسق وهو ترك طاعة الله والخروج عن طريق الحق ،
وقيل هو الميل الى المعصية ، ويقع بالقليل من الذنوب ، وبالكثير ، وتعورف فيما اذا
كان بالكثير ، وأكثر ما يقال الفاسق لمن التزم حكم الشرع وأقر به ثم أخل بجميع.
أحكامه أو بعضها (45) . وهو أشد من العصيان لانه خروج عن طاعة الله ورسوله
قال تعالى : « وكره اليكم الكفر والفسوق والعصيان » (46) ويكون بالمعتقد وهو ما
(41) نفس المرجع ص 74
(42) اللكنوي ، الرفع والتكميل في الجرد والتعديل: 118
(43) ابن رجب ، شرح علل الترمذي : 113
(44) الخطيب البغداي ، الكفاية : 181
(45) الزبيدي ، تاج العروس 7 : 48
(46) الحجرات : 7
. 366

١
٠٤
سنبحثه في الانتماء الى أهل البدع وبالقول والفعل مما لم يبلغ حد الكفر وهو المقصود
هنا والكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم من أشد أنواع الفسق ، والاتهام به
درجة دونه ، ودون الاثنين بالنسبة للرواية الفسق فيما عداهما بارتكاب الكبائر أو لزوم
المعاصي التي لم يقطع فيها بوصف الكبيرة قال ابن حبان: « والذي يخالف العدل أن
يكون أكثر أحواله معصية لله » (47) وألزم جماعة من الأئمة الراوي باجتناب كثير
من المباحات المخلة بالمروءة كما ذكرنا في مبحث العدالة ، وننقل هنا في هذه المسألة ما
أورده ابن المناصف (48) في ضبط ما يجرح به من الخروج عن طاعة الله، وهو وان
كان يتحدث عن التجريح في القضاء فان ما ذكره مما يستوي فيه المحدث والشاهد قال
« وجملة الأمر في الجرح راجع الى شيئين: 1) ارتكاب محظور كالزنا والسرقة والتعدي
والغضب وسائر ما قرر الشرع أنه حرام. 2) ترك واجب كالصلاة والصوم حتى
يخرج وقتها واحتباس الزكوات والامتناع عن أداء الحقوق والواجبات ونحو ذلك مما قدر
الشرع أنه فرض لازم واجب » (49). وقال ان الادمان على المكروه المتأكد الكراهة
يجرح به . وفيما ذكره توضيح كاف لأمارات الفسق ، ومنه بل من أشده الاتهام في
الدين ، نهى مالك عن الأخذ عن أحد الضعفاء فقال لمن سأله أكان ثقة ؟ « لا ؟ ولا
ثقة في دينه » (50)
ومنه السُفه أعنى خفة العقل ، وجهل الحق والسفيه شرعا من لم يؤنس منه الرشد
فيعجز عن التصرف في ماله ومن عجز عن التصرف في شؤونه فمن باب أولى أن لا
يطمأن إليه في نقل الشرع ، فمنع مالك الاخذ عن السفيه المعلن سفهه وان كان
(47) صحيح ابن حبان : 112
(48) محمد بن عيسى بن محمد بن اصبغ الازدي القرطبي عرف بابن المناصف 1168/563 --
ت 1223/620. ولد بالمهدية ثم انتقل الى مراكش فالاندلس . ولي القضاء . فقيه أصولي أديب
كحاله ، معجم المؤلفين 11 : 107
(49) تنبيه الحكام: مخ 22 ودار الكتب الوطنية تونس
(50) الرازي ابن أبي حاتم ، تقدمة المعرفة : 19
367

أروى الناس». (51) وقال زيد بن أسلم (136): « ما كنا نجالس السفهاء ولا
نتحمل عنهم» (52) وعقد الخطيب البغدادي في الكفاية بابا قصيرا بعنوان « السفه
يسقط العدالة ويوجب رد الرواية » أورد فيه قولي مالك وزيد وقصة شعبة مع أبي
الزبير (53) فقد حفظ له أربعمائة حديث ثم تركها ، وأقسم ألا يحدث بها رغم
اشتياقه الكثير الى رؤيته ، وسبب تركه أنه عندما ارتحل الى مكة اجتمع به وفي
الاثناء ، سأله رجل عن شيء فافترى عليه فقال له شعبة : « تفتري على رجل
مسلم » فأجابه انه غاظني فقال له : « يغيظك فتفتري عليه » . وآل ألا يحدث عنه
وطرح ما كان حفظه عنه (54) .
ويتضح من سرد الحكاية أن أبا الزبير رمي بالسفة لحمقه وكذبه . ووصفه مرة بأنه
لا يحسن الصلاة ، وقال مرة أخرى ، إنه رآه يسترجح الميزان لنفسه ، وجرحه هذا أقره
عليه البعض وخالفه البعض . وترك يحي بن سعيد القطان الرواية عن النضر بن مطرف
لقوله : « إن لم أحدثكم فأمي زانية» (55) ففي هذا فحش في القول وسوء أدب
مع الأم ورد يحي بن معين حديث أحد الرواة لمجونه المتمثل في تعشق الغلمان ،
والتشبيب بالنساء واذاية المصلين بارسال العقارب في المسجد الحرام ، وصب الحبر
في موضع الوضوء لتسود وجوه الناس (56) ، وشخص كهذا لا يوثق به لارتكابه
الموبقات بصفة عامة واذايته المصلين خاصة وعدم احترامه المسجد الحرام ، فلا أهلية
له لنقل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم .
(51) نفس المرجع : 32
(52) الخطيب البغدادي ، الكفاية : 188
(53) هو محمد بن مسلم بن تدرس (أبو الزبير) المكي ت 743/126 . روى عن عائشة وسعید
ابن جبير ، وعنه هشام الدستوائي ، والثوري وابن عيينة وأكثر النقاد على تضعيفه ، ومنهم من وثقه ،
ابن حجر تهذيب التهذيب 9 : 440 - 443
(54) الخطيب البغدادي ، الكفاية: 187، ابن حجر ، تهذيب التهذيب 9 : 442
(55) الخطيب البغدادي ، الكفاية : 188
(56) ابن حبان ، كتاب المجروحين 2 : 271
368

ويتبين مما عرضنا أن من فسق وجب التوقف في روايته ، وأول من أمر بذلك القرآن
الكريم قال تعالى : « يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق نببإ فتبينوا ... » (57) فان
ثبت فسقه بطل قوله في الاخبار اجماعا لان الخبر أمانة والفسق قرينة يبطلها (58) .
وقال مسلم بعد الاستشهاد بالآية المذكورة وغيرها : « فدل بما ذكرنا من هذه الآي
أن خبر الفاسق ساقط غير مقبول» (59) .
ويعرف حديثه بالمنكر وسنوضحه بعد ان شاء الله ، وكما ذكرنا من قبل إن توبة
الكاذب في الحديث النبوي لا تقبل ونلاحظ هنا أن توبة الفاسق تقبل (60) .
الجهالة
الجهالة بالراوي من أسباب التوقف في الرواية أو ردها ، وهي عند ابن حجر (61)
السبب الثامن في الطعن بين الأسباب المؤثرة في العدالة والضبط ، والسبب الرابع من
الاسباب الطاعنة في العدالة فقط، وسببها إما كثرة نعوت الراوي من الاسم أو الكنية
أو اللقب أو النسب أو الصفة أو الحرفة فيشتهر بواحد منها ، ويذكر بغيره لغرض من
الاغراض ، فيظن أنه آخر ، وممن حصل الجهل بحاله لهذا السبب محمد بن السائب بن
بشر الكلبي المفسر الاخباري ، نسبه بعضهم الى جده فقال : محمد بن بشر ، وسماه
بعضهم حماد بن السائب وكناه بعضهم أبا النضر ، وبعضهم أبا سعيد ، وبعضهم أبا
هاشم فظن أنه جماعة وهو واحد . وإما أن لا يسمي الراوي اختصارا لمن روى عنه
فيقول حدثني فلان ، أو شيخ ، أو رجل ، أو بعضهم ، أو الثقة ، ويعرف هذا
بالمبهم .
(57) الحجرات : 6
(58) القرطبي الجامع لأحكام القرآن 16 : 312
(59) صحيح مسلم تصحيح محمد فؤاد عبد الباقي 1 : 9 ، المقدمة : 1
(60) ابن الصلاح ، علوم الحديث : 104
(61) ابن حجر، نزهة النظر في شرح نخبة الفكر : 37
369

ومن أسبابها اقلال الراوي من التحديث فان انفرد عنه واحد فمجهول العين وأن
روى عنه اثنان فصاعدا ولم يوثق فمجهول الحال وهو المستور (62) ولمسلم تأليف في
مجهول العين سماه الوحدين ذكر فيه من لم يرو عنهم الا راو واحد فعدد جماعة تفرد عنهم
أحد مشاهير الرواة، كالحسن البصري ومحمد بن سيرين (63) والزهري (64)
وغيرهم .
رفع الجهالة عن المجهول واثبات عدالته :
هل تقبل الرواية عن مجهولي العين أو ترد ؟ لعلماء الحديث في ذلك مذاهب فقد
روى البخاري لاحدهم مقرونا وخرج هو ومسلم لبعضهم في المتابعات وقبلهم من
اكتفوا في شروط العدالة بالاسلام ، وروى عنهم ابن خزيمة لان جهالة العين عنده ترتفع
برواية واحد مشهور وهو المفهوم من قول ابن حبان (65): « العدل من لم يعرف فيه
الجرح »، وقوله في ضابط الحديث الصحيح: « إنه هو الذي يعرى راويه من إن
يكون مجروخا أو فوقه مجروح ، أو دونه مجروح « فهذا يدل على عدالة من لم يجرخ
ممن لم يرو عنه الا راو واحد (66). وأكثر أهل الحديث على تجهيله ، وهو ما تفيده
عبارة الخطيب : « أقل ما ترتفع به الجهالة عن الراوي أن يروي عنه اثنان فصاعدا من
المشهورين بالعلم الا أنه لا يثبت له حكم العدالة بروايتهما عنه » (67) .
واكتفى الدارقطني في رفع الجهالة واثبات العدالة برواية ثقتين قال : « من روى
عنه ثقتان فقد ارتفعت جهالته وثبتت عدالته » (68) .
(62) ابن حجر ، نزهة النظر في شرح نخبة الفكر : 38
(63) المنفردات والوحدان: 8 - 9 (مطبوعات دائرة المعارف)
(64) نفس المصدر : 10 - 11
(65) السخاوي ، فتح المغيث 1 : 294
(66) السخاوي ، فتح المغيث 1 : 294
(67) الكفاية : 150
(68) اللكنوي، الرفع والتكميل في الجرح والتعديل: 162 - 163
370

ورأى ابن عبد البر أن من روى عنه ثلاثة وقيل اثنان ليس بمجهول ، (69) وعنده
أن من عرف بالثقة والأمانة والعدالة لا يضره ان لم يرو عنه الا واحد وأن الجهالة ترتفع
عن كل من اشتهر في غير العلم بزهد أو نحوه .
وقبل البعض الرواية عن مجهول العين ان تفرد عنه من لا يروي الا عن عدل كابن
مهدي ويحى القطان وغيرهما وقبلها البعض ان زكاه أحد من أئمة الجرح والتعديل مع
رواية واحد عنه (70) .
ورد انب كثير رواية المبهم أو من سمي ولم تعرف عينه مستثنيا
من كان في عصر التابعين. والقرون المشهود لها بالخيرية
قائلا فإن يستأنس بروايته ويستضاء بها في مواطن (71)
لانه قد يكون ثقة عنده مجروحا عند غيره (72) وأما مجهول الحال - أي المستور ،
فهو من روى عنه اثنان فصاعدا ، فارتفعت عنه الجهالة ، وحكم بعدالته في الظاهر
"الا أنه لم يوثقه أو يجرحه أحد من الأئمة وقد قبل روايته البعض وردها الجمهور
والصواب أن يتوقف فيها حتى يستبين حاله (73) .
وبعد بيان اصناف من جهلوا نورد تعريف الخطيب للمجهول لشموله الاصناف
كلها قال: « المجهول عند أصحاب الحديث هو كل من لم يشتهر بطلب العلم في
نفسه ولا عرفه العلماء به ، ومن لم يعرف حديثه الا من جهة راو واحد» (74).
ومما ينبغي التنبيه اليه أن انفراد أبي حاتم الرازي بتجهيل راو لا يعتبر به غالبا لأنه
(69) الاستذكار 1: 228 (مطابع الاهرام 1971/1391) واللكنوي ، الرفع والتكميل في الجرح
والتعديل : 163
(70) السخاوي ، فتح المغيث 1 : 295 والسيوطي تدريب الراوي 1 : 317
(71) الباعث الحثيث : 97
(72) ابن حجر ، نزهة النظر في شرح نخبة الفكر : 38
(73) ابن حجر ، نزهة النظر في شرح نخبة الفكر : 38
(74) الكفاية : 149
371
،

جهل كثيرا من المعروفين عند غيره (75) . لاحظ هذا ابن حجر عند رده على من
طعن في بعض رجال البخاري ، ونكتفي بذكر واحد منهم قال في ترجمة عباس
القنطري: « قال ابن أبي حاتم الرازي عن أبيه مجهول ، قلت أن أراد العين فقد روى
عنه البخاري وموسى بن هارون الحمال والحسن بن علي المعمري وغيرهم ، وإن أراد
الحال فقد وثقه عبد الله بن أحمد بن حنبل ، قال « سألت أبي فذكره بخير» (76) .
وسرد السيوطي أسماء رواة جهلهم جماعة من الحفاظ وهم عدول عند
غيرهم (77) :
البدعة
مفهوم البدعة :
هي السبب التاسع مما يطعن في العدالة والضبط معا . والخامس مما يطعن في
العدالة ، وتكون بمكفر أو مفسق ، وقد اختلف فيما به يكون التكفير لأن كل طائفة
تدعى ابتداع مخالفيها . وقد تبالغ فتكفرهم ، وذلك يستلزم تكفير جميع الطوائف
والمعتمد كما قال ابن حجرٍ أن الذي ترد بدعته روايته هو من أنكر أمرا متواترا من
الشرع معلوما من الدين بالضرورة واعتقد ما أجمع على انكاره كدعوى غلاة الروافض
حلول الالوهية في علي أو غيره . فالتكفير لا بد أن يكون متفقا عليه في قواعد جميع
الأئمة ، ومعتقد ما اتفق على التكفير به خارج عن الدين فلا تقبل
روايته (78) والبحث انما هو فيمن اعتقدوا مفسقا فخالفوا أصول أهل السنة خلافا
ظاهرا مستندا الى تأويل ظاهره يبدو سائغا ، كالخوارج والروافض غير الغلاة وبقية
الفرق الإسلامية ممن كان اعتقادهم بنوع شبهة لا معاندة ، فمن كان منهم عدلا
تجنب الكذب وسلم من خوارم المروءة ، والتزم بالعبادة ، وكان من أهل الحديث فهل
(75) اللكنوي ، الرفع والتكيل في الجرح والتعديل : 160 وما بعدها .
(76) هدي الساري 412 - 413
(77) تدريب الراوي 1 : 320
(78) نزهة النظر في شرح نخبة الفكر : 39 وهدي الساري : 385
372

نقبل روايته أو ترد؟ (79). نلاحظ قبل ذلك أننا تحدثنا عن كل هذه الفرق من قبل
ونريد أن نثبت لها هنا تعريفا موجزا بها لنذكر من لم نذكره ، ولنحصرها جميعا في موضع
واحد ، وننقله عن ابن حجر فعبارته موجزة وجامعة لا تقبل الاختصار . قال :
« الارجاء بمعنى التأخير ، وهو عندهم على قسمين منهم من أراد به تأخير القول في
الحكم في تصويب احدى الطائفتين اللتين تقاتلتا بعد عثمان ومنهم من أراد تأخير
القول في الحكم على من أتى الكبائر وترك الفرائض بالنار لان الايمان عندهم الاقرار
والاعتقاد ولا يضر العمل مع ذلك ، والتشيع محبة علي وتقديمه على الصحابة . فمن
قدمه على أبي بكر وعمر فهو غال في تشيعه ويطلق عليه رافضي والا فشيعي فان
انضاف الى ذلك السبب التصريح بالبغض فغال في إِلرفض ، وان اعتقد الرجعة الى
الدنيا فأشد في الغلو . والقدرية من يزعم أن الشر فعل العبد وحده . والجهمية من
ينفي صفات الله تعالى التي أثبتها الكتاب والسنة ويقول إن القرآن مخلوق.
والنصب بغض علي وتقديم غيره عليه .
والخوارج الذين أنكروا على علي التحكيم وتبرأوا منه، ومن عثمان وذريته وقاتلوهم فان
أطلقوا تكفيرهم فهم الغلاة .
والإباضية منهم أتباع عبد الله بن أباض .
والقعدية الذين يزينون الخروج على الائمة ولا يباشرون ذلك .
والواقف في القرآن من لا يقول مخلوق ، ولا ليس بمخلوق » (80).
والملاحظ أن ما ذكره في خصوص القدرية ينطبق على المعتزلة لا على القدرية
الاوائل .
الرواية عن أهل البدع :
ان المنتمين إلى مختلف الفرق الإسلامية الخارجة عن أهل السنة ابان توسع المجتمع
الاسلامي يمثلون عددا هاما منه ، وفيهم من توفرت فيه أهلية الرواية بل كان من
(79) هدي الساري : 385
(80) ابن حجر ، هدي الساري : 459
373

أئمتها ، لذلك شغلت قضية الأخذ عنهم بال أئمة الحديث واختلفت فيها آراؤهم بين
متشدد ومتساهل ومعتدل . فذهب البعض الى رد رواية المبتدع مطلقا : الكافر
بالتأويل والفاسق به ، واعتبرهما بمثابة الكافر المعاند (81).
ومما اعتمده أصحاب هذا الرأي ما أثبتناه من قبل عن ابن سيرين من مثل قوله :
« لم يكونوا يسألون عن الاسناد ، فلما وقعت الفتنة قالوا سموا لنا رجالكم فينظر الى
أهل السنة فيؤخذ حديثهم وينظر الى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم» (82) . وغيره
من الآثار الداعية الى الدقة في نقل الحديث لانه دين ، ونصوصها جميعا تأمر
بالاحتياط ، وليس فيها الجزم بمنع الرواية جملة وبدون تفصيل عن كل منتسب لاهل
الأهواء . لذا كان هذا الرأي غير مقبول ولا يدعمه ما جاء عن البعض من تكذيب
عام لاهل الاهواء ومن الاستشهاد بما نقل عن التائبين منهم من الشهادة على أنفسهم .
بالكذب قبل التوبة لان كذب البعض لا ينفي الصدق عن الآخرين والعكس .
ومن الذين نقل عنهم تجنب الرواية عن المنتسبين للفرق دون النظر في أمرهم يونس ..
ابن أبي اسحاق (83) . تجنب ثويرا (84) لانه رافضي ، والحميدي قال في بشر بن
السري (85) «لا يحل أن يكتب عنه لأنه جهمي » وابن عينية أقل الرواية عن سعيد
(81) الخطيب البغدادي ، الكفاية : 194
(82) صحيح مسلم تصحيح محمد فؤاد عبد الباقي 1 : 15 ، المقدمة : 5
(83) هو يونس بن أبي اسحاق عمرو بن عبد الله الهمداني السبيعي الکوفي ت 775/159 . روی
عن أبيه وأنس ، وعنه الثوري وابن المبارك وثقه ابن معين وقال أبو حاتم صدوق الا أنه لا يحتج به ،
وقال النسائي ليس به بأس. ابن حجر ، تهذيب التهذيب 11: 433 - 434
(84) ثوير بن أبي فاخته أبو الجهم الكوفي ضعفه كل الائمة بيد أن التنصيص على القول بالرفض
كاد ينفرد به يونس بن أبي اسحاق. الذهبي، ميزان الاعتدال 1 : 375 - 376
(85) بشر بن السري البصري ت 810/195 . متكلم وصاحب مواعظ ، قال أحمد كان متقنا
للحديث عجبا ، وقال أبو حاتم ثبت صالح ، وقال ابن معين ثقة قال الذهبي : أما التجهم فقد رجع
عنه ، وحديثه في الكتب الستة ميزان الاعتدال 1 : 318
374

ابن أبي عروبة (86) لأنه قدري ، ومالك نهى عن الصلاة خلف القدرية (87) وعلى
أبر حرب (88) أمر بالكتابة على أهل السنة ثم قال : « كل صاحب هوى يكذب
ولا يبالي» (89) وحجج هؤلاء هي أولا : أن أهل الأهواء اما كفار وإما فساق ،
وثانيا : أن في ترك الرواية عنهم اهانة لهم ، وثالثا : أن البدعة لا يؤمن معها الكذب لا
سيما اذا كانت الرواية مما يعضد هوى الراوي (90). ويجوز أن يكون بعض هؤلاء
يقبل الرواية عن الفرق التي لم يعينها .
ويقابل المانعين جماعة من أهل النقل والمتكلمين ذهبوا الى القول بقبول أخبار أهل
البدع مطلقا كفارا كانوا أو فساقا بالتأويل (91) .
وهذا الرأي لم ينسب لاي امام من أئمة الحديث وليس عمليا فلا نبحثه . ومال
المعتدلون إلى التفصيل لعدة اعتبارات منها التفريق بين أهل البدع الذين لا يستحلون
الكذب في الرواية والشهادة لنصرة مذهبهم أو من تابعه فقبلوا روايتهم وبين الذين
يستحلون ذلك فردوها .
ونقل هذا عن ابن أبي ليلى (92)، والثوري (93) والشافعي، قال الشافعي :
(86) سعيد بن أبي عروبة، واسمه مهران العدوى ت 771/155. روى عن قتادة والحسن البصري
وعنه الاعمش وشعبة، إمام أهل البصرة في زمانه لكنه رمي بالقدر ، وتغير بأخرة وبحث النقاد في
اختلاطه أكثر مما بحثوا في قوله بالقدر ابن حجر ، تهذيب التهذيب : 4 : 63 - 66 ، الذهبي ،
ميزان الاعتدال 2 : 151 - 153 .
(87) الخطيب البغدادي ، الكفاية : 198 - 199
(88) علي بن حرب بن محمد الموصلي ، 786/170 ت 878/265 . روى عن أبيه وابن عيينة ،
وعنه النسائي ، وقال فيه صالح وقال أبو حاتم صدوق ، وثقة الدارقطني ، ابن حجر ، تهذيب التهذيب
. 296 - 294 : 7
(89) ابن رجب ، شرح علل الترمذي : 84
(90) نفس المرجع والصفحة
(91) الخطيب البغدادي ، الكفاية : 195
(92) محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى مفتي الكوفة وقاضيها ، ت 148 سمع من الشعبي وعطاء
375

« تقبل شهادة أهل الأهواء الا الخطابية من الرافضة لانهم يرون الشهادة بالزور
الموافقيهم وفي نقل آخر عنه نسب الشهادة بالزور للرافضة دون تسمية فرقة منهم قال :
« لم أر أحدا من أهل الأهواء أشهد بالزور من الرافضة (94) ومستحل الكذب
مردود الرواية ولو لم يكن من أهل البدع ولعل ما قصده أن الوصف به مما يقوي
البدعة .
ومن أشهر ما اعتبره الآخذون عن أهل البدع التفريق بين الدعاة منهم وغير الدعاة .
فردوا رواية الداعية وقبلوا رواية غيره إن توفرت فيه شروط الرواية وهو مذهب الأكثرية
قال عبد الرحمن بن مهدي : « من رأى رأيا ولم يدع اليه احتمل ، ومن رأی رأیا
ودعا اليه استحق الترك» (95). وحدث عن محمد بن راشد الدمشقي (96) فقال
له أحد السامعين أصحابنا يكرهون الحديث عنه فقال : « ولم ؟ قال : « كان قدریا
فغضب ، وقال : « ما يضره » (97) . كأنه قال لانه لم يكن داعية ، وسئل ابن
المبارك عن سماعه من عمرو بن عبيد ؟ فأشار بيده الى ما يدل على الكثرة فقيل له لم
لا تسميه ؟ وأنت تسمي غيره من القدرية ؟ قال لان هذا كان رأسا » (98) وفي
سؤال اخر قيل له : « تركت عمرو بن عبيد وتحدث عن هشام الدستوائي (99)
ونافع ، وعنه شعبة والسفيانان، كان فقيها صدوقا وضعفه أحمد وأبو زرعة، الذهبي، تذكرة الحفاظ
170 : 1
(93) الخطيب البغدادي الكفاية: (194)
(94) نفس المرجع : 202
(95) الخطيب البغدادي ، الكفاية : 203
(96) محمد بن راشد الخزاعي الدمشقي المكحولي توفى 162، روى عن مكحول وسليمان بن
موسى وعنه يحي القطان وبقية وعلي بن الجعد وثقه أحمد وابن معين والنسائي وقال دحيم يذكر بالقدر .
الخزرجي ، الخلاصة : 336 .
(97) الخطيب البغدادي ، الكفاية : 206
(98) نفس المرجع : 203
(99) نفس المرجع : 204
376

وسعيد - أعني ابن أبي عروبة وفلان وهم كانوا في عداده ؟ قال : « ان عمرا كان
يدعو » (100) وقال ابن معين في أهل الأهواء: « لا تكتب عنهم الا أن يكونوا ممن
يظن به ذلك ولا يدعو اليه كهشام الدستوائي وغيره ممن يرى القدر ولا يدعو
اليه» (101) . وسئل أحمد بن حنبل: « أيكتب عن المرجىء والقدري ؟ قال :
« نعم يكتب عنه اذا لم يكن داعيا » (102). وقيل له في حديثك أسماء قوم من
القدرية فقال : « هو ذا تحدث عن القدرية » (103) والسبب في منع الرواية عن
الداعية الخوف من أن تحمله الدعوة الى الترغيب في بدعته فيضع ما يحسنها كما أعلن
ذلك التائبون من أهل الأهواء ، وقيد الجوزجاني (104). القبول بأن لا تشتمل الرواية
على ما يشيد بالبدعة ويحسنها ، قال في وصف أحد الرواة : « ومنهم زائغ عن الحق
أي عن السنة صادق اللهجة قد جرى في الناس حديثه لکنه مخذول في روايته ، فليس
فيه حيلة الا أن يؤخذ من حديثه مالا يكون منكرا اذا لم يقو به بدعته » (105) .
وهناك مذهب لجماعة من الأئمة تساهلوا أكثر من الذين رفضوا رواية الداعية
فاعتبروا في الدرجة الاولى صحة الرواية وتسامحوا في الأخذ عن أهل الأهواء ما لم يفرطوا
(100) هشام بن أبي عبد الله الدستوائي البصري ، أخذ عن قتادة ويحى بن أبي كثير وعنه ابنه معاذ
وأبو داود الطيالسي ، وقال كان أمير المؤمنين في الحديث ، قال العجلي ثقة ثبت لكنه يرى القدر
770/154 . ابن حجر ، تهذيب التهذيب 11 : 43 - 45
(101) الخطيب البغدادي ، الكفاية : 204
(102) نفس المرجع : 205
(103) نفس المرجع : 206
(104) ابراهيم بن يعقوب بن اسحاق الجوزجاني السعدي الدمشقي محدث الشام
ت 873/259 . أخذ عن يزيد بن هارون وأبي صالح كاتب الليث وأكثر الترحال والكتابة ، وعنه
أبو داود والترمذي والنسائي وكان أحمد بن حنبل يكاتبه ، قال الدارقطني : كان من الحفاظ
المصنفين والمخرجين الثقات ، لكنه فيه انحراف عن علي ، وقد اشتهر بذلك . له كتاب في الجرح
والتعديل وكتاب في الضعفاء ، كحاله ، معجم المؤلفين 1 : 128 . ابن حجر ، تهذيب
التهذيب 1 : 181 __ 183
(105) ابن حجر، نزهة النظر شرح نخبة الفكر : 39 - 40
۔
377

في الغلو ، وهذه آراء بعضهم وهي لوضوحها لا تحتاج الى تحليل قال علي بن المديني
ليحي بن سعيد: « ان عبد الرحمن بن مهدي قال : « أنا أترك من أهل الحديث كل
من كان رأسا في البدعة » فضحك يحي وعدد جماعة من الرواة من أهل الفرق أمثال
قتادة وغيره (106). ثم قال : « ان ترك عبد الرحمن هذا الضرب ترك كثيرا » وقال
علي بن المديني : « لو تركت أهل البصرة لحال القدر ، ولو تركت أهل الكوفة لذلك
الرأي - يعني التشيع خربت الكتب » (107) . - يعني ذهب الحديث -
وحدث قتادة عن أبي حسان الاعرج (108) وكان حروريا (109) وشهد أبو داود
صاحب السنن بصحة حديث الخوارج وذكر عمران بن حطان (110) وأبا حسان
الاعرج ، ورأى محمد بن عبد الله الموصلي (111) أن الراوي الصادق البصير
بالحديث ولو كان شيعيا أو قدريا أفضل ممن لا يبصر به ولا يعقله (112) ، وقيل
ليحي بن معين ان أحمد بن حنبل يرد حديث عبيد الله بن موسى (113) للتشيع
(106) الخطيب البغدادي ، الكفاية : 206
(107) الخطيب البغدادي ، الكفاية : 206، ابن رجب ، شرح علل الترمذي : 84.
(108) اسمه : مسلم بن عبد الله البصري ت 747/130 . روى عن علي وعائشة ، وعنه عاصم بن
عمر وقتادة وقال كان حروريا وثقه ابن معين . ابن حجر ، تهذيب التهذيب 12 : 72
(109) الخطيب البغدادي ، الكفاية : 207
(110) هو عمران بن حطان السدوسي أبو سماك البصري رأس الخوارج ت 703/84 روى عن ابن
عمر وابن عباس ، وعنه محمد بن سيرين ويحي بن أبي كثير وثقه العجل .. الخزرجي ، الخلاصة :
295 ، الرازي ابن أبي حاتم ، الجرح والتعديل ج 3 ق 1 : 296 .
(111) هو محمد بن عبد الله بن عمار الأزدي نزيل الموصل أحد الحفاظ المكثرين 778/162
ت 856/242 ، عن يحي القطان وابن عينية، وعنه النسائي وعلى بن حرب . كان فهما في
الحديث وعلله رحالا فيه أثنى عليه من ذكره . ابن حجر، تهذيب التهذيب 9 : 265 - 266
(112) الخطيب البغدادي ، الكفاية : 207
(113) هو عبد الله بن موسى العبسي الكوفي الحافظ صاحب المسند ، ت 828/213 عن ابن
جريج وهشام بن عروة ، وعنه البخاري وأبو بكر بن أبي شيبة والذهلي وثقه من روى عنه وابن معين
والعجلى ، اتفق على رميه بالتشيع وضعفه البعض لانه يروي الأحاديث المنکره . ابن حجر ، تهذيب
التهذيب 7 : 50 - 53 .
378

فأقسم على أن عبد الرزاق (114) أكثر غلوا منه وأخذ عنه أحمد كثيرا (115) وشهد
بصدق حسين الأشقر (116)، مع شهادته فيه بأنه من غلاة الشيعة . ووصف
حديثه بكونه لا بأس به وذكر أنه كتب عنه بواسطة (117) وحدث ابن خزيمة عن
عباد بن يعقوب (118) قائلا الصدوق في روايته المتهم في دينه ، ثم ترکه بعد لما صار
اليه من غلو (119) ، وتخصيص الشافعي الرافضة من بين أهل الأهواء بالكذب يفهم
منه جواز أخذه عن غيرهم ، وقد حدث عن ابراهيم بن أبي يحي القدري لصدقه
فمما عرف عنه قوله : « لأن أخر من بعد أحب إلي من أن أكذب » ، وكان
الشافعي في روايته عنه يقول : « حدثني الثقة في حديثه المتهم في دينه» (120).
واقتدى أئمة الحديث في قبولهم رواية المبتدعة الثقات مع التحري الكامل
بالصحابة والتابعين في قبولهم أخبار الخوارج والشيعة ومن رموا بالارجاء عند ظهوره .
لما رأوا من تحريهم الصدق ، وتهويلهم الكذب وتجنبهم الافعال المحظورة ، ومن مشاهير
الرواة المنتمين الى أهل الأهواء من خرج لهم الشيخان أو أحدهما وقلة منهم دعاة ونزر
(114) هو عبد الرازق بن همام الصنعاني ت 826/211 ، أحد الائمة الاعلام الحفاظ عن ابن
جريج ومالك ، وعنه أحمد بن حنبل وابن معين ذهب بصره بآخر عمره وقال ابن عدي رحل اليه أئمة
المسلمين وثقاتهم ولم نر بحديثه بأسا الا أنهم نسبوه للتشيع . الخزرجي ، الخلاصة : 238
(115) الملاحظ أن أحمد بن حنبل ترك عبيد الله وعوتب عن روايته على عبد الرازاق فقال انه رجع
عن التشيع : ابن حجر ، تهذيب التهذيب 7 : 53
(116) هو الحسين بن الحسن الاشقر الكوفي ت 823/208 روى عنه أحمد بن حنبل والكديمي ،
ضعفه البخاري ، وأبو زرعة وأبو حاتم والنسائي وقال الجوزجاني غال شتام للخيرة . الذهبي ، ميزان
الاعتدال 1 : 531 - 532
(117) الخطيب البغدادي ، الكفاية : 208
(118) عباد بن يعقوب الرواجني الكوفي ت 864/250 رافضي مشهور الا أنه كان صدوقا ، وثقه
أبو حاتم ؛ وقال ابن حبان كان رافضيا داعيه ، روى عنه البخاري حديثا واحدا في التوحيد مقرونا .
ابن حجر ، هدي الساري : 412 .
(119) الخطيب البغدادي الكفاية : 208 - 210
(120) السخاوي فتح المغيث 1 : 305
379

يسير رموا بالغلو ، وهؤلاء ذكروا في المتابعات أو كان لاحاديثهم وهي قليلة جدا طرق
أخرى ، وأغلبهم معتدلون وهذه أسماء بعضهم على سبيل المثال ، فمن المرجئة عمرو بن
مرة (121) ومسعر بن كدام (122) ومن القدرية هشام الدستوائي وسعيد بن أبي
عروبة ، ومن الشيعة المعتدلة على بن الجعد (123) وعبد الرزاق بن همام ، ومن
غلاتها عبيد الله بن موسى ، وخالد بن مخلد (124) ومن الخوارج عمران بن حطان
الشاعر الداعية ، وعكرمة مولى ابن عباس (125) ، ومن الجهمية بشر بن
السري (126) .
وخلق كثير روى عنهم الشيخان وغيرهم من أئمة الحديث لئلا تضيع جملة من
الاحاديث النبوية وكما أشرت فان أكثرهم من أصحاب البدع الصغرى كالتشيع ، وهم
(121) عمرو بن مرة أو (ابن أبي مرة) بن عبد الله الهمداني الكوفي ، أحد الاعلام عن سعيد بن
المسيب ، وعنه منصور بن المعتمر ، وثقه ابن معين ، وقال أبو حاتم : ثقة كان يرى الارجاء ، احتج
به الجماعة . الخزرجي ، الخلاصة 293
(122) هو مسعر بن كدام الهلالي الرؤاسي الكوفي ت 770/153 أخذ عن سعيد بن أبي بردة
وعنه سليمان التيمي والثوري شهد شعبة ووكيع باتقانه ، وقال ابن سعد كان مرجئا . الذهبي ، تذكرة
الحفاظ 1 : 188 - 190
(123) هو علي بن الجعد بن عبيد الجوهري شيخ بغداد الحافظ الثبت وثقه شعبه وابن معين وأبو
جاتم وخرج له البخاري أحاديث يسيرة عن شعبه وروى عنه أبو داود وتكلم فيه أحمد بن حنبل من
أجل التشيع ومن أجل وقوفه في القرآن . ابن حجر هدي الساري 430 .
(124) هو خالد بن مخلد البجلي أبو الهيثم الکوفي القطواني عن نافع ، وعنه البخاري وأحمد بن حنبل
. قال ابن معين ما به بأس ، ونفس الرأي كان لابن عدي ، وذكر له أحاديث مناكير . الخزرجي ،
الخلاصة : 102 - 103 .
(125) هو عكرمة البيري أبو عبد الله مولى ابن عباس ت 722/105 أحد الائمة الاعلام عن مولاه
وعائشة ، وأبي هريرة ، وعنه الشعبي ، وابراهيم النخعي، احتج به البخاري وأصحاب السنن وخرج له.
مسلم حديثا واحدا مقرونا بآخر رموه بغير نوع من البدعة أجاب عنها ابن حجر اجابات ضافية ،
هدي الساري : 425 - 430 .
(126) السيوطي، تدريب الراوي 1 : 328 - 329 .
380

بين التابعين كثيرون ، وأما البدعة الكبرى كالرفض والغلو فيه فمعتنقوها كذابون ..
والمتمعن في المجروحين يلاحظ ان كثيرا منهم نسب خاصة الى الشيعة أو القدرية
.و المرجئة أو الجهمية، وقلة منهم الى الخوارج وبقية النزعات الصغيرة وقد أصاب
محمد بن جرير الطبري (127) في قوله : « لو كان كل من ادعي عليه مذهب من
المذاهب الرديئة ثبت عليه ما ادعى به وسقطت عدالته وبطلت شهادته بذلك للزم.
ترك أكثر محدثي الأمصار لانه ما منهم الا وقد نسبه قوم الى ما يرغب عنه» (128) .
وعدد الشهرستاني من بين المرجئة جماعة من المحدثين كسعيد بن جبير وطلق بن
حبيب وعمرو بن مرة وغيرهم ثم قال : « هؤلاء كلهم أئمة الحديث لم يكفروا
أصحاب الكبائر بالكبيرة ولم يحكموا بتخليدهم في النار خلافا للخوارج
والقدرية» (129) وتعقيبه يفيد أن ما نعتوا به ليس ذما . ولكن البعض لم يتحر
فاعتبرهم مجروحين والأولى التفريق بين الارجاء المعتدل والارجاء المذموم .
وما قيل فيمن ذموا بالارجاء يقال فيمن جرحوا بنزعة أخرى وهم ليسوا منها كأن
يذكرهم بعض المؤرخين على سبيل الحكاية لا على الجزم فينقل قوله على أنه حقائق
ثابته ، وكأن يتسرع البعض من أصحاء الاهواء فينسب إلى فرقته كل من يجده معتدلا
من أهل السنة أو من غيرها .
ويبدو أن بعض النقاد لم يتقيدوا بتطور الكلمات فقد لاحظنا من قبل عند
الحديث على الفرق ما حدث من تغيير في مفهومها ، فالمرجئة اتسمت بالاعتدال في
نشأتها ثم وصفت بالغلو . وعلى العكس القدرية كان الأوائل منهم أكثر تطرفا من
خلفائهم المعتزلة وبعض الفرق استمرت على ما ظهرت عليه ، والشيعة نظرا لتعدد فرقها
(127) المؤرخ المفسر الفقيه العالم بالسنن وطرقها وصحيحها وسقيمها 838/224
ت: 922/310 . الذهبي ، تذكرة الحفاظ 2 : 710 - 716 .
(128) هدي الساري : 428 .
(129) الملل والنحل : 1 : 156 .
381

عرفت الاعتدال والغلو في كل مراحلها وما استعمل من الالفاظ كان مشعرا بهذا فليس
التشيع كالرفض ، فالتشيع في عرف المتقدمين هو اعتقاد تفضيل علي على عثمان وأن
عليا كان مصيبا في حروبه ، وأن مخالفه مخطىء مع تقديم الشيخين وتفضيلهما وربما
اعتقد بعضهم أن عليا أفضل الخلق بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا كان .
قائل ذلك ورعا دينيا صار مجتهدا فلا ترد روايته بهذا لا سيما ان كان غير داعية وأما
التشيع في عرف المتأخرين فهو الرفض المحض فلا تقبل رواية الرافضي الغالي ولا
كرامة » (130) .
وقد كان كثير من التابعين شيعة بمعنى التشيع عند المتقدمين ، وكانت النواة الأولى
للمرجئة الصحابة الذين اعتزلوا الفتنة ، فبان بهذا أن الجرح بالانتماء الى أهل البدع وقع
الافراط فيه بنسبة تهم الى بعض الرواة وهم منها أبرياء ولكن ذلك لم يغب عن أئمة
الحديث فروى بعضهم عمن اعتبروا عند غيره مردودي الرواية لتأكده من صدقهم
واعتدالهم
الأسباب القادحة في الضبط
الأسباب التي تطعن في ضبط الراوي خمسة : فحش الغلط وشدة الغقلة"، والوهم
ومخالفة الثقات ، وسوء الحفظ . وهي قريبة من بعضها ، وإنما تتفاوت بحسب خفة .
وشدة تأثيرها في الضبط وما ينتج عن ذلك من اختلاف الاصطلاح، في نوع الحديث
الذي يرويه من جرحوا بها فمنه المنكر ومنه الشاذ . ومنه المعل ونذكرها مرتبة الاشد
فما دونه .
فحش الغلط .
الغلط أن تعي بالشيء فلا تعرف وجه الصواب فيه (131) . فهو نتيجة للكلل
(130) الذهبي ، ميزان الاعتدال 1 : 65 .
(131) ابن منظور لسان العرب (مادة غلط) 2 : 105 اعداد يوسف خياط ونديم مرعشلي .
382