النص المفهرس

صفحات 281-300

أولها : وأرفعها بالنسبة للاجازة المجردة عن المناولة اذ أنها لو اقترنت بها لكانت أرفع
الانواع على الاطلاق : تعيين الشيخ الكتاب المجاز به والشخص المجاز له ويعبر عنها
باجازة معين لمعين بفتح الياء: « كأجرتك صحيح مسلم أو ما اشتملت عليه
فهرستي » .
الثاني : اجازة معين في غير معين ، أي أن يعين المحدث الشخص المجاز له دون
الكتاب المجاز به « كأجزتك جميع مسموعاتي أو مروياتي » وهي مقبولة عند الجمهور
لكن فيها خلاف أقوى مما في النوع الأول .
الثالث : اجازة العموم أي المجاز له غير معين ، فهذا النوع قسمان : الأول التعميم
المطلق في المجاز له « كأجزت المسلمين أو كل أحد الكتاب الفلاني أو مروياتي »
والثاني تقييده بوصف أو تخصيصه بوقت كأجزت من لقيني ، أو لكل من قرأ علي ،
أو لأهل بلد كذا ».
الرابع : الاجازة للمجهول بالمجهول .
ولا يضر المجاز له المعين جهله عند المجيز كما لا يشترط معرفة المسمع منه عين
السامع وتتلخص صورها في ثلاثة :
1 - الجهل المبهم على الجملة بالمجاز له « كأجزت الناس» والجهل بالمجاز به
« كأُجزت فلان بعض مسموعاتي » .
والجهل بهما « كأجزت أزفلة » أي جماعة من الناس بعض سماعاتي . ومن هذا
النوع أن يسمي المجيز شخصا شاركه في الاسم غيره أو كتابا شاركه في العنوان كتابا
آخر ، فهذه اجازة غير صحيحة .
الخامس : التعليق في الإجازة أو الاجازة المعلقة .
أدخل عياض وابن الصلاح هذا النوع في القسم الرابع لأن فيه جهالة وتعليقا ،
وأفرده العراقي لانتفاء الجهالة عن الصورة الثانية منه ، والتعليق اما ان يعلق بمشيئة المجاز
له كقوله : « أجزت لمن شاء أن يحدث عني»، أو يتعلق بمشيئة غير المجاز له المعين
283

كقوله « أجزت لمن يشاؤه فلان » والصورة الأولى أكثر جهالة لأنها معلقة بمشيئة من
لا يحصر ، والثانية بمشيئة معين ويكون التعليق أيضا بمشيئة الراوي كقول الشيخ ...
« من شاء أن يروي عني أجزت له أن يروي عني » . فهذا أقرب من الجواز لأن
مقتضى كل اجازة تفويض الرواية بها الى مشيئة المجاز ، فكان هذا مع كونه بصيغة
التعليق تصريحا بما يقتضيه الاطلاق وحكاية للحال لا تعليقا في الحقيقة (93).
فإن قال : « أجزت لفلان كذا وكذا ان شاء روايته عني » . فالاظهر الجواز
لانتفاء الجهالة والتعليق اذ لم تبق الا صيغته .
السادس :
هذا النوع هو الخامس عند عياض وابن الصلاح وذكر معه الاجازة للطفل
الصغير ، ولفظه : « أجزت لفلان ، وولده ، وكل ولد يولد له » أو يخصص المعدوم
بالاذن ولا يعطفه على الموجود كقوله : « أجزت لمن يولد لفلان » وهذه الصورة
أضعف من الأولى .
السابع :
الاجازة لمن ليسوا بأهل للأداء وقتها كالحمل والطفل غير المميز والكافر والفاسق ،
والمبتدع ، والمجنون ، ولم يذكر هذا النوع عياض وذكر ابن الصلاح الاجازة للطفل في
نوع الاجازة للمعدوم (94) وأول رأي القائلين بها بأنهم رأوا الطفل أهلا لتحمل
الحديث ليؤديه بعد تمام أهليته حرصا على ابقاء الاسناد وأما الاجازة للكافر فاعتمد
العراقي في ذكرها إقرار المزي (95) اجازة أحد معاصريه ليهودي حال يهوديته،
والملاحظ أنه أسلم بعد فحدث وسمع منه (96) .
(93) ابن الصلاح ، علوم الحديث : 139
(94) علوم الحديث : 140
(95) يوسف بن الزكي عبد الرحمن بن يوسف المزي (جمال الدين أبو الحجاج) 1256/654 .
حلب 1441/742 . سمع الكثير ومهر في اللغة ومعرفة الرجال . له تهذيب الكمال ، السيوطي ،
طبقات الحفاظ : 517
(96) التبصرة والتذكرة 2: 77 - 78
284

الثامن :
وهو السادس عند عياض وابن الصلاح: الاجازة لما لم يروه المجيز بعد ليروپه المجاز
له اذا تحمله المجيز بعد ذلك والاجازة في حكم الاخبار بالمجاز به جملة أو هي اذن وعليه
فلا يمكن للمجيز أن يخبر بما ليس عنده ، وان جعله اذنا ، فالخلاف في تصحيح
الاذن فيما لم يملكه الآذن . وهي باطلة وعلى من تحمل بها أن يتأكد من أن ما يرويه
عن شيخه قد تحمله قبل تاريخ إجازته له .
ولو قال المجیز : أجزت لك ما صح ، ويصح عندك من مسموعاتي صبحت لان
المعتبر فيها الصحة حال الرواية .
التاسع :
اجازة المجاز ، لم يذكرها عياض ، والصحيح من الأقوال اعتمادها ، ولفظها :
« أجزت لك مجازاتي أو رواية ما أجيز لي روايته» (97) وهي لا تشبه منع الوكيل من
التوكيل بغير اذن الموكل لأن الحق في الوكالة للموكل ، وله عزل الوكيل بخلاف الاجازة
فانها مختصة بالمجاز له ، ولا تراجع للمجيز فيها ، وغايتها الابقاء على سلسلة الاسناد
والاذن في الرواية (98) .
قيمتها :
نلاحظ أن الاجازة المعتمدة عند الاكثرين هي النوع الاول من الانواع التسعة ثم
النوع الثاني عند البعض ، وأما بقية الانواع فأحدث أكثرها المتأخرون والقصد منها
أدبي أكثر منه عملي اذ هو الابقاء على الاسناد، ونشر الحديث كما ذكر ، أما جمعه
فقد تم في المدونات فصار الاعتماد على نقله منها ، وما بعض أقسامها الا نوع من
الاتصال شبه الشكلي للاسناد ، وأكثر مستعمليها ممن بعد القرن الثالث في الجملة
وكلها فقدت صفة أو أكثر من صفات النوع الاول بيد أنها انما وجدت لتوقير الحديث،
(97) ابن الصلاح ، علوم الحديث : 143
(98) السخاوي ، فتح المغيب 2 : 89
285
۔

والحرص على ألا يرويه إلا من أذن له في ذلك من أهله وبما أنه ليس في استطاعة كل
طالبيه التحمل بالسماع والقراءة فبالامكان أن يتحملوا بالاجازة لا سيما واكتمال تدوينه
يسمح بذلك ، فالذي نعتقده أنه لولا التدوين لما سمح بكثير من أنواعها ولما وقع
العدول عن السماع من الشيخ أو القراءة عليه الى الاكتفاء بالاذن بالتحديث غير أن
الذين أجازوها من المتقدمين قيدوها بشروط سنذكرها إن شاء الله حتى لا يؤذن
برواية العلم لمن ليس من أهله ولا غرو أن تسامح المتأخرين أدى الى تقاصر همم الطالبين
عن سماع الكتب من أفواه الحفاظ والمؤلفين ففوتوا فوائد لا تتأتى لمن اكتفى بالاجازة .
درجتها بين طرق التحمل :
. هي عند عياض الخامسة في الترتيب وعند من جاء بعده الثالثة وأراد العلماء وضعها
في مرتبتها الاصلية فتعددت آراؤهم .
اعتبرتها الأغلبية في رتبة تلي السماع عرضا لبعدها عن التصحيف
والتحريف ، ومشافهة الأخذ فيها وجعلها ابن منده أقوى منه لبعدها عن الكذب
والرياء والعجب فلم يحدث إلا بها ، والى مثل رأيه ذهب أحمد بن خالد
الاسكندراني (99) فقال: « الاجازة عندي على وجهها خير وأقوى في النقل من
السماع الردىء » (100) وقال بقي بن مخلد (101) ومن تبعه بتساويهما ، ونفس
الرأي نقل عن أبي بكر بن خريمة في قوله: « الاجازة والمناولة عندي كالسماع
الصحيح ». قال السخاوي: « وهو محتمل في ارادة الاجازة المجردة والاظهر أنه أراد
المقترنة بالمناولة» (102). ورأى البعض أن السماع أولى في عصر السلف وأن
المساواة ممكنة في الأزمان المتأخرة بعد تدوين الحديث وانحصار غرض الرواية في
تسلسل السند ، والرأي الصواب تأخرها عن رتبة السماع والعرض .
(99) أحمد بن محمد بن خالد بن ميسر ، انتهت اليه الرئاسة بمصر بعد شيخه ابن المواز ث
948/337 . مخلوف شجرة النور الزكية 1 : 80 (المطبعة السلفية القاهرة 1350)
(100) عياض الالماع : 93
(101) انظر ما سبق ص 192
(102) السخاوي ، فتح المغيث 2 : 58
286

المانعون لها :
لم تكن الاجازة أو قل النوع الاول منها محل اتفاق بين أهل الحديث والفقه
والأصول ، ووصل الأمر فيها الى الخصام بين منكريها من المتقدمين الذين كان أكثرهم.
من أهل العراق وبعضهم من خراسان ، والمجيزين لها من أهل مكة والشام ومصر .
والحادثة الآتية تشهد بمدى ما وصل اليه الامر في الموضوع فقد اختصم المكيون
والعراقيون في الاجازة الى سفيان الثوري، فقضى بها للمكيين على العراقيين وقالوا له
كيف نقول ؟ قال : قولوا « ثنا أي حدثنا» (103). وممن أنكرها شعبة لانها مبطلة
للرحلة ولان كل حديث عنده ثابت بغير السماع لا يرضي قال: « لو جازت الاجازة
لبطلت الرحلة » . وكل حديث ليس فيه سمعت فهو خل وبقل ». كذلك نقل عن
ابن المبارك ابطالها (104)، أما الامامان مالك والشافعي فنسب اليهما قولان المنع
والجواز ، ويستخلص منها الكراهة لانها طريقة للحصول على العلم دون تعب وهو
المستفاد من شروط مالك فيها وحتى يتضح موقفه نثبت ما نقله عنه ابن
القاسم (105) وابن وهب (106)، قال الأول : «سألت مالكا عن الأجازة »
فقال : « لا أراها انما يريد أحدهم أن يقيم المقام اليسير ويحمل العلم الكثير » وقال
الثاني: « سمعت مالكا يقول لمن سأله عن الاجازة » ما يعجبني والناس يفعلونه ،
قال: «وذلك أنهم طلبوا العلم لغير الله يريدون أن يأخذوا الشيء الكثير في المقام القليل»
والشافعي استجازه تلميذه الربيع بن سليمان «270» راوي كتبه ثلاثة أرواق فاتته
من كتاب البيوع، فقال له : « اقرأها علي كما قرئت على» (107) وحمل البغدادي
(103) الخطيب البغدادي ، الكفاية : 464 .
(104) الخطيب البغداي ، الكفاية : 454
(105) هو عبد الرحمن بن القاسم بن خالد العتكي المصري المعروف بابن القاسم 750/132
ت 806/191 بمصر ، من أئمة الفقه المالكي ، له المدونة ابن عبد البر ، الانتقاء : 50
(106) عبد الله بن وهب بن مسلم الفهري بالولاء المصري 743/125 ت.813/197 بمصر جمع
بين الفقه المالكي والحديث من كتبه الجامع . ابن عبد البر ، الانتقاء : 48
(107) الخطيب البغدادي ، الكفاية : 455
287

فعله هذا على الكراهة حذرا من الاتكال على الاجازة بدلا من السماع لانه أجاز
لبعض أصحابه رواية ما لم يسمعه من كتبه (108).
ويحي بن سعيد القطان نقد أحاديث ابن جريج عن عطاء الخراساني لانها كتاب.
دفعه اليه ، وخلف بن تميم (109) سأل حیوه بن شريح (110) فأخرج له كتابا
وأمره بنسخه وأجازه الرواية منه فامتنع خلف الا أن يسمع منه ، وتعود حيوه الاجازة.
فقال : « هكذا نفعل بغيرك فان أردته فخذه والا فذره » فترك خلف الكتابة . وأحمد
ابن صالح المصري (111) قال: « ولا تجوز البتة بدون مناولة» (112) والبخاري لم
يروبها في صحيحه قال فيه ابن حجر : « لم يذكر من أقسام التحمل الاجازة المجردة
عن المناولة أو المكاتبة ولا الوجادة ولا الوصية ولا الاعلام المجردات عن الاجازة وكأنه لا
يرى بشيء منها » .
ورد ما ذهب اليه ابن مندة من أن كل ما قال فيه البخاري « قال لي » فهو اجازة
بأنه انما استعمل ذلك في الجامع لرواية ما ليس على شرطه وأنه في غير الجامع قال فيه
« حدثنا » وهو لا يستجير في الاجازة اطلاق التحديث (113).
وأبو زرعة الرازي قال: «إنه لم ير من يستعملها »، وعدها من التساهل المؤدي
إلى ذهاب العلم، وابراهيم بن اسحاق الحربي قال: « الاجازة والمناولة لا تجوز وليس
(108) الكفاية : 455
(109) هو خلف بن تميم الكوفي ، روى عن الثوري ، وعنه محمد بن سعد، ثقة مات 821/206
وقيل 213 . ابن حجر ، تهذيب التهذيب 3 : 148 _:
(110) هو حيوه بن شريح بن صفوان المصري ت 775/158 امام حافظ ، شيح الديار المصرية ،
الزركلي ، الاعلام 2 : 331
(111) هو أحمد بن صالح المصري أبو جعفر المعروف بابن الطبري 791/175 ت 862/248
أحد الحفاظ المشهورين روى عن ابن وهب وابن عيينة وعنه البخاري بواسطه ، ابن حجر ، تهذيب
التهذيب 1 : 39
(112) السخاوي ، فتح المغيث 2 : 60
(113) ابن حجر ، فتح الباري 1 : 156
288

. :
هي شيئا ، واعتبر من استعمل «حدثنا » في الاجازة كاذب ، وقال صالح بن محمد
جزرة : « الاجازة ليست بشيء». (114). وبالغ بعض المتأخرين في منعها فاعتبروها
اذنا بالكذب في الرواية ونفى ابن حزم أن تكون وردت عن الرسول أو الصحابة أو
التابعين أو أتباعهم (115) ، ومنعها بعضهم بحجة أنها تجري مجرى المراسيل ورد
الخطيب البغدادي على هؤلاء بأن المجيز معروف بعينه وأمانته فليس هو بمنزلة من لا
يعرف (116) .
القائلون بها :
اعتمدها جماعة من المتقدمين ، ذكرهم الخطيب البغدادي في الكفاية (117)
مبتدئا من التابعين فمن بعدهم ، وأغلبهم من أهل المدينة ، والشام ، ومصر ، وقلة من
أهل العراق ، وخراسان ، وكثير منهم غلب عليهم الفقه ولم يشتهروا بنقد الرجال ومنهم
من رفض الأئمة روايته كأبان بن أبي عياش (118) ففيهم الضعفاء ، والمشهورون ،
أما الإمامان مالك والشافعي فقد عرفنا من قبل مذهبهما حين الكلام على المنكرين
لها، وأقتصر في ذكر الجيزين لها على من استعملها أو كان له قول فيها، أما من اكتفى
الخطيب البغدادي بذكر أسمائهم فنشير الى بعضهم فقط مع ملاحظة أنه عد منهم
البخاري ورأينا من قبل أن ابن حجر استبعد أن يكون من القائلين بها ، ونرجح هذا
الرأي لانه لو اعتمدها لروى بها في الجامع أو في غيره ، ولو حصل ذلك لنبه عليه
النقاد .
وهذه مواقف وأقوال المجيزين لها فقد كان الزهري يؤتى بالكتاب ما قرأه ، ولا قرى
(114) الخطيب البغدادي ، الكفاية : 456
(115) السخاوي ، فتح المغيث 2 : 63
(116) الخطيب البغداي ، الكفاية: 456
(117) ص 456 وما بعدها
(118) هو أبان بن عياش البصري من صغار التابعين ضعفه شعبة كثيرا . الذهبي ميزان الاعتدال
10 : 1
289

1
عليه ، فيقال له نروي هذا عنك ؟ فيقول : « نعم » (119) واستجاز ابن جريج
أبان بن أبي عياش فأجازه، وأجازه أيضا هشام بن عروة (120) وقضى سفيان الثوري
بالاجازة للمكيين على العراقيين (121) وأجاز الحسن البصري من قال له «إن
عندي كتابك فأجزه لي » (122) وأجاز سفيان بن عيينة عبد الله بن وهب (123)
وقال أحمد بن حنبل « لو بطلت لضاع العلم» (124) ولم يكن مكثرا لها . قال ابنه
عبد الله: « ما أجاز أحمد لأحد شيئا إلا جزئين لعباس المديني» (125).
ويظهر أن الاجازة كانت طريقة معروفة للتحمل عند أهل الشام ، فمكحول أجازٍ
من لم يسمع منه (126)، والأوزاعي روى بها عن يحي بن أبي كثير
والزهري (127). وأبو اليمان: الحكم بن نافع (128) قال فيه أبو زرعة، « لم يسمع
من شعيب بن أبي حمزة الا حديثا واحدا والباقي إجازه» (129) وكان الليث يمنعها
لمن يسأله اياها ويراها جائزة واسعة (130)، وأجاز ابن خزيمة من سأله وقال :
« الاجازة والمناولة عندي كالسماع الصحيح» (131) وكان الذهلي ممن يمنحها وهذا
(119) الخطيب البغدادي ، الكفاية : 459
(120) انظر ما سبق ص : 90
(121) الخطيب البغدادي الكفاية : 464
(122) نفس المرجع : 456
(123) نفس المرجع : 463
(124) السخاوي، فتح المغيث 2 : 62
(125) الخطيب البغدادي ، الكفاية : 465
(126) نفس المرجع : 458
(127) نفس المرجع : 461
(128) الحكم بن نافع أبو اليمان الحمصي روى عنه البخاري ، وروى له الباقون بواسطه
ت 826/211 وقيل 222 ابن حجر ، تهذيب التهذيب 2 : 441
(129) ابن حجر ، تهذيب التهذيب 2 : 442
(130) الخطيب البغدادي ، الكفاية : 461
(131) نفس المرجع : 465
290

نص اجازة بخطه « بسم الله الرحمن الرحيم أتاني سعيد بن عمرو أبو عثمان البرذعي
بهذه الأحاديث المتضمنة هذه الرقعة وسألني أن أجيزها ليوسف بن زياد ومحمد بن
مهدي ، ومحمد بن يحي بن مندة ، ومحمد بن هارون ، وأحمد بن علي بن الجارود
ومحمد بن عبد الله بن ممك ، وعلي بن الحسن بن سالم وهذه أحاديثي قد سمعتها من
هؤلاء الرهظ المسمين في هذه الرقعة فقد أجزتها لهم فليرووها عني إن أحبوا ذلك .
وأحب كل واحد منهم على الانفراد ، فقد أبحت لهم ذلك ، وكتبه محمد بن يحي
بخطه » (132) .
وأبو بكر عبد الله بن أبي داود (133) تساهل فيها فأباحها للمعدوم قال لمن سأله
اياها : « قد أجزت لك ، ولأولادك ، ولحبل الحبلة الذي لم يولد ، وتوقع البلقيني حمل
قوله على المبالغة لا حقيقة اللفظ (134) .
ومن كان يرى الاجازة في تونس عيسى بن مسكين (135) صاحب سحنون
قال : « هي رأس مال كبير وهي قوية»(136).
وأجازها عدد كبير من المتأخرين من المحدثين والفقهاء ، والأصوليين كالخطيب
البغدادي، والقاضي أبي العباس بن بكر المالكي (137) والقاضي أبي الوليد
(132) نفس المرجع : 468 - 469
(133) عبد الله بن سليمان بن الاشعث الازدي السجستاني أبو بكر بن أبي داود 844/230.
ت 929/316 من كبار حفاظ الحديث ، والمؤلفين فيه كان امام أهل العراق . ابن حجر ، لسان
الميزان 3 : 293. الزركلي ، الاعلام 4 : 224
(134) السخاوي ، فتح المغيث 2 : 81
(135) هو عيسى بن مسكين بن منظور الافريقي قاضي القيروان ، وفقيه المغرب جمع بين الفقه
والحديث 829/214 . ت 907/295. أبو العرب، طبقات علماء افريقية: 142 (نشر ابن أبي
شنب الجزائر 1914/1332)
(136) السخاوي ، فتح المغيث 2 : 62
(137) هو الوليد بن بكر بن مخلد أبو العباس الغمري من أهل الاندلس انتقل كثيرا في المشرق أكثر
السماع والكتابة في بلده وفي الغربة ت 1001/302 . الحميدي جذورة المقتبس : 339
291

الباجي (138) وأدعى فيها الاجماع وأبي المعالي الجويني واشترط تحقيق الحديث في
أصوله وغير هؤلاء .
هذا حكم النوع الأول منها أما النوع الثاني الابهام في المجاز به ، فقال العراقي
« قبله الجمهور » واشترط الخطيب البحث عن أصول المجيز من جهة العدول
الاثباب فما صح عنده من ذلك جاز له أن يحدث به ، والمراد بالجمهور الكفرة لان
كثيرا ممن ذكروا من قبل لا يجيزونها مطلقا وسمى عياض كثيرا من القائلين بجواز النوع
الثاني بعد أن أشار الى الخلاف فيه ، ثم أيد الجواز بشروط هي : تعيين رواية الشيخ
ومسموعاته وتحقيقها ، وصحة مطابقة كتب الراوي لها (139) .
وبهذا يصبح هذا النوع من قبيل اجازة معین لمعین ، ولا فائدة من انفرادها أو ذکر
من قال بها لدخولها في القسم الأول ..
نكتفي ببيان حكم النوعين الأولين لأن القائلين ببقية الأنواع من المتأخرين .
خلاصة القول في الاجازة
يتلخص لنا مما سبق أن الاجازة طريقة للتحمل مرغوب عنها لما قد يترتب عليها من
وضع العلم عند غير أهله اذ هي مظهر من مظاهر التساهل تمنح للطالب دون عناء ،
ومن غير ارتخال أو بارتحال لكن مع مكث قليل ، ولربما وعلم كثير، ومن أجل هذا
أبى بعض المحدثين من المتقدمين والمتأخرين أن يمنحوها دون قيود فضبط لها الامام
مالك شروطا في غاية الدقة . أشار اليها ابن عبد البر وأكد عليها (140) وأوردها
عياض كما يلي :
1) معارضة فرع الطالب بأصل الراوي
(138) هو سليمان بن خلف بن سعد بن أيوب الاندلسي رحل الى المشرق والتقى بالخطيب
البغدادي ببغداد . ت 1081/474. ابن فرحون: الديباج : 120
(139) الالماع : 91 - 92
(140) جامع بيان العلم وفضله 2* 180
292

2) أن يعلم المجيز بما يجيز به وأن يشتهر بالعلم ويكون ثقة في دينه وروايته .
3) أن يكون المستجير من أهل العلم وعليه أماراته كالمعاناة في الطلب والمعرفة
حتى لا يوضع العلم عند غير أهله (141) .
واشترط أحمد بن صالح المصري تسلم الطالب أصول شيخه أو فروعه المصححة .
وكل اجازة لا تكون بهذا الشكلُ لا يرتاح اليها لا سيما عند المتقدمين. أما الأعيون
فنظرتهم لها تختلف عن نظرة هؤلاء وليس من المبالغة أن نقول هي عندهم لا تعدو
الاذن بالرواية لانهم يحرصون على الا يروي الراوي الا ما له سند فيه .
فغايتهم الابقاء على الاسناد ، والاجازة تحقق ذلك في رأيهم لكن توسع فيها
:
بعضهم فأوجد أقساما لا أثر لها في التحمل بحال ، ولا تدل إلا على الاذن العام لنتقل.
الحديث ونشره ولولا غرضهم المذكور ، وتدوين الحديث ، لرفضت كل هذه الانواع
فقد بالغوا فيها حتى كادت تعتبر صورية بحتة يراعى فيها الشكل دون الجوهر ، ولا أدل
على ذلك من الاجازة للمجهول ، وللمعدوم ومن ليسوا بأهل للأداء حين الاجازة
فكيف يؤذن بالرواية لهؤلاء الاصناف ؟ وهل يمكن الاقتناع بمثل ما تعللوا به من أن
من فوائدها بالإضافة إلى ابقاء السند تمكين بعض الطلبة العاجزين عن الارتحال للمرضى
أو البعد من الرواية فالمرض سبب خاص لا يتسبب في الإباحة العامة، وأما البعد اني
رحلات السابقين ما يفيد أنه ليس بعذر .
ولهذا اقتصر المتقدمون على النوع الأول فقط والنوع الثاني عند البعض ، ومع
تدوين الحديث فشروط الاجازة لا بد منها حتى تكون دليلا على أهلية المجاز له للرواية .
وإلى هذا ذهب أحمد شلبي فرأى أن الشيوخ ما كانوا يمنحون الاجازة من غير تعليم
الا لمن كان ذا معرفة تهيئ له القدرة على تدريس الكتاب المجاز له أو رواية الأحاديث
المأذون له في روايتها (142)
(141) الالماع : 95
(142) تاريخ التربية الاسلامية، 223 (ط 2، دار الطباعة الحديثة القاهرة 1960)
293

الاعلام
هو اعلام الشيخ الطالب بأن هذا الكتاب أو الحديث من سماعه من فلان أو
.روايته عنه مقتصرا على ذلك دون أن يأذن له في روايته عنه (143) .
واختلف في صحة الرواية به من غير اجازة فأباح ذلك جماعة من المحدثين والفقهاء
والأصوليين كابن جريج الذي ذهب بصحيفة الى هشام بن عروة فقال : « يا أبا
المنذر هذه أحاديثك ؟ فقال : « نعم » فذهب (144) وحدث عنه بصيغة
أخبرنا (145) .
وعبيد الله بن عمر العمري (146)، والزهري، قال عبيد الله: « كنا نأتي الزهري
بالكتاب من حديثه فنقول له : « يا أبا بكر هذا من حديثك ؟» فيأخذ ينظر فيه ثم
يرده الينا ويقول : « نعم هو من حديثي» قال عبيد الله: فتأخذه، وما قرأه علينا ولا
استجزناه أكثر من اقراره بأنه حديثه» (147)، وعبد الملك بن حبيب (148) أخذ
كتب أسد بن موسى (149) ونسخها وحدث بها ولم يجزه اياها فقيل لأسد : أنت لا
(143) ابن الصلاح ، علوم الحديث: 155
(144) الرامهرمزي ، المحدث الفاصل : 420
(145) عياض ، الالماع : 115
(146) هو عبيد الله بن عمر بن حفص بن عمر بن الخطاب أخذ عن عطاء ونافع وعنه شعبة
والسفيانان ت 764/147 ، ابن حجر ، تهذيب التهذيب 7 : 38
(147) عياض ، الالماع : 114
(148) عبد الملك بن حبيب بن سليمان السلمي سكن قرطبة ورحل إلى المشرق فأخذ الفقه المالكي
ولم يكن له علم بالحديث وكان يحمل بالاجازة 790/174 ت 940/238 . ابن الفرضي ، تاريخ
العلماء والرواة بالاندلس 1 : 228/225
(149) هو أسد بن موسى بن ابراهيم الاموي 940/132 بالبصرة . ت 827/212 سمع شعبة وحماد
بن سلمه وعنه أحمد بن صالح ، قال البخاري هو مشهور الحديث ابن حجر ، تهذيب التهذيب :
1 : 260 البخاري ، التاريخ الكبير ق 2 ج 1 : 49
294

تجيز الاجازة فكيف حدث ابن حبيب عنك ولم يسمع منك ؟ قال: « انما طلب مني
كتبي ينتسخها فلا أدري ما صنع » ونحو هذا (150) .
وأيد الرامهرمزي ما حكاه عن بعض الظاهرية من جواز اعتماد الاعلام ولو صرح
الشيخ بمنع التلميذ من الرواية عنه بأن قال : « هذه روايتي ولكن لا تروها
عني» (151) وصحح عياض هذا الرأي ورأى أن هذا المنع غير مؤثر في التحديث
لأن الشیخ لا يرجع فيما حدث به .
ورد على الذين منعوا ذلك قياسا على منع الشهادة على الشهادة بدون إذن بأن
الشهادة يشترط فيها الاذن دائما إلا إذا أسمعت عند الحاكم ففي التوقف على إلاذن
خلاف، والحديث بطريقة السماع والقراءة لا يحتاج فيه الى الاذن بالاضافة الى افتراق
الشهادة عن الرواية في أكثر من وجه (152) .
وإلى هذا الرأي ذهب الاستاذ أحمد محمد شاكر معتبرا الرواية بالاعلام مع منع
الشيخ منها أقوى من الإجازة المجردة عن المناولة لأن في الاعلام ، ولو مع المنع شبه
مناولة ، وتعيينا للمروي بالاشارة إليه (153) .
ووجه ما استدل به عياض أنه كما صحت الرواية بالسماع والقراءة دون إذن تصح
بالاعلام ولكن الفرق بين الحالتين ظاهر ففي القراءة عرض وتصحيح للكتاب وهنا
إخبار فقط فإن كان الكتاب مقابلا مصححا كان الأمر هينا وإلا فلا جواز. هذا في حال
سكوت الشيخ عن الاذن ، وأما عند عدم اذنه فلا بد من معرفة سبب ذلك فقد يكون
المنع لخلل في الكتاب أو جرح في الطالب .
والاعلام عموما في نظر عياض وجه صحيح للنقل والعمل عند الكثير لأن اعتراف
(150) عياض الالماع : 109
(151) نفس المرجع : 110
(152) الالماع : 112
(153) الباعث الحثيث : 126
295

الشیخ بأن ما عند الطالب هو سماعه ، وتصحيحه له کتحديثه له بلفظه وقراء ته عليه
اياه وإن لم يجزه له (154) .
المانعون للتحمل بالاعلام :
: لم يتحمل به من الرواة المتقدمين الا القليل النادر ، وتبعهم المتأخرون فكانوا قلة
أيضا ومن الذين عارضوا التحمل به الغزالي معللا رأيه بخلوه من الاذن وهو شرط في
نقل الرواية ، وفي قبول الشهادة على الشهادة فرأى أنه اذا اقتصر الشيخ على قوله
« هذا مسموعي من فلان » فلا يجوز للطالب الرواية عنه لانه لم يأذن له ولربما لخلل
فيه (155) .
ونفس الرأي اختاره ابن الصلاح فعرضه (156) ثم وضحه قائلا : « فالشاهد اذا
ذکر في غیر مجلس الحكم شهادته بشيء فليس لمن يسمعه أن یشهد على شهادته اذا
لم يأذن له ، ولم يشهده على شهادته ، وذلك مما تساوت فيه الشهادة والرواية لان
المعنى يجمع بينهما في ذلك وإن افترقا في غيره » (157).
العمل بالاعلام :
ان وقع خلاف في صحة الرواية بالاعلام فان العمل بما أخبر به الشيخ أنه سمعه لا
خلاف فيه إن صح سنده (158) .
ويرى الاستاذ عجاج الخطيب أن الرواية بالاعلام نادرة قبل القرن الرابع وأن ابن
(154) الالماع : 108
(155) المستصفى 1 : 156
(156) لم يصرح ابن الصلاح بلقب الغزالي وسماه « أبا حامد الطوسي » وقال العراقي في شرح ألفيته
والسخاوي في شرحها أيضا هو الغزالي لأنه وان كان بين الشافعية اثنان يسميان بأحمد بن محمد ،
ويعرفان بأبي حامد الطوسي . إلا أنه ليست لهما مصنفات ذكرت فيها هذه المسألة ، بينما ما نقله ابن
الصلاح موجود في المستصفى للغزالي فرجح أن يكون هو السخاوي فتح المغيث 2 : 129 - 130
(157) علوم الحديث : 156.
(158) السيوطي ، تدريب الراوي 2 : 59 ابن الصلاح ، علوم الحديث : 157
296

جريج الذي جاءت النصوص مخبرة باستعماله إياه رخص له شيخه فيه لثقته عنده ،
وأنه كان يبينه حين الأداء ، ونبه النقاد تلاميذهم الى ذلك فاعتبروا بما صرح فيه
بالتحديث والإخبار ، دون ما استعمل فيه « قال » . وعن يحي القطان : « كان ابن
جريج صدوقا . اذا قال « حدثني » فهو سماع، وإذا قال: « أخبرنا وأخبرني فهو
قراءة، وإذا قال: « قال » فهو شبه الريح (159).
الوصية بالكتب
تعريفها :
هي أن يوصي المحدث عند موته أو سفره بكتابه أو نحوه من مروياته لشخص وهي
طريقة نادرة الوقوع . ولم تنقل عن غير أبي قلابة فقد سافر من البصرة إلى الشام هربا
من القضاء لما أريد له ، وعند موته أوصى بكتبه الى تلميذه أيوب السختياني فقال :
« ادفعوا كتبي الى أيوب إن كان حيا وإلا فاحرقوها » (160) فأنفق أيوب مقابل
حملها بضعة عشر درهما وجىء بها اليه من الشام ، فلما جاءته أعلم محمد بن سيرين
بها، وسأله عن التحديث منها فأذن له بذلك ثم احترز فقال: « لا آمرك ولا
أنهاك » (161) .
هذا كل ما ورد من أخبار الوصية بالكتب عن المحدثين المتقدمين وهو شاهد على
ندرتها ، وحتى الصورة المذكورة لها وضع خاص من اعتبارين :
الاول: الموصى له تلميذ الموصي فلا مانع من أن يكون سمع تلك الأحاديث من
قبل ، وهذا ما توقعه الخطيب البغدادي فقال : « يقال إن أيوب كان قد سمع تلك
الكتب غير أنه لم يحفظها فلذلك استفتى محمد بن سيرين عن التحديث
منها » (162) .
(159) أصول الحديث: 242 (تعليق عدد 2) (ط 2 دار الفكر 1971/1391)
(160) الرامهرمزي ، المحدث الفاصل : 460
(161) نفس المرجع: 459 . الخطيب البغدادي الكفاية: 503 - 504
(162) الخطيب البغدادي ، الكفاية : 504
297

ومن أجل توقع السماع أجاب ابن سيرين ثم توقف كأنه خشي أن يكون منها ما لم.
يسمعه ، والمنقول عنه كراهة الرواية من الصحف غير المسموعة وذلك يقتضي منع
الاجازة فضلا عن الوصية . بالاضافة الى امتناعه من ابقاء كتاب لعاصم الأحول
عنده قائلا : « لا يلبث عندي كتاب» (163) .
ولو ثبت السماع لكانت الوصية أمرا ثانويا .
الثاني : اذا أردنا أن نعتمد رأي ابن سيرين في جوازها فليس لنا مستند قوي لأنه
تردد بين الأمر بها والنهي عنها ، لهذا منع الجمهور اعتمادها كطريقة لتحمل الحديث
لأنها وسيلة للملكية لا للرواية فلا فرق بين أن يوصي العالم بكتبه لشخص بعد موته
أو يشتريها ذلك الشخص ، وله أن يحدث من تلك الكتب بطريق الوجادة ، وعندئذ
لا دخل للوصية في الرواية أو يرويها عنه اذا كانت له اجازة منه في رواية ما يصح عنده
من سماعاته ، فتكون طريقة التحمل وقتئذ الإجازة ، على أنه حتى في هذه الحالة تكره
الرواية من الصحف غير المسموعة (164) وشدد ابن الصلاح على من جوزها واصفا
إياه بالخطإ أو التأويل على أنه أراد الرواية على سبيل الوجادة ، ورفض أن تكون شبيهة
بالاعلام والمناولة اذ لهما ما يدعم صحة الرواية بهما (165) .
ويبدو أنه يرد على القاضي عياض في قوله بجواز الرواية بها إستنادا الى أن في دفع
الكتب للموصى له نوعا من الإذن وشبها بالعرض وقربا من الاعلام (166) ویری
الاستاذ أحمد محمد شاكر أنها أقوى من الاجازة والمناولة المجردة لأنها اجازة من الموصي
للموصى له بروايةً شيء معين مع اعطائه إياه (167) .
والملاحظ أنه ليست فيها اجازة صريحة ويبدو لي أننا في غنى عنها لأمور :
(163) السخاوي ، فتح المغيث 2 : 34
(164) الخطيب البغدادي ، الكفاية : 504
(165) علوم الحديث : 157
(166) الالماع : 105
(167) الباعث الحثيث : 127
298

1) أنه يستغنى عنها بالوجادة فتحصل الفائدة من الكتب الموصى بها وان كانت
الوجادة ليست محل اتفاق إلا أن قبولها أولى من الوصية اقتداء بمن تحمل بها من
السلف .
2) عدم استعمال السلف من المحدثين لها دليل على ضعفها .
3) ليس بين صيغ الأداء ما يشير اليها مما يدل على عدم التحمل بها قديما .
الوجادة
تعريفها :
الوجادة بكسر الواو لغة : مصدر مولد لفعل وجد ، ويسميها عياض : الخط وفي
اصطلاح المحدثين : أخد العلم من صحيفة من غير سماع ولا اجازة ولا مناولة (168).
وصورتها : أن يقف شخص على كتاب بخط شيخ عرف خطه سواء لقيه وسمع منه
هذا الكتاب ، أو لم يلقه ، ولا فرق بين أن يكون أباه أو جده أو غيرهما . أو كان
الكتاب بخط من لم يعاصره ولكنه استوثق من صحة نسبته اليه بشهرته الى صاحبه أو
بسنده المثبت فيه أو بشهادة ثقة أو نحو ذلك، فإذا ثبت هذا أمكن أن يروي عن مؤلفه
على الحكاية لا على السماع (169).
المتحملون بها من السلف :
ذكر الخطيب في الكفاية (170) عددا من المحدثين تحملوا بالوجادة منهم عبد الله
ابن عمر بن الخطاب فقد روى عن أبيه حديثا وجده في قائم سيفه ، والحسن البصري ،
(168) قال ابن الصلاح: « روينا عن المعافى بن زكريا النهرواني العلامة في العلوم. أن المولدين فرعوا
قولهم وجادة فيما أخذ من العلم من صحيفة من غير سماع ولا اجازة ولا مناولة من تفريق العرب بين
مصادر « وجد » للتمييز بين المعاني المختلفة يعني قولهم : « وجد ضالته وجدانا » ومطلوبه
« وجودا » وفي الغضب « موجدة » وفي الغنى « وجدا » بضم الوار ، وفي الحب « وجدا »
بفتحها. علوم الحديث: 156
(169) عياض ، الالماع : 116 - 117
(170) الكفاية : 505 - 507
299

سئل عن مصدر أحاديث يحدث بها فقال صحيفة وجدناها ، وأعطيت له صحيفة
جابر فأخذها . ويزيد بن أبي حبيب أودعه أحدهم كتابا فحدث منه .
وعدد الرامهرمزي جماعة آخرين (171) والمتأمل فيهم جميعا يلاحظ قلتهم وعدم
وجود كبار الأئمة بينهم ، وذهب السخاوي في غير قطع الى أن هؤلاء رووا وجادة
عمن سمعوا منه في الجملة وعرفوا حديثه (172) .
وقصده أن الوجادة عندهم مسبوقة بمعرفة جملية بحديث الشيخ . واعتمدها عبد
الله بن أحمد في المسند ، فرغم أنه راوية الكتاب وابن المؤلف ، وتلميذه وكتب أبيه
محفوظة عنده ، لم يشأ أن يقول عنه « حدثنا » فيما وجده في كتابة وكان يقول :
.« وجدت بخط أبي حدثنا فلان» أو «وجدت بخط أبي في كتابه » ثم يسوق
الحديث (173) .
وفي صحيح مسلم أحاديث ثلاثة مروبة بالوجادة بهذا السند : حدثنا أبو بكر بن
أبي شيبة قال : « وجدت في كتابي عن أبي أسامة عن هشام عن أبيه عن
عائشة » (174) :
وتساهل جماعة فاستعملوا لفظ (عن أو قال) بدل وجدت ، وأغلب ذلك فيما
رواه الابن عن الأب أو العكس كوائل بن داود عن ولده بكر وقد مات قبله (175)
وبالغ بعضهم في التساهل فاستعملوا « حدثنا وأخبرنا » وعد صنيع الجميع تدليسا
قبيحا لايهامه السماع (176) .
(171) المحدث الفاصل : 497 - 499
(172) فتح المغيث 2 : 137
(173) شاكر أحمد محمد ، الباعث الحثيث : 129
(174) الحديث الأول في باب فضائل الصحابة (84) والثاني في نفس الباب (80) والثالث في باب
النكاح (69) وانظر السيوطي، تدريب الراوي 2: 61 - 62
(175) السخاوي ، فتح المغيث 2 : 137
(176) ابن الصلاح ، علوم الحديث : 158
300

مانعوها :
ويقابل الجماعة الذين اعتمدوها آخرون رفضوها انطلاقا من كراهة الاعتماد على
الكتاب كعمر بن الخطاب القائل « اذا وجد أحدكم كتابا فيه علم لم يسمعه من عالم
فليدع باناء وماء فلينقعه فيه حتى يختلط سواده مع بياضه » ومحمد بن سيرين الذي
اشترط في الرواية من الكتاب سماعه من ثقة ، ووكيع بن الجراح الذي نهى من لم
يسمع الكِتاب عن النظر فيه خوفا من أن يعلق بقلبه بعض منه (177) .
منزلتها :
بالمقارنة بين من اعتمدها من السلف ومن رفضها نجد أنها استعملت في حالات
خاصة ونادرة وربما يكون الشخص الوحيد الذي روى بها ولم يتحرج في اعتماد
الصحف من غير السماع هو الحسن البصري ، أما بقية من ذكروا فبعضهم كعبد الله
ابن عمر روى بها حديثا واحدا وأكثرهم تحمل بها عن أبيه .
وبعضهم كاسحاق بن راشد (178) الذي استعمل « حدثنا » في الرواية عن
الزهري من كتاب له وجده ببيت المقدس ، هناك احتمال أفادته بعض النصوص في أنه
لقيه (179) اذا أضيفت هذه الملاحظات الى آراء المانعين يكون النقل بالوجادة من
السند المنقطع ، على أن معرفة خط الشيخ يعد رابطة ضعيفة دالة على الاتصال فاذا لم
يعرفب الخط انقطعت هذه الرابطة (180) .
. ولا عجب أن ينفي ابن كثير كونها من الرواية ويثبت أنها حكاية عما وجد في
الكتاب (181) ومن أجل هذا حكى السيوطي في التدريب انتقاد البعض مسلم بن
(177) الخطيب البغدادي ، الكفاية : 504 - 505
(178) اسحاق بن راشد الجندي ، روى عن الزهري ، وثقة ابن معين ، وقال النسائي « لا بأس به
وقال ابن خزيمة : « لا يحتج بحديثه ». الذهبي، ميزان الاعتدال 1 : 190 - 191 .
(179) السخاوي ، فتح المغيث : 2 : 138
(180) عياض ، الالماع : 117
(181) شاكر أحمد محمد ، الباعث الحثيث : 128
301

الحجاج روايته الأحاديث المذكورة سابقا بها ، وهي من السند المنقطع وأجاب عن
ذلك بجوابين :
الأول : أن الوجادة المنقطعة : أن يجد في كتاب شيخه لا في كتابه عن شيخه ،
وأقر الشيخ أحمد محمد شاكر هذا الجواب ذاكرا أن ما يجده الزاوي من الحديث في
كتابه عن شيخه يتأكد من أخذه عنه ، ولكنه قد ينسى أنه سمعه فيعبر بالوجادة تورعا
كما فعل أبو بكر بن أبي شيبة شيخ مسلم في الأحاديث الثلاثة .
أما الجواب الثاني للسيوطي عن هذه الاحاديث فذكره في الالفية وهو أنها ثبتت
عند مسلم من طرق أخرى موصولة (182) .
العمل بالوجادة
تبعا للاختلاف في اعتمادها قديما في الرواية ومنع صيغ التحديث والإخبار فيها،
اختلف في العمل بها فرفضه معظم المحدثين والفقهاء من الحنفية قياسا على السند
المنقطع ، وأجازه الشافعي ، وجماعة من أصحابه ، وأوجبه المحققون الاصوليون منهم.
كالجويني عند ثقة المؤلف وصحة سنده والاطمئنان الى ما رواه (183) والرأي
: الثالث : أقره ابن الصلاح فقال: « وما قطع به أي وجوب العمل بها هو الذي لا
يتجه سواه في الأعصار المتأخرة فانه لو توقف العمل فيها على الرواية لانسد باب
العمل بالمنقول لتعذر شروط الرواية فيها (184) .
ولا أظن أن أحدا من المانعين يستمر على رأيه لو كان الآن حاضرا بعد أن صار
الاعتماد في نقل الأحاديث على الكتب الصحاح التي تواترت صحتها ونسبتها الى
جامعيها وعرفت أسانيدها فكانت مصدر الأخذ وكان جمعها السبب في ضعف الرواية
بالسماع لوجود المدونات وسهولة انتشارها بواسطة الطباعة ، ووسائل النقل فهذا
(182) نفس المرجع : 131
(183) عياض ، الالماع : 120
(184) علوم الحديث : 160
302