النص المفهرس
صفحات 241-260
يرجع (43) الى الفهم ، والمعرفة ، والحفظ . وكل محدث تهاون بالسماع واستخف بالحديث فلا يخفي حاله ، ويظهر أمره » (44) . وأعاد الخطيب في الكفاية أقوال من سبقه وجعل عدة عناوين تتعلق بأحكام الجرح والعدالة ، وأطال في بيانها وكاد يأتي على كل شروط الراوي بايراد ما قيل فيها . ومن بعد هؤلاء كان الحازمي في شروط الأئمة الخمسة ، ثم تعرض لها ابن الأثير في مقدمة جامع الأصول ، وابن الصلاح في علوم الحديث تحت عنوان : صفة من · تقبل روايته ، ومن ترد روايته . وثانيا في باب « صفة رواية الحديث ، وشرائط أدائه». قال: « أجمع جماهير أئمة الحديث والفقه على أنه يشترط فيمن يحتج بروايته أن يكون عدلا ، ضابطا لما يرويه ، وتفصيله أن يكون : مسلما ، بالغا ، عاقلا ، سالما من أسباب الفسق وخوارم المروءة ، متيقظا غير مغفل ، حافظا إن حدث من حفظه ، ضابطا لكتابه إن حدث من كتابه ، وإن كان يحدث بالمعنى اشترط فيه مع ذلك أن يكون عالما بما يحيل المعاني » (45). ١ وتبعه على هذا التصنيف من اختصر مقدمته أو نظمها ، أو شرحها ، كابن كثير، والنووي، والعراقي، والسخاويّ . وبالاضافة الى علماء الحديث فقد ذكر هذه الشروط مفصلة موضحة علماء الأصول كالغزالي وابن الحاجب وغيرهما . والمتأخرون في حديثهم عنها يقصدون فترة ما قبل انتهاء تدوين الحديث عندما كان (43) في التعبير ثقل والمقصود أن صحة السماع تغني عن الفهم والحفظ ، وعدم اشتراط الفهم حاصل من كثير من أصحاب الحديث ، وأما الحفظ فأغلبهم يشترطه ، بل قد يشترطه من يلزم بالرواية من الكتاب . (44) ص : 16-17 (45) علوم الحديث : 94 243 الاعتماد في تلقيه على الراوي: لا على الكتب كما هو الحال فيما بعد حينما صار الغرض من الرواية الابقاء على سلسلة السند خاصية هذه الامة . وخفت بذلك الشروط كما سنراها بعد إن شاء الله تعالى . وسواء عد الاسلام والعقل والبلوغ عناصر للعدالة كما نص ابن الصلاح ، أو عدت الثلاثة عناصر معطوفة على بعضها ، فالجميع على اشتراطها كلها ، ورد الرواية إن فقد بعضها فلا تصح رواية العدل غير المسلم ، ولا المسلم غير العدل ولا غير العاقل ، فبانتفاء أحد الشروط ترد الرواية . ويرى صبحي الصالح أن هذه الشروط نفسها اشترطها النقاد الأوائل غير أن دقة الاصطلاح هي ميزة المتأخرين الذين اطلعوا على الكثير من آرائهم ورجحوا بينها ، واختاروا بعضها . أما القدامى فكانوا يقنعون من الموضوع بتطبيقه العملي فتغنيهم الدربة والممارسة على وضع المصطلحات والتدقيق في المقاييس ، وأورد قول شعبة في الذي يترك حديثه ثم قال : « ويكاد شعبة بهذا يصرح بشرطين من شروط الراوي الذي يقبل حديثه ، وهما : الضبط والعدالة ، فكثرة الغلط تنافي الضبط والاتهام في الحديث يعارض العدالة . أما الاسلام والعقل فأمران بديهيان لم يلتزم شعبة ذكر لفظهما ، اذ كان لا يتصور العدالة من غير اسلام أو الضبط من غير عقل وتمييز (46) . وإلى مثل هذا الرأي ذهب محمد عجاج الخطيب ، قال: « واذا فهممنا الى هذا أقوال كثير من العلماء وقول الامام الشافعي في حجية خبر الواحد (47) رأينا أنه لم يمض القرن الثاني للهجرة حتى دونت جميع الأصول المتعلقة بالرواية والرواة مما تعارف - (46) صبحي الصالح ، علوم الحديث : 126 - 127 . (47) الرسالة : 51 244 عليه أئمة الصحابة والتابعين وأتباعهم رضي الله عنهم » (48). وهذه جملة الشروط مفصلة : الضبط الضبط في اصطلاح المحدثين هو : اليقظة بأن لا يكون الراوي ساهيا ، أو نائما حين الأخذ بل مميزا الصواب من الخطإ، وتستوعب حافظته ما يسمعه ، ويبعد زواله منها ، ويستطيع استحضاره إن حدث من حفظه ، وينتبه الى كل خطإٍ يتسرب الى كتابه من تغيير ومحو إن كان يروي منه، وتستمر اليقظة من السماع الى الأداء. ذكر هذا الشافعي فقال : « أن يكون من حدث به ... عاقلا لما يحدث به » (49). . قال ابن حبان: « والعقل بما يحدث من الحديث هو: أن يعقل من اللغة بمقدار ما يزيل معاني الأخبار عن سننها ، ويعقل من صناعة الحديث مالا يسند موقوفا أو يرفع مرسلا أو يصحف اسما » (50) . قال السخاوي : « فهذا كناية عن اليقظة » (51) . وقال الشافعي في بقية عناصر : « ... عالما بما يحيل معاني الحديث من اللفظ ... حافظا إن حدث من حفظه ، حافظا لكتابه إن حدث من كتابه»(52) . . واهتم نقاد الحديث بالضبط فتتبعوا حفظ الرواة وقارنوا بينهم ودرسوا كتبهم ، وحكموا لها أو عليها ، واستعملوا من العبارات الدالة عليه الكثير . ولخص ابن الأثير (48) الخطيب محمد عجاج، أصول الحديث: 232 - 233 (49) الرسالة : 51 (50) صحيح ابن حبان 1: 113. (51) فتح المغيث ، 1 : 259 (52) الرسالة : 51 245 آراءهم فيه، فضبط مفهومه ونوعيه . وننقل ما قاله ، وان كان طويلا ، لأنه أجود ما قيل في الموضوع فيما رأيت .. قال : « الضبط هو عبارة عن احتياط في باب العلم ، وله طرفان: طرف وقوع العلم عند السماع ، وطرف الحفظ بعد العلم عند التكلم ، حتى إذا سمع ، ولم يعلم لم يكن شيئا معتبرا كما لو سمع صياحا لا معنى له أو لم يفهم اللفظ بمعناه لم يكن ضبطا ، وإذا شك في حفظه وسماعه بعد العلم والسماع لم يكن ضبطا » . ثم قال : « ثم الضبط نوعان : ظاهر ، وباطن ، فالظاهر : ضبط معناه من حيث اللغة ، والباطن : ضبط معناه من حيث تعلق الحكم الشرعي به ، وهو الفقه، ومطلق الضبط الذي هو شرط الراوي : هو الضبط ظاهرا عند الأكثر لأنه يجوز نقل الخبر بالمعنى ، فيلحقه تهمة تبديل المعنى بروايته قبل الحفظ أو قبل العلم حين شمع ، ولهذا المعنى قلت الرواية عن أكثر الصحابة ، لتعذر هذا المعنى ، فمن كان عند التحمل غير مميز ، أو كان مغفلا لا يحسبن ضبط ما حفظ ليؤديه على وجهه فلا ثقة بقوله ، وان لم يكن فاسقا . وهذا الشرط وان كان على ما بينا فان أصحاب الحديث قلما يعتبرونه في حق الطفل دون المغفل لأنه متى صح عندهم سماع الطفل أو حضوره مجلس القراءة أجازوا روايته ، والأول أحوط للدين» (53). فعناصره : اليقظة ، والحفظ عند السماع ، والاستخضار عند التحديث ، وصون الكتاب من التزوير والتغيير لمن يحدث من كتابه ، والعلم بما يحيل المعنى ان حدث على المعنى (54) . مقاييس الضبط : يوصف الراوي بالضبط إذا وافقت روايته رواية الثقات. قال الإمام الشافعي: ((إذا (53) جامع المعقول والمنقول ، 1 : 32 (54) السخاوي، فتح المغيث 1 : 268 - 269 246 شرك أهل الحفظ في الحديث وافق حديثهم» (55) . فالمقياس لمعرفة ضبط الراوي مقارنة ما رواه بأخاديث الثقات الضابطين المتقنين ، فإن وافقهم في غالب رواياتهم ، ولو من حيث المعنى فضابط متقن ، ولا تضر المخالفة النادرة ، وإن كثرت مخالفته اختل ضبطه ولم يحتج به » (56) . ويشهد بالضبط أيضا لمن استفاض حفظه ، واشتهرت امامته . الاسلام هذا الشرط لم ينص عليه نقاد الحديث الأوائل لأن البداهة تقتضيه ولكنهم بحثوا الرواية عن المبتدعة فقال محمد بن سيرين يحكي عن معاصريه: « انما كانوا يأخذون عن أهل السنة»(57) ثم تعددت الآراء في المسألة، وسنوضحها عند الحديث على أسباب الجرح ، وبحث الرواية عن أهل البدع يتضمن ترك الرواية عن الكافر لأنه أولى بالترك، ولم نعثر بين أهل القرون الأربعة الأولى على من نص عليه غير ما رواه الحاكم عن أبي جعفر الباقر باسناده اليه وهو قوله : « وإذا عرف طالب الحديث اسلام المحدث ، وصحة سماعه كتب عنه » (58) وقد أشرنا إليه سابقا. وبالنسبة للعمل فالاجماع حاصل على ترك الرواية عن الكافر والاسلام شرط في الأداء لا في التحمل والدليل على اشتراطه قوله تعالى: « يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا » (59) وإذا · كان خبر الفاسق مردودا فمن باب أولى رد خبر الكافر وعلل ابن الحاجب (60) قبول شهادته عند أبي حنيفة بالضرورة الداعية الى صيانة الحقوق عندما تكثر المعاملات مما لا يحضره مسلمان (61) مع الملاحظة أنه لا يخالف في رد روايته . وقال الغزالي : (55) الرسالة : 51 (56) ابن الصلاح ، علوم الحديث: 95 - 96 ، السيوطي، تدريب الراوي 2 : 304 (57) صحيح مسلم : تصحيح محمد فؤاد عبد الباقي المقدمة : 5 (58) معرفة علوم الحديث : 16 - 17 (59) سورة الحجرات : 6 (60) عثمان بن عمرو بن أبي بكر المالكي (أبو عمرو جمال الدين)1174/570 ت 1249/646 بمصر فقيه ، مقرىء أصولي . كحاله معجم المؤلفين 6 : 265 (61) مختصر المنتهى بشرح القاضي عضد الملة والدين 1 : 165 (طبعة حسن علي 1307) 247 « والاعتماد في ردها على الإجماع المنعقد على سلبه أهلية هذا المنصب في الدين وان. كان عدلا في دين نفسه» (62) . ولا خصوصية لكافر عن آخر فكل من لم يعتنق الإسلام لا روايه له . التكليف : يراد به : العقل والبلوغ بأن لا يكون الراوي معتوها ولا مجنونا ، اذ لا يعقل أن ينقل نصوص الشرع من فقد وعيه ، وسقط عنه التكليف وسنرى بعد في أسباب الجرح حكم الرواية عمن اختلط .. ويعرف البلوغ بحضول أماراته المنصوص عليها في الفقه ، أو ببلوغ سن الرشد التي هي عند البعض الخامسة عشرة ، والمقصود من اشتراطه الشعور بتحمل المسؤولية ، والالتزام بأحكام الشرع ليحصل الوازع عن الكذب خوفا من الله تعالى؛ قال الغزالي : « لا تقبل رواية الصبي لأنه لا يخاف الله فلا وازع له من الكذب فلا تحصل الثقة بقوله » (63) . وقال ابن الأثير : ما معناه والصبي لا يقبل قوله في حق نفسه ، فكيف يقبل في حق غيره ؟ واحترز ابن الحاجب أكثر فقال: « ان الصبي وان قارب البلوغ وأمكنه الضبط يحتمل أن يكذب لعلمه بأنه غير مكلف فلا يحزم عليه الكذب فلا اثم له فيه ، فلا مانع من إقدامه عليه ، فلا يحصل ظن عدم الاقدام على الكذب فلا يحصل ظن صدقه وهو الموجب للعمل » (64) فالسبب الأصلي في رد رواية الصبي شعوره بعدم التزامه بأحكام الشريع مما يخشى منه الكذب ، فترد روايته. وان كان مميزا ، ضابطا ، وعرفنا سابقا أن تحمله ممكن على أن يؤدي ما تحمله بعد البلوغ . (62) المستصفى 1 : 156 - 167 (63) المستصفى 1 : 156 (64) مختصر المنتهى بشرح القاضى عضد الملة والدين 1 : 164 248 العدالة تعريفها : اعتبر المتقدمون من نقاد الحديث العدالة أمرا مسلما لا يمكن تصور راو للحديث غير موصوف بها ، فكانوا اذا تكلموا عن شروط الراوي بينوا ما يتعلق بالضبط ، وصناعة الحديث ، وتعرضوا خاصة الى ما يقدح في العدالة لا ما يثبتها لوضوح أسبابها ، واختلاف ما قد يزيلها من القوادح . وأشار شعبة مؤسس علم الجرح والتعديل ، اليها فقال في بيان من تترك روايتهم : « .. واذا اتهم بالكذب»(65) فالاتهام بالكذب ينافي العدالة . فلو سئل عمن تقبل روايته لأجاب بأنه العدل ، أو الثقة ، أو الصادق أو ما يفيد ذلك . وفي نفس السياق بين الامام مالك رضي الله عنه الأوصاف التي ترد الرواية فذكر السفه ، والكذب في أحاديث الناس ، ودعوة صاحب الهوى الى بدعته فيفهم من قوله أن العدل هو السليم الاعتقاد والمستقيم السلوك . وعدد ابن المبارك خصال العدل فقال : « الحضور مع الجماعة ، وعدم الشراب ، وسلامة الدين ، والعقل ، والصدق»(66). وعند الامام الشافعي : « العدل من صدق وغلبت طاعته على معاصيه ، واستبعد أن لا يخلط المسلم طاعته بمعصية » (67). ولم يذكر ابن معين تعريف العدالة تصريحا ولكنه اشترط في طالب الحديث : « الصدق ، وترك البدع ، واجتناب الكبائر » (68) . وعرف ابن حبان العدل فقال : « هو من كان ظاهر أحواله طاعة الله تعالى» . وعلل رأيه بأنه لو اشترط فيه أن لا يرتكب معصية بحال لانعدم العدول وما ذهب اليه قريب من رأي الشافعي ، . ويرى أن التعديل في الرواية لا يكون إلا ممن عرف صناعة الحديث ليكون تعديله علي الحقيقة في الرواية والدين معا (69) . (65) الرامهرمزي ، المحدث الفاصل : 410 (66) الخطيب البغدادي ، الكفاية : 137 (67) نفس المرجع : 138 (68) نفس المرجع : 170 (69) صحيح ابن حبان : 112 - 113 249 وضبطها القاضي ابن الطيب الطبري فيما نقله عنه الخطيب البغدادي في الكفاية قول طويل له فأفاد بأنها : اتباع أوامر الله تعالى، والانتهاء عن ارتكاب المنهيات ، والتوقي في اللفظ مما يثلم الدين والمروءة، ثم قال: «فمن هذه حاله فهو عدل في دينه، معروف بالصدق في حديثه)، وأكد أنه ليست الكبائر وحدها يجب اجتنابها بل الصغائر أيضا وان كان لا يعاقب عليها فانها مانعة للثقة والامانة رادة للشهادة والرواية . وعلل ذلك قائلا : « إن العادة موضوعة على أن من احتملت أمانته سرقة بصلة وتطفيف حبة احتملت الكذب ، وأخذ الرشا على الشهادة، ووضع الكذب في الحديث والاكتساب به » (70) . وعقب عليه الخطيب البغدادي بأنه ينبغي : « أن لا يرد الخبر ولا الشهادة الا بعصيان قد اتفق على رد الخبر والشهادة به ». وذهب الى مثل ما نقلناه عن ابن حبان من أنه « لو عمل العلماء والحكام على أن لا يقبلوا خبرا ولا شهادة الا من مسلم برىء من كل ذنب قل أو كثر لم يمكن قبول شهادة أحد ولا تخبره » .. كذلك أيضا نبه إلى أنه لا تقبل رواية وشهادة كل واحد ، فوجب التحري والاعتدال (71). وحاول أن يضبط حد العدالة كل علماء الحديث الذين الفوا في المصطلح ، وعلماء أصول الفقه فكادت تعاريفهم لا تخرج عن هذا الاطار الذي رسمه ابن الطيب الطبري ولعل ذلك ما جعل الجزائري يقول : « من أصعب الأشياء الوقوف على رسم العدالة فضلا عن حدها ، وقد خاض العلماء في ذلك كثيرا » (72) . ولم يزد الجازمي في كتابه شروط الأئمة الخمسة على اختصار قول ابن الطيب (73). كذلك كانت تعاريف وتعليقات بقية العلماء متشابهة . فعند الغزالي هي: « عبارة عن استقامة السيرة والدين ، ويرجع خاصلها الى هيئة (70) الخطيب البغدادي، الكفاية: 139 - 140 (71) نفس المرجع : 140 (72) الجزائري طاهر، توجيه النظر الى أصول الأثر: 26 (ط 1 الجمالية مصر 1910/1328) (73) شروط الأئمة الخمسة : 34 - 35 (الترقي دمشق 1346) 250 راسخة في النفس تحمل على ملازمة التقوى والمروءة جميعا حتى تحصل ثقة النفوس بصدقه » (74) . . ونفس التعريف أيضا عند ابن الأثير (75) واحترز ابن الحاجب أكثر فقال : « محافظة دينية تحمل على ملازمة التقوى والمروءة وليس معها بدعة » (76) واختصرها السخاوي فقال : « ملكة تحمل على ملازمة التقوى والمروءة » (77) . هذه تعاريفها وتولى الأصوليون توضيحها فقال ابن الحاجب : « لما كانت هيئة نفسية خفية فلا بد لها من علامات تتحقق بها هي اجتناب الأمور الأربعة الآتية : « الكبائر ، والاصرار على الصغائر، وبعض الصغائر ، وبعض المباح» (78). فما المراد بالكبائر ؟ وهل هي محصورة ؟ جاء عنه صلى الله عليه وسلم قوله: « اجتنبوا السبع الموبقات قالوا يا رسول الله وما هن؟ قال : الشرك بالله ، والسحر ، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق ، وأكل الربا ، وأكل مال اليتيم ، والتولي يوم الزحف ، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات » (79) . وقال في حديث آخر : « الكبائر : الاشراك بالله ، وعقوق الوالدين ، وقتل النفس ، واليمين الغموس » (80) فأضاف اثنتين الى السبعة السابقة هما عقوق الوالدين ، واليمين الغموس وهي يمين الشخص على أمر ماض مع علمه بأنه كاذب فيه . ونقل عن علي عده منها السرقة وشرب الخمر . (74) المستصفى 1 : 157 (75) جامع المعقول والمنقول 1 :33 (76) مختصر المنتهى بشرح القاضي عضد الملة والدين 1 : 167 (77) فتح المغيث 1 : 270 (78) مختصر شرح القاضي عضد الدين والملة 1 : 167 :(79) أخرجه البخاري في الوصايا : 23 أنظر الجامع الصحيح 4 : 12 والحدود : 44 . انظر الجامع الصحيح 8: 218 . وأخرجه مسلم في الايمان 144، وأبو داود في الوصايا : 10 ، والنسائي في الوصايا 12 (80) أخرجه البخاري في الايمان والنذور 16، انظر الجامع الصحيح 8 : 171 251 .ونفى شارح مسلم الثبوت صحة نقل عد السرقة من الكبائر عن علي .. ومنها الاصرار على الصغائر ولم يعتبره ابن الحاجب كبيرة ، وحاول العز بن عبد السلام في قواعده أن يضبط الاصرار على الصغيرة الذي يكون بمثابة ارتكاب كبيرة ، وتساءل هل يراعي في ذلك العدد أم ماذا ؟ وأجاب بأن المعتبر هو شعور المذنب فإذا كان تكرار الصغيرة منه يدل على تهاونه بدينه عد كبيرة ، وردت بذلك شهادته وروايته (82). وابن الحاجب وان لم يعتبره كبيرة فانه عده مما ينبغي أن يجتنب ، أما المرجع فيه فالعرف وبلوغه مبلغا ينفي الثقة (83) . ومنها: القمار، والطعن في الصحابة، والسلف الصالح ، والسعي بالفساد ، وعدول الحاكم عن الحق بالامتناع عن الحكم مطلقا أو بالحكم بخلاف الحق . هذه بعضها ، وليس المراد الحصر فقد جاء عن ابن عباس أنه قال : «الكبائر الى . سبعمائة » (84) . وجمع الذهبي في كتابه الكبائر سبعين منها ، واستدل عليها بنصوص من الكتاب والسنة ، والأولى تحديد مفهومها لنتضح المعاصي المعدودة منها . قيل : هي ما ثبت النهي عنه بنص قطعي ، وقيل ما قرن به في الشرع حد أو لعن أو وعيد ، وهذا رأي الكثيرين ، وقيل كل ما كان شنيعا بين المسلمين وفيه هتك حرمة الدين ، فمن الكبائر ما لم يصرح الشرع بها (85) . وللتمييز بينها وبين الصغيرة ، قال عز الدين بن عبد السلام: « إذا أردت معرفة ١ الفرق بين الصغائر والكبائر ، فاعرض مفسدة الذنب على مفاسد الكبائر المنصوص (81) فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت 2: 143 (ط 1 الاميرية بولاق مصر 1324) بهامش المستصفى للغزالي 27 : 1 (82) (83) مختصر المنتهى بشرح القاضي عضد الدين والملة 1 : 168 (84) الذهبي ، كتاب الكبائر : 8 (المكتبة الثقافية بيروت) (85) محب الله بن عبد الشكور ، فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت 2 : 144 252 عليها فان نقصت عن أقل مفاسد الكبائر فهي من الصغائر ، وان ساوت أدنى مفاسد الكبائر أو أربت عليها فهي من الكبائر» (86). ومثل لذلك بشتم الرسول أو إلقاء المصحف في القاذورات وغيرهما مما يعد من أكبر الكبائر، ولم يصرح الشرع بأنه كبيرة. ونفس المعنى نقله صاحب مسلم الثبوت ، ومثل لما كانت مفسدته أكثر من مفسدة ما ذكر من الكبائر بدلالة الكفار على المسلمين (87) فهي أكثر مفسدة من الفرار عند الزحف ، وقطع الطريق مع أخذ المال أكثر مفسدة من السرقة . هذا مختصر ما قيل في تحديد الكبيرة أوردناه ليعرف أن مرتكبها مردود الرواية ، أن منها ما لم ينص عليه الشرع . والراوي لا يطالب باجتنابها فقط ، ولا بعدم الاصرار على الصغائر بل بترك بعض الصغائر ، وبعض المباح . فالصغائر المطالب بتجنبها هي ما يدل على خسّة النفس ودناءة الهمة كسرفة أشياء تافهة وأخذ الاجر على التحديث عند أحمد وعلى تعليم القرآن عند ابن الصلاح ان لم يكن عن عذر. (88) وأما المباحات التي ينبغي تركها فمثل لها ابن الحاجب وشارح مختصره باللعب بالحمام ، والاجتماع مع الأرزال وأصحاب الحرف الدنيئة كالدباغة والحجامة ، والحياكة ، ممن لا يليق به ذلك اذا لم تدع الضرورة لأن متعاطيها لا يجتنب الكذب غالبا (89) .. ومثل لها صاحب مسلم الثبوت بالأكل والبول في الطريق، على أن شارحه لاحظ أن في اباحة البول في الطريق نظر لورود النهي عنه ، وكذلك احترز فيما سمي بالحرف الدنئية ، وبما أن هذه المباحات مما يخل بالمروءة فالصواب الرجوع في معرفتها الى العرف لأن الأمور العرفية قلما تضبط بل تختلف، باختلاف الأشخاص والبلدان ، فكم بلد جرت عادة أهله مباشرة أمور لو باشرها غيرهم لعد خرما للمروءة ، فليس من المسلم نعت البعض لجماعة بأنهم أصحاب (86) قواعد الأحكام 1 : 23 (87) فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت 2 : 143 (88) علوم الحديث : 107 (89) مختصر المنتهى بشرح القاضي عضد الدين والملة 1 : 168 253 الحرف الدنيئة فذلك في عرفه . أما في الواقع فقد يكون صاحب تلك الحرفة ... تقيا (90) . هذا هو مفهوم العدالة وقد اتضح لنا أنه لا يكفي فيها الاسلام كما ذهب الى ذلك أبو حنيفة وأهل العراق ، وقد أورد الخطيب البغدادي (91) استدلالهم بحديث ابن عباس : جاء أعرابي الى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : « اني رأيت الهلال فقال : « أتشهد أن لا إله إلا الله ؟ قال : نعم ، قال أتشهد أن محمدا رسول الله ؟ قال · نعم ، قال يا بلال أذن في الناس فليصوموا غدا » (92) . وذكر قولهم : « إن النبي صلى الله عليه وسلم قبل خبره من غير أن يختبر عدالته بشيء سوى ظاهر اسلامه ثم قال: « إن كون الرجل أعرابيا لا يمنع من عدالته ، ولا من معرفة النبي صلى الله عليه وسلم بها بواسطة خبر قوم له ، ولا أن يكون نزل الوحي بتصديقه في ذلك الوقت » . وذهب الى رأي آخر نقله وهو اعتماد النبي على جدة اسلامه فهو ساعتها طاهر من كل ذنبٍ ، ولو لم يخبر ساعة أسلم لبحث عن عدالته . ولم يقبل ما ذهبوا إليه من عمل الصحابة بأخبار النساء والعبيد ، وممن تحمل الحديث صغيرا ، وأداه بالغا اعتمادا على ظاهر اسلام هؤلاء ، وذكرهم بتثبت الصحابة ومواقفهم المتحرية في قبول الأحاديث التي لم يسمعوها من قبل سواء باستحلاف ؛ الراوي أو بطلب راو ثان أو بغيرها من الطرق . وإذا كان الحاكم لا يكتفي في الشاهد بالاسلام ، وهو يشهد على أمر خاص فمن باب أولى الراوي وهو يثبت أمرا عاما ، فيجب التحري في شروطه أكثر ، وأنهى (90) السخاوي ، فتح المغيث 1 : 270 (91) الكفاية: 141 - 143 (92) أخرجه الترمذي ، كتاب الصيام : 7 . انظر عارضة الاحوذي بشرح صحيح الترمذي لابن العربي 3 : 206 والنسائي كتاب الصيام : 8 254 ٠٠ الخطيب رده بقوله : « فثبت أن العدالة أمر زائد على ظهور الاسلام يحصل بتتبع الأفعال واختبار الأحوال » (93). ويؤيده ما اشترطه عمر بن الخطاب رضي الله عنه فيمن يزكي الشاهد ، ويعرف به اذ لا يعمل بقوله حتى يبين سبب معرفته به وهل كانت سطحية أو عميقة نتجت عن كثرة مشاهدته لأحواله أو طول صحبة أو معاملة بالمال ، ففي مثل هذه الأحوال يمكن الاطلاع على أوصاف الجار ، أو الصاحب ، أو المعامل ، فيصدق الحكم عليه بخلاف ما لو كانت اللقاءات قصيرة ، والمعاملات محدودة وهامشية . قال عمر لمن شهد له بمعرفة شاهد ، طلب تزكيته « فبأي شيء تعرفه»؟ قال: « بالأمانة والعدل»، قال: « فهو جارك الأدنى الذي تعرف ليله ونهاره ، ومدخله ومخرجه ؟» قال: لا، قال: « فمعاملك بالدينار والدرهم اللذين بهما يستدل على الورع»؟ قال: لا ، قال: « فرفيقك في السفر الذي يستدل به على مكارم الاخلاق » ؟ قال : لا ، قال : « لست تعرفه » ، ثم قال للرجل « ائت بمن يعرفك » (94) هكذا رد عمر تزكية الرجل لأنها لم تثبت بطرق صحيحة دالة على اعتبار من شهد له لأنه اعتمد فيها على أمور ظاهرية لا تثبتها قال الغزالي : « وعندنا لا تعرف عدالة المرء إلا بخبرة باطنه ، والبحث عن سيرته وسريرته » (95). هذه طريق اثبات التزكية فماذا تحصل ؟ يرى الغزالي أنها تحصل بأمور أربعة : بالقول ، أي الشهادة له ، وبالرواية عنه ، أو العمل بخبره ، أو الحكم بشهادته » (96) . ويهمنا الأولان لأنهما من بحث المحدث أما الأخيران فمن خصائص الفقهاء فالأول ما عبر عنه ابن الصلاح بقوله : « تثبت عدالة الراوي بتنصيص معدلين » (97) . فهل يكفى الواحد أولا بدّ من تعدد المزكين ؟ ذهب البعض الى العدد والأكثرون على (93) الكفاية : 141 - 143 (94) الكفاية : 144 (95) المستصفى 1 : 157 (96) نفس المرجع 1 : 164 (97) علوم الحديث : 95 255 الاكتفاء بواحد بشرط أن يكون ممن تهياً للنقد وعرفه، لذا لا تقبل تزكية الصبي لجهله . بأفعال المكلفين وما به يكون التعديل والتجريح . أما اللفظ الذي تتم به فقيل أن يقال : « هو مقبول الشهادة لي وعلي » قال عثمان ابن عفان في عبد الرحمن بن عوف: « جائز الشهادة له وعليه » ، وقيل أن يقال « هو عدل رضا» قال عمر لعبد الرحمن أيضا: أنت عندنا العدل الرضا » فالعدل وصف جامع الأركان العدالة ، والقول بأنه رضا تأكيد وبيان لأهلية الشهادة والرواية اذ العدل قد لا يرتضى للشهادة لغفلته . ولم يرتض القاضي الباقلاني القول « هو مقبول الشهادة لي وعلي» لأنه قد يكون عدلا مرضيا ولا يشهد لمزكيه لقرابته به ولا يشهد عليه لعداوته له ولا خصوصية للفظ معين بل كل لفظ أثبت العدالة ، والرضا أجزأ (98) وما ذكره الغزالي غير متفق عليه ، فرواية الثقة ليست تعديلا لمن روي عنه الا اذا صرح بأنه لا يروي إلا عن ثقة ، أو ثبت ذلك بخبرة من روى عنهم . فبعض مشاهير المحدثين رووا عن الضعاف ، ولعلهم لم ينتبهوا لضعفهم ، ولهذا كان فيهم من ترك الرواية عمن أخذوا عنهم عندما ظهرت لهم أسباب جرحهم . وما استقر عليه الرأي مما تثبت به العدالة زيادة على تنصيص المعدلين هو الاستفاضة أي الشهرة بالنباهة ، والصدق ، والبصيرة ، والفهم ، وغيرها مما اتصف به الأئمة أمثال شعبة ومالك والسفيانيين ، والأوزاعي ، والليث ، وابن المبارك ، والامام : أحمد . قال ابن الصلاح : « ومن جرى مجراهم في نباهة الذكر واستقامة الأمر » واعتمادا على الاستفاضة ، قال ابن عبد البر : « كل من عني بحمل العلم ولم يضعف فهو عدل ، لحديث : « يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين ، (98) الغزالي ، المستصفى 1 : 164 1 256 وانتحال المبطلين ، وتأويل الجاهلين » وهذا الحديث ضعيف رغم تعدد طرقه التي لا يثبت منها شيء ، ووصفها ابن عبد البرنفسه بالاضطراب ، وقال الدارقطني : « انه لا يصح مسندا ، وصححه أحمد ، وقال ابن كثير : « في صحته نظر » (99). · واعتبر ابن الصلاح رأي ابن عبد البر توسعا غير مرضي ، وهو في نظره قريب من مذهب أبي حنيفة المكتفي بالاسلام ، وإلى رأي ابن عبد البر مال الذهبي ، واستدل عليه بعدالة من خرج لهم البخاري ومسلم في الصحيحين ، ولم يوقف لهم على جرح ولا تعديل (100) . ومما استند اليه من وافقوا ابن عبد البر قول عمر بن الخطاب : «المسلمون عدول بعضهم على بعض الا مجلودا في حد أو مجريا عليه شهادة زور أو ظنينا في ولاء أو نسب » (101) سبب العدالة : ذكرنا بما تثبت العدالة ، فهل المزكي مطالب بذكر ما استند اليه في تعديله ؟ تعددت الآراء ، فمن قائل بوجوب ذكر سبب التعديل اذ من الناس من عدل فاعتمد على مالا يصح مقياسا لذلك والأكثرية لا يرون وجوب ذكره لكثرة أسباب العدالة ، والثقة بالمزكي اذ أنه لا يقبل إلا قول العدل الرضا العارف بمقاييس التعديل ولو طولب بكشف حال من زكاه لوقع الشك فيه ، قال الغزالي : « ان هذا يختلف باختلاف حال المزكي فمن حصلت الثقة ببصيرته وضبطه يكتفى باطلاقه ، ومن عرفت عدالته في نفسه ولم تعرف بصيرته بشروط العدالة نراجعه » (102) . (99) السخاوي ، فتح المغيث 1 : 275 - 277 ورواه البغدادي ، في شرف أصحاب الحديث 28 - 29 ، والبيهقي ، في المدخل : 55 (100) نفس المرجع 1 : 278 (101) نفس المرجع 1 : 279 (102) المستصفى 1 : 163 257 الشروط المختلف فيها هناك من اشترط في الراوي شروطا أخرى ، وهناك من رفضها ، ووصفها ابن الأثير بأنها أوصاف ومكملات وليست شروطا (103) ومنها فقه الراوي اشترطه أبو حنيفة فيمن خالفت مروياته القياس ، وسايره في ذلك من المتأخرين صاحب مسلم الثبوت وشارحه محتجين في ذلك بأن الجهل بمعنى الحديث سبب لسوء الضبط (104) . واستدل الذين عارضوه بقوله صلى الله عليه وسلم : « نصر الله أمرأ سمع مقالتي فبلغها ، فرب حامل فقه غير فقيه ، ورب حامل فقه الى من هو أفقه منه» (105). وما ذهب إليه ابن الأثير من أن هذا الشرط وما سنذكره من المكملات موقف وسط فاشتراطه ليس بلازم ، ولكنه يساعد على الضبط . ومنها : معرفة نسب الراوي ، وسيأتي الكلام على المجهول في أسباب الجرح . والاكثار من مجالسة العلماء وسماع الحديث ، وعارضه ابن الأثير بقبول الصحابة حديث أعرابي لم يرو إلا حديثا واحدا . وقال : « إذا عارضه حديث العالم الممارس ففى الترجيح نظر»(106) . واشترط الاصمعي معرفة الراوي بالعربية خشية أن يلحن فيكون من الذين كذبوا عليه صلى الله عليه وسلم فإنه لم يكن يلحن قال : « فمهما رويت عنه ولحنت فيه كذبت عليه » (107). وزاد ابن الأثير أن لا يعرف الراوي باللعب والهزل في أمر الحديث أو بالتساهل فيه ، أو بكثرة السهو ، وأن يبحث عن أحوال شيخه ويتحقق من ايمانه ، وحسن عقيدته ، وكونه ليس صاحب بدعة (108) (103) جامع المعقول والمنقول 1 : 33 (104) فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت 2 : 145 (105) سنن ابن ماجة 1 : 85 (106) جامع المعقول والمنقول 1: 33 - 34 (107) شاكر أحمد شاكر ، الباعث الحثيث : 144 - 145 (108) جامع المعقول والمنقول 1 : 34 258 والحاق هذا بأسباب الجرح أولى من إضافته إلى شروط الراوي . تساهل المتأخرين في شروط الرواية ما ذكر من الشروط الراجعة الى العدالة والضبط روعيت بدقة عند المتقدمين الى القرن الرابع عندما كان الغرض معرفة التعديل والتجريح ، وتفاوت درجة الحفظ للتوصل الى التصحيح والتحسين والتضعيف ثم وقع التساهل فيها عندما صارت الغاية الابقاء على سلسلة السند (109). فاشترط الاسلام ، والتكليف ، ووقع الاكتفاء في العدالة بعدم التظاهر بالفسق ، أو بما يخل بالمروءة فقبل مستور الحال ، واكتفي في الضبط بوجود سماع الراوي مثبتا بخط ثقة غير متهم سواء كان الشيخ أو القارىء أو بعض السامعين بشرط أن يكون من ذوي الخبرة بهذا الشأن . وأن يروي حين يحدث من أصل موافق لأصل شيخه بحيث لا يكون الاعتماد في رواية هذا الراوي عليه ، بل على الثقة المقيد لذلك (110) . وشمل التساهل أيضا السماع من الرواة الذين لا يحفظون حديثهم ، ولا يحسنون قراءته من الكتب ولا يعرفون ما يقرأ عليهم بعد أن تكون القراءة عليهم من أصل سماعهم ، وسبب هذا تدوين الأحاديث في كتب صحيحة تواترت واعتبرت المرجع بحيث لا يقبل من راو حديث غير موجود فيها لأنه لا يجوز أن يذهب على جميعهم كما أن الصحة فيما يرويه مما هو معروف قائمة برواية غيره ، ولم يقصد من روايته الا استمرار الاسناد ، فالرواية من الكتب وليست من الحفظ وبلغ التوسع في التساهل الى قبول قراءة غير الماهر في غير أصل مقابل (111). قال ابن الصلاح: « آل المقصود آخرا الى المحافظة على خصيصة هذه الأمة في الأسانيد والمحاذرة من انقطاع سلسلتها فليعتبر من الشروط المذكورة ما يليق بهذا الغرض على تجرده ، وليكتف في أهلية الشيخ (109) السخاوي ، فتح المغيث 1 : 334 (110) نفس المرجع 1 : 333 الانصاري ، فتح الباقي 1 : 347 (111) نفس المرجع 1 : 334 259 بكونه مسلما بالغا ، عاقلا غير متظاهر بالفسق والسخف ، ومن ضبطه بوجود سماعه مثبتا بخط غير متهم وبروايته من أصل موافق لأصل شيخه (112) . فأسباب التساهل ترجع أساسا الى تدوين الأحاديث واعتبار الراوي ناقلا لها من المدونات فلا اعتبار لعدالته وضبطه في تصحيحها وتضعيفها فيكفي أن يكون له أهلية النقل . الفرق بين الشهادة والرواية قال الامام مسلم رحمه الله : « والخبر ، وان فارق معناه معنى الشهادة في بعض الوجوه فقد يجتمعان في أعظم معانيهما اذ كان خبر الفاسق غير مقبول عند أهل العلم كما أن شهادته مردودة عند جميعهم» (113) . ونقل القرافي الفروق بينهما عن الامام المازري فأرجعها إلى أن الرواية أمر عام لا يختص بمعين ، والشهادة الزام بمعين لا يتعداه الى غيره كقول الشاهد عند الحاكم: « لهذا عند هذا دينار » . وتعقبه ابن الشاط (114) فقال ما ملخصه: « انه بالاضافة الى فرق العموم والخصوص ، يضاف قيد وهو أن الخبر ان ترتب عليه فصل قضاء وإبرام حكم فهو الشهادة وان لم يقصد به ذلك فان قصد به ترتب دليل حكم شرعي فهو الرواية ، وإلا فهو كسائر أنواع الخبر» (115). :٠ (112) علوم الحديث : 107 - 108. السيوطي، تدريب الراوي 1 : 340 - 341 ٠ (113) صحيح مسلم ، تصحيح محمد فؤاد عبد الباقي 1 : 9 المقدمة : 1 (114) قاسم بن عبد الله بن محمد بن الشاط الأنصاري الاشبيلي 1245/643 ت 1323/723 من آثاره أنوار البروق في تعقب مسائل القواعد والفروق . كحاله ، معجم المؤلفين 8 : 105 . ابن قرحون ، الديباج : 255 (115) أنوار البروق في أنواء الفروق 1 : 7 260 · ما يستوى فيه الشاهد والراوي وما يفترقان فيه : الشاهد والراوي يجتمعان في بعض الشروط ، ويفترقان في أخرى فمما يجتمعان فيه : الاسلام ، والتكليف ، والعدالة ، والضبط ، بيد أن الضبط للراوي أشد منه بالنسبة للشاهد حفاظا على نص الحديث . ويختص الراوي ببعض ما ذكر في الشروط المختلف فيها . وقبل بيّان ما اختص به الشاهد من شروط نلاحظ أن الحديث الذي أثبته بعضهم والقائل : « لا تكتبوا العلم إلا عمن تجوز شهادته » تفرد بروايته صالح بن حسان عن محمد بن كعب القرظي ، وصالح أجمع نقاد الحديث على تركه لسوء حفظه وكان يروي هذا الحديث عن محمد بن كعب تارة متصلا ، وأخرى مرسلا ، ويرفعه تارة ويوقفه أخرى ، وأورد الخطيب البغدادي في الكفاية رواياته على اختلافها (116) وقد وقفنا عنده لكثرة الاستشهاد به على ما فيه من علة . شروط الشاهد : هي : العدد والذكورة ، والحرية ، وعدم القرابة ، وعدم العداوة . فالعدد لم يشترطه في الرواية إلا من خالف الجمهور ، فمتى اتصف الواحد بأوصاف القبول قبل خبره (117) لتعلق الرواية بأمر عام بينما تتعلق الشهادة بأمر خاص تؤثر فيه العداوة التي قد لا يعلمها الحاكم فيلزم الشاهد عدوه مالا يلزمه وابعادا لهذا الاحتمال اشترط العدد (118) . وأما الذكورة فاشترطها في الرواية أبو حنيفة ، واستثنى أخبار عائشة وأم سلمة ، وما استثناه هو ما استدل به الجمهور على عدم اشتراطها ، وعلل القرافي اشتراطها في الشهادة بوجهين : الأول ما في الشهادة من الزام تأباه النفوس فإن كان من المرأة يكون (116) ص : 159 - 160 (117) ابن الحاجب ، مختصر المنتهى بشرح القاضي عضد الدين والملة 1 : 174 (118) | القرافي، أنوار البروق في أنواء الفروق 1 : 7 - 8 261 على الرجل أشد ، والثاني أن الشهادة تنقضي في وقتها وتلزم المشهود عليه في الابان فإذا ما ذهلت المرأة أو نسيت فلا يمكن تدارك ما حصل بخلاف الرواية فانها عامة وعادة يشارك المرأة فيها راؤ أو رواة آخرون فيبعد غلطها واذا حصل فالأيام متعلقة بكشفه (119) وهذه تعليلات قد لا يرتضيها غيره . واما عدم اشتراط القرابة بين الراوي ومن ينفعه مضمون الحديث وعدم حصول العداوة بينه وبين من يضره ، فلعموم الحديث في حق الكل فيلزم الراوي والمروي له ، وليس من الممكن اتهام أحد في عداوة جميع الخلق (120) . وأما الحرية فلأنّ بالشهادة ثبوت الزام قد لا يحمل من العبيد ، ولأن الرق يوجب الضغائن والأحقاد بسبب ما فات من الحرية فربما يحدث ذلك في نفس العبد رد الفعل فيكذب في الشهادة انتقاما ، وحصول هذا الدافع للانتقام من الجميع في الرواية بعيد (121) . وفي ختام هذا ذكر القرافي أن الخبر إما رواية محضة كالأحاديث النبوية أو شهادة خالصة كأخبار الشهود عن الحقائق على المعنيين عند الحاكم ، وأما مركب من الشهادة والرواية وله صور منها الإخبار عن رؤية الهلال (122) . (119) القرافي ، أنوار البروق في أنواء الفروق ١ : 7 - 8 (120) و(121) القرافي، أنوار البروق في أنواء الفروق 1 : 9 (122) نفس المرجع 1 : 9 - 10 262