النص المفهرس

صفحات 101-120

ونعتهم أيوب السختياني بإفساد الحديث : « ما أفسد على الناس حديثهم إلا
القصاص » (190)، فهم ينفرون الناس منهم لأنهم يضللونهم بنشر الأخبار الزائفة
أو يفتنونهم بما يحدثونهم به مما لا تدركه عقولهم فان صدقوا أضروا، وان كذبوا كان
الضرر أكثر ، وكما يضرون غيرهم يضرون أنفسهم بما يركبهم من الغرور ، نستنتج
ذلك مما نصح به عمر رضي الله عنه من استشاره في القصص .
وإذا ما استثنينا الوعاظ الملتزمين الورعين فإن بقية القصاص تعاظم خطرهم منذ
زمن التابعين وبدأ ذلك في مواقفهم ممن نقدهم ، تلك المواقف التي لم تخل من
العنف . وان خلت منه فقد تجلى فيها الكذب .
.. ....
دخل الأعمش مسجد البصرة فوجد قاصاً يحدث عنه فجلس ينتف شعر إبطه
فنهاه القاص لقيامه بما لا يتناسب ومجلس العلم . فأجابه الأعمش : « عملي مما
جاءت به السنة ، أما أنت فتكذب فأنا الأعمش وما حدثتك بما تقول» (191).
ولم تذكر الرواية ردّ فعل القاص بعد هذا الجرح بين المستمعين.
ومن المواقف العنيفة ما حصل للشعبي في بعض المساجد فقد حدث قاص فأخطأ
فأصلح له خطأه فسبه القاص وضربه وتتابع الحاضرون عليه ضربا ولم يكفوا عنه حتى
تراجع في نقده (192) .
ولجوء القصاصين الى المغالطة والعنف لم يحل دون نقدهم ومن ذكر منهم في هذا
العصر أبو داود الأعمى (193) الذي كذبه قتادة فيما نقله عن بعض الصحابة
(190) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع نقلا عن عجاج الخطيب السنة قبل التدوين 213 .
(191) القاري على الملا ، الأسرار المرفوعة : 55 - 56
(192) القاري علي الملا ، الأسرار المرفوعة : 57
(193) هو نفيع بن الحارث أبو داود النخعي الكوفي الهمداني الأعمى ، القاص ، قال عمرو بن
علي : متروك وقال أبو حاتم منكر الحديث ، وقال أبو زرعه وابن معين ليس هو بشيء ونسبه العقيلي
الى المغالين في الرفض،النووي شرح مسلم 1 : 104 - 105
الذهبي ، ميزان الاعتدال 4 : 272 - 273
103

ونفى سماعه منهم (194) فأبطل ادعاءه لقاء ثمانية عشر بدريا مستدلا على ذلك ،
بأنه ليس في امكان من عاصره أن يسمع من البدريين ، وحتى أهل
الحديث كالحسن البصري ، وسعيد بن المسيب وهما أكبر منه سنا لم يحدثا
عن بدري مشافهة إلا ما كان من أخذ سعيد عن سعد بن مالك (195) .
وقال عنه أنه كان سائلا يتكفف الناس ، والتسول سبب لاحتراف القصص .
وبعد هذا العهد زاد القصاصون تفننا وكان فيهم من يحفظون أسانيد مشهورة
يلصقون بها ما شاءوا من الأخبار لتصير أحاديث (196) وسنذكر بقية أخبار الذين
جاءوا بعد هذا العهد عند الحديث عن الوضاعين .
المجروحون بأسباب شخصية
تكلم الشعبي في الحارث الأعور (197) فقال: « حدثني الحارث الأعور وكان
كذابا »، وفي رواية « وهو يشهد أنه أحد الكذابين» (198) . وتكلم رقبة بن
(194) النووي شرح مسلم 1 : 104 - 105
(195) نفس المرجع 1 : 107
(196) شاكر أحمد محمد ، الباعث الحثيث : 85
(197) الحارث بن عبد الله الأعور الهمذاني الخارقي الكوفي ت 684/65 روى عن علي وابن
مسعود وزيد بن ثابت وعنه الشعبي وأبو اسحاق السبيعي . كذبه الشعبي وابن المديني وتوسط فيه
ابن معين وضعفه ابن سعد والدارقطني وابن عدي ورماه ابن حبان بالمغالاة في التشيع واعتبر ذلك
ابن عبد البر افراطا في حب علي . ابن حجر ، تهذيب التهذيب 2 : 145 - 147
(198) صحيح مسلم بشرح النووي 1 : 98
(199) رقبة بن مسقله (بالسين والصاد) بن عبد الله العبدي الکوفي ت 746/129 روی عن انس
فيما قيل ، وعطاء ، وثابت البناني ، وعنه سليمان التيمي وجرير بن عبد الحميد وابن عبينه ، وثقة
النقاد « وعاب عليه » الدارقطني دعابته. ابن حجر تهذيب التهذيب 3 : 286 - 287 الرازي
ابن أبي حاتم الجرح والتعديل ج 1: ق 2 : 522
104

مسقله (199) في أبي جعفر المدائني (200) فقال: « كان يضع أحاديث كلام
حق وليست من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وكان يرويها عن النبي صلى الله
عليه وسلم » (201) .
قال النووي : « أي كلام صحيح المعنى وحكمة من الحكم ، ولكنه كذب فنسبه
إلى النبي صلى الله عليه وسلم وليس هو من كلامه صلى الله عليه وسلم» (202).
أما أيوب السختياني ، فذكر عنده رجل فقال: « لم يكن بمستقيم اللسان » وذكر
آخر فقال: « هو يزيد في الرقم (203) ولم يصرح باسم الرجلين واللفظان يدلان على
الكذب ، وأشاد بفضل جار له ثم عقب على ذلك بعدم قبول شهادته ، أما من
صرح باسمه ممن جرحه فهو عبد الكريم أبو أمية (204) فقد ترحم عليه لكنه قال :
« كان غير ثقة لقد سألني عن حديث لعكرمة ثم قال : سمعت عكرمة »، وتعقبه
النووي في هذا النقد قائلا : « وكونه غير ثقة بمثل هذه القضية قد يستشكل من
حيث أنه يجوز أن يكون سمعه من عكرمة ثم نبيه فسأل عنه ثم ذكره فرواه » ثم قال :
« ولكنه عرف كذبه بقرائن ، وذكر أنه ضعف من نقاد جاءوا بعد أيوب كابن عيينه
(200) عبد الله بن المسورين عون بن جعفر بن أبي طالب أبو جعفر الهاشمي المدائني قال أحمد وأبو
حاتم أحاديثه موضوعه وقال النسائي والدارقطني متروك « يحدّث بمراسيل لا أصل لها ، الذهبي ،
ميزان الاعتدال: 2 : 504 . الرازي ابن أبي حاتم ، الجرح والتعديل ج 2 ق 2 169 - 170
(201) صحيح مسلم بشرح النووي 1 : 107 - 108
(202) نفس المرجع 1 : 108
(203) نفس المرجع 1 : 140
(204) عبد الكريم بن أبي المخارق (أبو أمية) البصري، المعلم واسم أبيه قيس فيما قيل،
ت 744/127 روى عن الحسن وطاوس وعنه الثوري ، ومالك ، نهى أيوب عن الأخذ عنه وتركه.
يحي بن سعيد ، وعبد الرحمن بن مهدي . وقال النسائي والدارقطني متروك وقال أحمد شبه متروك ،
وقال ابن عبد البر « بصري لا يختلفون في ضعفه الا أن منهم من يقبله في غير الأحكام خاصة ولا
يحتجٌ به)). وكان مؤدب كتاب ، حسن السمت غرّ مالكا منه سمته ولم يكن من أهل بلده فيعرفه ...
لكن لم يخرج مالك عليه الا الثابت من غير طريقه وقد اعتذر لما تبين أمره وقال : «غرني بكثرة
بكائه في المسجد أو نحو هذا». الذهبي ، ميزان الاعتدال 2: 646 - 647 الرازي ابن أبي حاتم
الجرح والتعديل. ج.3 ق 2 : 59 - 60
105

وابن مهدي وأحمد وابن عدي ، ولاحظ أن عبد الكريم هذا من فضلاء
البصرة .
وأيوب، وإن بدا لطيفا في عبارات نقده فانه متعمق في جرحه ، فاثنان ممن
جرحهم هنا من أهل الصلاح والفضل ، ومع ذلك نقدهما لأن صلاحهما لم يدفعهما
إلى التحري في الرواية .
وسئل ابن عون عن حدیث لشهر (205) فقال: « إن شهرا نزکوه » قال مسلم
« أي تكلموا فيه »(206)
هؤلاء بعض ممن تكلم فيهم لأسباب خاصة وبعضهم لم يثبت انتماؤه لجماعة أو
فرقة .
مظاهر التشدد :
تختم هذا الفصل باشارة موجزة الى مظاهر التشدد أو التساهل التي بدت عند
الصحابة أو التابعين ، ونؤجل توضيحها الى حين اكتمال مثيلاتها في باقي الفصول عند
من نقل الرواية عن التابعين ، ونلاحظ أن بعض المحدثين ممن ذكرنا تشدد في التزام
الرواية باللفظ وبعضهم لم يتسامح في الرواية عن المنتمين للفرق وخاصة المرجئة والقدرية
ونقدهم لمجرد اعتقادهم وما ذهبوا اليه .
والبعض نفر من الحكام فجرح من كانت لهم بهم علاقة دون بحث كيفيتها .
ولهذه النظرات الثلاثة نظرات أخرى مقابلة لها أو معدلة وسيأتي تفصيلها
إن شاء الله .
(205) شهر بن حوشب الأشعري100641/20 وقيل11 1وقيل 114 عن أم مسلمة وأبي هريرة وابن
عمر ، وعنه قتادة وداود بن أبي هند ، توسط فيه أحمد ، وقال أبو حاتم لا يحتج بحديثه ووثقة ابن
معين ، ويعقوب بن شيبه وأحمد العجلي والبخاري فيما نقله ابن عدي وتركه شعبة وابن عون ، ويحي
ابن سعيد ، وابن عدي. اتهم بالسرقة . الذهبي، ميزان الاعتدال 2: 283 - 285 ، الرازي ابن
أبي حاتم الجرح والتعديل: ج 2 ق 1: 382 - 383 (ط 1 حيدر آباد 1942/1360)
(206) صحيح مسلم بشرح النووي 1 : 92 - 93
106

البَاب الثاني
تأسيس علم الجرح والتعديل

الفصل الأول
البيئة التي ظهر فيها
التمھید :
علاقة البيئة بعلم الجرح والتعديل
وجد بعض نقاد الحديث في عهد الدولة الأموية ابان ضعفها وزوالها وظهر بقيتهم
في عهد الدولة العباسية ، فالقرون الثلاثة الموالية للقرن الأول هي التي شهدت بروز
الأئمة منهم الذين كانوا مرجعا لمن بعدهم ، وأولهم بعد الذين ذكرناهم من التابعين :
شعبة بن الحجاج (80 - 160)، وهو وان عاصر بعض التابعين وعد منهم على
بعض الأقوال فإنه من الاولى ذكره مع من بعدهم اعتمادا على أن الآخذين عنه كانوا
من أتباعهم فاعتبر الواسطة بين العهدين، وآخرهم الحاكم أبو عبد
الله (321 - 404) . وقد جعلناه آخرهم استنادا الى أن التجريح والتعديل انتهى
بنهاية القرن الرابع ، ومن بعده وجد نقاد كثيرون لهم مكانتهم بيد أن نقدهم تسلط
خاصة على النقاد لا على الرواة فاعتبر تجريحهم وتعديلهم مرحلة ذات طابع خاص ،
وتقدم الحديث عن القرن الأول ونتحدث الآن عن المدة التي تليه ، وأن الحديث على
قرون ثلاثة الطويل ولكننا لا نتتبعها في تفاصيلها ونكتفي بذكر الأحداث السياسية
الكبرى ذات الأثر في الحياة الاجتماعية والعلمية ، ولا نذكر من الخلفاء إلّا من كان له
أثر مباشر في هذه الحياة ونلم بالنشاطات الفكرية العامة اجمالا لنرى مدى نشاط
المحدثين من بين رجال الفكر ، لا سيما في مجال النقد ، ونبرز ما سنّوه لمن بعدهم من
109

قواعد علم الجرح والتعديل ، ونواصل الكلام على النزعات الفكرية التي حدثت في
القرن الأول ملاحظين ما حصل فيها من تطور ولا نغفل عن ذكر المذاهب والنزعات
الجديدة مثل الزنادقة والغاية من هذا ضبط الاطار الزماني ، والمكاني لنقاد الحديث
وتصوير الظروف الاجتماعية والسياسية والفكرية التي عاصرتهم وكانت لهم منها مواقف ،
فهم يعتنون بالحديث والعصر الذي حدّدناه شهد تلاقح حضارات مختلفة وتعايش
أجناس متعددة فكان في حاجة الى المصدر الثاني للتشريع الإسلامي ليستمد منه
الأحكام ولا يتسنى ذلك الا اذا كان مدونا ، لهذا اتجهوا إلى فحص الاسانيد ونقد
المتون وجمعها وتوالى الجمع من منتصف القرن الثاني الى نهاية الرابع وكان لكل جامع
ما يميزه عن الآخر من الشروط التي اعتمدها فجاءت كتبهم مكملة لبعضها يحوي
أحدها بعضا مما في الآخر ويستقل عنه بأحاديث ، وعمل الحاكم في المستدرك مثال
لرغبة البعض في اتمام عمل الآخر فقد جمع ما لم يذكره الشيخان وبدا له توفر
شروطهما فيه وما وقع عليه من تعقيب بين قيمة عمله ، وبدأ النقاد عملهم بفرز
الأحاديث وتقنين في الرواية فضبطوا قواعد نقدها لمقاومة الوضاعين وانتهى بجمع
الاحاديث الصحيحة لتسيير أخذها وتسجيل تراجم الرجال لمعرفتهم .
وحركة النقد هذه لم تحدث بمنآى ومعزل عن أوضاع العصر بل هي نتيجة لها لم.
تسؤ هذه الأوضاع وتعمد الفئات العديدة الى تحريف الحديث وتتخذ أساليب متعددة
في وضعه لكان النقد على غير الصورة التي وصلها من الدقة ، ولتم جمع الحديث
بطرق ميسورة .
فالأوضاع هي الدوافع الرئيسية للوضع ، فمن أجل الرغبة في الخكم وضعت
بعض الجماعات نصوصا في ذم الجماعة الحاكمة لبيان أن أفرادها ليسوا بأهل
للحكم ومجدت جنسها لتتبوأ مكانتها عوضها ، وبسبب ما حدث في المجتمع مما أبعد
الناس عن الدين حاولت جماعة أخرى وضع أحاديث في الترغيب والترهيب حسب
زعمهم ، وبسبب الاختلافات الفكرية حرصت كل جماعة على نشر آرائها فدعمتها
بنصوص مزعومة من الحديث وأوجدت نصوصها تقدح في آراء مخالفيها ، فأوضاع
العصر كانت في مقدمة أسباب الوضع وفي الآن نفسه اعتبرت حوافز هامة دفعت
110

النقاد إلى الدقة في عملهم وتقييم الرجال استنادا الى كل الاعتبارات الفردية
والاجتماعية فهم يدرسون كل ظاهرة تحدث ويقدرون نتائجها على مستوى الفرد
والجماعة ، لهذا الاعتبار كان من اللازم على من يؤرخ لعلم نقد الحديث أن يلم
بالأوضاع التي نشأ فيها ولئن تعود المؤرخون تقسيمها إلى سياسة وغيرها ، فذلك
باعتبار الغالب ، أما في الواقع فان العمل السياسي قد يكون دافعه دينيا أو فكريا ،.
وهدفه لا بد أن يكون اجتماعيا ، ومنطلقه أيضا قد يكون اجتماعيا ، فالأحداث وان
أخذت نعوتا خاصة فانها مؤثرة في بعضها تأثيرا متفاوتا ، والجانب السياسي عادة
يتناوله التحليل أكثر من غيره فما هي هذه الأوضاع بعد أن لمحنا الى ارتباطها بعلم
الجرح والتعديل ؟
الوضع السياسي في العهد
العباسي الأول
عرف العباسيون مدة حكمهم أحزابا سياسية مختلفة الاهداف بعضها ظهر
بظهورهم كحركات الموالي والعلويين ، وبعضها وجد قبلهم واستمر في زمانهم بصورة
أقل مما كان عليها كالخوارج ، وبعضها تفرع عن الحركات السابقة وكان شديدا
كالاسماعيلية ، واستطاعوا أن تكون لهم الغلبة على كل الذين ظهروا في عهدهم الأول،
بينما ضعفت سلطتهم المركزية في العهد الثاني ، واشتدت الحركات الانفصالية
فاستقلت عنهم عدة دول في كثير من المناطق ، وسنجمل الحديث عن العهدين لانه
لا تعنينا التفاصيل، وانما يهمنا أسباب هذه الحركات وأهدافها وأثرها في المجتمع وعلاقة
ذلك بنقد الحديث ، ونكتفي في العهد الأول ببيان حركات الموالي والعلويين لخطورة
الأولى وحساسية الثانية ، ونشير في العهد الثاني الى ما حصل من الانقسامات والى
أخطر ما ظهر من الحركات ، فما هي أسباب ما حدث في العهد الأول ؟
111

١
إن شدة الأمويين مع آل البيت دفعت العباسيين إلى العمل على افتكاك الحكم
منهم ، ولتأم الفرس للمعاملة المذكورة آزروا الثائرين وكانوا دعاتهم النشيطين وبالأخص
أهل خراسان بيد أن الدعوة كانت للرضا من آل محمد وميل الفرس الى العلويين أقوى
وأقدم من ميلهم الى العباسيين وأمس بمعتقداتهم القديمة « فهم يعتبرونهم وحدهم
أصحاب الخلافة لأنهم في نظرهم آل ساسان من جهة أمهم ابنة يزدجر الثالث آخر
ملوك هذه الأسرة ولكونهم الأئمة ورؤساء الدين حقا فهم وخاصة أبناء الحسين ابن
علي يمثلون حق النبوة والملك لانتمائهم إلى سلالة النبي وآل ساسان (1) .. لهذا لم يرض
الفرس عن حكم العباسيين ، ومنذ قتلهم لأبي مسلم الخراساني عملوا على استغلال
الفرص السانحة ليتظاهروا بنقل الخلافة الى العلويين وهدفهم الأصلى تصيبرها اليهمٍ ،
ولم يكن مقصدهم ليخفي على العلويين ، لذا رفض جعفر الصادق دعوة أبي سلمة
الخلال (2) له كما رفضها أئمة آخرون (3) .
وتكررت محاولاتهم في دعم الثوار العلويين والعمل على تخليص بعضهم من ..
السجن (4) ، ورغم ما لقيه الفرس من حظوة لدى العباسيين تمثلت في اعلان ميلهم
إليهم وتعيينهم في المناصب العالية فانهم ما فتئوا يعملون على تحقيق هدفهم ولكن
صنيعهم لم ينطل على معاصربهم فنعيم ابن حازم أحد وجوه خراسان يقول للفضل بن
سهل الفارسي وزير المأمون في حضرته « أنك إنما تريد أن تزيل الملك عن بني العباس
الى ولد علي ثم تحتال عليهم ثم تصير الملك كسراويا ولولا أنك أردت ذلك لما عدلت
عن لبسة علي وسواده ، وهي البياض الى الخضرة وهي لباس كسرى والمجوس (5).
(1) حسن ابراهيم حسن ، تاريخ الاسلام 2 : 81
(2) هو أبو سلمة حفص بن سليمان الخلال الهمذاني أحد زعماء الفرس ووزير أبي العباس السفاح
وأول من نعت بهذا النعت كان يدعو الى ابراهيم الامام أخي السفاح فلما قتله آخر خلفاء بني أمية
وانقلبت الدعوة الى السفاح ، توهم السّفاح ميل أبي سلمة الى العلويين وأضمر ذلك وبعد أن وله
الوزارة كاد له وقتله 749/132. ابن خلكان وفيات الأعيان 1 : 195 - 197
(3) حسن ابراهيم حسن ، تاريخ الاسلام 2 : 82
(4) نفس المرجع والجزء: 83
(5) الجهشياري ، كتاب الوزراء والكتاب 313 (ط 1 الحلبي، القاهرة 1938/1357.
112

قال له ذلك حينما أراد حمل المأمون على تولية عهده علي ابن موسى بن جعفر وأشار
عليه باتخاذ الخضرة شعارا .
فالأمويون تسببوا في قيام العباسين والفرس معا ، والعباسيون كانت سياستهم
السبب في ثورة العلويين والفرس ، العلويون لتحويل الخلافة عنهم واضطهادهم ،
والفرس لميلهم الى العلويين ، وتسترهم بهم في واقع الأمر لتصير الخلافة اليهم ، وعدم
اقتناعهم بما تم لهم من حظوة ، وتأثرهم بقتل أبي مسلم الخراساني . فتلك الحادثة
كانت بالإضافة إلى ما ذكر الدافع لثورتهم التي عرفت بحركات الموالي .
فما هي هذه الحركات ؟
حركات الموالي
وحركات الفرس هذه خطيرة جدا على كيان المجتمع الاسلامي لأنها هدفت الى
تقويضه سياسيا ودينيا فبقدر ما عملت على الاطاحة بالحكم القائم سعت الى تغيير
العقيدة الاسلامية وتحريف دعائمها فاتخذ بعضهم وضع الحديث سبيلا لذلك ،
واعتمد البعض على السلاح ، ونستعرضها بايجاز لمحاولة الكشف عن قصدها السياسي
والديني . .
سنباذ (754/137) بعد قتل أبي مسلم الخراساني ثار ببعض قرى نيسابور
بمنطقة خراسان رجل مجوسي ليأخذ بثأر أبي مسلم فاستولى على بعض منها كنيسابور
والري .
ووجه اليه المنصور بعشرة آلاف فارس فانهزم وقتل بعد ذلك . وكان بين خروجه
وقتله سبعون ليلة وافترض ابن الأثير أنه كان قاصدا الكعبة لهدمها (6) وإن كان هذا
افتراضا وان لم تنسب كتب التاريخ لهذا الرجل عقيدة يدعو اليها فمن الواضح أنه كان
(6) الكامل ، 4 : 457
113

يدعو الى المجوسية فتلك ديانته وانما ثار لأبي مسلم لأمله في أن ينتقل الحكم للفرس
ولعل قصر مدته لم تمكنه من الافصاح عن آرائه .
الراوندية (758/141)
هم قوم من أهل خراسان أتباع أبي مسلم ظهروا براوند قرب اصفهان ليثأروا له
وكانوا يقولون بتناسخ الأرواح فيزعمون أن روح عيسى حلت في علي بن أبي طالب ثم
في الأئمة من بعده إلى ابراهيم بن محمد (سبط العباس عم النبي) . والهوا الأئمة ،
واستحلوا الحرمات (7) وادعوا تأليه المنصور فلما ظهروا حبس رؤساءهم فأخرجوهم
من السجن واتجهوا صوب القصر بالهاشمية بالكوفة قائلین هذا قصر ربنا فخرج الیهم
المنصور فكادوا يقتلونه لو لا أن أنجاه منهم معن بن زائدة أحد القواد الأمويين الذي
كانت هذه الواقعة سببا في منحه الامان وتوليته اليمن (8).
وذكر حسن ابراهيم ان الراوندية يعتبرهم المنصور أعداء سياسيين لدولته لأنهم من
أتباع عدوه أبي مسلم الخراساني ونظر اليهم أيضا باعتبارهم زنادقة يسعون الى عودة
المجوسية أو شكل من أشكالها كالزرادشتية أو المانوية أو المزدكية أو غيرها فقتلهم شر
قتلة إلا أنهم ظهروا في صورة مختلفة في مثل ثورات المقنع الخراساني ، وبابك الخرمي
وغيرهما (9) .
وما استنتجه الدكتور حسن ابراهيم هو ما دفعنا الى الحديث عن هذه الحركات
لأننا نقول بازدواجية مقصدها السياسي والديني ونعتبر الزندقة مظهرا مقنعا لها .
المقنع الخراساني (775/159) (10) :
ظهر المقنع الخراساني في عهد المهدي سنة (775/159) بمدينة مرو
بخراسان ، وكان أعور قصيرا فاتخذ وجها من الذهب ليغطي قبحه وعوره فسمي
المقنع ، وادعى الألوهية واعتقد التناسخ وكان يقول ان الله خلق آدم فتحول في
(7) حسن ابراهيم حسن ، تاريخ الاسلام 1 : 92.
(8) حسن ابراهيم حسن ، تاريخ الاسلام 1 : 465 - 466
(9) تاريخ الاسلام 2 : 93
(10) ابن الاثير، الكامل 4 : 364 - 366
114

صورته ثم في صورة نوح ثم إلى صورة ابراهيم ثم الى واحد فواحد من الأنبياء
والحکماء والی محمد فعلي ابن أبي طالب فأبي مسلم الخراساني ثم انتقل منه اليه .
وأسقط الصلاة والزكاة والصوم ، والحج وأباح للناس الأموال والنساء ونشر
بينهم تعاليم مزدك فعبدوه وسجدوا له ، ولما قوي أمره انضم إليه بعض أهل بخاري
وسمرقند وكفار الأتراك المقيمون حول بحر القزوين وتحصن بقلعة حصينة وحاصره
جيش المهدي فلما يئس من النجاة أحرق نفسه سنة 785/169 وبقيت تعاليمه ،
في بلاد ما وراء النهر ، وفي تركستان (11) .
الخرمية :
لما كان بايك الخرمي أكثر أفراد هذه الفرقة اثارة للانتباه فإننا نخصه بالحديث فقد
ظهر في أيام المأمون وتعاظم أمره الى زمن المعتصم (12) فظهر سنة (816/201) في
أذريبجان وقوي أمره وكاد يستقل بالمقاطعات الفارسية (13) وتعاون مع امبراطور
الروم .
وأوصى المأمون ولي عهده بالحزم في قتاله فاستعد المعتصم له وهزمه
سنة (835/221) وقبض عليه فقتل وجلب الى سامرا وصلب أخوه عبد الله
ببغداد .
ومن مبادئه القول بالتناسخ والانعكاف على الشهوات وجواز القتل
والغضب (14) والقول بالرجعة والاعتقاد في النور والظلمة (15) وتحويل الملك من
العرب المسلمين الى الفرس المجوس (16) .
ويرى بعض المؤرخين أنه من سلالة أبي مسلم أن حركته استمرار لحركة المقنع
(11) و(12) تاريخ الاسلام 2 : 95
(13) برولكمان، تاريخ الشعوب الاسلامية 2: 35 (ط 1 بيروت 1949 دار العلم للملايين)
(14) شلبى أحمد، التاريخ الاسلامي 3 : 200
(15) المقدسي مظهر بن مطهر، البدء والتاريخ 4 : 30 - 31
(16) حسن ابراهيم حسن ، تاريخ الاسلام 2 : 96
115

الخراساني ، والراوندية وغيرهما وأنه ثار لينتقم لأبي مسلم (17). وهذا لا يتنافى مع
من أرجعه الى الطائفة الدينية الفارسية القديمة اذ هو أخذ عنها المبادىء العقدية كما
أخذت الراوندية وغيرها .
الافشين والمازيار :
وثق المأمون بالمازيار ومنحه ولاية في أطراف بلاد طبرستان وسماه محمدا وهو من
دهاقنة الفرس وزعيم طائفة دينية مزدكية ، (18) ولما مات المأمون وتولى المعتصم
كشف المازيار عن نواياه فعصى وتمرد وشجعه الأفشين فقاومه المعتصم وقتله (19) .
والأفشين من بلاد ما وراء النهر تولى قيادة الجيش للمعتصم وحارب الروم وبابك
الخرمي ، وكان يتعصب لبلاده ويسعى للخروج على الاسلام ويعمل على نشر المجوسية
وبعد موته (869/226) وجدت في داره أصنام وكتب للزنادقة .
وتظهر خطورة الرجلين فيما اعترف به المازيار من أن الأفشين حمله على العصيان
لمذهب كانا قد اجتمعا عليه ودين كانا قد اتفقا عليه من مذاهب المجوس (20).
العلویون
نتحدث عن العلويين لامور أولها أن ثوراتهم تسببت في اضطرابات أفقدت الأمن
بالنواحي التي قامت بها ولفقدان الأمن اثر في مختلف نواحي الحياة الانسانية ، وثانيها
لأن من المحدثين من لم يكن محايدا وآزرهم ماديا أو معنويا ، وثالثا تميزها بالتأييد العام
عن باقي الثورات . ورابعا لنرى كيف حاول دعاة التشيع استغلال القائمين بها
فالعلويون هم الذين انحدروا من نسل علي كرم الله وجهه ورأوا أنهم أحق بالخلافة
(17) نفس المرجع 2 : 95
(18) البغدادي ، الفرق بين الفرق 269
(19) ابن الاثير ، الكامل 5 : 253 - 257
(20) المسعودي، مروج الذهب 4 : 359 تح شارل بلا (بيروت 1966)
116

من الأمويين والعباسيين . فثار منهم في العهد الأموي الحسين بن علي رضي الله عنه ، ثم
زيد بن علي بن الحسين وابنه يحي في عهد هشام بن عبد الملك .
ولما بدأت الدعوة العباسية قامت على أساس اسناد الحكم الى الرضا من آل محمد
صلى الله عليه وسلم والعلويون يرون أنفسهم أجدر من غيرهم في جني ثمارها ، فلما
غلب الدعاة على الكوفة بايعوا السفاح فامتعض العلويون وتحينوا الفرصة لمحاولة افتكاك
الحكم لا سيما وقد أحسوا بقسوة في المعاملة من العباسيين كادت تفوق شدة الأمويين
معهم ، فثاروا ضدهم .
ثورة محمد النفس الزكية
وأول من ثار منهم محمد النفس الزكية بالحجاز من أحفاد علي كرم الله وجهه ومن
خيرة قريش فضلا وشرفا وعلما كان زاهدا ناسكا ، امتنع هو وأخوه ابراهيم عن مبايعة
السفاح . واختفى حتى خرج في عهد المنصور سنة 762/145 عندما تعرض أهله
للتعذيب فأيده أهل مكة والمدينة وتسمى بأمير المؤمنين وتقابل مع جيش المنصور
فانهزم بعد أن أبدى بطولة رائعة (21) .
ثورة أخيه ابراهيم
وفي الأثناء خرج أخوه ابراهيم بالكوفة (22) واستولى على دار الامارة وهزم قوات
المنصور وآزره فقهاء البصرة ووجهاؤها وتبعته المعتزلة والزيدية وعاونه الامام أبو حنيفة
سراً وتبعه أهالي واسط والاهواز وفارس وواصل انتصاراته حتى سمع بمقتل أخيه محمد
فحزن ويئس ونعاه للناس فازدادوا حماسا في نصرة العلويين ولكن المنصور كاد له وقضى
على ثورته .
ثورة الحسين بن علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب
أهين بعض العلويين بالمدينة من عامل الهادي عليها سنة (785/160) فثاروا
(21) الطبري، تاريخ الامم والملوك 9 : 201
(22) الطبري ، تاريخ الأمم والملوك. 9: 243 وشلبي أحمد، التاريخ الاسلامي 3 : 155
117

وبايعوا الحسين والتقوا بالجيش الحكومي بفخ بين مكة والمدينة فانهزموا وقتل الحسين
وفر من المعركة علويان كان لهما موقفهما فيما بعد (23) .
ثورة يحي بن عبد الله بن الحسن :
هو أحد الرجلين اللذين فرا في موقعة فخ ، ولجأ الى بلاد الديلم فدعا لنفسه في
عهد الرشيد فصالحه وأمنه وقدم بغداد ثم خاف منه فسجنه وعلى اثر وشاية به
قتله (24) .
ادريس بن عبد الله
هو ثاني الرجلين اللذين فرا من موقعة فخ ، والتجأ الى المغرب الأقصى والتف حوله
البربر وبعث إليه الرشيد من دس له السم فقتل (793/177) وترك جارية حاملا
فلما ولدت ولدا سماه أتباعه ادريس وبايعوه على رأس دولة الادارسة (25).
ويسبب انشقاق هذه الدولة منح الرشيد استقلال الاغالبة بافريقية ليحموه منها أن
زحفت على مصر والشام (26) .
ثورة محمد الديباج
وآخر خروج للعلويين بالحجاز هو خروج محمد بن جعفر الصادق الذي دعا
لنفسه بمكة زمن المأمون فبويع بالخلافة وسمي أمير المؤمنين وبعث اليه المأمون جيشا
فهزمه ولكنه عفا عنه (27) وبالوقوف على هذه الثورات نلاحظ أنها وقعت بالحجاز
والعراق وبلاد الديلم والمغرب والاكثرية كانت بالحجاز وتهمنا معرفة نزعة كل قطر
(23) الطبري ، تاريخ الأمم والملوك 10 : 24 وابن الأثير ، الكامل 5 : 74
(24) الطبري ، تاريخ الأمم والملوك 10 : 54 وابن الاثير الكامل 5 : 90
(25) السلاوي ، الاستقصاء في أخبار المغرب الأقصى 1 : 64 وما بعدها
(26) ابن الأثير ، الكامل 5 : 104
(27) شلبي أحمد، التاريخ الاسلامي 3 : 158 - 159 وحسن ابراهيم حسن تاريخ
الاسلام 2 : 126
= :
118

فذلك مما يساعدنا على معرفة رجال اسناده وضبط أسباب الجرح وينطبق هذا خاصة
على الحجاز موطن الحديث وعلى العراق لنشاطه الثقافي وكثرة أجناس سكانه .
ونلاحظ أيضا أن امامين كبيرين هما مالك وأبو حنيفة آزرا ثورتي محمد النفس
الزكية وأخيه ابراهيم ، أما الامام مالك فأفتى بنقض بيعة المنصور وقال لأهل المدينة :
« انما بايعتم مكرهين وليس على مكره يمين » (28) فضربه أعوان المنصور عندما نهاه
عن ذلك فلم ينته (29) وأما الامام أبو حنيفة فراسل ابراهيم وجاهر بوجوب نصرته
وثبط عزائم بعض القواد عن الخروج لقتاله فعرضه هذا الموقف للمتابعة والمضايقة
فالحبس والضرب .
ومن نتائج هذه الثورات استقلال الادارسة ثم الاغالبة وفي ذلك كما سنرى بعد
ايجاد لمراكز علمية جديدة .
الوضع السياسي في العهد
العباسي الثاني
رأينا باجمال ما حدث في العهد العباسي الأول من حركات سياسية ونذكر ما
حدث عموما في العهد الثاني ابتداء من سنة (232) وحتى نهاية القرن الرابع . وقد
استطاع العباسيون في عهدهم الأول مد نفوذهم على العالم الاسلامي كله باستثناء
الأندلس وبعض المناطق التي انتزعتها منهم دول استقلت عنهم كالادارسة بالمغرب
الأقصى ، والاغالبة بافريقية منذ عهد الرشيد مع بقاء بعض العلاقات والطاهرية
بخراسان في عهد المأمون ، والزيادية باليمن في نفس الفترة (30).
(28) الطبري، تاريخ الأمم والملوك 9 : 206
(29) الخولي أمين ، مالك بن أنس : 352
(30) شلبي أحمد، التاريخ الاسلامي ... 3 : 207
119

وأما العصر الثاني فحدث فيه أمران عظيمان وكان أولهما وهو ضعف الخلافة سببا
في الثاني أعني تعدد الدول المنفصلة .
وضعف الخلافة مر بمرحلتين الأولى ما يعرف بسيطرة الأتراك من 948/232
الى 935/334 والثانية سيطرة البويهيين من (945/334) إلى (1055/447)
وبينهما ما يسمى بعصر إمرة الأمراء ، والخليفة المعتصم أول الخلفاء العباسيين الذين
استعانوا بالأتراك ، وأسندوا اليهم مناصب عالية في الدولة وأقطعوهم الولايات الاسلامية
فكان ذلك الانقلاب من الحكم العربي الى التركي بداية لاضعاف سلطة الخليفة ثم
زوالها .
وسعى بعض القواد العرب الى التخلص من الأتراك والمعتصم معا ودبروا مؤامرة .
ولكن أمرهم اكتشف وسعى الأتراك بدورهم الى افتكاك السلطة لأنفسهم فغدا
الخليفة العوبة في أيديهم (31) .
ولخص حسن ابراهيم حسن أسباب ضعف الخلافة في عهد نفوذ الأتراك في
الأسباب الآتية :
1) ازدياد نفوذ الأتراك وتصرفهم في شؤون الدولة وتنصيب أو عزل من أرادوا من
الخلفاء .
2) تدخل النساء في سياسة الدولة .
3) كثرة تولية الوزراء وعزلهم
4) تولية العهد أكثر من واحد مما أدى الى المنافسة بين أمراء البيت الواحد (32)
ويرى أن الضعف ازداد في بداية القرن الرابع الهجري لازدياد شوكة القواد الأتراك،
وتفاقم خطر الدول المستقلة مما مهد لظهور البويهيين (33) .
(31) حسن ابراهيم حسن ، تاريخ الاسلام 2 : 67 - 68
(32) حسن ابراهيم حسن ، تاريخ الاسلام 3 : 245
(33) نفس المرجع : 247
120

وبالنسبة لعهد النفوذ البويهي كان الأمر أسوأ مما سبق لأن البويهيين شيعة غالية لم
يعترفوا بحق الخليفة العباسي السني في زعامة المسلمين ، فكان نفوذه في عهدهم
أضعف مما كان في عهد الأتراك .
وفيما تلقبوا به من ألقاب دليل على نفوذهم ورغبتهم في السلطة وحدهم من نفوذ
الخليفة فلم يتركوا له الا المظاهر الخارجية .
ومن أبرز مظاهر ضعف العباسيين في القرنين الثالث والرابع أولا تزايد عدد الدول
المستقلة واختلاف نزعاتها العقائدية كالصفارية والبويهيين والاخشيديين
والفاطميين (34) .
وثانيا قوة الشيعة وإعلان الخلافة الفاطمية ، وهو حدث لم يدل على الانشقاق عن
الخلافة السنية ، وتخطي الاعتبار الذي يمنع من قيام خلافتين في الوطن الاسلامي فقط
بل أظهر ما للفاطميين من عقائد منحرفة أنبنت على تقديس الأئمة .
وثالثا اعلان الخلافة الأموية في الأندلس فالأمويون هناك رغم استقلالهم المبكر لم
يتلقبوا بالخلفاء إلا بعد الفاطميين وكان ذلك في عهد عبد الرحمن الناصر حوالي
سنة (929/317) .
ولم يكن دافعه الأصلي الاقتداء بهم وانما كان عملهم دافعا ثانيا بالاضافة الى
الدافع الأصلي المتمثل في ضعف الخلافة العباسية .
قال المقري في الحديث عن عبد الرحمن الناصر : « وهو أول من تسمى منهم
بالأندلس بأمير المؤمنين عندما التاث أمر الخلافة بالمشرق واستبد موالي الترك على بني
العباس وبلغه أن المقتدر قتله مؤنس المظفر مولاه سنة (317) فتلقب بألقاب
الخلافة (35))).
(34) ابن عذاري، البيان المغرب 1: 816 - 318 (الثقافة بيروت)
(35) نفح الطيب 1: 353 (دار صادر بيروت 1968/1388) تح الدكتور احسان عباس
121

هذه هي الحالة السياسية العامة في هذا العهد ونتائجها وقد طغت فيها الأحداث
الكبرى التي كان لها من النتائج ما رأينا ، وحدثت أيضا ثورات أخرى كان لها أثرها
في الحياة الاجتماعية كثورة الزنج (36) بالبصرة ووأسط والأهواز لمدة أربعة عشر عاما
(225 - 270) وهي ثورة ادعى صاحبها النسب العلوي لیتبع ونادى بمادىء
الخوارج لديموقراطيتها ودعا إلى تحرير العبيد وتمثل عمله الفعلي في الحرق والنهب.
ومشاغبة الدولة .
وانتهى بسقوط الضحايا العديدة التي تراوحت بين المليون والنصف والمليونين
والنصف على اختلاف الروايات (37) ولنفرض العدد الأقل هو الصحيح فانهٍ
مهول .
وثار الخوارج بافريقية وبالمشرق ثار الصفرية منهم بالموصل سنة (866/252)
ورغم انشقاقهم المعهود على أنفسهم فقد أقلقوا الدولة ولم تهزمهم الا سنة
. (38) (895/282)
هذه الأحداث كلها كانت لها آثارها الاجتماعية الكبرى المتمثلة خاصة في الصراع
بين أهل السنة والشيعة ، وفي انتشار الأفكار المنحرفة الناتجة عن الغلو في التشيع ،
وهو ما جعل نقاد الحديث يستمرون في عملهم الى آخر القرن الرابع ، بعد نهاية
تدوينه في الصحاح الستة :
ولوحظ أثر هذه الأوضاع في الحديث فيما تم وضعه في مختلف المواضيع من
الأخبار المكذوبة .
ومن ناحية أخرى كان لاستقلال الدول أثر في النهضة العلمية بما أحدثه من
عواصم جديدة متنافسة .
(36) ابن الاثير، الكامل : 6 : 346 وما بعدها
(37) شلبي أحمد، التاريخ الاسلامي 4 : 32 - 34
(38) ابن الاثير ، الكامل 5 : 339 ,7 : 79
122