النص المفهرس

صفحات 81-100

واتخاذ الأحداث منحى سياسيا جعل أصحابها في هذا العهد لا يلجأون كثيرا الى
وضع الحديث لانشغالهم بالصراع المسلح ولأسباب أخرى. فلم ينتشر الوضع في
القرن الأول انتشاره فيما بعد ومع هذا فقد وجدت مدرسة نقدية تتبعت بيقظة ما
حدث وقيمت آثاره الاجتماعية والفكرية وواصلت تدعيم الأسس النقدية الأولى
التي رسمها الصحابة رضي الله عنهم في مختلف مراحل طلب الحديث من
التلقي والنقد الى التحديث فبدأت المبادىء النقدية تزداد وتتضح لتكتمل في الدور
الموالي حين انتشر الوضع، ونشير هنا إلى بعضها ونترك البعض الى الفصل الموالي
كي لا يجزأ الموضوع الواحد فيبحث في أكثر من موضع ونتحدث في البداية عن
واضعي هذا المنهج النقدي فنذكرهم حسب الترتيب الزمني ثم نفصل المسائل التي
بحثوها .
نقاد الحديث من التابعين
تراوحت مدة وفاتهم ما بين حوالي نهاية المائة الأولى إلى منتصف القرن
الثاني.
فمن الذين ماتوا قبل أو حول نهاية المائة الأولى: أبوعبد الرحمن السلمي(99)
المتوفى بين سنتي سبعين وثمانين بالكوفة.
وسعيد بن المسيب (100) المتوفى سنة ثلاث وتسعين بالمدينة وقيل بعد ذلك،
والشعبي(101) المتوفى سنة أربع ومائة وقيل بعدها، فهؤلاء أخذوا عن كبار
(99)هو عبد الله بن حبيب بن ربيعة الكوفي القارىء، لأبيه صحبة روى عن عمر، وعلى، وسعد وأبي
موسى الأشعري، وعنه ابواسحاق السبيعي، وسعيد بن جبير، قال الواقدي شهد مع علي صفين ثم صار
عثمانیا .
ابن حجر، تهذيب التهذيب 5: 184.
(100) سعيد بن المسيب بن حزن المخزومي القرشي 13 / 634 . ت 110 / 729 أحد الفقهاء السبعة بالمدينة
روى عن عثمان وعلي وسعد وغيرهم، وعنه ابنه محمد وسالم ابن عبد الله والزهري وغيرهم. عرف بالعلم
والورع، ومجانبة السلطان. ابن الجوزي، صفة الصفوة 2 : 79 _ 82
(101) عامر بن شراحيل الشعبي (أبو عمرو) الكوفي. 19 أو 20 / 640 ت 104 / 722 وقيل بعد
ذلك، أدرك جمعا غفيرا من الصحابة وسمع عن كثير منهم، وعن التابعين، وعنه أبو اسحاق.
83

الصحابة وصغارهم وتتلمذ عليهم كثير من النقاد الذين خلفوهم . ومن الذين ماتوا
بعد المائة بقليل محمد بن سيرين (102) والحسن البصري 103).
وقد رويا عن بعض من كبار الصحابة ، وتتلمذ عليهما الكثير من التابعين وكان
لهما اشعاع كبير ، وفي زمانهما كان طاوس بن كيسان اليماني المتوفى بمكة (104) .
وتوفي قبل المائة راویان شھیران : ابراهيم النخعي(105)، وسعید ین جپیر (106)،
وكان لابراهيم خاصة حظ وافر من النقد ، وعنه تتلمذ الكثير من النقاد رغم قصر
عمره ، وأخرت ذكرهما بعد الثلاثة المذكورين قبلها مباشرة والحال أنهما ماتا قبلهم لتأخر.
=
السبيعي ، والأعمش والثوري وغيرهم ، جمع بين الحديث والتفسير والفقه والمغازي .
واشتهر بالحفظ . ابن سعد الطبقات الكبرى 6 : 246 - 256
(102) محمد بن سيرين البصري (أبو بكر). 653/33. ت 729/110 رأى جمعا من
الصحابة وروى عن أنس بن مالك وزيد بن ثابت وعبد الله بن عباس ، وغيرهم وعنه خالد الحذاء
وعبد الله بن عون وجرير بن حازم وسواهم ، عرف بالورع والفقه والضبط . الذهبي ،.
تذكرة الحفاظ 1 : 77
(103) هو الحسن بن أبي الحسن يسار البصري (أبو سعيد). 653/33 ت 729/110 روى
عن عمران بن حصين ، وعبد الله بن عمر ، وعبد الله بن عباس ، وبمن سمع منه حميد الطويل ،
وأيوب السختياني ، والربيع بن صبيح ، عرف بالنسك والفصاحة والحديث ، تولى القضاء ثم استعفى
ابن سعد ، الطبقات الكبرى 7 : 156 - 178
(104) هو طاوس بن كيسان أبو عبد الرحمن الحميري ولد باليمن 653/33 . وتوفي حاجا بالمزدلفة
أو يمنى 724/106 . روى عن السيدة عائشة وزيد بن ثابت وزيد بن أرقم . وعنه ابنه عبد الله ،
ووهب بن منيه ، وسليمان التيمي ، كان عابدا مجانبا للسلطان ، حريصا على أداء الحديث ...
الاصفهاني ، حلية الأولياء 4 : 3
(105) هو ابراهيم بن يزيد بن قيس النخعي ، الکوفي 666/46 . ت 715/96 روی عن مسروق
وعلقمة والأسود ، وعنه الأعمش ، ومنصور بن المعتمر ، وعبد الله بن عون عرف بصلاحه وفقه ،
ونقده الحديث . الذهبي ، تاريخ الاسلام 3 : 353 (السعادة مصر 1368)
(106) هو سعيد بن جبير بن هشام الأسدي ، الكوفي. 665/45 . قتل 714/95 روی عن
عبد الله بن عباس ، وابن الزبير ، وابن عمر ، وعنه ابناه عبد الملك وعبد الله وأبو اسحاق السبيعي ،
وسماك بن حرب ، شهد ابن عباس بمنزلته في الفتوى. ابن خلكان، وفيات الأعيان: 1 : 204
84

ولادتهافلم يدركا عهد كبار الصحابة بل إن ابراهيم لم يثبت له سماع من الصحابة رغم
المكانة التي نالها .
وفي مدة قريبة من وفاة الثلاثة السابقين قبل هذين تؤفي قتادة السدوسي (107).
ومن بعدهم ومع وسط النصف الأول من القرن الثاني. توفي الزهري (108) ، وأيوب
السختياني (109) ويزيد بن أبي حبيب (110) وفي نهاية هذا النصف توفي
الأعمش (111) وعبد الله بن عون (112) ، أما من بعد هؤلاء من التابعين وان كان
(107) قتاده بن دعامه السدوسي البصري. 680/61. ت 735/117 . روى عن أنس بن
مالك وأبي الطفيل ، وسعيد بن المسيب ، وعنه شعبه ومسعر بن كدام وهشام الدستوائي وصف
بالحفظ ومعرفة العربية، والحديث والفقه، واتهم بالقدر . الذهبي ، تاريخ
· الاسلام 4 : 295 - 297 (السعادة مصر 1369)
(108) أبو بكر محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب القرشي الزهري المدني . 678/58
ت 742/124 ، سمع من جابر بن عبد الله وأنس بن مالك وأبي الطفيل ومن كبار التابعين ، ولازم
ابن المسيب ثماني سنين ، وعنه يحي بن سعيد الأنصاري ، ومعمر ابن راشد ، والأوزاعي ، ومالك .
عرف بالحفظ وكتابة السنن وهو أول من دون الحديث رسميا . ابن حجر ، تهذيب
التهذيب. 9 : 445 وما بعدها.
: (109) هو أيوب بن أبي تميمة كيسان السختياني البصري . 686/66 ت 748/131 روى عن
القاسم بن محمد وعبد الرحمن بن القاسم والأعرج . وعنه الحمادان والسفيانان ومالك ، كان كثير
· الحديث ثبتا ، فضل على بعض أقرانه . ابن الجوزي ، صفه الصفوه 3 : 291
(110) هو يزيد بن سويد الأزدي بالولاء المصري (أبو رجاء). 673/53 . ت 745/128 ،
مفتي أهل مصر وناشر علوم الدين بها ، روى عن أبي الطفيل ، وعطاء بن أبي رباح ، والزهري ، وعنه
سليمان التيمي ، وحيوه بن شريح والليث ، كان حجة حافظا للحديث ، ابن حجر ، تهذيب
التهذيب 11 : 318 - 319
(111) سليمان بن مهران الأسدي مولاهم (أبو محمد) الكوفي الأعمش، 681/61
ت 762/145 وقيل بعدها . روى عن زيد بن وهب والشعبي ، وابراهيم النخعي ، وعنه الحكم بن
عتبه وأبو اسحاق السبيعي ، وأبو اسحاق الفزاري، عرف بالفقر والنسك وحقارة الأغنياء ، وطلب
الحديث . ابن الجوزي ، صفة الصفوة 3 : 118، الزركلى ، الأعلام، 3 : 198
(112) عبد الله بن عون بن أرطبان المزني مولاهم أبو عون البصري. 686/66 ت 768/151
روى عن محمد بن سيرين، والحسن البصري ، والشعبي، وعنه الأعمش، وعبد الله بن المبارك ووكيع =
85

فيهم من لقي من تأخرت وفاته من الصحابة فهم بالنظر الى الأغلبية ممن عاصروهم
يعدون من أتباع التابعين .
هؤلاء جماعة من مشاهير المحدثين من التابعين لأغلبهم كلام في الرجال وللبعض
اشارة الى مسألة من مسائل الحديث على تفاوت بينهم في ذلك . وذكرهم لا يعني
انتفاء وجود غيرهم من النقاد ، وإنما ذكروا كمثال لأهل العصر ويقع ذكر غيرهم عند
بحث بعض المسائل ، بيد أن نقدهم للرجال كان قليلا لحصر أسباب الوضع
ولترصدهم المجروحين ، فلولاهم لكان الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم
أكثر مما وجد .
وبعد ذكرهم مرتين ترتيبا زمنيا يهمنا أن نرى تفرقهم على الأمصار لنعرف أماكن
نشوء المدارس النقدية وبالوقوف على مواضع ولادتهم ونشأتهم وجدنا أغلبهم موزعين بين
اقليمي الحجاز والعراق ، وهذا لا يعني خلو الشام مثلا من أمثالهم ولكننا لاحظنا من
قبل أننا لم نقصد من ذكرهم الحصر ونضيف أنهم قلة فيما عدا هذين الاقليمين ولا
عجب من كثرتهم فيهما .
فالحجاز موطن الرسالة ومنبع الحديث فلا بد أن يكثروا فيها ، والعراق موطن .
العديد من الأحزاب السياسية والمذاهب الفكرية المختلفة فهي في حاجة اليهم .
ولو استعملنا النسب المائوية بينها وبين مختلف الأقاليم والأمصار كالحجاز والشام
ومصر . لفازت بالثلثين أو يزيد .
وبعد التعريف المجمل بالمساهمين في تكوين المدرسة النقدية في عهد التابعين ،
والتعرف على نسبة تفرقهم بين الأمصار الاسلامية نحاول توضيح معالم منهجهم
النقدي .
ابن الجراح . ارتحل الى عدة مدن فتعدد سماعه . كان عابدا شديدا على أهل البدع .
ابن سعد ، طبقات ت 7 : 261 - 268
86

المنهج النقدي
اقتدى التابعون بالصحابة في نقد الحديث وأضافوا من القواعد النقدية ما أملته
ظروفهم فوضعوا بعض أصول التلقي والتصحيح ، والتحديث ونقد الرجال ، وكان
عملهم تكملة لما سنه الصحابة وأساسا لعمل النقاد من بعدهم .
واستعمال كلمة نقد في عنصر واحد من عناصر المنهج النقدي لا يعني خلو بقية
العناصر من النقد . وانما استعملناها عوضا عن عبارة الكلام في الرجال ولا نقصد غير
هذا ، ففي التلقي اختيار للشيوخ ، وفي التصحيح قبول أو رد للأحاديث ، وفي
التحديث اختيار للطلاب ، وفي الكلام في الرجال بيان لمن تقبل روايته ومن ترد ، فلم
تخل مرحلة من مراحل طلب الحديث من النقد .
طريقة تلقي الحديث
حرص التابعون على سماع الحديث فارتحلوا من أجله وللشك في بعض النقلة بدأوا
يسألون عن الاسناد ، واشترطوا بعض الشروط فيمن يأخذون عنه وسنبحث الرحلة
والإسناد فيما بعد ان شاء الله لئلا نفرق بين المواضيع المتسلسلة ونذكر هنا ما اشترطوه في
الراوي لان الشروط وان مثلت وحدة في الموضوع فانها يمكن أن تجزأ .
شروط الرواي :
تعرض لها جماعة من التابعين منهم من هو في عداد المشتهرين بالحديث ، وفيهم من
لم ينل هذه الدرجة كعقبة بن نافع الفهري (113) الذي غلب عليه الاهتمام
بالفتوحات ، ولكنه تكلم في قوانين الرواية فاشترط ثقة الراوي رغم موته مبکرا نسبيا ،
فقال لبنيه « يا بني لا تقبلوا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا من
. (113) عقبة بن نافع بن عبد قيس الفهري القرشي مؤسس القيروان ، ولد على عهد الرسول صلى
الله عليه وسلم وقتل 683/63 . وأجمعت المراجع الآتية على أنه لا صحبة له . ابن الأثير الجزري ،
أسد الغابة : 3 : 420 . ابن حجر . الإصابة: 3 : 80، ابن عبد البر، الاستيعاب 3 : 1075
تح علي محمد البجاوي (نهضة مصر)
87

ثقة» (114) . ونفس هذا الشرط نص عليه طاوس عندما سئل عن أحد الرواة فقال
للسائل : « ان كان مليا فخذ عنه » (115). ومعنى مليا أن يكون ثقة في دينه.
يعتمد عليه كما يعتمد في المعاملة المالية على صاحب المال .
وهذا الشرط من المسلمات بيد أن نص التابعين عليه دليل على أنهم رأوا في الرواة
من هو غير ثقة فنبهوا عليه وردوا حديثه . قال الامام الشافعي : « کان ابن سیرین ،
وابراهيم النخعي ، وطاوس ، وغير واحد من التابعين يذهبون الى أن لا يقبلوا الحديث ..
الا عن ثقة يعرف ما يروي ويحفظ وما رأيت أحدا من أهل الحديث يخالف هذا
المذهب» (166) .
وفي كلام الامام زيادة تنصيص على الفهم والحفظ ، والفهم بالمعنى اللغوي ضروري
ولا يحمل هنا على غير هذا كالتعمق في الفقه ، فذلك ليس بشرط متفق عليه بعد
التابعين فما بالك في زمانهم .
وأوجب أيوب السختياني أن يكون الراوي من المعروفين بصناعة الحديث فلم يرو
عن فرقد السبخي (117) لأنه ليس بصاحب حديث عنده (118) وترك أبو
الزناد (119) الرواية عمن لم يكن من أهل الحديث ولو عرف بالصلاح . قال :
« أدركت بالمدينة مائة كلهم مأمون ، ما يؤخذ عنهم الحديث يقال ليس من
(114) الرازي ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل ج 1 ق 1 : 28
(115) ضجيج مسلم بشرح النووي 1 : 85 وفيه : « ان كان صاحبك ... «المقدمة : 5
(116) ابن عبد البر، التمهيد : 39 تح مصطفى العلوي (فضاله المحمدية 1387 /1967 )
(117) أحد زهاد البصرة ت 748/131 روى عن سعيد بن جبير، وعنه الجمادان وجعفر بن
سليمان . ضعفه كثير من النقاد . الذهبي ، ميزان الاعتدال 3 : 345 - 346
(118) صحيح مسلم بشرح النووي 1 : 122 المقدمة : 5
(119) عبد الله بن ذكوان (أبو الزناد) المدني ت 130 أو 748/131 روى عن أنس بن مالك
مرسلا وهو راوية عبد الرحمن الأعرج، وعنه الامام مالك والليث والسفيانان أحد الأئمة ، لقب بأمير
المؤمنين في الحديث . الذهبي ، تذكرة الحفاظ 1 : 134 - 135
88

أهله » (120) ولئن تحدث أبو الزناد عمن تركهم فان عبد الله بن عون عمم فقال :
« لا يؤخذ هذا العلم إلا لمن شهد له بالطلب» (121) .
هذا ما أمكننا الوقوف عليه من شروط الراوي عند التابعين ، والملاحظ أن الشرطين
المذكورين يغنيان عما سواهما فالثقة تشمل ما تقتضيه العدالة والشهادة للشخص
بكونه من أهل الحديث اعتراف له بمعرفة رجاله وأحكامه وبالضبط .
وفي الأبواب الموالية إن شاء الله نرى التوسع فيما اشترط هنا تبعا لتطور أوضاع
المجتمع .
طرق التصحيح :
للتأكد من صحة الحديث اعتمد النقاد من التابعين ومن صغار الصحابة الذين
عاصروهم عدة طرق .
منها الرجوع ٥٠ المروي عنه اذا كان ثقة ووقع الشك في صدق الناقل عنه بسبب
ما يبدو في متن الحديث أو على الأصح الخبر من معنى يستبعد صدروه عن الرسول
صلى الله عليه وسلم ومثال هذا ما ذكره ابن عبد البر عن محمود بن لبيد (122)
قال : « لما أمر محمود على جرش (123) حدثوه أن عبد الله بن جعفر (124)
(120) صحيح مسلم بشرح النووي 1 : 86 - 87 المقدمة : 5
: (121) الرازي ابن أبي حاتم ، الجرح والتعديل ج 1 ق 1 : 28
: (122) هو محمود بن لبيد بن عقبة بن رافع الأنصاري من أولاد الصحابة روى عن النبي صلى الله
عليه وسلم أحاديث ، واختلف في صحبته أثبتها له البخاري ، وعده ابن سعد في الطبقة الأولى من
التابعين ممن ولدوا على عهده صلى الله عليه وسلم . وقال ابن حجر لم تصح له رؤية ولا سماع منه عليه
السلام . ت 714/96 ابن حجر ، الاصابة 3 : 367 . وتهذيب التهذيب 10 : 65 ابن عبد
البر ، الاستيعاب ، 3 : 1378
(123) مدينة باليمن الحموي ياقوت، معجم البلدان ج 2 - 1: 59 (لييزيق 1867)
(124) هو عبد الله بن جعفر بن أبي طالب الهاشمي أول من ولد بالحبشة للمهاجرين . عرف
بالجود . عنه بنوه اسماعيل ، واسحاق ، ومعاوية ، وعروة بن الزبير ، توفي على الأصح 699/80 .
الخزرجى ، الخلاصة (ط 2 بيروت 1971/1391) 193 ابن حجر ، الاصابة 2 : 280
89

حدثهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « اتقوا صاحب هذا الداء يعني
الجذام كما يتقي السبع اذا هبط واديا فاهبطوا غيره » فأقسم محمود على صدق ابن
جعفر ان كان المبلغ عنه صادقا وعندما لقيه سأله عن هذا الخبر فنفى أن يكون
حدث به واستشهد بفعل لعمر ينقضه (125) ويستنتج من هذه الطريقة أمور .
1) انطلاق الشك في صدق الحديث من متنه لا من سنده
2) براءة المروي عنه واتهام الراوي بالوضع
3) التحقق من وضع الحديث بالرجوع إلى المنقول عنه .
ومنها الرجوع الى ابن المنقول عنه ان كان أبوه قد مات ، واستعمال الكتابة وسيلة
لذلك ان لم يمكن اللقاء ، ومثاله ما قام به جماعة من أهل الاسكندرية منهم يزيد بن
أبي حبيب عندما قدم عليهم رجل من المدينة ليرابط فاستقبلوه وفرحوا به ، وحدثهم
عن نافع عن عبد الله بن عمر ، فجمعوا أحاديثه وكتبوا بها الى ابن لنافع ليتأكدوا من
صحة ما بلغهم عنه فرد اليهم نافيا صحة ما حدثوا به عن أبيه ، ودعاهم الى معرفة
من يأخذون عنه وحذرهم من القصاص ومن كل قادم اليهم (126) .
ومنها أن يسأل طالب الحديث الراوي عمن روى عنه اذا حدثه بخلاف ما كان
سمع قال هشام بن عروة (127) لابن أبي الزناد (128): « إذا حدثت بحديث أنت
(125) ابن عبد البر، التمهيد 1: 54 - 55
(126) نفس المرجع : 54
(127) هشام بن عروة بن الزبير بن العوام الأسدي . 680/61 ت 762/145 رأى ابن عمر ،
وجابرا وأنسا ، وروى عن أبيه وعمه عبد الله، وعنه أيوب السختياني ويونس الايلي، وشعبه ، امام في
الحديث إلا أنه لما انتقل الى العراق أرسل عن أبيه ما سمعه من غيره .
ابن حجر ، تهذيب التهذيب 11 : 48 - 51
(128) عبد الرحمن بن أبي الزناد : عبد الله بن ذكوان القرشي بالولاء . المدني 718/100
ت 790/174 . روى عن أبيه وموسى بن عقبة وهشام بن عروة ، وعنه ابن جريح وأبو داود
الطيالسي والوليد بن مسلم ضعفه كثير من النقاد ، قال ابن المديني : « حديثه بالمدينة مقارب وما
حدث به في العراق مضطرب » .
ابن حجر ، تهذيب التهذيب 6 : 170 - 173 .
90

منه في ثبت فخالفك انسان فقل من حدثك بذا ؟ فاني حدثت بحديث فخالفني فيه
رجل ، فقلت هذا حدثني به أبي ، فأنت من حدثك ؟ فجف » (129) .
ومن هذه الطرق : عرض الراوي ما سمعه من الأحاديث على النقاد المختصين الذين
شبهوا بالصيارفة في تمييز الحديث الصحيح من غيره ، قال الأعمش: « كان ابراهيم
- يعني النخعي - صيرفيا في الحديث ، وكنت أسمع من الرجال فأجعل طريقٍ عليه
فأعرض عليه ما سمعت وكنت آتي زيد بن وهب وضرباءه في الحديث في الشهر المرة
والمرتين ، وكان الذي لا أكاد أغبه ابراهيم النخعي » والاعمش ناقد خبير بالرجال
ولكنه يأبى أن يكتفي بمعرفته فيعضدها بخبرة أهل المرتبة الأولى في النقد ثم بأصحاب
المرتبة الثانية ليطمئنّ على ما سمعه .
ومنها محاسبة النقاد للرواة بكل دقة فكانوا يحصون أخطاءهم ولا يتسامحون معهم في.
أقلها ولو ندرت .
قال الشعبي : « والله لو أصبت تسعا وتسعين مرة وأخطأت مرة لعدوا علي تلك
الواحدة » (130) .
وشدة المحاسبة هي التي جعلته يقول « ليتني : أنفلت من علمي كفافا لا علي ولا
لي» (131) .
قوانين التحديث :
راعى التابعون في أدائهم الحديث اعتبارات وآدابا .
منها التزام بعضهم التحديث باللفظ وتجويزه من آخرين بالمعنى ، ونبحث هذه
المسألة في الأبواب الموالية ان شاء الله . ومنها التقليل من التحديث عامة والاقتصار
على عدد قليل من الأحاديث في المجلس الواحد خاصة ، فأبو قلابة (132) يكتفي
في بعض مجالسه بأحاديث ثلاثة ويستكثرها .
(129) الرامهرمزي ، المحدث الفاصل : 210
(130) الذهبي تذكرة الحفاظ 1 : 77
(131) ابن سعد ، الطبقات الكبرى 6 : 250
(132) عبد الله بن زيد البصري، روى عن سمره بن جندب وأنس بن مالك وثابت بن الضحاك
وأرسل عَنَّ السيدة عائشة ، وعنه أيوب السختياني ويحيى بن أبي كثير ، طلب للقضاء في البصرة
فغادرها الى الشام . الذهبي ، تذكرة الحفاظ 1 : 94 .
91

وطلب منه أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز أن يحدث فأجابه بأنه يكره كثرة
الحديث وكثرة السكوت (133) ويعني هذا أنه يتوسط بين الأمرين ، وكان الأعمش
مقلا فاذا حدث بثلاثة أحاديث ، قال قد جاء السيل (134) ، وغاية التقليل تبليغ
سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بتحر ، والاستيثاق بجودة أخذ من سمع واتاحة
الفرصة له للتدبر .
وهذا مبدأ تعليمي هام يراعي حالة المتعلم ويحرص على سلامة ما يقدم من
المادة .
آداب التحديث :
يأبى بعض المحدثين أن يحدثوا على كيفية لا يرونها تناسب حديث رسول الله صلى
الله عليه وسلم فيأمرون الطلاب بالطهارة ويجلسون بوقار ، قال قتادة: « لقد كان
يستحب أن لا تقرأ الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا على طهور ».
وفي رواية إلا على وضوء (135) وكان الأعمش اذا أراد أن يحدث وهو على غير وضوء.
تيمم (136) وأراد سعيد بن المسيب يوما أن يحدث وهو مريض فقال «اجلسوني
فاني أكره أن أحدث حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا
مضطجع » (137) .
أما سليمان التيمي (138) فكان لورعه ، يتغير وجهه عند ذكر الحديث (139)
هذه الآداب تدل على تقوى التابعين وعنايتهم الكاملة بالحديث وشدة توقيرهم له .
(133) الرامهرمزي ، المحدث الفاصل : 583
(134) نفس المرجع والصفحة
(135) ابن عبد البر ، جامع بيان العلم وفضله ، 2 : 199
(136) نفس المرجع 2 : 198
(137) ابن عبد البر ، جامع بيان العلم وفضله 2 : 199
(138) سليمان بن طرخان القيسي البصري ت 760/143 سمع أنس بن مالك وأبا عثمان النهدي
وطاوسا ، وعنه شعبة والسفيانان وابن المبارك، اشتهر بالعبادة والحفظ والعلم ، الإصبهاني ، حلية
الأولياء ، 3 : 27 - 37 (ط 2 دار الكتاب العربي بيروت 1967/1387)
(139) الرامهرمزي ، المحدث الفاصل : 551
92

مراعاة معنى الحديث :
اتقاء مما قد يندس بين الأحاديث من ضعيف الأخبار ولا ينتبه إليها ، وخوفا من
تحديث الطلاب بما لا تعيه مداركهم رأى أعلام من التابعين ومن قبلهم بعض
الصحابة أن لا يحدثوا إلا بما عرف من الأحاديث ، قال الشعبي : « لو استقبلت من
أمري ما استدبرت ما حدثت الا بما أجمع عليه أهل الحديث » (140).
وعن أبي قلابة : « لا تحدث بالحديث من لا يعرفه يضره ولا ينفعه (141) .
اختيار الطلاب :
يختار المجدئون طلابهم ، فلا يحدثون إلّا أهل الحديث ليبلغوه عنهم بأمانة لأهله قال
الرامهرمزي: ((وهجنته أي الحديث نشره عند غير أهله)) (142) وقال الأعمش:
((ضاعة الحديث التحديث به عند غير أهله)) (143) واشترط بعضهم على من يحدثه أن
يحفظ القرآن ، جاء حفص بن غياث (144) إلى الأعمش فسأله أتحفظ القرآن فأجاب
حفص : لا، فأمره بحفظه فاستقرأه فقرأه فحدثه (145) .
وفي مقدمة المرغوب عنهم في التحديث المنتمون الى الفرق لانتزاع الثقة من بعضهم.
اذ قد يعملون على تأييد مذاهبهم بتحريف ما يسمعون من الأحاديث فهم قد يضعونها
وضعا فاذا ما سمعوها كان تحريفهم لها أيسر .
(140) الذهبي ، تذكرة الحفاظ 1 : 83
(141) الرامهرمزي ، المحدث الفاصل: 571 ونحوه رواه ابن عبد البر، في جامع بيان
العلم 1 : 109 ، عن رؤية بن العجاج لا عن الزهري
(142) نفس المرجع : 571
(143) نفس المرجع : 572
(144) أحد قضاة الكوفة الحنفيين، ومن الحفاظ الثقات يذكره الشيعة الامامية في
رجالهم 735/117 ت 810/194 . الزركلي ، الاعلام 2: 291 - 292
(145) الرامهرمزي ، المحدث الفاصل : 203
93

نقد الرجال
اهتم المتكلمون في الرجال في هذه الفترة ببيان الرواة المقدوح فيهم لانتسابهم الى
الفرق التي ظهرت أو الى القصاصين أو لارتكابهم ما يقدح في عدالتهم أو اتصافهم بما
يخل بضبطهم .
موقف نقاد الحديث من أهل الفرق :
.كانت المذاهب العقدية التي ظهرت بين المسلمين في أواخر القرن الأول من أخطر
ما حدث عندهم لأنها عمقت النزاعات وشعبتها . فعد المحدثون الانتماء اليها من أكبر
أسباب رد الرواية ونقدوا أصحابها وحرصا على منع آرائهم من الانتشار لم يقتصروا على
بيان أخطائهم في الحديث وانما أرادوا أن يعزلوهم وينفروا الناس منهم فذموا مذاهبهم
وقاوموها وموقف صغار الصحابة من القدرية السابق الذكر يبين ذلك ، وكانت مواقف.
نقاد التابعين من أهل الأهواء متفاوتة وتمثلت في وصفهم بالضلال والنهي عن مجالستهم
لئلا تتسرب أفكارهم الى مجالسيهم ، وفي حرمانهم من السماع منعا لهم من الحديث
الذي يمكنهم من جمع الناس حولهم وخوفا من تحريفهم له تأييدا لآرائهم ومنهم من
نقدهم دون تعيين لإحدى فرقهم ومن عين فرقا أو فرقة ، ومن جرح الداعي للفرقة
بدل تسميتها فمن الذين ذموهم على العموم أبو قلابة فاعتبرهم محلين القتال مجتمعين
عليه رغم اختلاف أقوالهم وقال : « إن مصيرهم النار » .
ونهى عن مجالستهم ومجادلتهم لئلا تتسرب شبههم وقال « لا تجالسوا أهل الأهواء ولا .
تجادلوهم فاني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم أو يلبسوا عليكم ما كنتم
تعرفون» (146) ورأى محمد بن سيرين أن سبب مطالبة النقاد بالكشف عن رجال
الاسناد معرفة من فيه من أهل البدع لتجنب الرواية عنهم (147) . وعين الشعبي
فرقا ثلاثة فنهى عن الانتماء اليها هي الشيعة والمرجئة والقدرية، قال : « أحب صالح
المؤمنين وصالح بني هاشم ولا تكن شيعيا وآرج ما لم تعلم ، ولا تكن مرجئا ، واعلم
(146) ابن سعد ، الطبقات الكبرى 7 : 184
(147) صحيح مسلم شرح النووي 1 : 84 ، المقدمة : 5
94

أن الحسنة من الله ، والسيئة من نفسك ولا تكن قدريا وأحبب من رأيته يعمل بالخير
وإن كان أخرم سنديا » (148) .
بهذه الدعوة أكد على التزام بعض مبادىء أهل السنة والجماعة وعمل على جمع
كلمة الأمة فدعا إلى عدم الانتماء الى أي فرقة ولم يذكر الخوارج وهي من الفرق
المشتهرة في عصره ولعله تعمد ذلك لتقواهم وغلبة السياسة عليهم وعدم تشعب
مبادئهم رغم تعدد فرقهم ولتورعهم عن الكذب عليه صلى الله عليه وسلم في بعض
الاراء ، ومهما كانت الاحتمالات التي قصدها أو لم يقصدها فالانتماء اليهم يعتبر خروجا
عن وحدة الأمة وهو ما قاومه ، فكان الأولى أن يذكرهم لهذا الاعتبار .
وبعد البحث عمن تكلم فيهم لم نجد له فيما وقفنا عليه إلا قولين غير صريحين ،
الأول رواه مسلم عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: « قال عاصم (149) كنا نأتي
أبا عبد الرحمن السلمي ، ونحن غلمه أيفاع فكان يقول لنا : « لا تجالسوا القصاص
غير أبي الأحوص » (150) .
وإياكم وشقيقا (151) قال (152)«وكان شقيق هذا يرى رأي الخوارج وليس بأبي
(148) ابن سعد، الطبقات الكبرى 6 : 248 - 249
(149) هو عاصم بن أبي النجود بهد له الكوفي أحد القراء السبعة ت 745/127 . كان ثقة في
القراءات وله اشتغال بالحديث أخذ عن أبي عبد الرحمن السلمي وأبي وائل وعنه الأعمش وشعبة
والسفيانان اتهم بسوء الحفظ ، ابن حجر ، تهذيب 5 : 38 - 40
(150) عوف بن مالك الجشمي أبو الاحوص الكوفي ، قتله الخوارج أيام الحجاج ، روى عن أبيه
وابن مسعود ، وأبي هريرة وعنه أبو اسحاق وإبراهيم بن سعد قال ابن سعد : كان ثقة له أحاديث .
ابن حجر ، تهذيب التهذيب 8 : 169 ابن سعد، الطبقات الكبرى 6 : 181 - 182
(151) قال النووي ، شقيق الذي نهى عن مجالسته هو شقيق الضبي الكوفي القاص ضعفه
النسائي ، وقال فيه مسلم كان يرى رأي الخوارج، النووي شرح مسلم 1: 100 - 101. وقال
الذهبي : شقيق الضبي من قدماء الخوارج . صدوق في نفسه وكان يقص بالكوفة وكان أبو عبد
الرحمن السلمي يذمه ، ميزان الاعتدال 2 : 279
(152) في طبقات ابن سعد 6: 182 . قال حماد - أعني ابن زيد - « ليس بأبي وائل كان هذا
يرى رأي الخوارج » وعلى هذا فالقول ليس لمسلم .
95

وائل (153)» (154) .
ونظرا إلى جمع شقيق بين القصص ورأي الخوارج وتركيز عبد الرحمن نهيه عن
مجالسة القصاص فان سبب الذم يحتمل الأمرين ولعله الى القصص أقرب وعندها لا
يكون ذم بسبب انتسابه للخوارج . وهذا مجرد احتمال . وسمع الأعمش حديثا فسأل
محدثه من يذكر هذا ، فضرب له مثل رجل من الحرورية فلم يرتضه (155) وعدم
رضاه عنه يجوز أن يكون لنزعته الخارجية ويحتمل أن يكون لجارح آخر ولا نستطيع
ترجيح أحد الاحتمالين لا سيما والرجل لم يسم ويتلخص من هذا اننا لم نجد نقدا
صريحا وجه اليهم رغم أن هذا العهد هو عصرهم وسنرجع للموضوع في مبحث
الوضاعيين ، والملاحظ أن نقد التابعين تسلط خاصة على الفرق التي غلبت عليها
النزعة العقائدية كالقدرية والمرجئة فكيف كان موقف النقاد منهما بالخصوص ؟
تكلّم سعيد بن جبير في طلق بن حبيب (156) المرجىء ونهى عن
مجالسته (157) .
وكان ابراهيم النخعي يمنع المرجئة من حضور مجلسه ويغضب عندما يكلمونه
=
(153) أبو وائل هو شقيق بن سلمه الأسدي الكوفي من التابعين المخضرمين روى عن كبار
الصحابة ، وعنه الأعمش وعاصم بن بهدله ولد سنة واحد للهجرة ت 82 ، وقيل في خلافة عمر بن
عبد العزيز . ابن حجر تهذيب التهذيب 4 : 361 - 363 .
(154) صحيح مسلم بشرح النووي 1 : 101 ، المقدمة : 5
(155) الرامهرمزي المحدث الفاصل: 209 ، والحرورية نسبة الى حروراء وهي المكان الذي التجأ
إليه الخوارج بعد صفين فسموا به ولهم في الجملة أربعة أسماء الخوارج ، الشراة ، المحكمة ، الحرورية ،
وعند الخطيب البغدادي في الكفاية : 570 الخوارج بدل الحرورية.
(156) طلق بن حبيب العنزي البصري ، مات بين سنتي 90 و100 روى عن عبد الله بن عباس
وابن الزبير وابن عمر. وعنه طاوس وسليمان التيمي ، اعتنق الإرجاء وكان ثقة في الحديث . ومن :
خرج مع ابن الأشعث على الحجاج الأصبهاني ، حلية الأولياء 3 : 63 وابن حجر ، تهذيب
التهذيب 5 : 31
(157) علل الترمذي بآخر صحيحه شرح ابن العربي 13 : 305
96
١

واعتبرهم أبغض اليه من أهل الكتاب ، ووصف مذهبهم بالبدعة ، فقال : « إياكم
وأهل هذا الرأي المحدث يعني المرجئة » (158).
وامتنع الأعمش عن تحية حماد بن أبي سليمان (159) عندما تكلم في الإرجاء
وقال « حدثنا بحديث وكان غير ثقة » (160) .
وأما القدرية أعني نفاة القدر - فكفّرهم الحسن البصري فقال: « من كذب
بالقدر فقد كفر» (161) وطعنه هذا أشد من الطعن في الأشخاص لأنه موجه
للمبدأ فيشمل كل من اعتنقه ، وطعن المبدأ نفسه ممثلا في الداعي اليه معبد
الجهني بأقوال تنفر منه منها : ((إيا كم ومعبدا فإنه ضال مضل)) (162) وحذر من معبد
أيضا طاوس بن كيسان فقال: ((احذروا معبد)) (163)، وأبي محم 2د بن سيرين أن
يسمع آراء القدرية عندما اجتمع به أحدهم فسد أذنيه بأصبعيه، وطالبه
بالخروج ، وهدد بخروجه هو ان رفض القدري الخروج ، وقصده من عدم سماعه
الامتناع عن الخوض في موضوع القدر منعا للأفكار الخاطئة من الانتشار (164) .
ننتقل من الكلام على القدرية الأول الى الحديث عن القدرية الذين خلفوهم ورفضوا
أن يتسموا باسمهم - أعني المعتزلة - ولم نجد بين نقاد الحديث من التابعين كثيرا ممن
نسبوا الى الاعتزال من جرحوهم .
(158) ابن سعد، الطبقات الكبرى 6 : 273 - 274
(159) حماد بن أبي سليمان الأشعري تـ 119 أو 765/120 روى عن أنس وزيد بن وهب
وسعيد بن المسيب ، وعنه عاصم الأحول وشعبه والثوري، ضعفه کثیر من النقاد ابن حجر ، تهذيب
التهذيب 3 : 16 - 18
(160) ابن حجر ، تهذيب التهذيب : 3 : 16
(161) نفس المرجع 2 : 270
(162) نفس المرجع 10 : 226
(163) الترمذي ، العلل بآخر صحيحه شرح ابن العربي 13 : 305 ولم يذكر نص العبارة
:(164) ابن سعد ، الطبقات الكبرى : 7 : 197
97

وكنا لاحظنا أن أثرهم انما ظهر في آخر هذا العهد لكن لا يفوتنا أن نذكر ما كان
لعمرو بن عبيد (165) أحد مؤسسي فرقتهم من خطير الآراء في النصف الأول من
القرن الثاني مما جعل نقاد هذه الفترة يتخذون منه موقفا واضحا . فقد تكلم فيه
قتادة ، وقال جوابا لمن اعترض عليه « ان الرجل اذا ابتدع ينبغي أن يذكر حتى
يحذر»(166) وامتنع أيوب السختياني، ويونس بن عبيد (167) وعبد الله بن عون
من ردّ التحية عليه (168) . ولم يتخذ منه أيوب موقف المقاطعة فحسب بل كان
يتتبع أقواله ويرد عليها ، وهذه أمثلة من مواقفه معه تبين مقاومته له بکشف نواياه
ليعلمها الناس فيحذروه : كذبه فيما نسبه باطلا الى الحسن البصري فقد ادعى أنه
نقل عنه قوله « لا يجلد السكران من النبيذ »، فرد عليه بقوله « كذب أنا سمعت
الحسن يقول : « يجلد السكران من النبيذ» (169) وادعاء عمرو هذا يبين فداحة
ما أقدم عليه أرباب الأهواء من افساد الدين لو تحقق مسعاهم باختلاق نصوص
كاذبة منسوبة الى رسول الله صلى الله عليه وسلم أو كبار الصحابة أو كبار التابعين
ومحاولة ابطال أحكامه ، فقد سعى عمرو في دعواه الى إسقاط الجلد عمن سكر
(165) عمرو بن عبيد بن باب ، ويقال ابن كيسان التيمي مولاهم (أبو عثمان) البصري المعتزلي ،
القدري روى عن الحسن البصري وأبي العالية وأبي قلابة ، صاحبه بدعة داعية متروك الحديث عند
كل النقاد لبدعته وكذبه .
ابن حجر ، تهذيب التهذيب 8 : 70
الذهبى ، ميزان الاعتدال 3 : 273 - 280
(166) الذهبي ، ميزان الاعتدال 3 : 273
(167) يونس بن عبيد بن دينار العبدي مولاهم، البصري ت 139 وقيل 757/140. رأى
أنسا ، وسمع الحسن ، وابن سيرين ، وعنه شعبة والحمادان. أحد الأئمة الاعلام الورعين الحفاظ ،
الأصبهاني ، حلية الأولياء 3 : 15 - 27
(168) الذهبى ، ميزان الاعتدال 3 : 274
(169) صحيح مسلم بشرح النووي : 1 : 110 ، المقدمة : 5
98

بالنبيذ ، وكأنه جهل أو تجاهل أن الممنوع هو السكر بقطع النظر عن وسيلته .
وكذبه أيضا فيما نسبه الى الحسن افتراء وهو رواية الحبر المختلق: « إذا رأيتم معاوية
على منبري فاقتلوه » (170) .
وأنب سلام بن أبي مطيع (171) لتردده عليه فقال له: وقد أقبل « أرأيت رجلا
لا نأمنه على دينه كيف نأمنه على الحديث» (172) في هذا النقد ربط أيوب بين
عقيدة الراوي وأهليته للرواية ورأى أن من لا يستقيم حاله في الدين لا يوثق بروايته ،
وأظهر بعض التسامح في محادثته من يجتمع بعمرو ، ولعل قصده من ذلك أن يرد عليه
بعد الاطلاع على آرائه كما رد على كذبه على الحسن .
كان رجل قد لزم أيوب ثم غاب عنه فلما لقيه سأله عن ملازمته لعمرو فقال
الرجل : « انه يجيئنا بأشياء غرائب » فقال له أيوب : « انما نفر من
الغرائب » (173) وبين النووي الخوف من الغرائب فأرجعه الى أنها قد تكون خبرا
موضوعا وقد تكون آراء توقع في البدعة ومخالفة الجمهور (174) وكذبه يونس بن
عبيد في الحديث وأوصى ابنه بأن يتجنب رأيه ورأي أصحابه معتبرا اياه أخطر عليه
من ارتكاب الكبائر ، وذلك فيما أرى لأنْ آراءه تمس الاعتقاد بينما الكبائر أفعال دالة
على نقص في الايمان لا على فساد فيه قال له : « أنهاك عن الربا والسرقة وشرب الخمر
ولأن تلقى الله تعالى بهن أحب الي من أن تلقاه برأي عمرو بن عبيد
وأصحابه » (175) .
(170) الذهبى ، ميزان الاعتدال 3 : 277
(171) سلام بن أبي مطيع البصري يعد من خطباء البصرة أخد عن قتادة وأبي حصين وعنه
مسدد ، وثقة أحمد وغيره ، الرازي ابن أبي حاتم الجرح والتعديل : ج 2 ق 1 : 258 - 259
(172) صحيح مسلم بشرح النووي 1 : 110 ، المقدمة : 5
(173) نفس المرجع 1 : 109 - 110، المقدمة : 5
(174) نفس المرجع 1 : 110 المقدمة : 5
(175) ابن حجر ، تهذيب التهذيب 11 : 444
99

وكأنه حاول أن يرد الفعل فذمٌّ بدوره من نقدوه واستعمل الفاظا منفرة منه قبل أن
تنفر منهم. قال في أيوب ويونس وابن عون والتيمي « أولئك أرجاس أنجاس أموات غير
أحياء ». ولكن هذا لم يجده فقد قاطع الناس مجلسه وسئل لم تركت ؟ فأجاب
« نهى الناس عني ابن عون فانتهوا » (176).
ووصل به التطاول الى القدح الظاهر في الصحابة رضوان الله عليهم فقال: « لو
شهد عندي علي وطلحة والزبير وعثمان على شراك إنعل ما أجزت شهادتهم » (177)
وصنيعه هذا وحده كاف بأن تكون مواقف النقاد منه أشد مما رأينا .
القصاصون
من المجروحين في هذه الفترة القصاصون ، وباستعراض تاريخ ظاهرة القصص في
الاسلام يتضح أن لأصحابها عدة مقاصد فمنهم وعاظ غایتهم التذکیر ، وباحثون عن
الشهرة قصدهم السمعة ، وشحاذون يسعون إلى جمع المال ، والصنف الأول أقل
خطرا من الصنفين الاخيرين .
نشأة القصص :
حدث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: « لم يقص في زمن رسول الله صلى
الله عليه وسلم ولا أبي بكر ولا عمر ولا عثمان رضي الله عنهم» (178). وقال ابن
حجر في ترجمة الصحابي تميم الداري (179) « وهو أول من قص وذلك في عهد
عمر » (180) . وبين الروايتين تضارب ، وعند المقريزي خبر عن ابن شهتاب يمكن
(176) الذهبي ، ميزان الاعتدال 3 : 274
(117) نفس المرجع 3 : 275
(178) ابن ماجة، السنن 2 : 1235 (أدب : 40)
(179) هو تميم بن أوس بن خارجه ينسب الى الدار وهو بطن من لخم كان نصرانيا فأسلم في سنة
تسع من الهجرة وسكن المدينة ثم انتقل الى الشام بعد قتل عثمان ابن عبد البر ،
الاستيعاب 1 : 193 . ابن حجر ، الاصابة 1 : 186
(180) ابن حجر ، الاصابة : 1 : 186
100

أن يوفق بينهما قال: « أول من قص في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم تميم
الداري استأذن عمر أن يذكر الناس فأبى عليه حتى كان آخر ولايته فأذن له أن يذكر
في يوم الجمعة قبل أن يخرج عمر. فاستأذن تميم عثمان بن عفان رضي الله عنه في ذلك
فأذن له أن يذكر يومين في الجمعة فكان تميم يفعل ذلك» (181) .
وتفيد روايات أخرى أن عمر أذن له بعد توقف وسؤال عن موضوع
وعظه (182). واستشار الحارث بن معاوية عمر (183) في القصص لما أرادوه عليه
فترك له الخيار فسأله رأيه ، فأعلمه أنه يخشى عليه العجب والغرور قال : « أخشى
عليك أن تقص فترتفع عليهم في نفسك ثم تقص فترتفع حتى يخيل اليك أنك فوقهم
بمنزلة الغريا فيضعك الله تحت أقدامهم يوم القيامة بقدر ذلك» (184)، فعمر رضي
الله عنه لم يمنع ولكنه أيضا لم يرغب بل نفر ويبدو أن تميما بدأ واعظا وهو ما يتناسب
مع مهمة التذكير التي وصفه بها ابن شهاب ، ولذلك لم يعتبرها ابن عمر قصصا
بينما عدها غيره من القصص للشبه بين الأسلوبين « والمراد بالقصص التذكير والموعظة
وقد كان ذلك في عهد النبي صلى الله عليه وسلم لكن لم يكن يجعله راتبا كخطبة
الجمعة بل بحسب الحاجة » (185) . وهذا التوضيح من ابن حجر يفسر ما ذهب
اليه من وجود القصص مبكرا ، وقيل للحسن البصري : متى أحدث القصص ؟
قال: في خلافة عثمان بن عفان ، قيل : أول من قص ؟ قال : « تميم
الداري» (186). ومن خلال هذه الأخبار وغيرها نلاحظ أمورا ، أولها : ظهور
(181) الخطط 2 : 253 (دار صادر بيروت)
(182) القاري على الملا ، الأسرار المرفوعة 66 - 67
(183) هو الحارث بن معاوية بن زمعة الكندي مختلف في صحبته ، ذكره ابن منده في الصحابة
وتبعه أبو نعيم ، وذكره ابن سعد وأبو زرعه الدمشقي في الطبقة الأولى من تابعي الشام . قال ابن
حجر « والغالب على الظن أنه من المخضرمين » الاصابة 1 : 290
(184) مسند الامام أحمد تصحيح شاكر 1 : 111
(185) ابن حجر ، فتح الباري 13 : 254
(186) المقريزي، الخطط 2 : 253 .
101

القصص - بمعنى التذكير - منذ زمنه صلى الله عليه وسلم ، وبمعناه الخاص بالمدينة
منذ عهد عثمان وبمصر سنة ثمان وثلاثين (186) .
. ثانيها : أن القصاصين في عهد معاوية صنفان: صنف يقص للخاصة بعد صلاة
الصبح ويدعو للخليفة وأهل بيته وحاشيته ويدعو على أعدائه وقد يجمع بين هذه
المهمة والقضاء ، وأورد المقريزي أن أحد المصريين جمع بين القضاء والقصص مدة
سبع وثلاثين سنة (186) .
وصنف يقص للعامة ويعظهم (187) ، واعتبارا للدرجة العلمية فأهل الصنف
الأول قد لا يخشى منهم الوضع إلا اذا غلبت عليهم السياسة لأن علمهم يمنعهم من
ذلك اذ هم قضاة أو في درجتهم ، بينما أهل الصنف الثاني قد يضعون لنقص علمهم
ولسعيهم للتأثير على العامة وجلبهم اليهم واظهار أنفسهم أمامهم في مظهر العلماء ،
وأخطر من هؤلاء الشحاذون الذين يتكسبون بالقصص فلا يتورعون أن يضعوا ما يميل.
العامة حرصا على عطائهم .
ثالثها : وجد صنف ثالث ليسوا من القصاصين الخطيرين بل وعاظ صلحاء
كالصحابي تميم الداري ، وكأبي الأحوص المتقدم الذكر والحسن البصري .
رابعها : لم يتكاثر عدد القصاصين في زمن الصحابة وبدؤوا يتكاثرون منذ عهد
التابعين ، وهذه بعض مواقف النقاد منهم .
نهى عبد الرحمن السلمي عن مجالستهم: « لا تجالسوا القصاص غير أبي.
الأحوص» (188) . ووصفهم أبو قلابة بإماتة العلم « ما أمات العلم إلا القصّاص
يجالس الرجل القاص سنة فلا يتعلق منه بشيء ويجلس إلى العالم فلا يقوم حتى يتعلق
منه بشيء » (189) .
(187) نفس المرجع والصفحة
(188) انظر ما سبق ص : 78
(189) الأصبهاني ، حلية الأولياء 3 : 287
102