النص المفهرس
صفحات 21-40
علوم الحديث ومكانته بينها : مما تقدم يتبين أن علم الجرح والتعديل هو أساس علوم الحديث جميعا لأنه السبيل الى نقد الرواية لقبولها أو ردها ، وتلك غاية هذه العلوم ولزيادة التوضيح نذكر المراد منها لنتصور مدلوها وتكاملها ومكانته بينها . أطلق اصطلاح علوم الحديث على المباحث الرئيسية المتعلقة بالمتون وصفاتها وبأحوال الرواة ، وأوصلها الحاكم إلى اثنين وخمسين نوعا (9). منها الاسناد وأنواع الحديث ومعرفة الصحابة والتابعين والجرح والتعديل والعلل ومسائل أخرى ، وذكرها في غير تنسيق ففصل بين الأبواب المتقاربة ولم يحط بجوانب بعضها ، وكانت هذه الأنواع. عند الحازمي (10) أكثر اذ قال في كتابه العجالة «علم الحديث يشتمل على أنواع كثيرة تقرب من مائة نوع وكل نوع منها علم مستقل لو أنفق الطالب فيه عمره لما أدرك نهايته» (11). والملاحظ أن الحازمي لم يؤلف فيها (12). وجاء ابن الصلاح (13) فألف كتابه علوم الحديث المشهور بمقدمة ابن الصلاح فأوصلها الى خمسة وستين نوعا مضيفا أبوابا لم يذكرها الحاكم وحاول التنسيق بتوالي الأبواب المتقاربة المواضيع ، وتحليل المسائل في غير ايجاز أو اطناب مع ذكر آراء من (9) انظر كتابه معرفة علوم الحديث. (10) هو محمد بن موسى بن عثمان (أبو بكر زين الدين) الهمداني الحازمي 1154/549 بطريق همدان ، واستوطن بغداد ورحل إلى عدة أمصارت 1188/584 من كتبه : شروط الائمة الخمسة . انظر مقدمة عجالة المبتدىء تح عبد الله كنون (القاهرة: 1965/1384) (11) عجالة المبدقىء وفضالة المنتهي في النسب ص 3 (12) السيوطي، تدريب الرواي: 1: 53 (ط 2 المدينة المنورة 1972/1392) تح: عبد الوهاب النجار (13) هو عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان بن موسى الشهرزوري المعرف بابن الصلاح (تقي الدين أبو عمرو) جمع بين الحديث ورجاله والفقه والأصول 1181/577 - 1245/643، من كتبه علوم الحديث، ابن خلكان، وفيات الاعيان 3 : 245/243 (دار صادر بيروت) 23 سبقه لكن عرضه لم يسلم من النقد ، وقد أشار هو نفسه الى ما فيه من اختصار ، قال في المقدمة بعد أن عدد الأنواع الخمسة والستين: « ... وذلك آخرها وليس. بآخر الممكن في ذلك فانه قابل للتنويع إلى مالا يحصى ، اذ لا يحصى أحوال رواة الحديث وصفاتهم ولا أحوال متون الحديث وصفاتها ، وما من حالة منها ولا صفة الا وهي بصدد أن تفرد بالذكر وأهلها فاذا هي نوع على حياله (14) . وتبعه النووي (15) مكتفيا باختصار كتابه في الارشاد ثم في مختصره التقريب ، وكذلك صنع ابن كثير (16) في كتابه « اختصار علوم الحديث » فلم يضف مسائل جديدة وتقيد بالمقدمة واستمرت التآليف من بعده في هذا الاتجاه منطلقة منها ، فمن مختصر لها أو معلق عليها ، أو ناظم ، ثم تركز البحث على ألفية العراقي وهي تلخيص لها نظما مع زيادات عليها فتعددت شروحها ، ولسنا الآن نستعرض المؤلفات في أصول الحديث وإنما غايتنا توضيح المقصود بعلومه وتطور تصنيفها . . واستدرك عليه البلقيني (17) في محاسن الاصطلاح خمسة أنواع هي رواية الصحابي عن الصحابي والتابعين بعضهم عن بعض ، ومعرفة من اشترك من رجال الاسناد في فقه أو بلد أو اقليم أو غير ذلك ، وهو شبيه بالنوعين قبله وغير المسلسل ، (14) ص 101 (15) هو يحي بن شرف بن مري بن حسن بن حسين النووي (محي الدين) 1233/631 ، 1278/677 عالم بالحديث والفقه واللغة من تصانيفه الكثيرة تهذيب الأسماء واللغات . طاش كبرى، مفتاح السعادة: 2: 61 - 62 (الاستقلال، القاهرة 1968) (16) هو اسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري الأصل الدمشقي النشأة والتربية والتعليم 1301/701 قرأ على المزي وابن تيميمة والذهبي له مؤلفات كثيرة منها التفسير واختصار علوم الحديث ت : 1373/774 ، أبو المحاسن الحسيني الدمشقي ، ذيل تذكرة الحفاظ 57 (دار احياء التراث العربي). (17) هو عمر بن رسلان بن نصير بن صالح (سراج الدين) البلقيني. 1324/724 عالم بكثير . من العلوم ت 1403/805. السخاوي : الضوء اللامع، 6 : 85 - 90 24 ومعرفة أسباب الحديث والتاريخ المتعلق بالمتون (18) وانتقده ابن حجر (19) في اهماله أنواعا من الحديث ومن صفات الرواة (20). وتبعه السيوطي (21) في جمع. بعض الأنواع في نوع واحد كذكره أحكام المعلق والمعنعن في نوع المعضل ، وهما نوعان مستقلان (22) . وحصر أبو شامة (23) علوم الحديث في عصره في ثلاثة هي حفظ متونه ومعرفة غريبها وفقهها وحفظ أسانيده ومعرفة رجالها وتمييز صحيحها من سقيمها واعتبر هذا القسم منتهيا ، والثالث جمعه وكتابته وسماعه وطلب العلو فيه والرحلة الى البلدان،وعد الاشتغال به غير لازم (24) . وصنفت بعد ذلك تصنيفا مجملا شاملا الى قسمين رئيسيين يشملانها جميعا هما : علم الحديث رواية وعلم الحديث دراية . وخص الأول بنقل أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته ، وخص الثاني بالمباحث المتعلقة بقواعد الرواية . (18) محاسن الاصطلاح وتضمين كتاب ابن الصلاح مخ ورقة 104 ظ وما بعدها رقم 135 دار الكتب الوطنية . (19) هو أحمد بن علي بن محمد الكناني العسقلاني . 1372/773 ت 1449/852 زادت تصانيفه في الحديث والتاريخ والأدب والفقه على مائة وخمسين مصنفا . كحاله ، معجم المؤلفين 2 : 20 (الترقي دمشق 1961/1380) (20) السيوطي ، تدريب الراوي 1 : 53 (21) هو عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد (جلال الدين) السيوطي 1445/849 له مصنفات كثيرة جدات 1505/911 . ابن العماد ، شذرات الذهب 8 : 51 - 55 (بيروت) (22) السيوطي، تدريب الراوي 1 : 54) (23) هو عبد الرحمن بن اسماعيل المقدسي الدمشقي المعروف بابي شامة عالم مشارك 1202/599 ت. 1267/665 - السيوطي، بغية الوعاة 2: 77 - 78 (ط الحلبي 1384 - 1964) (24) السيوطي ، تدريب الراوي 1 : 44 25 قال ابن الأكفاني (25) في كتابه ارشاد القاصد : « علم الحديث الخاص بالرواية علم يشتمل على أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله وروايتها وضبطها وتحرير ألفاظها . وعلم الحديث الخاص بالدراية : علم يعرف منه حقيقة الرواية وشروطها وأنواعها وأحكامها ، وحال الرواة وشروطهم ، وأصناف المرويات وما يتعلق بها (26) . ووضّح السيوطي هذا التعريف فقال : « حقيقة الرواية : نقل السنة ونحوها واسناد ذلك الى من عزي اليه بتحديث أو أخبار وغير ذلك ، وشروطها : تحمل راويها لما يرويه بنوع من أنواع التحمل ، وأنواعها : الاتصال والانقطاع ونحوها وأحكامها : القبول والرد ، وحال الرواة : العدالة والجرح وشروطهم في التحمل وفي الأداء، وأصناف المرويات : المصنفات من المسانيد ، والمعاجم ، والأجزاء ، وغيرها أحاديث وآثارا وما يتعلق بها : هو معرفة اصطلاح أهلها » (27). وقال ابن حجر : علم الحديث هو : « معرفة القواعد المعرفة بحال الراوي والمروي » (28) . فعلم الحديث دراية هو ما كان يسمى بعلوم الحديث وما يسمى بمصطلح الحديث وأيضا علم أصول الحديث وممن سماه بذلك الحازمي في كتابه العجالة (29) ويرى الأستاذ صبحي الصالح (30) أن مباحث هذا العلم كثيرة ومستقلة في (25) هو محمد بن ابراهيم بن ساعد الانصاري السنجاري من كتبه ارشاد القاصد في اسنى المقاصد . ت 1348/749 . ابن حجر ، الدرر الكامنة ، 3 : 367/366 (ط 2 المدني القاهرة (1966/1385 (26) نقلا عن السيوطي تدريب الراوي 1 : 40 ولم أر هذا القول في الكتاب المذكور الموجود مخطوطا بدار الكتب الوطنية رقم 9212 . (27) السيوطي ، تدريب الراوي : 1 : 40 - 41. (28) نفس المرجع : 41 (29) ص : 3 (30) انظر كتابه علوم الحديث ومصطلحه: 108 - 109 26 موضوعها وعندما كثر التصنيف تخصص كل عالم في ناحية فكثرت العلوم المتعلقة بالدراسات التحليلية للحديث وسميت جميعا علوم الحديث وذكر منها ستة هي : علم الجرح والتعديل ، وعلم رجال الحديث ، وعلم علل الحديث وتقدم لنا تعريفها ، وعلم غريب الحديث ويبحث عن بيان ما خفي على كثير من الناس معرفته من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن تطرق الفساد ألى اللسان العربي (31) وعلم مختلف الحديث « ويبحث في الأحاديث التي ظاهرها التناقض من حيث امكان الجمع بينهما ، أما بتقييد مطلقها أو بتخصيص عامها أو حملها على تعدد الحادثة أو غير ذلك » (32) . وعلم ناسخ الحديث ومنسوخه « ويبحث في الأحاديث المتعارضة التي لا يمكن التوفيق بينها إلا من حيث الحكم على بعضها بأنه ناسخ وعلى بعضها الآخر بأنه منسوخ » (33) . وهذا التصنيف استمده الأستاذ صبحي الصالح مما سبقه واكتفى به لاشتمال الأنواع المذكورة على قضايا السند المتمثلة في التعريف بالرجال وجرحهم أو تعديلهم وما به من اتصال وانقطاع وغيرهما » . ومسائل المتن من حيث العلل الراجعة له ، ومن حيث المعنى كاشتماله على الغريب ومن ناحية ثبوت الحكم الشرعي الذي نص عليه أو نسخة فاتصفت هذه الأنواع بالاجمال عددا والشمول محتوى .. ومعلوم أن منطلق هذه المباحث جميعا هو علم الجرح والتعديل فبه يعرف السند ، (31) نفس المرجع : 113 (32) صبحي الصالح ، علوم الحديث: 111، الصنعاني، توضيح الأفكار، 2 : 423 (ط 1 السعادة مصر 1366) (33) صبحي الصالح ، علوم الحديث : 111 27 ويصح المتن ، وبدون ذلك لا يثبت الحديث ، وإذا كنا بدأنا في الكلام عن علوم الحديث منذ عهد الحاكم أبي عبد الله فلأنه استعمل هذا المصطلح ، وأما البحث في مسائلها ، فبدأ منذ الصحابة وتدرج مع الزمن ، ولعل أقدم مرجع موجود دوّن فيه بعضها هو رسالة الامام الشافعي ومن بعده تناثرت في مقدمات بعض الكتب وفي أثناء التعاليق على الأحاديث كبعض كتب السنن كما ألفت الكتب المستقلة في العلل وفي الرجال عامة وفي الجرح والتعديل ، وبهذا يكون الجرح والتعديل واكب علم. الرواية في الظهور مدونا في هذه الكتب وقبل تدوينه منذ النصف الثاني من القرن الأول عند بداية الكلام في الرجال . وأما أول مصنف استوعب جانبا معتبرا من علوم الحديث عامة فهو المحدث الفاصل للقاضي الحسن بن عبد الرحن الرامهرمزي. (34) ومن بعده معرفة علوم " الحديث للحاكم أبي عبد الله النيسابوري ثم استمر التأليف كما أشرنا . (34) توفي الرامهرمزي في حدود 971/360 وكان أيضا أديبا، الحموي ياقوت معجم الأدباء 9: 5 - 17 (دار المشرق بيروت). 28 الفصل الأول قوانين الرواية في عهد الصحابة ان الأسس الأولى لعلم الجرح والتعديل هي ما سنّه الصحابة من مواقف في تلقيهم · الحديث ، وأدائه ، ونقده حرصا على سلامته مما قد يعتريه من تحريف بالتغيير أو النقص أو الزيادة بسبب الخطإ أو النسيان أما العمد فندر أن يقع في النصف الأول من القرن الهجري الأول لقلة أسبابه . ومن المتعين قبل بيان هذه المواقف التعرض لمبحث معرفة الصحابة . معرفة الصحابة زيادة عن أهمية هذا المبحث في تمييز المتصل والمرسل من الحديث لبيان صحته وضعفه فانه يرفع لبسا قد يحصل للمطلع على مواقفهم في الرواية فيظن أن فيها دلالة على جرحهم ، والحال أنها انما تدل على تشريع سنة التثبت في قبول الحديث ، لهذا أردت أن أعرّف بهم ليتميزوا عن غيرهم وأن أبين ثبوت عدالتهم بالكتاب والسنة والاجماع ، ومسألة التفاضل بينهم لأن الافراط في تفضيل بعضهم قد يؤدي الى الكلام في الآخرين فيكون جارحا لصاحبه ، وأذكر أيضا قوانين الرواية عندهم ، والمتكلمين منهم في الرجال . 29 تعريف الصحابي : الصحابة هم مبلغو الشرع عن الرسول صلى الله عليه وسلم إلى من بعدهم فوجب العلم بما يميزهم وما خصهم الله به من العدالة والفضل. وعرّف الصحابي بعدة تعاريف أقدمها ما جاء عن سعيد بن المسيب انه كان يشترط فيه ملازمة النبي سنة أو سنتين والغزو معه غزوة او غزوتين (1). وهو تعريف ضيق يفقد بمتقضاه عدد من الصحابة صفة الصحبة . وقال البخاري في صحيحه « من صحب النبي صلى الله عليه وسلم أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه (2) . وهذا الذي عليه أصحاب الحديث وغالب الأصوليين ، وبعضهم لم يتقيد بظاهر اللغة وراعى ما اعتبره عرفا فخص الصحابي بمن طالت صحیته للرسول صلى الله عليه وسلم وکثرت مجالسته له وأخذ عنه دون من لقیه ساعة وما شابه ذلك (3) . من هؤلاء القاضي محمد بن الطيب (4) إلا أنه يقبل خبر الثقة الأمين ويعمل به وإن لم تطل صحبته ولم يسمع منه صلى الله عليه وسلم إلا حديثا واحدا (5) فهو يؤكد على المعنى العرفي للفظ ، ولا يرتب عليه شيئا آخر كعدم الرواية عمن لم تثبت له عرفيا عنده الصحية ان كان ثقة . وزاد ابن حجر قيدا آخر لتعريف البخاري هو الموت على الاسلام فقال .. (1) الخطيب البغدادي ، الكفاية : 99 (ط السعادة) (2) الجامع الصحيح للبخاري ، 5 : 2 (باب فضائل أصحاب النبي: 1) (الأميرية مصر 1314) (3) الخطيب البغدادي ، الكفاية 99 - 100. البلقيني ، محاسن الاصطلاح 68 ظ - 69 و (4) هو محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر أبو بكر الباقلاني البصري ثم البغدادي 950/338 . اشتغل بالكلام على الطريقة الأشعرية وسمع الحديث والفقه وانتهت اليه رئاسة المالكيين في بغداد ت 1013/403. ابن فرحون، الديباج 267 - 268 (ط 1 السعادة مصر 1329) (5) الخطيب البغدادي ، الكفاية : 100 30 « الصحابي من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنا به ومات على الاسلام » (6). وهذا عام يشمل من طالت مجالسته أو قصرت ، ومن روى عنه أو لم يرو ، ومن غزا أو لم يغز ، ومن لقيه ولم يره كالأعمى ، ويخرج به من لقيه كافرا . طرق اثبات الصحبة : تثبت الصحبة بالتواتر ثم الاستفاضة ثم بشهادة صحابي لآخر بالصحبة وبشهادة الصحابي نفسه بعد ثبوت عدالته ومعاصرته ، وحد المعاصرة مائة سنة وعشر سنين بداية من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم لاعلامه أصحابه قبل موته بشهر فيما ثبت في الحديث بفناء كل الموجودين وقتئذ على رأس مائة سنة من تاريخ قوله : « قال عليه السلام : فوالذي نفسي بيده ما أعلم اليوم نفسا منفوسه يأتي عليها مائة سنة » (7)، ولذلك كذب من ادعى الصحبة بعد ذلك التاريخ (8) ، وكذلك تثبت بقول أحد التابعين . والتثبت في صحة قول مدعي الصحبة لا ينافي الاجماع على عدالة الصحابة لأن ذلك لمن ظهرت صحبته لا لكل من ادعاها فلا يوثق بقول مدعيها إلا إذا كان عدلا ويترتب على هذا أن من جاء الى تابعي مدعيا رؤية النبي والسماع منه لا يروي عنه بمجرد قوله حتى يتبين له أمره إلا أن يأخذ عنه ملاحظا عدم ثبوت صحبته عنده (9) .. وفي صحيح البخاري في باب فتح مكة عن الزهري « أخبرنا سنين أبو جميلة وزعم أنه أدرك النبي صلى الله عليه وسلم وخرج معه عام الفتح » (10) . (6) ابن حجر ، الاصابة : 10/1 (7) مسند الامام أحمد 3 : 326 (المكتب الإسلامي ودار صادر بيروت) (8) نفس المرجع 3 : 14 - 15 : (9) البلقيني ، محاسن الاصطلاح : 70 ظـ (10) البخاري، الجامع الصحيح ، 5 : 191 كتاب المغازي : 53 باب أحاديث أخرى عن الفتح 31 عدالة الصحابة : ليس من التعصب في شيء القول أن عد التهم من الضروريات التي لا تحتاج الى الاثبات لأنهم نقلة الشرع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلو شككنا فيهم لطعنا في مصادر ديننا من ناحية وكذّبنا بالآيات والأحاديث التي عدّلتهم من ناحية أخرى ، قال الله تعالى : « كنتم خير أمة أخرجت للناس » (11) وقال: «وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا » (12). فهل الآيتان خطاب للصحابة أم لعموم المسلمين ؟ الأولى خصها ابن عباس بهم (13) وقال الزجاح قوله « كنتم خير أمة » ظاهر الخطاب فيه مع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ولكنه عام في كل الأمة » (14) والتعميم ريحه أكثر المفسرين بينما مال إلى التخصيص بعضهم ، وأما الثانية فخطاب للموجودين منهم وقتئذ ولكن لا مانع من الحاق غيرهم بهم ممن شاركهم فيما اتصفوا به (15) . وقال الخطيب البغدادي تعقيبا على الآيتين « وهذا اللفظ وان كان عاما فالمراد به الخاص ، وقيل هو وارد في الصحابة دون غيرهم (16) . وأقول اذا لم يرد به خصوص الصحابة فهم أول المعنيين به وأولى من غيرهم في الاتصاف بما ذكر ، وليكن من بعدهم من المسلمين في مثل ما اتصفوا به فذلك المرجو ، واقتصرت على هاتين الآيتين فقط لتعلقهما بموضوع العدالة والا فهناك آيات كثيرة تثني على الصحابة خاصة كالمبينة لفضل المهاجرين والأنصار ولمن أنفق وقاتل قبل الفتح . (11) سورة آل عمران : 110 (12) سورة البقرة : 143 (13) القرطبي ، الجامع لأحكام القرآن 4 : 170 (ط 3 دار الكتاب العربي 1967/1387) (14) الرازى ، التفسير الكبير 8 : 191 (المطبعة البهية مصر) (15) السخاوي ، فتح المغيث 3 : 101 (ط 3 العاصمة القاهرة 1968/1388) (16) الخطيب البغدادي ، الكفاية : 93 ۔ 32 ومن الأحاديث الصحيحة الشاهدة بعد التهم « لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه» (17). وقال صلى الله عليه وسلم : « خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم قال عمران لا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثا ثم إن بعدكم قوما يشهدون ولا يستشهدون ... » الحديث (18) . وقال عليه الصلاة والسلام (« الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضا فمن أحبهم فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فيبغضي أبغضهم ، ومن آذاهم فقد آذاني ، ومن آذاني فقد آذى الله ، ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه (19). وعلق الخطيب البغدادي على هذه الآيات والأحاديث فرأى أنها قاطعة بعدالة الصحابة ونزاهتهم وأنهم بعد تعديل الله تعالى لهم وهو المطلع على بواطنهم لا يحتاجون إلى تعديل أحد من الخلق فعدالتهم تلك مستمرة وقد برأهم الله من ارتكاب ما يطعن فيها ولو لم ينص الله على عدالتهم لكانت حالهم مقتضية لها فقد هاجروا وجاهدوا وبذلوا المال وقاتلوا الآباء والأولاد نصرة للدين ففاقوا بذلك جميع من يأتي بعدهم بقوة إيمانهم وتضحياتهم في سبيله وتدعيمه (20) . هذه هي درجة الصحابة جميعا ولا يستثنى منهم من لابس الفتنة (21) . فهم عدول بالاجماع ولا عبرة بقول من يُنهي عدالتهم بزمن الحروب التي حدثت بينهم فيقسمهم بسببها ويبحث فيهم عن العدل وغيره . وقال الامام النووي بعد أن بين (17) البخاري ، الجامع الصحيح ، 5 : 10 (باب فضائل أصحاب النبي (5) وصحيح مسلم بشرح النووي 16 : 19، كتاب فضائل الصحابة : 221 (18) البخاري، الجامع الصحيح 5 : 10 (باب فضائل أصحاب النبي 5) وصحيح مسلم بشرح النووي 16 : 18 كتاب فضائل الصحابة : 210 (19) الترمذي، عارضة الأحوذي بشرح ابن العربي 13 : 244 كتاب المناقب 22 (20) الخطيب البغدادي ، الكفاية : 96 (21) البلقيني ، محاسن الاصطلاح 70 و 33 أنهم في الفتنة لم يرجحوا أحد الطرفين المتخاصمين « فكلهم معذورون ولهذا اتفق أهل. الحق ومن يعتد به في الاجماع على قبول شهاداتهم ورواياتهم وكمال عدالتهم». (22) واعتبر أبو زرعه الرازي (23) من ينتقصهم زنديقا لأنهم بلغوا الكتاب والسنة ، فمن جرحهم أراد ابطالهما فهو أولى بالجرح . (24) ووصفه بالزندقة مناسب لأن الغرض من جرحهم افساد الدين ، ولابن عبد البر تعليقات على موضوع عدالتهم كقوله « في زمانهم المنافقون المظهرون للايمان ، وأهل الكبائر الذين أقيمت عليهم الحدود » (25) وأثار في كتابه الاستيعاب المسائل الخلافية بينهم ، واستند اليه الصنعاني في كتابه توضيح الأفكار فاستشهد بالوليد بن عقبة لاقامة الحد عليه بسبب السكر ، وبسر بن أبي أرطاة لارتكابه ما أنكر عليه، ولجرحه من ابن معين وذكر أن له حديثين في سنن أبي داود أحدهما في الدعاء والآخر في الأحكام (26) ، وقال ابن حجر أن له حديثا في الطبراني (27) . وفي الاكتفاء بهذين الشخصين تدعيم للاجماع على عدالة الصحابة ، فالأول فرد لا أثر له في الجماعة وقد أثبت ابن حجر ما قيل في شربه الخمر معتمدا على ما جاء في صحيح مسلم لكنه وصف قول ابن عبد البر فيه بالخطل والشناعة وقال: «والرجل - أعني الوليد - قد ثبتت صحبته ، وله ذنوب أمرها الى الله تعالى والصواب السكوت عنه » (28). وأما بسر فأمره أهون للخلاف في صحبته . والملاحظ أن ابن عبد البر في مقدمة كتابه الاستيعاب أثبت عدالة الصحابة جميعا ولكنه في أثناء تراجمهم أثار ما حدث بينهم قال : « فهم خير القرون وخير أمة أخرجت للناس تبتت عدالة جميعهم بثناء (22) شرح صحيح مسلم 15 : 149 (23) سنترجم له في فصل الأئمة من نقاد الحديث (24) الخطيب البغدادي ، الكفاية : 97 . (25) القرطبي ، الجامع لأحكام القرآن 4 : 141 (26) توضيح الأفكار 2 : 436 (27) تهذيب التهذيب 11 : 144 (ط 1 حيدر آباد 1327) (28) تهذيب التهذيب 11 : 144 34 الله عز وجل عليهم وثناء رسوله صلى الله عليه وسلم ولا أعدل ممن ارتضاه الله لصحبة نبيه ونصرته ولا تزكية أفضل من ذلك ولا تعديل أكمل منها » (29). طبقاتهم : أغلب ما يراعى في الطبقات التشابه في السن والأخذ عن المشائخ . وروعي في تقسيم الصحابة السبق الى الاسلام فجعلهم ابن سعد خمس طبقات ، وأوصلهم الحاكم الى اثنتي عشرة : الأولى من أسلموا يمكة وكانوا السابقين الى الاسلام ، والأخيرة الصبيان الذين رأوا النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة وفي حجة الوداع (30) . أفضلهم : وأما أفضلهم على الاطلاق فهذه مسألة ذات ارتباط كبير بعلم الجرح والتعديل لأن من خالف ما اتفقت عليه الجماعة ومال لأحدهم ميلا يدل على ضدية الآخر عد مجروحا ، وكيف لا يجرّح وهذا منشأ الضلالات والبدع ؟ والجمهور ان أفضلهم أبو بكر رضي الله عنه ثم عمر ثم عثمان ثم علي ، وقدم أهل السنة من الكوفيين عليا على عثمان وكان سفيان الثوري (31) على هذا الرأي ثم رجع عنه، ومن استمر عليه من أئمة الحديث ابن خزيمة وممن نقده الدارقطني (32). ومن بعد الخلفاء الأربعة بقية العشرة المبشرين بالجنة ثم من شهد بدرا ثم من حضر بيعة الرضوان بالحديبية ، وممن لهم مزية أهل العقبتين من الأنصار والسابقين الأولين ، وهم من صلى الى القبلتين في قول وأهل بيعة الرضوان في آخر وأهل بدر في ثالث : (29) ج 1 : 2 (30): الحاكم، معرفة علوم الحديث: 22 - 24 . (31) هو سفينان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي 716/97. 778/161 من أئمة الحديث ونقاده بالكوفة سنترجم له فيما بعد . الخطيب البغدادي ، تاريخ بغداد 9 : 151 - 174 (32) انظر ترجمتهما في فصل الأئمة من نقاد الحديث 35 والذين أسلموا قبل فتح مكة (33) قال الله تعالى : « لا يستوى منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى» (34) وعلى هذا الرأي ابن حجر ، فرجح رتبة الصحابي الذي لازم الرسول صلى الله عليه وسلم كثيرا وقاتل معه على من لم يُّصف بهذين وكلمه قليلا أو رآه عن بعد وفي حالة الصغر وان كان شرف الصحبة حاصلا للجميع واعتبر حديث الصحابي الذي لم يسمع منه صلى الله عليه وسلم مرسلا (35) . أکثرهم حديثا : اشتهر بعض الصحابة بكثرة الأحاديث التي رووها لتفرغهم لها وبهذا ينتفي زعم من جعل كثرة الرواية سببا للطعن في المكثرين متجاهلا تعدد أسبابها ، وعند مقارنة عددهم بعدد الصحابة جملة أو الرواة منهم تلاحظ قلتهم فهم ثمانية : اثنان لم تبلغ مروياتهم الألف وستة تجاوزتها . وهم أبو هريرة ، وروى (5364) حديثا ، وعبد الله بن عمر بن الخطاب وله (2630) حديثا ، وأنس بن مالك وعدد ما رواه (2286) حديثا ، وعائشة الصديقة ، وروت (2210) من الأحاديث ، وعبد الله ابن عباس ، وروى (1660) وجابر بن عبد الله ، وعدد ما رواه (1540) حديثا ، وأبو سعيد الخدري وأحاديثه. (1170) وعبد الله بن مسعود وجملة مروياته (848) حديثا ، وعمرو بن العاص وروى (700) من الأحاديث (36). أکثرهم فتوى : نقلت الفتوى عن عدد منهم صنفوا إلى مرتبتين في الأولى سبعة هم : عمر بن (33) شاكر أحمد محمد الباعث الحثيث : 148 (ط 3 محمد علي صبيح). (34) سورة الحديد : 10 (35) نخبة الفكر : 46 (كلكته 1862) (36) السخاوي فتح المغيث 3 : 107 - 108 36 الخطاب ، وعلي بن أبي طالب ، وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر ، وعبد الله بن عباس ، وزيد بن ثابت ، وعائشة وفيهم أربعة من المكثرين في الرواية . وفي الثانية عشرون منهم : أبو بكر ، وعثمان ، وأبو موسى الأشعري وأبو هريرة وغيرهم (37). والذين كان لهم اتباع في الفقه ينشرون فتواهم عبد الله بن مسعود ، وزيد بن ثابت ، وعبد الله بن عباس ، فهم كأصحاب المدارس . منهج الرواية بدا هذا المنهج في مواقف الصاحبة من الرواية وتمثل في التقليل منها عند الأداء ، والثثبت فيها عند التلقي ، والنقد حين السماع ، وهي مواقف تظهر متشابهة وببيانها يتضح الفرق بينها . التقليل من الرواية . المتتبع للآثار المنقولة عن الصحابة رضي الله عنهم يجد كثيرا منها ناطقا بشهادتهم على أنفسهم بالتقليل من الرواية ، ومنهم من صرح بالسبب ومن نقل عنه سكوته دون تعليل كعبد الله بن عمر الذي جالسه الشعبي (38) سنة فلم يحدثه شيئا ، وسعد ابن مالك (39) الذي سافر من مكة إلى المدينة فلم يتحدث بشيء (40) أما عبد (37) البلقيني، محاسن الاصطلاح: 71 ظ. والسخاوي، فتح المغيث 3 : 107 - 108 (38) هو عامر بن شراحيل (أبو عمرو) قاضي الكوفة تابعي جليل ت 723/105 . أخذ عن جرير بن عبد الله وعمران بن حصين ، وعنه الأعمش وأبو حنيفة الذهبي ، تذكرة الحفاظ 1 : 79 (دار إحياء التراث العربي) (39) هو سعد بن أبي وقاص أحد العشرة المبشرين بالجنة وأحد الستة أصحاب الشورى الذين اختارهم عمر بن الخطاب لاختيار الخليفة من بعده ت 675/55 . ابن الأثير الجزري ، أسد الغابة 2 : 290 - 293 (المكتبة الاسلامية طهران) . (40) سنن ابن ماجة 1: 12 تصحيح محمد فؤاد عبد الباقي (الحلبي)، المقدمة : 29 37 الله بن مسعود فذكر عنه عمرو بن ميمون (41) أنه كان يلاقيه عشية كل يوم خميس فلا يسمعه يحدث ، وحدّث يوما فطأطأ رأسه وبكى (42) . وكان في حالة تجاوزت الخشوع الى الذهول تعظيما للحديث وهو ما دفعه الى التقليل من روايته . وأما أنس بن مالك فخوف الخطإ هو الذي جعله يقلل قال « لولا أني أخشى أن أخطىء لحدثتكم بأشياء سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم أو قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك أني سمعته يقول من كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار » (43) . وفي أثر آخر عنه يرى أن ما يمنعه من اكثار التحديث هو الخوف من أن يشمله وعيد الرسول صلى الله عليه وسلم الكاذبين عليه قال « إنه يمنعني أن أحدثكم حديثا كثيرا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « من تعمد علي كذبا فليتبوأ مقعده من النار » (44) والسبب نفسه حمل الزبير بن العوام على قلة التحديث رغم ملازمته · الرسول منذ أن أسلم ، وكلمة الكذب وان جاءت في رواية أنس مقرونة بالعمد فانها في رواية الزبير مطلقة « من كذب علي فليتبوأ مقعده من النار (45) والتحذير من الكذب دفع الصحابة الى التحري انطلاقا من التقليل . .(41) هو عمرو بن ميمون الأودي من كبار التابعين ومن المخضرمين ت 693/74 . ابن الأثير الجزري ، أسد الغابة 4 : 134 (42) سنن ابن ماجة 1 : 10 - 11 ، المقدمة 23 (43) سنن الدرامي 1: 76 - 77 الاعتدال دمشق 1349) ونص الحديث عند البخاري في كتاب العلم 16 ومسلم بشرح النووي 1 : 66 المقدمة : 2 وأحاديث النهي عن الكذب على الرسول متواترة المعنى وقد جمعها الملا على القارىء في الأسرار المرفوعة ص 4 - 40 وذكر مواطن ذكرها في كتب الحديث (دار الأمانة ومؤسسة الرسالة بيروت 1971/1391) وانظر المعجم المفهرس لالفاظ الحديث 5 : 549 (44) سنن الدارمي 1 : 76 - 77 (45) صحيح البخاري 1 : 38 اب العلم 16 38 ومنهم من لاحظ خطأ الآخرين سهوا فخاف أن يقع في مثل ما وقعوا فيه . قال .. عمران بن حصين (46): « والله ان كنت لأرى أني لو شئت لحدّثت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يومين متتابعين ولكن بطأني عن ذلك ان رجالا من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم سمعوا كما سمعت وشهدوا كما شهدت ويحدثون أحاديث ما هي كما يقولون وأخاف ان يشبّه لي كما شبه لهم فأعلمك انهم كانوا يغلطون لا أنهم كانوا يتعمدون » (47) . وهذا الأثر نسب فيه الخطأ إلى الصحابة من قبيل السهو لا العمد وهو لا يتنافى مع عدالتهم فلا يشك في مرويات بعضهم لأن يقظة الآخرين كانت حائلا دون تفشي الخطإ . ومنهم من قُلّل التحديث لما رابه من سلوك بعض الناس بعد حدوث فتنة مقتل عثمان رضي الله عنه قال عبد الله بن عباس: ( إنا كنا نحدّث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم اذ لم يكن يكذب عليه فلما ركب الناس الصعب والذلول تركنا الحديث عنه » (48) . ومن قبل هذا التاريخ توقع عمر رضي الله عنه ما قد ينجم عن كثرة الرواية فحذر منها قال ابن قتيبة (49) «كان عمر شديد الانكار على من أكثر الرواية أو أتى بخبر في الحكم لا شاهد له عليه وكان يأمرهم بأن يقلوا الرواية يريد بذلك الا يتسع الناس (46) أسلم عمران عام خيبر وغزا مع الرسول صلى الله عليه وسلم وبعثه عمر الى البصرة ليفقه أهلها وكان من فضلاء الصحابة ت 672/52 ابن الأثير الجزري ، أسد الغابة 2 : 147 - 148 . (47) ابن قتيبة، تأويل مختلف الحديث: 40 (دار الجبل بيروت .1973/1393) (48) صحيح مسلم بشرح النووي : 1 : 40 المقدمة : 4 (49) هو عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري عالم بالنحو واللغة وغريب القرآن وغريب الحديث . من كتبه عيون الأخبار 628/213 ت 889/276 ابن الجوزي ، المنتظم ق 2 ج 5 : 102 (حيدر آباد 1357) 39 فيها ويدخلها الشوب ويقع التدليس والكذب من المنافق والفاجر والأعزابي » (50) ما استشهدنا به سابقا أقوال الصحابة تصف مواقفهم وما ذكره ابن قتيبة محكي عن . عمر وليس قوله ولكنه مدعم بما سنذكره عنه من موقفه في قبول الرواية وبما ورد عن أبي هريرة عندما سئل أكنت تحدث في زمان عمر هكذا - أي بهذه الكثرة - ؟ فقال « لو كنت أحدث في زمان عمر مثل ما أحدثكم لضربني بمخفقته » (51) . هذا تأكيد للشدة المنسوبة اليه ونتيجة من نتائجها تمثّلت في تقليل أبي هريرة وهو من المكثرين . والمتأمل فيما نسب إلى عمر يلاحظ أن موقفه اتسم بالشدة المدعمة بالانكار على رأي ابن قتيبة وأنه موجه ضد المكثرين من التحديث وضد الذين يدلون بأخبار في . الحكم لا مدعم لها ، وأنه أيضا تضمن الأمر بالاقلال من الرواية وأن غاية ذلك : ضبط الأحاديث ومعرفتها حتى لا يخالطها ما ليس منها مما يدسه أحد الأصناف الثلاثة المذكورين ، والذين وجد الصنف الأول منهم منذ عهد الرسول ، ولا يستغرب وجود الثاني من غير الصحابة وبالأخص بعدما وقعت حروب الردة ، وأما الصنف الثالث فیقصد به الذين أسلموا ولما یتمکن الايمان من قلوبهم فقد یحدثون ولا یتحرون إذ أن لفظة الأعراب (52) أطلقت على من أسلموا طمعا في الصدقات ، والأصناف (50) تأويل مختلف الحديث : 49 (51) الذهبى ، تذكرة الحفاظ 1 : 7 (52) جاء في لسان العرب 2 : 723 : الأعرابي نسبة إلى الأعراب : البدوي سواء كان من العرب أو من مواليهم ، قال تعالى : « قالت الإعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا » وهؤلاء قوم من بوادي العرب قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة طمعا في الصدقات لا رغبة في الاسلام فسماهم الله الاعراب ومثلهم الذين وصفهم الله في سورة التوبة بكونهم («أشد كفرا ونفاقا). وكان من رجع بعد الهجرة إلى موضعه من غير عذر يعدونه کالمرتد وفي فتح الباري (13 : 41) : التغرب السكني مع الاعراب وهو أن ينتقل المهاجر. من البلد التي هاجر منها فيسكن البدو فيرجع بعد هجرته أعرابيا وكان اذ ذاك محرما إلا إذا أذن له الشارع . . 40 الثلاثة لم يتمكنوا في زمن عمر من الوضع لأن مثل حزمه يمنعهم من ذلك ولأن الأسباب الداعية للوضع غير متوفرة وقتئذ . ونقل عنه خبران آخران يتعلق أحدهما بوصية وفده الى الكوفة بتقليل الحديث لئلا يشغلوا أهلها عن قراءة القرآن قال : « انكم تقدمون على قوم للقرآن في صدورهم هزيز كهزيز المرجل فإذا رأوكم مدوا اليكم أعناقهم وقالوا أصحاب محمد فاقلوا الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا شريككم» (53) . وفي رواية أخرى قال قرظه : « فما حدثت بعده حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم » (54) وغاية الأمر بالاقلال كما أشرنا عدم إشغال الناس عن حفظ القرآن والأثر الآخر المنقول عنه يفيد أنه تجاوز الأمر بالقول الى التطبيق العملي بمنع بعض الصحابة من التحديث فقد بعث إلى عبد الله بن مسعود والى أبي الدرداء. (55) وإلى أبي مسعود الأنصاري (56) فقال: « ما هذا الحديث الذي تکثرون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فحبسهم بالمدينة حتى استشهد (57) وعلل الخطيب (58) تشدد عمر على الصحابة في كثرة الرواية بأنه من أجل الاحتياط للدين لئلا يعمل المسلمون بظاهر الأحاديث التي ليست على ظاهرها (53) سنن ابن ماجة 1 : 12 ، المقدمة : 28 (54) الخطيب البغدادي ، شرف أصحاب الحديث : 88 (أنقرة 1971) (55) هو عويمر بن عامر، وقيل ابن قيس وقيل ابن ثعلبة الصحابي الأنصاري ت 32 أو 653/33 أحد حفاظ القرآن في عهد الرسول ومن أفاضل الصحابة وفقهائهم ابن الأثير الجزري ، أسد الغابة 160 - 159 : 4 (56) هو عقبة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاري البدري مشهور بكنيته ت 41 أو 662/42 وقيل بعد ذلك. ابن الأثير الجزري ، أسد الغابة 5 : 296 (57) الخطيب البغدادي ، شرف أصحاب الحديث : 87 (58) هو أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي له مؤلفات كثيرة هي عمدة علماء الحديث من بعده منها تاريخ بغداد . 1002/392 - 1071/463، العش يوسف ، الخطيب البغدادي مؤرخ بغداد ومحدثها (دمشق 1945/1364) 41 فتحمل على غير معناها ، واستشهد على ذلك بحديث معاذ الذي أمره الرسول بأن لا يحدث به خوفا من اتكال الناس على ما جاء فيه وتراخيهم عن العبادة وعمل البر ، قال معاذ : « كنت ردف رسول الله صلى الله عليه وسلم على حمار له يقال له عفير ، فقال : « يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله »؟ فقلت « الله ورسوله أعلم » قال : حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا ، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به » قلت : « أفلا أبشر الناس » قال : « لا فيتكلوا » (59) . فقياسا على هذا يجوز التقليل من التحديث لا سيما بمثل هذا الحديث ، ورأى الخطيب أن غاية عمر هي حفظ الحديث وتخويف من لم يكن من الصحابة أن يدخل في السنن ما ليس منها لأنه ان رأى التشديد على الصحابي كان جديرا به أن يخاف ويجتنب الكذب على الرسول (60) . وتعرض ابن عبد البر (61) الى مسألة نهي عمر عن الاكثار من الرواية دون أن يذكر الأثر المتعلق بمنع بعض الصحابة من التحديث أو سجنهم في بعض الروايات . فعقد بابا بعنوان « ذكر من ذم الاكثار من الحديثِ دون التفهم له والتفقه فيه» (62).، رد فيه على من زعم أن أقوال عمر تدل على زهده في السنة فأورد جملة من آراء أهل العلم ملخصها : أن النهي اختص بمن لم يحفظوا القرآن وخشي عليهم. الاشتغال. بالحديث دونه وأنه كان عما لا يفيد حكما ولا يكون سنة ، وتعرض للذين (59) الخطيب البغدادي ، شرف أصحاب الحديث : 89 ، ومثل نهاية هذا الحديث نهاية: حديث عند البخاري في كتاب العلم : 49 وفيه زيادة « وأخبر بها معاذ عند موته تأثّما » (60) الخطيب البغدادي شرف أصحاب الحديث : 91 (61) هو يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر الأندلسي (أبو عمرو) من علماء الحديث 979/368 ت 1071/463. له عدة مؤلفات . الضبي ، بغية الملتمس 344 - 346 (مجريط 1885) . (62) جامع بيان العلم وفضله ، 2 : 120 (المكتبة العلمية المدينة المنورة) 42