النص المفهرس
صفحات 401-420
الناقد ما يشير إلى أنه لم يخبره جيداً، كما في قول أبي داود: ((قلت لأحمد: کیف حدیث عبدالحميد - يعني ابن سليمان؟ قال: ما أدري، إلا أنه ما أرى كان به بأساً، وكان مكفوفاً، وكان ينزل مدينة أبي جعفر))(١). وعبدالحميد هذا اتفق النقاد على تضعيف حديثه(٢). وقال ابن معين في محمد بن القاسم الأسدي: ((ثقة، وقد كتبت عنه))(٣). وجمهور العلماء على تضعيف حديثه، بل كذبه أحمد، والدار قطني (٤)، وخرج المعلمي توثيق ابن معين له على أنه - وأمثاله ممن لقيهم ابن معين فقواهم وليسوا كذلك - قد استقبل ابن معين بأحاديث صحيحة، فظن أن حديثه مستقيماً(٥)، وهذا هو معنى ما ذكرت آنفاً من أن الإمام قد يظن أنه خبر الراوي، ولا يكون كذلك. : (١) «سؤالات أبي داود)) ص٢٢٠. (٢) ((تهذيب التهذيب)) ١١٦:٦. ((الجرح والتعديل)) ٦٥:٨ . (٣) (العلل ومعرفة الرجال)) ١٧١:٢، و((الضعفاء والمتروكون)) ص٣٤٨، و((تهذيب (٤) التهذیب)» ٤٠٧:٩. (٥) ((التنكيل)) ص٦٩. وانظر نماذج أخرى لتفردات بعض النقاد في: ((علل المروذي)) ص٦٧-٦٨، و(سير أعلام النبلاء)» ١٩١:٦، ٣٦١، و(تهذيب التهذيب)) ٤٨٩:١ ترجمة (بكير بن الأخنس)، و٧: ٣٧٥ ترجمة (علي بن المبارك)، و٣٣٢:٨ ترجمة (القاسم بن مالك)، و١٠٣:٩ ترجمة (محمد بن الحسن الصنعاني) و١١: ٢٨٩ ترجمة (يحيى بن المهلب). ٤٠١ المبحث الرابع دلالة النص من المهم جداً بالنسبة للناظر في أقوال النقاد أن ينعم النظر في النصوص المنقولة عنهم، بحيث يضع النص في موضعه المناسب ويأخذ منه دلالته المناسبة لا يزيد ولا ينقص، بقدر الإمكان. وهو محتاج لهذا النظر في غالب ما ينقل عن النقاد، وعليه فالتأكد من دلالة النص أهم ضوابط النظر في أقوال النقاد، وإنما أخرته لأن الباحث - باستخدامه للضوابط الثلاثة الماضية - قد يستغني عنه، ويفرغ من النص ابتداء قبل النظر في دلالته، كأن يجزم مثلاً بعدم ثبوته عمن نسب إليه، أو كونه وقع فيه تحريف، أو سقط منه شيء، أو أن قائله لا يعتمد عليه في النقد، أو ظهر منه التحامل، ونحو ذلك. والنظر في دلالة النص وماذا يفيد يتقدمه شيئان مهمان، أحدهما: النظر في النص من جهة كونه قصد به الجرح أو التعديل، أو لم يقصد به ذلك، ومعنى هذا أن هناك نصوصاً يذكرها بعض الأئمة الذين جمعوا أقوال النقاد، وكذلك بعض الباحثين - يذكرونها في معرض سرد أقوال النقاد في الراوي جرحاً أو تعديلاً، وهي عند التمعن في ذلك لا صلة لها بالجرح والتعديل، تتعلق بأمور أخرى في الراوي أو المروي، وقد تقدم نماذج لذلك في المبحث الثاني (سلامة النص) في الكلام على حكاية أقوال النقاد حسب فهم الناقل لنقدهم. ومن ذلك أيضاً أن أحد الباحثين ذكر قول أبي بكر بن عياش: ((كان الأعمش إذا حدث ثلاثة أحاديث قال: قد جاءكم السيل، يقول ٤٠٢ أبو بكر: وأنا مثل الأعمش)) (١)، وقول محمد بن عبيد الطنافسي: ((أكثر ما سمعت من الأعمش في مجلس واحد تسعة أحاديث، أو أحد عشر حديثاً، وذلك أنه أتاه عمر الثوري - أخو سفيان - فانبسط إليه، ثم قال: ما هذا السيل؟))(٢)، وفسر الباحث هذا على أن الأعمش يمدح نفسه بقوة الحفظ . وما ذهب إليه الباحث ليس هو المراد من النصين، وإنما المراد بيان عسر الأعمش في الرواية، فكان لا يحدثهم في المجلس الواحد إلا بحديث أو حديثين، فإذا زاد على ذلك عدَّه سيلاً جارفاً، وعسر الأعمش في الرواية أمر مشهور(٣). وذكر الباحث أيضاً قصة أخرى للأعمش مع أصحابه، فهم منها أن الأعمش يمدح نفسه بقوة الحفظ وتميزه عليهم، فذكر ما رواه عثام بن علي قال: ((قيل للأعمش: ألا تموت فنحدث عنك؟ فقال: كم من حُبّ أصبهاني قد انكسر على رأسه كيزان كثيرة)»(٤). والمعنى الصحيح للنص أن أصحاب الأعمش تمنوا - على سبيل المداعبة - أن يموت الأعمش فيحدثون عنه، لأنه ما دام حياً فالطلاب سيقصدونه هو، فإذا مات احتاجوا لتلامذته فرووا عنهم، فداعبهم هو بأن هذا لن يتحقق لهم، وسيعمر هو ويموتون قبله، وضرب لهم المثل الذي ذكره. ((الجامع الأخلاق الراوي)) ١ :٢٠٧. (١) (٢) ((ثقات العجلي)) ٤٣٢:١. انظر: الجامع لأخلاق الراوي)» ٢٠٧:١-٢٠٨. (٣) ((سير أعلام النبلاء)) ٢٣٥:٦ . (٤) ٤٠٣ وذكر أحد الباحثين - وهو يتكلم عن المرتبة الثانية من مراتب التعديل - ما نصه: ((قولهم: فلان يجزىء - أي أنه يكفي بمفرده، وتقوم به الحجة، لا سيما إن قاله أحد المتعنتين، وإن كان يحتمل أعلى من ذلك، فقد قال شعبة: فلان عن فلان مثله لا يجزىء، وسفيان الثوري يجزىء. (النبلاء ٢١٧/٧)، وهذا اللفظ بمفرده أقل أحواله المرتبة الثالثة، ويكون بمعنى لا بأس به، ولكن عند الإطلاق فمحله هنا، والله أعلم)). كذا قال الباحث، وقد أبعد النجعة جداً في فهم المراد من النص، فالنص لا علاقة له بالجرح والتعديل، والباحث تصرف فيه ليوافق ما فهمه منه، فهو هكذا في ((النبلاء)): ((قال وكيع: قال شعبة: فلان عن فلان مثله لا يجزىء، وقال سفيان الثوري: یجزىء)). ومعنى النص أن شعبة يرى أن الراوي إذا روى حديثاً بإسناده، ثم رواه بإسناد آخر لا يجزىء أن يقول في المتن: مثله، أي مثل الحديث السابق، بل عليه أن يسوق المتن للإسناد الثاني أيضاً، وأما سفيان الثوري فيرى أنه يجزئه أن يقول: مثله(١). وعكس ما تقدم، أن يكون النص دالاً على جرح أو تعديل ثم يخرجه من ينظر فيه عن دلالته إلى معنى آخر، مثال ذلك أن أحد (١) وكذا غلط من فهم من النص أن شعبة لا يجزىء عنده الإسناد المعنعن، بل لابد من التصريح بالتحديث، وسفيان تجزىء عنده العنعنة، والصواب في معنى النص ما ذكرته أعلاه، وقد جاء عنهما بألفاظ مختلفة توضح المراد، انظر: ((العلل ومعرفة الرجال)» ٤٥٥:٢، ١٦٩:٤، و((المحدث الفاصل)) ص٥٩٠، و((الكفاية)) ص٢١٢-٢١٣، و((التمهيد)) ١٢:١-١٣، و((شرح علل الترمذي)) ٥٨٧:٢، و((موقف الإمامين البخاري ومسلم من الإسناد المعنعن، ص٧٧ . ٤٠٤ الباحثين علق على النص التالي: ((حضرت ... يعرض عليه الحديث عن مشايخه، فعرض عليه حديث عن سفيان بن وكيع، فأبى أن يسمعه)) - علق عليه بقوله: ((وهذا يعني ترك رواية ذلك الحديث لسقوطه وضعفه الشدید» . كذا قال الباحث، فرَّغ النص من مضمونه الحقيقي إلى شيء آخر، فما قاله غير مقصود من النص، فقد يكون الحديث صحيحاً محفوظاً، وإنما الغرض منه أن هذا الإمام قد ترك التحديث عن سفيان بن وكيع لضعفه الشديد عنده، فالمقصود الراوي لا المروي. وقد يواجه الباحث اختباراً صعباً في عبارات وردت عن النقاد؛ إذ يقع اختلاف بين بعض النقاد ممن تأخر عنهم في تفسير كلماتهم، هل أرادوا بها جرحاً أو تعديلاً، أو ليس كذلك؟ مثال ذلك أن الذهبي قال في ترجمة عمارة بن غزية: ((ذكره العقيلي بثقاته (كذا في النسخة) في كتاب الضعفاء، وما قال فيه شيئاً يلينه أبداً، سوى قول ابن عيينة: جالسته كم مرة فلم أحفظ عنه شيئاً، فهذا تغفل من العقيلي، إذ ظن أن هذه العبارة تليين، لا والله)) (١)، ونقل هذا ابن حجر عن الذهبي(٢). وما ذكره الذهبي محتمل، ويكون ابن عيينة أراد بيان واقع الحال، وأنه لم يقدر له أن يسمع منه شيئاً في مجالسته له، لكن لكلمة ابن عيينة تكملة عند العقيلي، يحتمل أن يكون العقيلي أرادها، فروى بإسناده عن علي بن المديني قال: ((قلت لسفيان: كنت جالست عمارة بن غزية؟ (١) ((الميزان)) ١٧٨:٣. (٢) ((تهذيب التهذيب)) ٤٢٣:٧. ٤٠٥ قال: نعم، جالسته كم من مرة، فلم أحفظ عنه شيئاً، ثم قال لي سفيان: إيش روى؟ قلت: ابن أبي سعيد الخدري، عن أبيه، قال: ((من سأل وله أوقية))(١)، قال سفيان: هذا؟ وحدثناه عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار))(٢). فيحتمل أن يكون العقيلي أخذ من سوق سفيان للحديث عن زيد بن أسلم أن سفيان ينقد عمارة بن غزية في ذكره هذه اللفظة في حديث أبي سعيد، فحدث سفيان بحديث أبي سعيد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد(٣)، والحديث له طرق كثيرة جداً إلى أبي سعيد في ((الصحيحين)) وغيرهما وليس فيه هذه الجملة (٤). وبعد أن كتبت هذا تبين لي أمر آخر في مراد سفيان في تعليل رواية عمارة بن غزية، فالأقرب أنه يريد أن هذه الجملة إنما تحفظ من حديث زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار مرسلاً، فحدث به سفيان كذلك(٥)، وهذا المرسل قد رواه مالك، وسفيان الثوري، وهشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن رجل من بني أسد في قصة له(٦)، فهذا هو الإسناد المعروف لهذه الجملة. (١) أخرجه أبو داود حديث (١٦٢٨)، والنسائي حديث (٢٥٩٤)، وأحمد ٧:٣، ٩، وتتمته: ((فقد ألحف)». (٢) ((الضعفاء الكبير)) ٣١٥:٣. (٣) وأخرجه أحمد ٤٧،١٢:٣ من طريق هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم. ينظر: ((مسند أحمد)) تحقيق شعيب الأرناؤوط حديث (١٠٩٨٩، ١١٠٠٥، (٤) ١١٤٠٠-١١٤٠٢، ١١٨٩٠-١١٨٩١) وتخريجها. (٥) وأخرجه عن سفيان أيضاً ابن أبي شيبة ٢٠٩:٣. (٦) (موطأ مالك)) ٩٩٩:٢، و((سنن أبي داود)) حديث (١٦٢٧)، و((سنن النسائي)) حديث (٢٥٩٥)، و((مسند أحمد)) ٤٣٠:٥، و((الأموال)) لأبي عبيد حديث (١٧٣٥). ٤٠٦ وهذا كله في تفسير مراد سفيان بالإسناد الذي ذكره، وأن العقيلي فهم منه غمز سفيان لعمارة، وهو فهم قريب، وأما تحميل الخطأ عمارة بن غزية فهذا يحتاج إلى نظر آخر ليس هنا مجال ذكره. الثاني: نصوص أئمة النقد في الرواية - وكذا في الأمور الأخرى المتعلقة بنقد السنة - يجب فهمها وتنزيلها على أساس مصطلحاتهم هم، لا على أساس آخر، كالرجوع بها إلى أصل اللغة، ونحو ذلك، فإن لم تكن الكلمة ضمن مصطلح عام فتفسر بمساعدة قرائن الأحوال، مع التأني الشديد في التفسير، وتقليب الكلمة مرات عديدة، حتى يحصل الاطمئنان للمعنى الذي فهم منها. وإنما قلت ذلك لأن القضية مزلة قدم، فربما تصدى بعض الناظرين في كلام النقاد لتفسير كلامهم فنقلوه من الجرح إلى التعديل، أو العكس، أوفسروه بما هو جرح شديد، وليس كذلك، وقد تقدم في قضية حكاية أقوال النقاد في المبحث الثاني (سلامة النص) نماذج لهذا. ومن ذلك أيضاً أن ابن القطان ذكر قول مالك في شعبة مولى ابن عباس: ((ليس بثقة))، ثم عقبه بقوله: ((مالك لم يضعفه، وإنما شح عليه بلفظة ((ثقة))، وقد كانوا لا يطلقونها إلا على العدل الضابط ، كما قال ابن مهدي: حدثنا أبو خلدة، فقيل له: كان ثقة؟ قال: بل الثقة شعبة وسفيان، ففرق بين الثقة وغيره، ويظهر من أقوالهم في هذا أن هذه اللفظة إنما تقال لمن هو في الطبقة العليا من العدالة، وربما قالوا أيضاً: ليس بثقة للضعيف أو المتروك، فإذن هو لفظ يتفسر مراد مطلقه بحسب حال من قيل فيه ذلك))(١). (١) ((بيان الوهم والإيهام)) ٣٢٥:٥، وقد سقط من النص عبارات أكملها المحقق. ٤٠٧ فقوله: ((وربما قالوا أيضاً ... )) يفهم منه أن أكثر ما يعنون بعبارة ((ليس بثقة))، أنه لم يبلغ الدرجة العليا من الثقة، أو في أقل الأحوال يفهم منه ورود ذلك عنهم بكثرة، وما قرره ابن القطان محل تعقب، فهذا إن كان سائغاً لغة فالاصطلاح بخلافه، كما قال ابن حجر بعد أن أورد أول كلام ابن القطان: «هذا التأويل غير سائع، بل لفظة ليس بثقة في الاصطلاح توجب الضعف الشديد ... ))(١). وما قرره ابن حجر ظاهر جلي، فإن كانت هذه العبارة غير لائقة بحال شعبه مولى ابن عباس فلابد من البحث عن مخرج آخر غير ما ذهب إليه ابن القطان. وذكر ابن القطان أيضاً قول أبي حاتم في سعد بن سعيد الأنصاري: ((مود))، ثم قال: ((واختلف في ضبط هذه اللفظة، فمنهم من يخففها، أي هالك، ومنهم من يشددها ، أي حسن الأداء))(٢). كذا قال ابن القطان، ووافقه عليه جماعة من الأئمة والباحثين(٣)، وظاهر جداً أن ابن القطان ذهب إلى معناها من جهة اللغة، فراح يفسرها به، غير أن معناها الاصطلاحي غير ما ذكره، وقد شرح ابن أبي حاتم مراد والده حين نقل عنه هذه اللفظة، قال ابن أبي حاتم: ((سمعت أبي يقول: سعد بن سعيد الأنصاري مؤدي، قال أبو محمد: يعني أنه كان لا يحفظ، يؤدي ما سمع))(٤). «تهذيب التهذيب)» ٣٤٧:٤. (١) (٢) ((بيان الوهم والإيهام)» ٣: ٣٤. ((الميزان)) ٢: ١٢٠، و((تهذيب التهذيب)) ٤٧١:٣، و((فتح المغيث)) ١٢٨:٢. (٣) ((الجرح والتعديل)) ٤: ٨٤. (٤) ٤٠٨ ويظهر من نصوص أخرى زيادة إيضاح لتفسير ابن أبي حاتم للكلمة، وأن معناها أنه ليس بحافظ لحديثه، وإنما اعتماده على كتابه، قال أبو داود: ((قلت لأحمد: عقيل - هو ابن خالد - عندك أكبر من يونس - هو ابن يزيد الأيلي _؟ قال: لا أدري، عقيل ، ویونس يؤدون الألفاظ، معمر كان يحفظ الألفاظ، لا يؤدي))(١). وذكر إسحاق بن هانىء أن أحمد سئل عن أصحاب الزهري فقدم مالكاً، وبعده معمر، ثم سئل عن يونس، وعقيل، فقال: ((هؤلاء يحدثون من كتاب، وكان معمر يحدث حفظاً فيحذف منها - من الأحادیث -، وكان أطلبهم للعلم))(٢). وقال أبو طالب: ((سئل أحمد: أيما أثبت شريك، أو إسرائيل؟ قال: إسرائيل، كان يؤدي ما سمع، كان أثبت من شريك، قلت: من أحب إليك: يونس، أو إسرائيل في أبي إسحاق؟ قال: إسرائيل، لأنه صاحب كتاب))(٣). ونقل نحوه عن أحمد أيضاً الفضل بن زياد (٤). وقال أبو داود : ((قلت لأحمد: إسرائيل أحب إليك أو شريك؟ قال: إسرائيل إذا حدث من كتابه لا يغادر، ويحفظ من كتابه))(٥). ((سؤالات أبي داود)) ص٢٦٩ . (١) ((مسائل إسحاق)) ٢٠٧:٢، وانظر: ٢٣١:٢، و((المعرفة والتاريخ)) ٢٠٠:٢-٢٠١. (٢) (٣) ((الجرح والتعديل)) ٣٣١:٢. ((المعرفة والتاريخ)) ١٦٨:٢، ١٧٤، و((تاريخ بغداد)) ٧ :٢٣. (٤) ((سؤالات أبي داود)) ص٣١١، و((تاريخ بغداد)) ٢٣:٧، و((تهذيب الكمال)) (٥) ٢: ٥٢٠، وقول أحمد: ((ويحفظ من كتابه)) - يحتمل أن يريد به التحديث من الكتاب، ويحتمل أن يريد به أنه حفظ بعد من الكتاب، فقد نصوا على أن إسرائيل = ٤٠٩ وقال أبو حاتم في محمد بن جعفر غندر: ((كان صدوقاً، وكان مؤدياً، وفي شعبة ثقة))(١). ومحمد بن جعفر قد قواه الأئمة جداً في كتابه، وخاصة في شعبة(٢) . فظهر مما تقدم أن التأدية مصطلح خاص عندهم لمن لا يحفظ، ويحدث منه كتابه. وذكر ابن الأثير عن الشافعي أنه قال: ((كان مجالد يجلد))، ثم قال ابن الأثير: ((أي كان يتهم ويرمى بالكذب، وقيل: فلان يجلد بكل خير: أي يظن به، فكأنه وضع الظن موضع التهمة)) (٣). ونقل هذا عن ابن الأثير أحد الباحثين، وأيده بما رواه عمرو بن علي قال: ((سمعت يحيى بن سعيد يقول لعبدالله: أين تذهب؟ قال: إلى وهب بن جرير أكتب السيرة - يعني عن مجالد - قال: تكتب كذباً كثيراً، لو شئت أن يجعلها لي مجالد كلها عن الشعبي، عن مسروق، عن عبد الله - فعل))(٤). وبنى الباحث على ما تقدم أن ما وقع عند ابن حبان تصحيف، حيث روى بإسناده إلى حرملة بن يحيى قال: ((سمعت الشافعي يقول: الحديث عن حرام بن عثمان حرام، والحديث عن مجالد يجالد كان لا يحفظ، ثم حفظ بعد، كما في ((تاريخ الدوري عن ابن معين)) ٢٩:٢، وهذه طريقة لبعض الرواة غير سريعي الحفظ. (١) ((الجرح والتعديل)) ٢٢١:٧. ((المعرفة والتاريخ)) ١٥٦:٢-١٥٧، و((تهذيب التهذيب)) ٩٦:٩. (٢) ((النهاية)) ١ :٢٨٥. (٣) (الجرح والتعديل)) ٣٦١:٨، و((تهذيب الكمال))، وفيه: ((يقول لعبيدالله)). (٤) ٤١٠ الحديث، وعن أبي العالية الرياحي رياح))(١)، يعني أن الصواب ما ذكره ابن الأثير: «کان مجالد یجلد». وظاهر جداً أن ابن الأثير فزع إلى اللغة لتفسير كلمة الشافعي كما وصل إليه لفظها، دون النظر في قرائن الأحوال، فإذا صرفنا النظر عن البحث عن الصواب في لفظ الشافعي، إذ يحتمل أن يكون ما رواه ابن حبان هو الصواب، ووقوع التصحيف في العبارة كما هي عنده إلى ما ذكره ابن الأثير بعيد جداً، إذا صرفنا النظر عن ذلك، وكان الوارد عن الشافعي هو لفظ ابن الأثير فقط - فحمله على أنه يرمي مجالداً بالكذب فيه نظر كبير، فالظاهر أن الشافعي أراد أن يبين ضعف مجالد باشتقاق كلمة من اسمه، فعل ذلك تفنناً، دون النظر إلى معناها اللغوي الدقيق، وقد سئل الشافعي عن مجالد فقال: ((هو مجالد))(٢)، وحال مجالدٍ عند بقية النقاد يبعد تفسير ابن الأثير لكلمة الشافعي، فلم ينقل عن أحد منهم تكذيبه لمجالد، وإنما ضعفوه فقط، وأنه كان يخطىء كثيراً، يرفع الموقوف ويصل المرسل، وكلمة يحيى القطان السابقة ليس المقصود بها الكذب المتعمد، وإنما المقصود بها الخطأ - وسيأتي توضيح هذا قريباً -، وأقوال يحيى القطان الأخرى فيه تدل على ذلك(٣) . ومن ذلك أيضاً أن العراقي جعل قول أبي حاتم المتقدم في عدد من الرواة : ((هو على يدي عدل)) من ألفاظ التعديل، حملها على (١) ((المجروحين)) ٣: ١٠. ((الكامل)) ٢٤١٥:٦-٢٤١٦. (٢) ((التاريخ الكبير)) ٨:٨، و((الجرح والتعديل)) ٣٦١:٨، و((الضعفاء الكبير)) ٢٣٢:٤، (٣) و((الكامل)) ٢٤١٤:٦، و(تهذيب الكمال))، و((تهذيب التهذيب)) ٣٩:١٠. ٤١١ ظاهرها، فكان ينطقها بكسر الدال، وتعقبه ابن حجر، وأوضح أنها من ألفاظ التجريح الشديد(١)، وهو كما قال(٢). وعلق أحد الباحثين على قول شعبة في سلم بن قيس البصري: («سلم ذاك الذي كان يرى الهلال قبل أن يراه الناس بيومين)) - بقوله: (يقصد به شعبة اتهامه بالكذب، كما يظهر)). وما قاله الباحث غير ظاهر من النص بل هو احتمال ضعيف فيه، وتدل النصوص الأخرى في رؤية سلم للهلال على أن شعبة يرميه بالتغفيل وعدم الضبط، لا التهمة بالكذب(٣). وربما يواجه الباحث في قضية تنزيل اللفظة على مصطلح أئمة النقد أنهم استخدموا المصطلح الواحد في معنيين مختلفين فيتضاعف الجهد حينئذ، ويلزمه مزيد تأنّ وإنعام نظر. فمن ذلك مصطلح (التخليط) قد يراد به الاختلاط الذي هو التغير، وقد يراد به الاضطراب والخطأ (٤). ومنه أيضاً مصطلح (الكذب) استخدمه النقاد بمعنى تعمد الكذب، واستخدموه بمعنى الخطأ، وبينهما فرق كبير بالنسبة للراوي الموصوف به، واستخدامه بالمعنيين جارٍ على أصل اللغة(٥)، وذكر ابن حبان أن أهل الحجاز يسمون الخطأ كذبً(٦). (١) (تهذيب التهذيب)) ١٤٢:٩، و((فتح المغيث)) ١٢٩:٢. (٢) انظر: ما تقدم في المبحث الأول من الفصل الثاني حول هذه العبارة. انظر: ما تقدم في المبحث الثاني (سلامة النص) من هذا الفصل. (٣) وتقدم شرح هذا في المبحث الثاني من الفصل الأول. (٤) (٥) ((لسان العرب)) ٧٠٤:١-٧٠٩. (٦) ((ثقات ابن حبان)) ١١٤:٦. ٤١٢ ولا شك أن أكثر استخدام النقاد له على المعنى الأول، وأما الثاني فيعبرون عنه بمصطلحات أخرى، كالخطأ ، والوهم، والغلط، ومع هذا فإن استخدامهم له بهذا المعنى ليس بالنادر، وأصل ذلك قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه في خطبته المشهورة: ((من عقلها ووعاها فليحدث بها حيث انتهت به راحلته، ومن خشي أن لا يعقلها فلا أحل لأحد أن يكذب علي))(١). ومن أمثلته في كلام النقاد ما تقدم آنفاً في قول يحيى القطان لمن أراد أن يكتب السيرة عن وهب بن جرير، عن مجالد: ((تكتب كذباً کثیراً). وروى عبد الله بن أحمد قال: «سمعت أبي يقول: قال عفان: جاء أبو جزي - واسمه نصر بن طريف - إلى جرير بن حازم يشفع لرجل يحدثه جرير، فقال جرير: حدثنا قتادة، عن أنس قال: ((كانت قبيعة سيف رسول الله ﴿ من فضة))، قال: فقال أبو جزي: كذب والله، ما حدثنا قتادة إلا عن سعيد بن أبي الحسن، قال أبي: وهو قول أبي جزي، وأخطأ جرير))(٢). وقال أبو مسهر في عمرو بن واقد الدمشقي : ((كان يكذب من غير أن يتعمد))(٣). (١) (صحيح البخاري)) حديث ٦٨٣٠. (٢) ((العلل ومعرفة الرجال» ١ :٥٤٣ . ((تاريخ دمشق)) ٤٤٣/٤٦، وانظر: ((معرفة الرجال)» ٢٢٧:٢. (٣) وانظر نماذج أخرى بهذا المعنى في: ((العلل ومعرفة الرجال)) ٢: ٧٠-٧١، و((علل المروذي)) ص١٥٥، ٢٤٩، و((أسئلة البرذعي لأبي زرعة)) ص٥٢١، و((الجرح والتعديل)) ٣٢١:١، ٣٢٢، ١٦٧:٩، و((النهاية في غريب الحديث)) ١٥٩:٤. ٤١٣ ومنه أيضاً مصطلح (ليس من أصحاب الحديث)، أو ليس بصاحب حديث)، أو (ليس من أهل الحديث) أو (ليس من فرسان الحديث) - يريدون به تارة أنه ليس من المعتنين بالحديث الضابطين له، فعلى هذا فهو جرح في الراوي، ويقولون: فلان من أصحاب الحديث، فهو توثيق له، وكثيراً ما يريدون به أنه ليس من المعتنين بالحديث رواية ورحلة ونقداً، أي ليس من صيارفة الحديث ونقاده، العارفين بطرق الرواية، وكيفية السماع، ومثله إذا قالوا: (صاحب حديث) أو (هو من أصحاب الحديث)، يعني أن له معرفة بذلك. فمن استعماله في الجرح والتعديل قول أيوب السختياني في فرقد السبخي: ((لم يكن صاحب حديث))(١)، وكذا قال أحمد فيه: ((رجل صالح، ليس هو بقوي الحديث، لم يكن صاحب حديث))(٢). وقال مالك: ((ربما جلس إلينا الشيخ فيحدث جل نهاره ما نأخذ عنه حديثاً واحداً، وما بنا أن نتهمه، ولكن لم يكن من أهل الحديث))(٣). وقال ابن المبارك: ((كان أهل البصرة ينكرون حديث الجلد بن أيوب، ويقولون: شيخ ليس بصاحب حديث))(٤). (١) ((أحوال الرجال)) ص١٧١، و((صحيح مسلم)) ٢٧:١، و((الجرح والتعديل)) ٨١:٧، و ((الضعفاء الكبير)) ٤٥٩:٣. (٢) (الجرح والتعديل)) ٨٢:٧. ((سير أعلام النبلاء)) ٧٢:٨. (٣) (٤) ((المعرفة والتاريخ)) ٤٧:٣ . ٤١٤ وقال أحمد في صالح المري: «کان صاحب قصص، يقص، ليس هو صاحب آثار وحديث، ولا يعرف الحديث)) (١)، وكذا قال ابن عدي: (( ... وليس هو بصاحب حديث ... ))(٢). وقال البخاري في عبدالعزيز بن يحيى المدني: ((ليس من أهل الحديث، يضع الحديث))(٣). ومن استعماله بمعنى المعرفة بالنقد قول خلف المخرمي: ((سمعت إسماعيل بن علية يقول: كنا نرى عند حميد - يعني الطويل -، وسليمان - يعني التيمي - ، وابن عون الرجل والرجلين، فنأتي شعبة فنرى الناس عليه، ثم قال خلف: كان أصحاب الحديث يريدون حسن المعرفة بالرجال، وبمعرفة الحديث)) (٤). وروى عبد الخالق بن منصور، قال: ((سئل يحيى بن معين عن أبي بكر الأعين، فقال: ليس هو من أصحاب الحديث))، عقب عليه الخطيب بقوله: ((عنى يحيى بذلك أنه لم يكن من الحفاظ لعلله، والنقاد لطرقه، مثل علي بن المديني ونحوه، وأما الصدق والضبط لما سمعه فلم يكن مدفوعاً عنه))(٥). وروى الخطيب أيضاً بإسناده عن محمد بن حاتم الكندي قوله: ((الجرح والتعديل)) ٣٩٦:٤. (١) (٢) ((الكامل)) ١٣٨١:٤. (٣) ((تهذيب الكمال)» ٢١٩:١٨. وانظر نماذج أخرى بهذا المعنى في: ((سؤالات ابن الجنيد لابن معين)) ص٣٣٢، و((الجرح والتعديل)) ٣٢١:١، ٣٢٢، ١٨٤:٥، ١٦٧:٩. ((الجرح والتعديل)) ١ :١٧٦. (٤) (٥) ((تاريخ بغداد)) ١٨٢:٢. ٤١٥ ((سألت يحيى بن معين عن خلف البزار فسمعته يقول: خلف البزار لم يكن يدري أيش الحديث، إنما كان يبيع البزر)»، ثم عقب عليه الخطيب بقوله: ((أحسب أن الكندي سأله عن حفاظ الحديث ونقاده، فأجابه يحيى بهذا القول، والمحفوظ ما ذكرناه من توثيق يحيى له)) (١). وقال ابن معين في يزيد بن هارون: ((ليس من أصحاب الحديث، لأنه كان لا يميز، ولا يبالي عمن روی))(٢). وقال البرذعي: ((حضرت أبا زرعة، وهو يقرأ على رجل من أهل طوس، وكان الرجل يسأله، فيقول: سعيد بن أسد، عن فلان، فيقرأ عليه، فقال له أبو زرعة: إذا سألت فقل: حديث عائشة، عن النبي وال قول في كذا وكذا، وحديث النبي وَ ل﴿ في كذا وكذا، فجعل الرجل يسأل كما كان يسأل، فقال: الله المستعان! أنا أجهد أن أجعلك من أصحاب الحديث، وأنت تأبى إلا أن تمضي على علاتك)»(٣). ومنه أيضاً تكرار الاسم أو الكنية، فيستعمل كثيراً في التوثيق والتفخيم، قال سفيان بن عيينة: ((كنت عند الزهري يوماً وأتاه ابن جريج، فقال له: يا أبا بكر إني أريد أن أعرض عليك كتاباً، فقال الزهري: إن سعداً (يعني ابن إبراهيم الزهري) قد كلمني في ابنيه، وهو (١) ((تاريخ بغداد)) ٣٢٦:٨. (٢) ((تاريخ بغداد)) ٣٣٨:١٤. وانظر نماذج أخرى في استخدامه بمعنى النقد في: ((العلل ومعرفة الرجال)) ٤٢:٢، ١٠١، و((سؤالات أبي داود)) ص٢٧٤، و((سؤالات ابن الجنيد)) ص٢٩١، ٣٣٢، ٣٨٦، و((ثقات العجلي) ٢٤٣:٢، و((سؤالات الآجري لأبي داود)) ٢٦٢:٢، و((المعرفة والتاريخ)) ١٨٢:٢، و((الكامل)) ١٣٣:١، و ((تاريخ بغداد)) ٤: ٢٠٥-٢٠٦، ٣١٩:٨، ١٢: ٢١١، و(تهذيب الكمال)) ٥٤٣:٢٥ . (٣) ((أسئلة البرذعي لأبي زرعة)) ص ٧٧٠. ٤١٦ سعد - وربما قال سفيان : وسعد سعد -، فلما خرجت من عند الزهري قال ابن جريج: أما رأيته يفرق من سعد))(١). وقال عبدالله بن أحمد: ((سمعت أبي يقول: عفان أثبت من عبدالرحمن بن مهدي، قلت له: أثبت من عبدالرحمن بن مهدي؟ قال: نعم، إلا أن عبدالرحمن رجل ثقة، خيار، صالح، مسلم، وعبدالرحمن عبدالرحمن))(٢). وعلى هذا مشى الترمذي في تفسير كلمة أيوب السختياني في أبي الزبير المكي، فروى عن ابن أبي عمر، عن سفيان بن عيينة، عن أيوب قال: ((حدثني أبو الزبير، وأبو الزبير أبو الزبير - قال سفيان بيده يقبضها))، ثم قال الترمذي: ((إنما يعني به الإتقان والحفظ))(٣). غير أن جماعة من الأئمة - منهم أحمد وغيره - فسروا قول أيوب بأنه يريد تضعيفه(٤)، وقد جاء عن أيوب فيه ما يؤيد تفسير الجماعة لقوله(٥) . وكذا فسر نعيم بن حماد صنيع سفيان بن عيينة في تكراره لاسم أبي الزبير، فقال: ((سمعت سفيان يقول: حدثني أبو الزبير، وهو أبو (١) ((المعرفة والتاريخ)) ٦٨١:١، وقد وقع فيه: ((وسعد بن سعد))، وسياق الكلام يقتضي حذف (بن)، وانظر: ((تهذيب التهذيب)) ٣: ٤٦٥. (٢) ((العلل ومعرفة الرجال)) ٣: ٤٣٤. وانظر مثالاً آخر في: ((المعرفة والتاريخ)) ٦٨٦:١. (٣) ((سنن الترمذي)» ٧٥٧:٥. ((العلل ومعرفة الرجال)) ٥٤٢:١، و((الضعفاء الكبير)) ١٣٢:٤. (٤) ((الجرح والتعديل)) ٧٥:٨، و((الضعفاء الكبير)) ١٣٢:٤، و((الكامل)) ٢١٣٤:٦، (٥) و «شرح علل الترمذي» ٥٧١:٢_٥٧٢ . ٤١٧ الزبير - أي كأنه يضعفه -))(١). ومما يواجهه الباحث أيضاً أن تكون العبارة غير داخلة في مصطلح عام، ويتحقق الباحث من كونها جرحاً أو تعديلاً في الراوي، ولكن تحديد المراد بها على وجه الدقة يقع فيه اختلاف، فقد ذكر ابن القطان أسامة بن زيد الليثي، ونقل فيه بعض آراء النقاد، ومن ذلك أن يحيى القطان تركه، وأن أحمد قال فيه: ((ليس بشيء، روى عن نافع أحاديث مناكير))، ثم قال ابن القطان: ((وعلة يحيى القطان في تركه غير علة أحمد بن حنبل هذه، وذلك ما ذكر عمرو بن علي الفلاس في كتابه قال: كان يحيى القطان حدثنا عن أسامة بن زيد، ثم تركه، قال: يقول: سمعت سعيد بن المسيب، على النكرة لما قال، انتهى كلامه، وهذا أمر منكر كما ذكر، فإنه بذلك يساوي شيخه ابن شهاب، وذلك لا يصح له))(٢). ونقل هذا ابن حجر، ثم تعقب ابن القطان بقوله: ((ولم يرد يحيى القطان بذلك ما فهمه عنه، بل أراد ذلك في حديث مخصوص، يتبين من سياقه اتفاق أصحاب الزهري على روايته عنه، عن سعيد بن المسيب بالعنعنة، وشذ أسامة فقال عن الزهري: سمعت سعيد بن المسيب، فأنكر عليه القطان هذا لا غير))(٣). وما ذكره ابن حجر محتمل، فهذه طريقة معروفة لأئمة النقد، (١) (الجرح والتعديل)) ٨: ٧٥، و((الضعفاء الكبير)) ١٣٣:٤، وانظر: ((شرح علل الترمذي)) ٢: ٥٧٢، و((تهذيب التهذيب)) ٤٤٣:٩. (٢) ((بيان الوهم والإيهام)) ٤: ٨٤. (تهذيب التهذيب)) ٢١٠:١. (٣) ٤١٨ يختصرون بها الكلام، فإذا لم يمكن حمل الكلام على ظاهره يلجأ إليها، وكذلك إذا أمكن حمله على ظاهره وكان هناك قرينة على أن الظاهر غير مراد، ومن لم يفهم طريقتهم يظن في الكلام سقطاً، فقد مر أحد الباحثين الفضلاء بقول أحد النقاد: ((روى سعيد: ((من باع عبداً وله مال)) - عن قتادة ، عن عكرمة، عن ابن عمر، ورواه هشام، وهمام، عن عكرمة - وهو ابن خالد - عن الزهري))، وعلق عليه الباحث بقوله: (( ... وأما الإسناد الثاني فعلته التعليق والانقطاع، لأنه لم يثبت أن هشاماً، وهماماً من تلاميذ عكرمة بن خالد، بل شيخهما في هذا الحديث هو قتادة، وقد سقط من الإسناد هنا ... )). ومن عرف طريقة النقاد في هذا أدرك بسهولة أنه لا سقط في كلام هذا الناقد، ومراده أنهما يرويانه عن قتادة على صفة في الإسناد غير التي يرويها سعيد بن أبي عروبة عنه، ومثل هذا يعرف من السياق، أو من الطرق الأخرى. ونلاحظ أن ابن حجر في تعقبه على ابن القطان لم يذكر قرينة على ما فهمه من كلام يحيى القطان، فلم يشر إلى الحديث الذي وقع فيه لأسامة بن زيد مخالفة، وحينئذ ما فهمه ابن القطان من كلام يحيى يبقى احتمالاً قوياً، فقد كان أسامة بن زيد يذكر أنه سمع من سعيد بن المسيب، قال يعقوب بن سفيان: ((حدثني أبو الطاهر بن السرح، قال: حدثنا ابن وهب، عن أسامة بن زيد، أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: لا ربا إلا فيما كيل أو وزن ، فيما أكل أو شرب، قال ابن وهب: لم يسمع أسامة إلا هذا الحديث وحده من سعيد بن المسيب))(١)، فلا يبعد (١) ((المعرفة والتاريخ)) ١٨١:٣. ٤١٩ أن یکون یحیی القطان ینکر هذا علی أسامة بن زيد. ويلاحظ أن كل ما تقدم في هذا المطلب كان في الحديث عن عبارات تصدر من النقاد لا تدخل تحت مصطلح معين في الجرح والتعديل، يتأكد الباحث منها هل فيها جرح أو تعديل، أو ليس كذلك، وإذا كان فيها جرح أو تعديل فمن أيهما؟ وما درجته؟ وفي عبارات تدخل تحت مصطلح للأئمة لكنه من المصطلحات غير المشهورة، وقد يكون يستخدم في معنيين، فالباحث ملزم في كل ما تقدم أن ينعم النظر، ويدقق في العبارة، حتى يصل إلى المعنى الذي أراده قائلها، أو يقارب ذلك، ولا يشطح بعيداً. والقارىء في كتب الجرح والتعديل الأولى - كتب السؤالات والعلل - سيرى كماً غير قليل من هذه العبارات، وكثيرٌ منه لم ينقل في الكتب الجامعة، فمن المناسب جداً للباحث أن يتمرن على معالجة مثل هذه العبارات، فيقوم بتحليلها، وتقليبها على أوجه، حتى يصل إلى التفسير الصحيح لها، وهو محتاج لهذا في مجالات أخرى - غير الجرح والتعديل - يتحدث عنها النقاد(١)، فإذا تمرن عليها أيضاً تدرج في بناء شخصيته الناقدة، وأمكنه الدخول في مناقشات علمية جادة عميقة، تمنح القارىء ثقة بما یتوصل إليه من نتائج. (١) في النية - بعون الله تعالى - أن أتحدث عن هذا الأمر - وهو ضرورة فهم كلام الأئمة النقاد - في مبحث مستقل، وربما يكون هذا في باب خاص بالقواعد العامة لدراسة الأسانيد؛ إذ يحتاج إليه دارس الإسناد، كما يحتاج إليه من يبحث في منهج النقاد في قضية معينة، يجمع من أجله النصوص ويعالجها، أو من يتصدى لتحقيق كتب التراث، فكثير منهم يقحم نفسه في تفسير كلام المؤلف، بغرض إفادة القارىء، فيسيء إليه. ٤٢٠