النص المفهرس
صفحات 381-400
فمن الشروط ما يسقط الإخلال به نقد الناقد بالكلية، وهو كونه ثقة في نفسه غیر متهم بالكذب، فمتى اتهم الناقد في رواياته بالكذب والوضع سقط نقده، كما في حال أبي مريم عبدالغفار بن القاسم الكوفي، كان عارفاً بالرجال، وهو أحد الذين تتلمذ عليهم شعبة في النقد، لكن آل أمره إلى أن اتهم بالكذب والوضع، ورموه بالتشيع المفرط(١)، فأهملت أقواله، وربما ذكروها على سبيل الرد، كما في قول أبي داود: «قلت لأحمد: عمير بن سعيد؟ قال: لا أعلم به بأساً، قلت له: فإن أبا مريم قال: تسألني عن عمير الكذاب؟ - قال: وكان عالماً؛ بالمشايخ -، فقال أحمد: حتى يكون أبو مريم ثقة - ثم تكلم بکلامه ـ)»(٢). وتشبه حاله حال عبدالله بن سلمة البصري الأفطس، كان يتكلم بلامبالاة، ويكذب الثقات الحفاظ، واتهم بالكذب، فترك حديثه ونقده، قال أحمد: ((ترك الناس حديثه، كان يجلس إلى أزهر، فيحدث أزهر، فيكتب على الأرض: كذب، كذب، وكان خبيث اللسان))(٣). وقال البرذعي: ((وسمعته (يعني أبا زرعة) وذكر عبدالله بن سلمة الأفطس، فقال: كان عندي صدوق(كذا)، ولكنه كان يتكلم في عبدالواحد بن زياد، ويحيى القطان، وذكر له يونس بن أبي إسحاق، فقال: لا ينتهي يونس حتى يقول: سمعت البراء، قال لي أبو زرعة: (١) ((علل المروذي) ص٩١، و((معرفة الرجال)) ٢: ٢١٠، و((الجرح والتعديل)) ٥٣:٦، و («الميزان)) ٢: ٦٤٠، و((اللسان)» ٤٢:٤. (٢) ((سؤالات أبي داود)» ص٢٩٢ . (٣) ((العلل ومعرفة الرجال)) ٤٩٤:٢، ١٢٧:٣، ١٢٨. ٣٨١ فانظر كيف يرد أمره (كذا في النسخة)، قال أبو زرعة: كل من لم يتكلم في هذا الشأن على الديانة فإنما يعطب نفسه، كل من كان بينه وبين إنسان حقد أو بلاء يجوز أن يذكره !! ، كان الثوري ومالك يتكلمون في الشيوخ على الدين فنفذ قولهم، ومن يتكلم فيهم على غير الديانة يرجع الأمر عليه))(١) . وكذلك إذا تكلم في النقد دون خبرة وعلم، فلا يقبل قوله، كما قال ابن أبي حاتم موضحاً منهجه في كتابه ((الجرح والتعديل)): ((وقصدنا بحكايتنا الجرح والتعديل في كتابنا هذا إلى العارفين به العالمين له، متأخراً بعد متقدم، إلى أن انتهت بنا الحكاية إلى أبي وأبي زرعة رحمهما الله، ولم نحك عن قوم قد تكلموا في ذلك لقلة معرفتهم به))(٢) ومن الشروط ما يضعف الإخلال به قول الناقد، وإن لم يسقطه بالكلية، مثل كون الناقد متكلماً فيه، لكنه من قبل حفظه، فلم يتهم بالكذب، فهذا يقبل قوله إذا وافق غيره من النقاد المعتبرين، أو خلا الراوي من توثيق وتضعيف سوى قول هذا الناقد، ومن أقوى الأمثلة على هذا الصنف أبو الفتح الأزدي، له مصنف كبير في الضعفاء، لكنه قد تُكلم فيه، فیورد الأئمة - کالذهبي، وابن حجر - كلامه في الرواة، وربما اعترضوا عليه لهذا السبب، نقل الذهبي قوله في أبان بن إسحاق المدني: ((متروك))، ثم قال الذهبي: ((لا يترك، فقد وثقه أحمد، (١) ((أسئلة البرذعي لأبي زرعة)) ص٣٢٩، وانظر: ((المعرفة والتاريخ)) ٤٨٤٧:٣، ٤٩، و((اللسان)) ٢٩٢:٣. (٢) ((الجرح والتعديل)) ٣٨:٢. ٣٨٢ والعجلي، وأبو الفتح يسرف في الجرح، وله مصنف كبير إلى الغاية في المجروحين، جمع فأوعى، وجرح خلقاً بنفسه لم يسبقه أحد إلى التکلم فیه، وهو المتكلم فیه»(١) . وقال الذهبي أيضاً في ترجمة السري بن يحيى البصري: ((قال أحمد: ثقة، ثقة، وقال أبو الفتح الأزدي: حديثه منكر، فآذى أبو الفتح نفسه، وقد وقف أبو عمر ابن عبدالبر على قوله هذا فغضب أبو عمر، وكتب بإزائه: السري بن يحيى أوثق من مؤلف الكتاب - يعني الأزدي - مئة مرّة))(٢). ونقل الذهبي في الحارث بن سريج النقال الفقيه أقوال الأئمة المتقدمين في تضعيفه واتهامه، ثم قال: ((وقال أبو الفتح الأزدي: تكلموا فيه حسداً، كذا قال الأزدي بجهل))(٣). ونقل ابن حجر توثيق بعض الأئمة لأحمد بن شبيب الحبطي شيخ البخاري، ثم قال: ((قال أبو الفتح الأزدي: منكر الحديث، غير مرضي، ولا عبرة بقول الأزدي لأنه هو ضعيف، فكيف يعتمد في تضعيف الثقات؟))(٤). (١) ((ميزان الاعتدال)) ٥:١. (٢) ((ميزان الاعتدال)) ١١٨:٢. ((ميزان الاعتدال)) ١: ٤٣٣، وانظر أيضاً: ١: ٦١، ٢٠٨، ٢٩٤، ٤٢٠، ٥٦٩، (٣) ١٨٥:٣، ٢٢٢، و((سير أعلام النبلاء)) ١٢: ٣٤٨، ٣٨٩:١٣، ٣٤٨:١٦. (٤) ((هدي الساري)) ص٣٨٦، وانظر: ((تهذيب التهذيب)) ٣٦:١، وقد نقده ابن حجر في مواضع أخرى، انظر: ((هدي الساري)) ص٣٩٢، ٤٠٠، ٤٠٢. وللدكتور عبدالله مرحول السوالمة دراسة لأبي الفتح الأزدي ومنهجه، بعنوان: (الحافظ أبو الفتح الأزدي بين الجرح والتعديل) نشر في مجلة جامعة الملك سعود عام ١٤١٢ هـ، ص٤٢٩-٤٧٦، ولم يبتعد فيها كثيراً عن موقف الأئمة من جرحه = ٣٨٣ ومثل هذا يقال في المتشددين، يقبل قولهم في التضعيف إذا وافق غيرهم من النقاد المعتبرين، كما يقبل قولهم في التوثيق، ويعد منقبة للراوي، مثل قول أحمد بن حنبل لابنه صالح حين قدم من البصرة: ((لم لم تكتب عن عمرو بن مرزوق؟ فقال: نُهيت، فقال: عفان كان يرضى عمرو بن مرزوق، ومن كان يرضي عفان؟))(١). وعلق الذهبي على قول ابن المديني المتقدم في عفان، وأبي نعيم بقوله: ((يعني أنه لا يختار قولهما في الجرح لتشديدهما، فأما إذا وثقا أحداً فناهيك به))(٢). الصنف الثاني: من لم يبلغنا عن النقاد بيان منزلته في النقد، وهؤلاء خلق كثير، غير أن أكثرهم من المقلين جداً من النقد، فهؤلاء يستأنس بكلامهم إذا وافق قول غيرهم من النقاد المعتمدين، أو لم يكن في الراوي غير ما ورد عنهم، وأما إذا عارض قولهم قول ناقد معتمد فلا التفات إلى نقدهم. مثال ذلك قول خالد بن خداش: «قال لي الدراوردي، ومعن، وعامة أهل المدينة: لا ترد عبدالرحمن بن زيد بن أسلم، إنه لا يدري ما يقول، ولكن عليك بعبد الله بن زيد))(٣). فإن قول الدراوردي، ومعن بن القاسم في عبدالرحمن بن زيد، وأخيه عبدالله لائق بحالهما، فإن عبدالله مع تضعيف بعض الأئمة له وتعديله . ((الجرح والتعديل)) ٢٦٤:٦. (١) ((سير أعلام النبلاء)) ١٠ : ٢٥٠. (٢) ((علل المروذي)) ص٢٣٣ . (٣) ٣٨٤ أحسن حالاً من أخيه عبدالرحمن(١). الصنف الثالث: النقاد الذين توافرت فيهم شروط النقد، فاعتمد كلامهم في الرواة، وهم خلق كثير أيضاً، ويمكن تقسيمهم من حيث واقع الحال ثلاثة أقسام: القسم الأول: غير المشهورين منهم، وهم الذين تكلموا في الرواة على الندرة، مع إمامتهم ومعرفتهم بالنقد، بل منهم من تتلمذ عليه في النقد من هو من النقاد المشهورين، مثل أبي كامل مظفر بن مدرك، وأبي سلمة منصور بن سلمة الخزاعي، والهيثم بن جميل، تتلمذ عليهم أحمد، وابن معين، وغيرهما في النقد(٢)، ومثل أبي سعيد مولى بني هاشم، تتلمذ عليه علي بن المديني(٣). ومن هذا القسم أيضاً: عبدالله بن عثمان البصري صاحب شعبة(٤)، ويحيى بن آدم الكوفي(٥)، ووهيب بن خالد البصري(٦)، وأبو إسحاق الأقرع(٧)، والحسن بن علي الحلواني(٨)، وخلف بن سالم (١) (تهذيب التهذيب)) ٢٢٢:٥، ٦: ١٧٧. ((العلل ومعرفة الرجال)) ٤٩٣:١، ٥٥٣:٢، ٥٩٦، ٧٢:٣، و((تاريخ الدوري عن (٢) ابن معين)) ٢: ٥٧١، و((تاريخ بغداد)) ٢٩:٦، ١٣: ٧٠، ١٢٥، ٥٦:١٤. (٣) ((المعرفة والتاريخ)) ١٨٢:٢. (٤) ((تهذيب التهذيب)) ٣١٧:٥. ((مسند أحمد)) ٢٨٧:٥ و((الضعفاء الكبير)) ١٧:٣. (٥) (٦) (الجرح والتعديل)) ٣٥:٩، و((سير أعلام النبلاء)) ٨: ٧٤، و((تهذيب التهذيب)) ١١ :١٦٩. (٧) ((العلل ومعرفة الرجال)) ٢: ٤١، ٤٢، ٥٦. (٨) «سؤالات الآجري لأبي داود)) ٢٨٨:٢. ٣٨٥ المخرمي(١). وقلة المروي عن الواحد من هؤلاء من النقد قد يكون لأنه هو لم يشأ استخدام علمه، وقد يكون لأسباب أخرى، ولا أطيل بتفصيل هذا هنا. القسم الثاني: الذين اشتهر كلامهم في الرواة، ونقل عنهم ـ على تفاوت بينهم -، قدر لا بأس به من النقد إذا ما قورنوا بالقسم الأول، مثل سفيان الثوري، ومالك، وسفيان بن عيينة، ووكيع بن الجراح، والشافعي، وسلیمان بن حرب، ومحمد بن عبدالله بن نمير، وأبي بكر بن أبي شيبة، وغيرهم. القسم الثالث: المشهورون بالنقد، الذين تكلموا في أكثر الرواة، أو في الكثير من الرواة، مثل شعبة، وعبدالله بن المبارك، ويحيى بن سعيد القطان، وعبدالرحمن بن مهدي، وابن سعد، وأحمد، وابن معين، وابن المديني، وزهير بن حرب، ومحمد بن عبدالله بن عمار، وعمرو الفلاس، والجوزجاني، والبخاري، وأبي داود، ويعقوب بن شيبة، والترمذي، وأبي حاتم، وأبي زرعة، ويعقوب بن سفيان، وزكريا الساجي، والبزار، وصالح جزرة، والنسائي، والعقيلي، وابن حبان، وابن عدي، والدارقطني، والحاكم، وغيرهم. ومن هؤلاء من وصلنا كلامهم في الرواة المتكلم فيهم فقط، لكونهم صنفوا في ذلك، كالعقيلي، وابن عدي، أو في الثقات فقط كالعجلي . (١) ((الجرح والتعديل)) ١٧٦:١، و((معرفة علوم الحديث)) ص١٧، ١٠٨، و((الكفاية)) ص١٦٧ . ٣٨٦ فهذا الصنف بأقسامه الثلاثة عليه المعول في نقد الرواة، ومن لم يصلنا من كلامهم شيء - أو وصل القليل - يستفاد منهم من جهة أخرى، وهي انتقاؤهم واختيارهم لمشايخهم الذين يروون عنهم، كما تقدم شرح ذلك في المبحث الثاني من الفصل الثاني. والنظر في هؤلاء النقاد تحكمه أمور ثلاثة تحتها تفاصيلها: الأمر الأول: هناك عوامل عديدة تساهم في تكوين الناقد، وتنمية ملكته النقدية، منها الزمن الذي يعيش فيه، والوسط الذي تربى فيه، واطلاعه على الطرق والروايات، ونظرته إلى الروايات وما وقع فيها من خلل، وآماله في تنقية السنة، والقدر الذي يمكن الوصول إليه في ذلك، بالإضافة إلى الصفات النفسية التي يتصف بها. وقد أدى هذا إلى الاختلاف في المنهج الذي يحكم به على الراوي بعد استخدام وسائل الحكم عليه، فبعض الأئمة إذا سبر حديث الراوي فرآه يغلط في حديث أو حديثين لينه وغمزه بذلك، فهذا نوع من التشدد(١). وبعض الأئمة إذا روى عن الراوي اثنان ارتفعت جهالته، وقد جاء هذا عن محمد بن يحيى الذهلي(٢)، وهو قول البزار (٣)، والدار قطني، وصرح الدار قطني بأن عدالته تثبت برواية اثنين عنه(٤)، بل إن ابن حبان إذا كان دون الراوي ثقة، وفوقه ثقة، ولم يأت بحديث (١) ((ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل)) ص١٧١ . (٢) ((الكفاية)» ص٩٨. (البحر الزخار)) ١: ١١١، ٢٠٩. (٣) (سنن الدارقطني)) ١٧٤:٣، و((فتح المغيث)) ٥١:٢. (٤) ٣٨٧ منكر، ولم يعلم فيه جرحاً فهو ثقة عنده(١)، وكل هذا بإطلاقه فيه تسامح، وقد تقدم من كلام يحيى بن معين وغيره أن ارتفاع الجهالة عن الراوي برواية غيره لابد فيها من النظر في الراوي عنه، هل ينتقي شيوخه أو لا؟ مع مراعاة أمور أخرى(٢). ووصف الناقد بالتشدد أو الاعتدال أو التساهل موجود في نصوص النقاد أنفسهم، في وصف بعضهم لبعض، كما في كلام ابن المديني والترمذي، في الموازنة بين يحيى بن سعيد القطان، وغيره من النقاد، وقد تقدم ذكره في المبحث الثاني من الفصل الثاني. ومن ذلك أيضاً قول الجوزجاني في عثمان البري: ((كذاب، كذبه الثوري على سهولته))(٣). وبناء على ما تقدم تم تقسيم النقاد إلى ثلاث فئات (٤): الفئة الأولى: المتشددون في النقد، ويمثل لهم بشعبة، ويحيى بن سعيد القطان، والجوزجاني، وأبي حاتم الرازي، والنسائي (6). (١) (الثقات)) ١٢:١-١٣، وانظر: ((لسان الميزان)) ١: ١٤. انظر: المبحث الثاني من الفصل الثاني، و((شرح علل الترمذي)) ٣٧٦:١-٣٨١. (٢) (٣) ((أحوال الرجال)) ص١٦٦ . أصل هذا التقسيم للذهبي في ((ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل)) ص١٧١، (٤) و ((الموقظة)) ص٨٣. (٥) ينظر في تشدد هؤلاء: ((تاريخ بغداد)) ٢٤٣:١، و((مجموع فتاوى ابن تيمية)) ٣١٨:٢٣، ٣٥٠:٢٤، و((ميزان الاعتدال)) ٢٩:١، ١١٥، ٢١٥، ٢٦٦، ٤٣:٢، ٤١٢، و((سير أعلام النبلاء)) ٣٢٠:٦، ٢٦:٧، ١٩٤، ٢٩٥:٨، ١٨٣:٩، ٢٢٨، ٥٥٨، ٢٥٠:١٠، ٥٨٤، ٦١٤، ٢٦:١١، ٩٨، ١٣: ٨١، ٢٦٠، ١٣١:١٤، و((الموقظة)) ص٨٣، و((النكت على كتاب ابن الصلاح)) ٤٨٢:١، و((هدي الساري)) ص٣٨٧، ٤٦١. ٣٨٨ الفئة الثانية: المعتدلون في النقد، وهؤلاء هم عامة أئمة النقد، كمالك، وابن المبارك، وابن مهدي، وأحمد، وابن معين، وابن المديني، والبخاري، وأبي داود، وأبي زرعة، وابن عدي، وغيرهم. الفئة الثالثة: المتساهلون في النقد، ويمثل لهم بالعجلي، والترمذي، ويعقوب بن سفيان، والبزار، والحاكم. وهذا تقسيم إجمالي، فقد يوجد بين أصحاب الفئة الواحدة شيء من التفاوت، فمثلاً في الفئة الأولى ينفرد يحيى بن سعيد القطان بكونه أكثرهم تشدداً، وقد سبقت الإشارة إلى تشدده عند الحديث عن شرطه في الراوي الذي يترك حديثه في المبحث الثاني من الفصل الثاني. والغرض من هذا التقسيم لخصه الذهبي بقوله بعد أن ذكر الفئة الأولى: ((فهذا إذا وثق شخصاً فعض على قوله بناجذيك، وتمسك بتوثيقه، وإذا ضعف رجلاً فانظر: هل وافقه غيره على تضعيفه؟ فإن وافقه، ولم يوثق ذاك أحد من الحذاق، فهو ضعيف، وإن وثقه أحدٌ فهذا الذي قالوا فيه: لا يقبل تجريحه إلا مفسراً، يعني لا يكفي أن يقول فيه ابن معين مثلاً: هو ضعيف، ولم يوضح سببه ضعفه، وغيره قد وثقه، فمثل هذا يتوقف في تصحيح حديثه، وهو إلى الحسن أقرب))(١). ومثّل الذهبي للتشدد والاعتدال بقوله: ((بالاستقراء: إذا قال أبو حاتم: ليس بالقوي، يريد بها أن هذا الشيخ لم يبلغ درجة القوي (١) ((ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل)) ص ١٧٢ . ٣٨٩ الثبت، والبخاري قد يطلق على الشيخ: ليس بالقوي، ويريد أنه ضعيف))(١). ومثل ما قال الذهبي في الموقف من أحكام المتشدد يقال في المتساهل، وقد جمعهما السخاوي بكلمة موجزة حيث قال: ((ولوجود التشدد ومقابله نشأ التوقف في أشياء من الطرفين))(٢)، فإذا وثق المتساهل شخصاً قد ضعفه غيره من المعتدلين توقف في توثيقه، وإذا ضعف شخصاً بعبارة لينة سهلة لم يعارض بها قوة عبارة من معتدل، كما في قول البزار في محمد بن الحسن بن زبالة المخزومي: ((لين الحديث، لأنه روى أحاديث لم يتابع عليها، وقد حدث عنه جماعة من أهل العلم))(٣)، فمحمد بن الحسن في قول عامة النقاد دون قول البزار هذا بكثير، فمنهم من رماه بالكذب والوضع (٤)، فقول البزار إذا عرفت طريقته في اختيار عبارات التجريح لا معارضة بينه وبين أقوال الأئمة، ومثله قوله في السري بن إسماعيل: ((ليس بالقوي، وقد حدث عنه الزهري وجماعة كثيرة، واحتملوا حديثه))(٥). وفي قول الذهبي عمن ضعفه المتشدد دون بيان السبب، مع توثيق غيره: «فمثل هذا يتوقف في تصحيح حديثه، وهو إلى الحسن أقرب)) - إشارة إلى أمر هام جداً في قضية التشدد والتساهل، وهي أن التشدد هنا ليس معناه تضعيف من هو ثقة مطلقاً، وليس التساهل توثيق (١) ((الموقظة)) ص٨٣. «فتح المغیث)» ٣٦٥:٤. (٢) (٣) ((البحر الزخار)) ١: ١٣٤. ((تهذيب التهذيب)) ١١٥:٩. (٤) ((البحر الزخار)) ١٤١:١، و(تهذيب التهذيب)) ٤٥٩:٣. (٥) ٣٩٠ الضعفاء مطلقاً، وإلا لخرج المتشدد والمتساهل عن دائرة النقد المقبول، كما تقدم قريباً شرح هذا، وإنما المقصود بالتشدد أن الراوي محلٌّ للنقد والتجريح بأمر يسير، لا يخرجه عن دائرة التوثيق، فينزله المتشدد عن ذلك، أو يكون محلاً للنقد والتجريح بأمر متوسط، فينزله المتشدد إلى التضعيف، وهكذا يقال في التساهل، يوثق المتساهل من هم عند الأئمة المعتدلين في المراتب المتوسطة، أو يختار في تجريح الضعيف جداً والمتروك عبارات سهلة لينة، كلين الحديث، أو ليس بالقوي، كما تقدم آنفاً بين البخاري وأبي حاتم، وبين البزار وأئمة آخرين، وتقدم أيضاً في المقارنة بين منهج يحيى بن سعيد القطان، ومنهج عبدالرحمن بن مهدي وغيره في حدّ الراوي الذي يترك حديثه في المبحث الثاني من الفصل الثاني. ثم إن الذهبي قد جعل يحيى بن معين من أصحاب الفئة الأولى وهم من عرفوا بالتشدد، وكذا ذكر تشدده في النقد ابن حجر (١)، ولم أتابعهما في ذلك، وذكرته في النقاد المعتدلين، إذ ظهر لي أنه ليس بالمتشدد بالمعنى المراد هنا، فتشدده في العبارة لا في الحكم، بمعنى أنه قد يصدر حكماً على راو، ويصدر أحمد حكماً عليه بعبارة مختلفة، والمؤدى واحد، ولا شك أن هذا يفعله ابن معين، وقد مضى التمثيل لعباراته القوية التي بالغ فيها(٢). وعرف عن يحيى أيضاً مواجهته للرواة بالنقد، وعدم مداراتهم، وربما تكلم في بعض الأئمة الكبار في أشياء نقلت عنهم لا تصح، (١) ((النكت على كتاب ابن الصلاح)) ٤٨٢:١. (٢) انظر: ما تقدم في المبحث الأول من الفصل الثاني. ٣٩١ أولهم فيها تأويل، ولعل سبب ذلك كله ولعه الشديد بالنقد، فقد أمعن فيه بما لا مزيد عليه، وله كلمات مأثورة في الدافع له إلى ذلك، وأنه يفعله احتساباً، ومع ذلك فقد لقي من الناس عناء(١)، وأما رفيقه أحمد فكان في الجملة أخف منه عبارة، وأرفق بالرواة، فكان كما قال الذهبي: ((سأله جماعة من تلامذته عن الرجال، وجوابه بإنصاف واعتدال، وورع في المقال))(٢). الأمر الثاني: حين يريد أحد النقاد من هؤلاء استخدام وسائله للحكم على راو - وهي الوسائل التي تقدم شرحها في الفصل الأول - قد يتهيأ له من العوامل المساعدة ما يجعل حكمه أقرب إلى الصواب من غيره ممن لم يتهيأ له ذلك العامل المساعد، ومن هذه العوامل : * قرب الزمن بين الناقد وبين الراوي، ولهذا كان من لقي الشخص وأخذ عنه أعرف به من غيره، وتعليل ذلك ظاهر، فهو أقرب إلى الإحاطة بحديثه، وأقدر على اختبار ضبطه، والنظر في سيرته، وكلما بعد الزمن زادت الوسائط بين الناقد وبين الراوي، فظهر احتمال تحميل الناقد عهدة الخطأ في أحاديث على هذا الراوي، وقد تكون العهدة على غيره، واحتمال نقل أشياء عنه لا تصح. والناظر في أقوال النقاد يدرك بسهولة اعتماد الواحد منهم على (١) ((العلل ومعرفة الرجال)) ٣٦٣:١-٣٦٤، و((علل المروذي)) ص٧٤، ١٣٥، و((المعرفة والتاريخ)) ٧٢٨:١، ومقدمة ((تاريخ الدوري عن ابن معين)) لأحمد نور سيف ١ :٦٣ -٧٧، ومقدمة ((نسخة يحيى بن معين برواية الصوفي)) لعصام السناني ص٩٩-١١٢. (٢) (ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل)) ص ١٨٥ . ٣٩٢ من تقدمه في الزمن، كما في قول علي بن المديني: ((إذا اجتمع يحيى بن سعيد، وعبدالرحمن بن مهدي، على ترك رجل لم أحدث عنه، فإذا اختلفا أخذت بقول عبدالرحمن، لأنه أقصدهما، وكان في يحيى تشدد))(١). وليس معنى ذلك أن المتأخر يوافق المتقدم تقليداً، بل هو يستخدم الوسائل أيضاً في نقد الراوي، وربما خالف من سبقه، كما تقدم شرحه(٢)، وإنما المقصود أن المتأخر يضع في اعتباره حين ينظر في الوسائل التي يحكم بها على الراوي قول من سبقه، إن كان قد بلغه، ولهذا فإن من تأخر منهم - كالعقيلي، وابن حبان، وابن عدي - يسوق في ترجمة الراوي أقوال من تقدم من النقاد، ثم يذكر بعض حديث الراوي، ثم يصدر حكمه هو، ويبقى هو ناقداً أصيلاً في الرواة الذین لقيهم أو عاصرهم. * قرب المكان، فقد تعارف المحدثون على أن يعتني المحدث أولاً بأهل بلده ومروياتهم، ثم بعد ذلك يرحل إلى البلاد الأخرى، ثم بعد رحلته يعود إلى بلده(٣)، فالحاصل من كل هذا أن الناقد يكون اطلاعه على أحوال أهل بلده أقوى من غيره من الغرباء، وقد أولى النقاد أنفسهم هذا الجانب عنايتهم، فكانوا يسألون الناقد عن شيوخ بلده ومروياتهم، ويعتمدون عليه، مثل مالك في أهل المدينة، كما تقدمت الإشارة إليه في كلام لأحمد (٤). (١) ((تاريخ بغداد)) ١ :٢٤٣. في المبحث الرابع من الفصل الأول. (٢) (٣) انظر: الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع» ٢٢٣:٢-٢٤٨. (٤) تقدم هذا في المبحث الثاني من الفصل الثاني. ٣٩٣ وقال علي بن الحسين بن الجنيد في محمد بن عبدالله بن نمير الكوفي: ((كان أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين يقولان في شيوخ الكوفيين ما يقول ابن نمير فيهم)) (١). وقال ابن معين في أبي مسهر عبدالأعلى بن مسهر الدمشقي: ((كل من ثبت أبو مسهر من الشاميين فهو مثبت)) (٢). وقال الخليلي في عبدالرحمن بن إبراهيم المعروف بدحيم: ((يعتمد عليه في تعديل شيوخ الشام وجرحهم))(٣). ومن تطبيقات ذلك ما روى عبدالله بن عثمان المروزي، قال: ((قال عبدالله (يعني ابن المبارك): أهل البصرة ینکرون حدیث الجلد بن أيوب، ويقولون: شيخ ليس بصاحب حديث، قال ابن المبارك: وأهل مصره أعلم به من غيرهم)) (٤). وسأل محمد بن عبدالله الحضرمي الكوفي المعروف بمطين أحمد بن حنبل، عن يحيى الحماني الكوفي: أكان ثقة؟ فقال أحمد: ((أنتم أعرف بمشايخكم)(٥). وقال المروذي: ((سألته (يعني أحمد) عن قطن الذي روى عنه مغيرة فقال: لا أعرفه إلا بما روى عنه مغيرة، قلت: إن جريراً ذكره بذكر سوء، قال: لا أدري، جرير أعرف به وببلده))(٦). (١) ((الجرح والتعديل)) ٣٢٠:١، ٣٠٧:٧. (سير أعلام النبلاء)) ١٠ :٢٣١. (٢) (٣) ((الإرشاد)) ١ : ٤٥٠. ((المعرفة والتاريخ) ٤٧:٣ . (٤) ((تاريخ بغداد)» ١٤ : ١٧٠. (٥) «علل المروذي» ص٧٨ . (٦) ٣٩٤ وقال العجلي في عبدالسلام بن حرب: ((هو عند الكوفيين ثقة ثبت، والبغداديون يستنكرون بعض حديثه، والكوفيون أعلم به))(١). وقال الآجري: ((سألت أبا داود عن عتاب بن بشير، فقال: سمعت أحمد یقول: ترکه عبدالرحمن بن مهدي بأخرة، قال أبو داود: ورأيت أحمد كف عن حديثه، وذاك أن الخطابي حدثه عنه بحديث، فقال لي أحمد: أبو جعفر - يعني النفيلي - يحدث عنه؟ قلت: نعم، قال: أبو جعفر أعلم به - يعني النفيلي -))(٢). * القرب في أمور أخرى، كالقرابة، أو الرفقة في طلب الحديث، كما في قول ابن معين لما بلغه أن سعدويه يثني على داود بن عمرو الضبي: ((سعدويه أعرف بمن كان يطلب الحديث معه منا))(٣). الأمر الثالث: وهو ضد الذي قبله، أي أن الناقد - مع إمامته في النقد وتقدمه فيه في الجملة - قد يظهر في نقده لبعض الرواة تخلف شرط من شروط الناقد الماضية، فيعامل حينئذٍ في نقده هذا كما لو كان الشرط قد تخلف فيه جملة، فيقدم كلام غيره عليه، ويتأنى في اعتماده إذا لم يكن فيه جرح ولا تعديل لغيره. وهذا الأمر يقضي على مبررات تقديم قول الناقد دائماً، بمعنى أن الناقد قد يكون معه سبب خاص يوجب تقديمه، كأن يكون من أهل بلد الراوي، ولكن قام سبب آخر في الناقد يمنع من قبول كلامه، أو قد يكون متشدداً ووثق راوياً، ولكن تبين من نقده أنه قد تخلف فيه أحد (١) ((إكمال تهذيب الكمال)) ٢٧٢:٨. (٢) ((سؤالات الآجري لأبي داود)) ٢٦٢:٢، وانظر: ((سؤالات أبي داود)) ص٢٧٣ . وانظر أيضاً نماذج أخرى في: ((أسئلة البرذعي لأبي زرعة)) ص ٥٨٢-٥٨٣، واثقات العجلي)) ٢: ٩٤. (٣) ((معرفة الرجال)) ١: ٧٤. ٣٩٥ الشروط، فلا یفید توثيقه مع تشدده. وللأمر الثالث هذا صور، من أهمها: * التحامل على الراوي، ومعناه: أن يتكلم في راو بتحامل وعدم إنصاف، فيطلق فيه جرحاً لا يناسبه، ثم قد يكون هذا سجية من الناقد في رواة أهل بلد معين، أو ناحية معينة، وربما كان هذا البلد بلد الناقد نفسه، إما بسبب اعتقاده هو لمذهب مخالف لما عليه أولئك، فيتأثر حين كلامه فيهم بما يعتقد، وقد يكون هذا البلد هو بلد الناقد، والأسباب مختلفة. فمن ذلك قول شعبة في سعد بن إبراهيم الزهري المدني: ((ما رأيت رجلاً أوقع في رجال أهل المدينة من سعد بن إبراهيم، ما كنت أرفع له رجلاً منهم إلا كذبه، فقلت له في ذلك، فقال: إن أهل المدينة قتلوا عثمان)) (١). وقال ابن الجنيد: ((سألت يحيى بن معين، عن الربيع بن حبيب أبي سلمة، فقال: شيخ بصري ثقة، فقلت: إن يحيى القطان سئل عنه، قال: هو نحو عمر بن الوليد الشني، فقال يحيى: الربيع بن حبيب ثقة، وعمر بن الوليد ثقة، ثم قال لي يحيى بن معين: لم يكن عامة مشايخ البصريين يسوون عند يحيى بن سعيد شيئاً، فذكر هماماً وغيره))(٢). وأشار جماعة من الأئمة إلى أن أبا إسحاق الجوزجاني فيه انحراف عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه(٣)، وذكر ابن حجر - (١) ((المعرفة والتاريخ) ٣١:٣، و((الكامل)) ٧٠:١. (٢) «سؤالات ابن الجنيد)» ص٣٢٢. (ثقات ابن حبان)) ٨٢:٨، و((الكامل)) ١: ٣٠٥، و((سؤالات السلمي للدارقطني)) ص٣٣٢، و((تاريخ دمشق))، و((تذكرة الحفاظ)) ٠.٥٤٩:٢ (٣) ٣٩٦ وأشار إليه ابن عدي قبله - أن الجوزجاني يتحامل على أهل الكوفة (١)، ودافع عن الجوزجاني بعض الباحثين، لكن المتأمل في عبارات الجوزجاني في حقهم یری مصداق ما قاله ابن حجر. ومن غريب ما وقع لأحد النقاد من الانحراف عن جماعة معينة ما ذكره ابن معين عن أبي مسهر عبد الأعلى بن مسهر الدمشقي، قال ابن الجنيد: ((سمعت يحيى بن معين وذكر أبا مسهر، فقال: کان یبغض الموالي، قال لي يوماً: عندك حديث في الموالي في عيبهم؟ قلت ليحيى: فممن كان أبو مسهر؟ قال: كان عربياً غسانياً))(٢). وقد يكون التحامل على شخص بعينه، وأكثر ما يكون هذا بين الأقران، فالنقاد بشر لا يدعى فيهم العصمة، كما قال الذهبي، وقد يصدر من الواحد منهم في حال الغضب، أو مقابلة إساءة بمثلها ما يعرف منه أن الناقد لم ينصف، ولهذا قال غير واحد من الأئمة إن كلام الأقران بعضهم ببعض يطوى ولا يروى(٣). * المحاباة، وهو ضد الذي قبله، أي أن الناقد يعطي الراوي درجة فوق ما يستحق لأمر دفعه إلى ذلك، دون أن يشعر في كثير من ٤ (١) ((الكامل)) ٣٠٥:١، و((لسان الميزان)) ١٦:١، و(تهذيب التهذيب)) ١٨٢:١، و اهدي الساري» ص ٣٩٠، ٤٠٦، ٤٤٦. (٢) ((سؤالات ابن الجنيد)) ص٣٠٦. (٣) انظر في هذه المسألة: ((جزء القراءة خلف الإمام)) ص٣٣، و((المعرفة والتاريخ)) ١: ٦٦٠، ٤٦٦:٢، و((الكامل)) ٢٢٩٧:٦، و((تاريخ بغداد)) ٣: ٤٥، ٣٧٠، و((جامع بيان العلم وفضله)) ٢:، و((ميزان الاعتدال)) ١: ١١١، ٤١٨:٢، ٤٧٩، و((سير أعلام النبلاء)) ٥٥٨:٤، ٢٧٥:٥، ٣٩٩، ٤٤٨، ٤٠:٧، ١٤٢، ٨٢:١١، ٤٣١، ١٢: ٦١، ٢٨٤، ٢٣٠:١٣، ٤٢:١٤، ٥٠٥، و(تهذيب التهذيب)) ٨٢:٨، ٩ :٢٧٦. ٣٩٧ الأحيان، كأن يكون شيخاً له، أو رحل إليه، أو تفرد عن أقرانه بالرواية عنه، أو أحسن إليه(١). قال الذهبي: ((وقد يكون نفس الإمام فيما وافق مذهبه، أو في حال شيخه - ألطف منه فيما كان بخلاف ذلك، والعصمة للأنبياء وحكام القسط))(٢). وهاتان الصورتان - التحامل، والمحاباة - كالقطرة في البحر، فهما نادرتان جداً بالنسبة لعموم كلام النقاد في الرواة، وما تحلوا به من الإنصاف والعدل، ولكن قد يحتاج إلى النظر فيهما في أحيان قليلة (٣). * قلة الخبرة بالراوي، فالرواة كثيرون جداً، لا يجمعهم زمان ولا مكان، ووسائل الحكم عليهم واسعة أيضاً، كما تقدم شرحها في الفصل الأول، والناقد قد تعوزه الوسائل للحكم على الراوي فيصرح بأنه لا يعرفه، وربما حكم عليه اعتماداً على غيره، كما تقدم إيضاحه، ولیس بالغريب أن يعتقد الناقد تمكنه من الوسیلة، فیصدر حكمه عليه، ولا يكون في حقيقة الأمر متمكناً. وهذا أيضاً قد يكون في أهل بلد معين، أو ناحية معينة، يعرف عن الناقد عدم خبرته بهم، كما في قول إسماعيل القاضي المالكي: ((إنما يعتبر بمالك في أهل بلده، فأما الغرباء فليس يحتج به فيهم))(2) . (١) انظر نماذج لهذا في: ((العلل ومعرفة الرجال)) ٣٤٩:٢_٣٥٠، و((سؤالات البرذعي لأبي زرعة)) ص٤٧٤-٤٧٥، ٦٩٨، و((المعرفة والتاريخ)) ١٣٧:٢، ١٦٣، و(لسير أعلام النبلاء)) ١١ :٤٤٧. (٢) ((الموقظة)) ص٨٤. (٣) انظر: ((التنكيل)) ١ :٥٢_٥٩. (شرح علل الترمذي)) ٣٨٠:١. (٤) ٣٩٨ : وكذا جاء معناه عن أحمد (١). وقال الآجري: ((قلت لأبي داود: أيما أعلم بالرجال: يحيى (يعني ابن معين)، أو علي بن عبدالله (يعني ابن المديني)؟ قال: يحيى عالم بالرجال، وليس عند علي من خبر أهل الشام شيء))(٢). وذكر الذهبي مثل هذا عن البخاري، وأنه ليس بالخبير برجال الشام(٣)، وقال ابن رجب: ((والبخاري - رحمه الله - يقع له في تاريخه أوهام في أخبار أهل الشام))(٤). وقد يكون هذا في راو بعينه، يظهر أن الناقد لم يتمكن من وسيلة الحكم عليه كما ينبغي، ومع ذلك أصدر حكمه عليه، ولهذا قرائن، منها أن يكون نظر في بعض حديثه، كما قال ابن المديني في عبدالسلام بن حرب: ((كنت أستنكر بعض حديثه، حتى نظرت في حديث من يكثر عنه، فإذا حديثه مقارب، عن مغيرة والناس، وذلك أنه كان عسراً، فكانوا يجمعون غرائبه في مكان، فكنت أنظر إليها مجموعة فأستنكرها)»(٥). ومنها أن يستنكر عليه شيئاً، والعهدة فيه على غيره، كما في صنيع العقيلي في (عمر بن الحكم بن ثوبان)، فقد ذكر في ترجمته حديثاً خطأ، لكن العهدة فيه على من دونه وهو موسى بن عبيدة(٦). (سؤالات أبي داود)» ص٢٢٢، وانظر: ((سير أعلام النبلاء)) ٦٨:٨. (١) (٢) «سؤالات الآجري لأبي داود)) ٣١٣:٢ . ((تاريخ الإسلام)) ص٣٥٤ حوادث سنة ١٠١-١٢٠ . (٣) (٤) «جامع العلوم والحكم)) ص٢٤٤ . ((سير أعلام النبلاء)) ٢٩٨:٨. (٥) (٦) ((الضعفاء الكبير)) ١٥٢:٣، وللعقيلي وهم آخر في هذه الترجمة تقدمت الإشارة إليه في المبحث الأول من هذا الفصل. ٣٩٩ ومثله صنيع ابن حبان في ترجمة (علي بن موسى الرضا)(١). وكأن يذكر الناقد في ترجمته أحاديث ليست له، وإنما هي لآخر يوافق اسمه، اشتبها عليه، كما في صنیع ابن حبان في ترجمة (عباد بن راشد)(٢)، وصنيع ابن عدي في ترجمة (عثمان بن عبدالرحمن الجمحي البصري)(٣). وكذلك إذا ظهر من كلام الناقد أنه تناقض في حكمه على الراوي، كما يقع من ابن حبان كثيراً، حيث يذكر الراوي في ((الثقات))، ويذكره في ((المجروحين)) بعبارة شديدة، مثل ذكره لعوبد بن أبي عمران الجوني في ((ثقاته))(٤)، وذكره له في ((المجروحين))، وقال فيه: ((كان ممن ينفرد عن أبيه بما ليس من حديثه توهماً على قلة روايته، فبطل الاحتجاج بخبره))(٥). ولهذا قال ابن حجر: ((ذكره ابن حبان في ((الثقات)) بقلة توفیق»(٦). والصورة الأخيرة هذه - أعني قلة الخبرة بالراوي - يفزع إليها كثيراً حين يتفرد الناقد عن الجمهور في حكمه على راو، ولم يظهر لذلك سبب بين، فتلقى عهدة ذلك على أن الناقد لم يحكم نظره في هذا الراوي كما ينبغي، ولذلك أمثلة كثيرة جداً، وربما كان في كلام (١) ((المجروحين)) ١٠٦:٢، و(الميزان)) ١٥٨:٣، و((تهذيب التهذيب)) ٣٨٨:٧. (٢) ((المجروحين)) ١٦٣:٢، و((تهذيب التهذيب)) ٩٣:٥، ١٠١. (٣) ((الكامل)) ١٨٠٩:٥، و((الميزان)» ٣: ٤٤، ٤٧. (٤) ((الثقات)) ٥٢٦:٨. (٥) ((المجروحين)) ١٩١:٢. (٦) («اللسان» ٣٨٧:٤. ٤٠٠