النص المفهرس

صفحات 361-380

قد روى عن غير أبي يحيى فلم يجىء بمناكير -، وقال علي بن
المديني: قيل ليحيى بن سعيد: إن إسرائيل روى عن أبي يحيى القتات
ثلاثمئة، وعن إبراهيم بن مهاجر ثلاثمئة، فقال: لم يؤت منه، أتي
منهما جميعاً - يعني من أبي يحيى، ومن إبراهيم -، فقد لاح لك أن
القطان ليس في كلامه هذا ما يوهن إسرائيل، بخلاف ما ساقه
المزي))(١).
وما أشار إليه ابن حجر هو ما فهمه أحد الباحثين، إذ فهم من
(١) ((تهذيب التهذيب)) ٢٧٨:١٢، وخبر يحيى القطان أخرجه ابن عدي في ((الكامل))
١: ٤١٢، عن عبد الله بن محمد البغدي، عن صالح بن أحمد، عن ابن المديني،
وأوله عندهما: ((قال يحيى بن سعيد: إسرائيل فوق أبي بكر بن عياش، وقيل
ليحيى: إن إسرائيل روى.،.))، وعند الذهبي: ((فقيل ليحيى ... ))، وساقه الذهبي
في (سير أعلام النبلاء)) ٣٥٩:٧، و((تذكرة الحفاظ)) ١: ١٤ .
وقد ذكره ابن حجر في ((هدي الساري)) ص٤٠٩ - دون الزيادة - من ((تاريخ ابن أبي
خيثمة))، عن يحيى بن معين، فيحتمل أن يكون قد توارد عليه الإمامان: يحيى
القطان، ويحيى بن معين، والاحتمال الأظهر أن النص لابن معين، فقد أخرج ابن
أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) ٢: ٣٣٠، والعقيلي في ((الضعفاء الكبير)) ١٣١:١،
عن محمد بن عيسى، كلاهما - ابن أبي حاتم، ومحمد بن عيسى - عن صالح بن
أحمد، عن ابن المديني قال: ((سمعت يحيى بن سعيد يقول: إسرائيل فوق أبي
بكر بن عياش))، لم يزد على ذلك، وكذا أخرجه الخطيب في ((تاريخ بغداد)»
٧: ٢٢، من طريق حنبل بن إسحاق، عن ابن المديني، فالظاهر أن قوله في رواية
البغوي، عن صالح بن أحمد: ((وقيل ليحيى ... ))، إضافة من البغوي، أو من ابن
عدي، والمقصود به يحيى بن معين، ويؤيد ذلك أن يحيى القطان كان يحمل على
إسرائيل بن يونس، وذكر أحمد كما في ((سؤالات أبي داود)) ص٣١١، أنه يحمل
عليه في حال أبي يحيى القتات، قال: ((روى عنه مناكير))، وعليه فيكون هذا من
باب نسبة القول إلى غير صاحبه، وسببه تداخل النصوص، وقد تقدم بحث هذا في
المبحث الأول من هذا الفصل، وبكل حال فكونه عن القطان، أو عن ابن معين لا
يؤثر شيئاً على التمثيل به هنا، والله أعلم.
٣٦١

النص الثاني أنه توهين لإسرائيل، فعلق عليه بقوله: ((يعني أن النكارة
جاءت من جهة الرجلين معاً، فأبو يحيى لضعفه خلط فيها، ثم زادها
إسرائيل تخليطاً، لأنه لم يتقن حفظها))، كذا قال.
ويمكن أن يعتذر عن المزي بأن ذكره للنص في ترجمة أبي يحيى
القتات يفهم منه المراد، وأن الحمل في المناكير على أبي يحيى،
ويتأكد ذلك بأنه لم يذكرهما في ترجمة إسرائيل(١)، ومع ذلك فاختصار
المزي لنص أحمد أذهب معرفة طريقة أحمد في الدفاع عن إسرائيل،
وكيفية جعله العهدة على أبي يحيى في النكارة، كما أن العبارة التي
نسبها للقطان: ((أتي منهما جميعاً)) لا تفهم من النص المختصر.
ونقل الذهبي عن أحمد قوله في عمر بن سعيد الدمشقي: ((أخرج
إلينا كتاب سعيد بن بشير، فإذا أحاديث سعيد بن أبي عروبة))(٢).
وتعقبه ابن حجر بأنه اختصر كلام أحمد فتغير معناه، قال: ((وقد
تحرفت عبارة أحمد بن حنبل على المؤلف من الاختصار ، وذلك أنه
قال: كتبت عنه، وتركت حديثه، وقال: إني ذهبت إليه أنا وأبو
خيثمة، فأخرج إلينا كتاب سعيد بن بشير، فقال: هذه أحاديث سعيد بن
أبي عروبة، فتأمله، فبين العبارتين فرق، والذي أوردناه هكذا ساقه
العقيلي، وابن عدي، وابن حبان))(٣).
وقد نقد ابن حجر الذهبي في مواضع بسبب الاختصار المخل.
«تهذيب الكمال)) ٥١٥:٢_٥٢٤.
(١)
(٢) ((الميزان)) ١٩٩:٣.
(٣) (لسان الميزان)) ٣٠٨:٤، و((العلل ومعرفة الرجال)) ٢١٠:٣، و((التاريخ الكبير))
١٦٠:٦، و((الجرح والتعديل)) ١١١:٦، و((الضعفاء الكبير)) ١٦٧:٣،
و((المجروحين)) ٨٩:٢، و((الكامل)) ١٧١٢:٥.
٣٦٢

وتكلم أحد المشايخ الفضلاء على ما رواه عائذ بن حبيب، عن
عامر بن السمط، عن أبي الغريف، عن علي، في صفة الوضوء، ونهي
الجنب عن قراءة القرآن، وذكر فيه عللاً، إحداها قوله: ((عائذ بن حبيب
- وإن كان ثقة - فقد قال فيه ابن عدي: روى أحاديث أنكرت عليه،
قلت: ولعل هذا منها، فقد رواه من هو أوثق منه وأحفظ موقوفاً على
علي)).
والظاهر أنه أخذ كلمة ابن عدي من ((الميزان)) للذهبي، لكن هي
في ((الميزان)) أتم مما ذكره الباحث، ولفظه: ((قال ابن عدي: روى
أحاديث أنكرت عليه، وسائر أحاديثه مستقيمة))، ولم يسق له شيئاً(١)،
يعني لم يذكر ابن عدي شيئاً مما أنكر عليه.
وبالرجوع إلى كتاب ابن عدي تبين أن العبارة عند الذهبي فيها
نقص أيضاً، وأنها بتمامها لا يستقيم الاستدلال بها على مراد الباحث،
ولفظه: ((عائذ بن حبيب روى عنه أهل الكوفة، وعائذ روى هو عن
هشام بن عروة أحاديث أنكرت عليه، وسائر أحاديثه مستقيمة))(٢).
وذكر الذهبي أن أبا داود قال في عافية بن يزيد الكوفي القاضي:
((يكتب حديثه))(٣).
والنص بتمامه يدل على ضد مراد الذهبي، قال الآجري: ((سألته
عن عافية القاضي، فقال: عافية يكتب حديثه! وجعل يضحك
(١) ((الميزان)) ٢: ٣٦٣.
(٢) ((الكامل)) ١٩٩٣:٥.
(٣) ((سير أعلام النبلاء)) ٣٩٨:٧.
٣٦٣

ويتعجب))(١).
ونقل الذهبي عن أحمد قوله في سلمة بن وهرام: ((روى مناكير،
أخشى أن يكون ضعيفاً))(٢).
ونص عبارة أحمد بتمامها: ((روى عنه زمعة أحاديث مناكير،
أخشى أن يكون حديثه حديثاً ضعيفاً)(٣)، وبين العبارتين فرق، لا سيما
إذا عرفنا أن زمعة بن صالح ضعيف، وأن سلمة فيه توثيق کثیر، ونص
بعضهم على استثناء رواية زمعة بن صالح عنه.
وذكر العلائي في معرض كلامه على حديث يرويه دراج أبو
السمح، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، قول أبي داود في دراج:
((حديثه مستقيم)) (٤)، وغرض العلائي من ذلك تقوية الحديث.
وعبارة أبي داود بتمامها تفيد عكس ما أراده العلائي، قال أبو
داود: ((أحاديثه مستقيمة، إلا ما كان عن أبي الهيثم، عن أبي
سعید»(٥).
وما قاله أبو داود أصله للإمام أحمد، وقد ذكر ابن عدي بعض
الأحاديث التي أنكرت على دراج من روايته عن أبي الهيثم، عن أبي
سعيد، ومنها الحديث الذي تكلم عليه العلائي(٦).
(١) ((سؤالات الآجري لأبي داود)) ٣٠٨:٢، و((تاريخ بغداد)) ٣١٠:١٢.
(٢)
(«الميزان)) ٢: ١٩٣.
(٣)
((العلل ومعرفة الرجال)) ٥٢٧:٢ .
(٤)
(النقد الصحیح) ص٤٧ .
«سؤالات الآجري لأبي داود)) ١٦٦:٢ .
(٥)
((سؤالات أبي داود)) ص٢٤٧، و((العلل ومعرفة الرجال)) ١١٦:٣، و((علل
(٦)
المروذي)) ص١٠٩، و((الكامل)) ٩٧٩:٣.
/ ٣٦٤

وذكر ابن حجر أن الآجري روي عن أبي داود قوله في عباس بن
الوليد الدمشقي: ((كتبت عنه، وكان عالماً بالرجال والأخبار)).
كذا وقع في النسخة، والنص عند المزي - أصل كتاب ابن حجر -
فيه زيادة: ((ولا أحدث عنه))، وهو كذلك في ((سؤالات الآجري)).
وروى أحمد من طريق عبدالرحمن إسحاق المدني، عن الزهري،
عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، عن عبدالرحمن بن عوف في
قصة حلف المطيبين(١)، فصَحح الحديث أحمد شاكر، وذكر أقوال من
وثق عبدالرحمن بن إسحاق من ((تهذيب التهذيب))، ومما ذكره قول
أحمد: ((أما ما كتبنا من حديثه فصحيح))(٢).
وهو كذلك في ((تهذيب التهذيب))(٣)، ذكره ابن حجر عن
المروذي، عن أحمد، والنص في ((علل المروذي)) ليس فيه كلمة
((فصحيح))، ثم له تتمة تنقض على أحمد شاكر استدلاله بكلمة أحمد،
قال المروذي: ((قلت لأبي عبدالله: فعبدالرحمن بن إسحاق كيف هو؟
قال: أما ما كتبنا من حديثه، فقد حدث عن الزهري بأحاديث - كأنه
أراد: تفرد بها -، ثم ذكر حديث محمد بن جبير في الحلف - حلف
المطيبين -، فأنكره أبو عبدالله، وقال: ما رواه غيره))(٤).
الصورة الثالثة: تحريف النص، فنصوص الجرح والتعديل لا
تختلف عن غيرها من النصوص المنقولة من جهة تعرضها للتصحيف
(١) ((مسند أحمد)) ١٩٠:١، ١٩٣.
(٢) ((مسند أحمد)) تحقيق شاكر ١٢١:٣.
(٣) ((تهذيب التهذيب)) ٦ :١٣٧.
(٤) ((علل المروذي)) ص٦٤ .
٣٦٥

والتحريف ، مما يؤدي في أحيان كثيرة إلى بعد النص عن مراد قائله.
ويقع التحريف في النسخ المخطوطة، كما يقع بكثرة في المطبوع،
ومن أهم أسبابه أن يكون الناقد قد استخدم لفظاً غير متداول، أو
· استخدم أسلوباً قليل الاستعمال.
من ذلك قول أبي عثمان البرذعي: ((شهدت أبا حاتم يقول لأبي
زرعة: كان يحيى بن معين يقول: يوسف السمتي زنديق، وعائذ بن
حبيب زنديق، فقال له أبو زرعة: أما عائذ بن حبيب فصدوق في
الحديث، وأما يوسف السمتي فذاهب الحدیث، کان یحیی يقول:
كذاب، قال أبو عثمان: فرأيت هذه الحكاية التي حكاها أبو حاتم
عندي، عن بعض شيوخنا، عن يحيى: كان عائذ بن حبيب (زيدي)،
وهو بهذا أشبه، والله أعلم))(١).
وهو كما قال البرذعي، تحرف النص على أبي حاتم، فقد نقل
الدوري عن ابن معين توثيقه، وقوله فيه: ((قد سمعت من عائذ بن
حبيب، وكان يقال: إنه زيدي ... ))(٢)، ونقل إسحاق بن منصور، عن
ابن معين قوله فيه: ((صويلح))(٣).
وكذا سمع منه أحمد، وأثنى عليه خيراً (٤).
وقال ابن الجنيد: ((سألت يحيى قلت: يزيد بن هارون كتب عن
الجريري؟ قال: نعم، قال يحيى: وكان كهمس بن الحسن يقول: إن
(١) ((أسئلة البرذعي لأبي زرعة)) ص ٣٨٤، و(تهذيب الكمال)) ١٤: ٩٠.
(٢) ((تاريخ الدوري عن ابن معين)) ٢٩٠:٢.
(٣) ((الجرح والتعديل)) ١٧:٧ .
(٤) ((العلل ومعرفة الرجال)) ٢: ٣٦١، ٤٥٦:٣.
٣٦٦

الجريري اختلط بعد ذلك بكثير)) (١).
كذا وقع في النسخة، والمعروف أن كهمس بن الحسن يحدد
اختلاط الجريري قبل سماع يزيد بن هارون منه بمدة طويلة، فلعل
الصواب: ((قبل ذلك بكثير)) (٢).
وذكر الترمذي أنه سمع البخاري يذكر عن محمد بن عقبة قال:
((قال وكيع: زياد بن عبدالله - مع شرفه - يكذب في الحديث))(٣)، ساقه
الترمذي في معرض نقده لزياد بن عبدالله البكائي.
كذا ذكره الترمذي، وقد تحرف عليه النص، أو سقط منه كلمة،
وصوابه: ((هو أشرف من أن يكذب))(٤).
وقال الجوزجاني في أبي قتادة الحراني: ((غير مقنع، لأنه برك فلم
ينبعث))(٥)، كذا وقع في النسخة: ((برك))، وقد قال الجوزجاني في
يحيى بن عبدالحميد: ((ساقط متلون، ترك حديثه فلا ينبعث))(٦)، وعلق
عليه المحقق بقوله: ((وقوله: ((ترك حديثه)) وقع في الأصل بالتاء
المفتوحة (كذا)، ولعل الصواب: ((برك)) بالباء، ليتناسب مع قوله: فلا
ينبعث))، والله أعلم)).
(١) ((سؤالات ابن الجنيد لابن معين)) ص٢٥٩.
(٢) تقدم الكلام في اختلاط الجريري في المبحث الثاني من الفصل الأول، وانظر:
((تاريخ ابن الهيثم عن ابن معين)) ص١٠٣ .
(٣)
((سنن الترمذي)) ٣: ٤٠٤.
(التاريخ الكبير)) ٣٦٠:٣، و(الضعفاء الكبير)) ٨٠:٢، و((الكامل)) ١٠٤٩:٣،
(٤)
و(تهذيب التهذيب)) ٣٧٧:٣.
(٥)
«أحوال الرجال)» ص٣٠٨.
((أحوال الرجال)) ص١٣٦، وانظر: ((تاريخ بغداد)) ١٧٦:١٤، و((تهذيب الكمال))
(٦)
٤٢٨:٣١، و((سير أعلام النبلاء)) ٥٣٢:١٠.
٣٦٧

وما ذكره المحقق محتمل، لكن الأرجح منه أن يكون في المكانين
من الترك، لا من البروك، لأنه جعله في يحيى بن عبدالحميد للحديث
لا للرجل، وهكذا نقل الأئمة عن الجوزجاني في أبي قتادة أنه متروك
الحديث(١).
وروى ابن أبي حاتم، عن عبدالله بن أحمد، قال: سمعت أبي
يقول: ((إسحاق بن نجيح الملطي من أكذب الناس، يحدث عن النبي
(4* برأي أبي حنيفة))(٢).
كذا في النسخة، والنص على الصواب هكذا: ((إسحاق بن نجيح
الملطي هو من أكذب الناس، يحدث عن البتي، عن ابن سيرين، برأي
أبي حنيفة))(٣).
فتصحفت كلمة (البتي) إلى (النبي)، وأضيف إليها الصلاة
والتسليم، وعليه فلا يكون لذكر ابن سيرين معنى، فحذف، والبتي هو
عثمان بن مسلم البصري.
وكذا تحرفت العبارة في المطبوع من كتاب العقيلي، وابن عدي
بما أفسد معناها (٤).
وروى ابن أبي حاتم أيضاً عن عبدالله بن أحمد قوله: ((سألت أبي
عن عامر الأحول فقال: ليس حديثه بشيء))(٥).
(١) ((تهذيب الكمال)) ٢٦٢:١٦، و(تهذيب التهذيب)) ٦٧:٦، و((الميزان)) ٥١٨:٢.
(٢)
((الجرح والتعديل)) ٢٣٥:٢ .
((العلل ومعرفة الرجال)) ٣٠:٢، و((تاريخ بغداد) ٣٢٣:٦، و((تهذيب الكمال))
(٣)
٢: ٤٨٥، لكن وقع في الثاني: (( ... يحدث عن البتي، وعن ابن سيرين ... )).
(٤) ((الضعفاء الكبير)) ١: ١٠٥، و((الكامل)) ٣٢٤:١.
(٥) ((الجرح والتعديل)) ٣٢٦:٦، و((تهذيب الكمال)) ٦٦:١٤ .
٣٦٨
!

والنص عند عبدالله بن أحمد هكذا: ((سألته عن عامر الأحول
فقال: في حديثه شيء))(١).
وهذا هو اللائق بحال عامر الأحول في أقوال أحمد الأخرى،
وأقوال غيره(٢).
وروى أحمد، عن عبدالرزاق قال: ((قلت لمعمر: مالك لم تكثر
عن ابن شروس؟ قال: كان يثبج الحديث))(٣)، وكذا نقل البخاري معلقاً
عن عبدالرزاق قال: قال معمر: ((كان يثبج الحديث))(٤).
وذكر ابن عدي هذا بإسناده إلى البخاري فجاءت العبارة عنده
بلفظ: ((كان يضع الحديث))(٥).
ومن أجل رواية ابن عدي هذه وضع برهان الدين الحلبي هذا
الراوي - إسماعيل بن شروس - في كتابه ((الكشف الحثيث))(٦).
وكذا توارد عدد من الباحثين على تفسير التثبيج بالوضع، اعتماداً
على رواية ابن عدي، وليس الأمر كذلك، فقد قامت دلائل عديدة على
(١) ((العلل ومعرفة الرجال)) ٤٥:٢.
((العلل ومعرفة الرجال)) ١٨٣:٢، و((سؤالات الآجري لأبي داود)) ٤١١:١،
(٢)
و ((الجرح والتعديل)) ٣٢٦:٦، و((تهذيب التهذيب)) ٧٧:٥.
(٣) ((المعرفة والتاريخ) ٣٠:٣، و((الكامل)) ٣١٤:١، و((الميزان)) ٢٣٤:١، وجاءت
العبارة فيه: ((مالك لم تكتب عن ابن شروس؟ ... ))، والصواب ما في المصدرين
الأولين، فقد روى عنه معمر، انظر: ((العلل ومعرفة الرجال)) ١٧٥:٣، و((الجرح
والتعديل)) ١٧٧:٢ .
(٤) ((التاريخ الكبير)) ٣٥٩:١، و((الضعفاء الكبير)) ٨٤:١، و((الميزان)) ١: ٢٣٤، وهو
في المصدر الثاني بلفظ: ((يثبج في الحديث)).
(٥) ((الكامل)) ١: ٣١٤، و((الميزان)) ٢٣٤:١.
((الكشف الحثیث عمن رمي بوضع الحديث)) ص١٠٠ .
(٦)
٣٦٩

أن رواية ابن عدي هذه وقع فيها تحريف، ثم إن التثبيج في اللغة ليس
بمعنى الوضع والكذب، بل معناه - كما تقدم - أنه لا يأتي بالحديث
على وجهه(١)، فكأن مراد معمر أنه لا يضبط الإسناد والمتن، ومعمر
قد روی عن ابن شروس، لكن لم يكثر عنه للسبب الذي أشار إليه، وقد
ذكره ابن حبان، وابن شاهين في ((الثقات))، ووصفه الأخير بأنه ثقة(٢).
ونقل عبدالغني المقدسي في كتابه ((الكمال)) عن أبي حاتم قوله في
بشير بن نهيك: ((تركه يحيى القطان))، فتعقبه المزي فقال: ((وهم فاحش
نشأ عن تصحيف، إنما قال أبو حاتم: روى عنه النضر بن أنس، وأبو
مجلز، وبركة، ويحيى بن سعيد))(٣).
ونقل المزي عن أبي زرعة الرازي قوله في عمر بن عطاء بن وراز:
(ثقة لين))(٤).
والنص عند ابن أبي حاتم هكذا: ((مكي لين))(٥)، وهذا هو اللائق
بحاله، عند أبي زرعة وغيره، فقد قال فيه أبو زرعة في رواية أخرى:
(ضعيف الحديث))(٦).
وما ذكره المزي الظاهر أنه في بعض نسخ ((الجرح والتعديل))، فقد
ذكر محققه أن النص في نسخة هكذا: ((مكي، ثقة، لين))، فكأنها ملفقة
من نسختین .
(١) انظر: ما تقدم في المبحث الأول من الفصل الثاني.
(٢) ((ثقات ابن حبان)) ٣١:٦، و((تاريخ أسماء الثقات)) ص٥١.
(٣)
((تهذيب الكمال)» ١٨٢:٤، و(الجرح والتعديل)) ٣٧٩:٢.
(٤)
((تهذيب الكمال)» ٤٦٤:٢١.
((الجرح والتعديل)» ١٢٦:٦.
(٥)
(٦) ((أسئلة البرذعي لأبي زرعة)) ص٤١٧، و((تهذيب التهذيب)) ٧: ٤٨٤.
٣٧٠

وذكر الذهبي عن أبي داود قوله في علي بن هاشم بن البريد:
((ثبت يتشيع))(١).
والنص هكذا وقع فيه اختصار وتحريف، وصوابه بتمامه: ((أهل
بيت تشيع، وليس ثم كذب))(٢)، ووراء ذلك أن النص ليس لأبي داود،
وقد نسبه أبو داود في مكان آخر إلى صاحبه، قال الآجري: ((سألت أبا
داود عن علي بن هاشم بن البريد، فقال: سئل عنه عيسى بن يونس،
فقال: أهل بيت تشيع، وليس ثم كذب، قلت لأبي داود: من ذكره؟
فقال: حدثنا الحسن بن علي الحلواني، عن الحداني))(٣).
ونقل ابن حجر عن المروذي قوله: ((سألت أحمد، عن المبارك،
وأبي هلال، فقال: متقاربان، ليس هما بذاك، فقد كتب علي أني لا
أخرج عن مبارك شيئاً))(٤).
كذا في النسخة، وآخر النص وقع فيه تحريف وسقط وصوابه
( ... وقد كنت لا أخرج عن مبارك شيئاً، ثم بعد))(٥).
وذكر أحد الباحثين أن الأزدي قال في أحمد بن شبيب الحبطي:
((متروك الحديث، غير مرضي)).
والصواب أنه قال فيه: ((منكر الحديث، غير
(١) ((الميزان)) ١٦٠:٣.
(٢) (سؤالات الآجري لأبي داود)) ١: ١٥٨ .
(٣) (سؤالات الاجري لأبي داود)) ٢٣٦:١، و((تاريخ بغداد)) ١١٧:١٢، والحداني هو
محمد بن داود، انظر: ((الجرح والتعديل)) ٧: ٢٥٠، و((تهذيب الكمال)) ٦٦:٢٣.
(٤) (تهذيب التهذيب)) ٣١:١٠.
(٥) ((علل المروذي) ص٧٢.
٣٧١

مرضي)) (١).
وذكر أحد الباحثين أن يعقوب بن سفيان قال في شهر بن حوشب:
((شهر وانٍ)) نقل هذا عن ((تهذيب التهذيب))، والنص فيه ليس هكذا،
فالباحث لم يحكم قراءته، ولفظه: ((شهر وإن قال فيه ابن عون: نزكوه
- فهو ثقة))(٢)، وبين المعنيين فرق كبير، والباحث قد ذكر النص في
مكان آخر فقرأه على الصواب.
ويلتحق بتحريف النصوص ما يتعرض له النص من نقص أو زيادة
بسبب سهو الناسخ، أو رداءة النسخة المخطوطة أو المطبوعة.
مثل ذلك قول عثمان الدارمي وهو يسأل يحيى بن معين عن
أصحاب الثوري: ((قلت: فالأشجعي؟ فقال: صالح))(٣).
وقد ذكرته المصادر عن الدارمي هكذا: ((صالح ثقة)) (٤).
ونقل ابن أبي حاتم عن والده قوله في أحمد بن شبيب: ((ثقة))(٥)،
وذكر ابن حجر أنه قال فيه: ((صدوق))(٦)، كذا في النسخة، والنص عند
المزي بهما جميعاً: ((ثقة، صدوق))(٧).
وروى ابن أبي حاتم، عن عباس الدوري، عن ابن معين قوله في
عمر بن حبيب البصري: ((ضعيف، كان يكذب))(٨).
(١) ((ميزان الاعتدال)) ١٠٣:١ت، و(تهذيب التهذيب)) ٣٦:١، و((هدي الساري))
ص٣٨٦.
(٢)
((تهذيب التهذيب ٤٧١:٤، وهو في ((المعرفة والتاريخ)) ٤٢٦:٢.
(٣)
(تاريخ الدارمي عن ابن معين)) ص٦١.
((الجرح والتعديل)) ٣٢٤:٥، و((تاريخ بغداد)) ٣١٢:١١، و(تهذيب الكمال))
(٤)
١٩: ١١٠، و((شرح علل الترمذي)) ٧٢٣:٢.
(٥)
((الجرح والتعديل)) ٥٥:٢.
(٦)
((تهذيب التهذيب)) ٣٦:١.
(٧)
((تهذيب الكمال)) ٣٢٧:١.
((الجرح والتعديل)) ١٠٥:٦.
(٨)
٣٧٢

والنص في تاريخ الدوري ليس فيه: ((كان يكذب))(١)، وهو كذلك
في مصادر عديدة من طرق متضافرة عن الدوري(٢)، وهو اللائق بحال
عمر(٣).
وذكر ابن حجر في ترجمة أبي بلج يحيى بن أبي سليم الواسطي،
عن الجوزجاني والأزدي قولهما فيه: ((كان ثقة)) (٤).
كذا وقع في النسخة، وهي كثيرة السقط والتحريف، والصواب:
((كان غير ثقة))(٥).
والحاصل أن الباحث مطالب بالتدقيق في النصوص، والحرص
الشديد على التأكد من سلامتها من التحريف والسقط، فتعرض
النصوص لذلك أمر شائع کثیر.
وقد يتعرض النص لغير الأمور الثلاثة السابقة في هذا المطلب -
وهي حكاية معنى النص، وبتره، وتحريفه -، فقد يتعرض النص لما هو
أدق من ذلك، كجمع النص، أو تفريقه، فمن صوره أن يكون الناقد
تكلم على راو في مكان، ثم تكلم عليه في مكان آخر، فيجمع المؤلف
بينهما، مع احتمال أن يكون لهذا مناسبة ولهذا مناسبة، ومن صوره
أيضاً أن يكون الناقد قد تكلم على راويين مقارناً بينهما، فيأتي بعض
المؤلفين الناقلين لكلامه فيفرقون كلامه على هذا الراوي في ترجمته،
((تاريخ الدوري عن ابن معين)) ٤٢٦:٢ .
(١)
((الضعفاء الكبير)» ١٥٣:٣، و((الكامل)) ١٦٩٥:٥، و((تاريخ بغداد)) ١٩٩:١١.
(٢)
(٣)
(تهذيب التهذيب)) ٤: ٤٣١ .
(٤)
((تهذيب التهذيب)) ١٢ :٤٧ .
((أحوال الرجال)) ص١٩٨، و((الكامل)) ٢٦٨٥:٧، و((ميزان الاعتدال)) ٣٨٤:٤،
(٥)
و((ديوان الضعفاء)) ص٣٣٧.
٣٧٣

وعلى الراوي الآخر في ترجمته، والعكس كذلك، قد يبدو النص على
صورة مقارنة بين راويين، وبالمتابعة يتبين أنه تكلم في كل واحد منهما
على حدة، وقد يكون قارن بينهما، لكن بعض ما نسب إليه في المقارنة
قد ذكره مفرداً، وهذه مسائل دقيقة تجنبت شرحها خشية الإطالة، وقد
لاحظت أن ابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) يفعل بعض ما تقدم
فيما ينقله عن كتب السؤالات والعلل، والله أعلم.
٣٧٤

المبحث الثالث
قائل النص
من المهم جداً بالنسبة للناظر في أقوال النقاد أن يكون قد عرف
قدراً كافياً مما يتعلق بهؤلاء النقاد، في سيرتهم، ومنزلتهم في الرواية
والنقد، وطبقاتهم.
ولهذا الغرض درج بعض المؤلفين في الجرح والتعديل على
الحديث عن هؤلاء النقاد في مقدمة كتبهم، فاختار ابن أبي حاتم
(ت٣٢٨ هـ) نماذج للنقاد، وترجم لهم تراجم موسعة، بحيث جاءت
مقدمته في مجلد مستقل من المطبوع.
كما فعل هذا أيضاً ابن حبان (ت٣٥٤هـ) في مقدمة كتابه
((المجروحين))(١)، حيث خصص فصلاً منها للحديث عن مشاهير
النقاد .
وسرد ابن عدي في مقدمة كتابه ((الكامل في ضعفاء الرجال))(٢)
عدداً كبيراً ممن استجاز لنفسه الكلام في الرجال، أو من نصب نفسه
لذلك، ابتداء من صحابة رسول الله وّلت إلى عصره، فبلغ بهم ٧٥
ناقداً، مع إشارته إلى أنه لم يستقص، وترجم لبعضهم تراجم متفاوتة،
وذكر شيئاً من أخبارهم، وقال بعد ذلك: ((ذكرت لكل واحد منهم
البعض من فضائلهم، والمعنى الذي به يستحقون الكلام في الرجال،
ولأجله يسألونهم، وتسليم الأئمة لهم ذلك)).
(١) ((المجروحين)) ١ : ٣٤- ٦٠.
(٢) ((الكامل)) ٦١:١-١٤٧.
٣٧٥

ثم خص الحاكم (ت٤٠٥ هـ) المشهورين من المزكين الرواة
الأخبار بمؤلف مستقل، فبلغ بهم أربعين ناقداً، وجعلهم على عشر
طبقات، في كل طبقة أربعة منهم، ابتدأهم أيضاً بطبقة الصحابة رضوان
الله عليهم(١).
ثم جاء الذهبي (ت٧٤٨هـ) فجمع أسماء النقاد في رسالة
سماها: ((ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل)) (٢)، فبلغ بهم إلى
عصره نحو سبعمئة وخمسة عشر ناقداً، رتبهم على طبقات، وهو يشير
بعد كل طبقة - في الغالب - إلى أنه إنما يذكر من حضره اسمه، وقد
ترك غيرهم، ومما قاله - بعد سرده للطبقة الخامسة، طبقة البخاري
ومسلم: ((وخلق كثير لا يحضرني ذكرهم، ربما كان يجتمع في الرحلة
المئتان، والثلاثمئة بالبلد الواحد، فأقلهم معرفة كأحفظ من في
عصرنا))(٣).
غير أن هؤلاء النقاد الذين ذكرهم الذهبي والذين لم يذكرهم
ممن صدر منهم النقد ليسوا على درجة واحدة في كثرة النقد وقلته،
فمنهم المكثر جداً، ومنهم من يعز النقل عنه، ثم ليسوا أيضاً في منزلة
واحدة في النقد، بل منهم من تكلم في نقده، إما مطلقاً، أو في بعض
(١) ((معرفة علوم الحديث)» ص٥٢.
(٢) حقق هذه الرسالة شيخنا عبدالفتاح أبو غدة، ضمن ((أربع رسائل في علوم
الحديث))، طبعها عدة مرات.
وقد لخص هذه الرسالة السخاوي في كتابه ((فتح المغيث)) ٣٥٦:٤-٣٦٠، وفي
كتابه: ((الإعلان بالتوبيخ)) ص٧٠٦ -٧٢٣، وعن هذين الكتابين أفردها شيخنا
عبدالفتاح أبو غدة، وطبعها ضمن الرسائل الأربع المشار إليها ..
(٣) ((ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل)) ص١٩٧ .
٣٧٦
٤

الأحيان، والمشهورون منهم أيضاً يوجد تفاوت بينهم في منهج النقد.
ولا سبيل - إطلاقاً - في هذه العجالة إلى تفصيل الكلام في
النقاد، وبيان مراتبهم ومنازلهم في النقد، وشرح الشروط الواجب
توافرها في الناقد، وكيف وقع الإخلال بها من بعض النقاد(١)، لكنني
هنا أشير إشارة مجملة إلى بعض الضوابط التي تحكم النظر في الناقد
نفسه .
وأول ما ينبغي معرفته هنا شروط الناقد للرواة لقبول قوله في
غيره، وهي تتلخص في خمسة شروط:
١- الورع التام، وتقوى الله تعالى، فلا يتكلم في شخص
العداوة بينهما، أو لحسد، أو لخلاف مذهبي، أو لكونه تكلم فيه،
ونحو ذلك، ولا يوثق شخصاً لقرابة، أو لصلة بينهما، ونحو ذلك.
٢ - أن يكون ثقة في نفسه، فلا يقبل قول من يتهم بالكذب، أو
يرتكب مفسقاً، أو من هو ضعيف في ضبطه وحفظه.
٣- الاعتدال والوسطية في المنهج، فلا يعرف عنه إسراف في
الجرح، ولا تساهل مفرط في التعديل.
٤- الحفظ الواسع للروايات والطرق، ليتمكن بذلك من سبر
حال الراوي، وتطبيق وسائل فحص الرواة عليه.
٥- الخبرة التامة في نقد الرواة، ومدارسة النقاد ومذاكرتهم،
(١) في النية تخصيص باب للكلام على (أئمة النقد وكتبهم) أفصل فيه ما أجملته هنا،
وأضم إليه الحديث عن النقاد في مجال نقد المرويات نفسها، وكذلك الحديث عن
كتب النقاد، والكتب التي جمعت كلامهم، وهو أحد أجزاء هذه السلسلة، أسأل
الله تعالى أن ييسر ذلك بحوله وقوته.
٣٧٧

ليعرف بذلك ما يصلح أن يكون قدحاً في الراوي، وما يصلح أن يكون
مدحاً له.
وتطبيق هذه الشروط على الناقد يتولاه النقاد أنفسهم، ولا
يقال: هذا دور، فنحن نريد التأكد من وجود هذه الشروط في الناقد،
والناقد هو الذي يبين لنا ذلك، لأنا نقول: الدور منقطع بكون الحاكم
على الناقد وبيان قيمة أقواله في النقد هم مجموعة النقاد.
ومثال ذلك أربعة من النقاد كانوا في عصر واحد، وهم: يحيى
بن سعيد القطان، وعبدالرحمن بن مهدي، وأبو نعيم الفضل بن دكين،
وعفان بن مسلم البصري، فالأولان التف حولهما التلاميذ، وسألوهما
أسئلة كثيرة جداً، وقيدوا كل حرف قالاه، وسجلوا مواقفهما العملية
من الرواة، وتلاميذهما ممن لديهم ملكة نقدية، كأحمد، وابن معين،
وابن المديني، وعمرو الفلاس، وأبي خيثمة زهير بن حرب، وغيرهم،
فكانوا يراجعونهما فيما يرونه يحتاج إلى مراجعة، ويرفضون بعض
آرائهما (١)، فاعتبارهما من كبار النقاد إذن نستطيع أن نقول إنه صدر عن
مجموعة النقاد.
وأما الآخران فتلامذتهما هم أنفسهم تلامذة الأولين، وليست
منزلتهما في النقد كمنزلة الأولين، مع أن الظاهر كثرة كلامهما على
الرواة، لكن لم يدون منه إلا القليل، ولم يعتن بكلامهما كما فعل مع
يحيى، وعبدالرحمن، والذي أنزلهما هذه المنزلة هم تلامذتهم النقاد
أيضاً، وقد بين علي بن المديني سبب ذلك، قال الآجري: ((قلت لأبي
(١) تقدم شيء من هذا في المبحث الرابع من الفصل الأول.
٣٧٨

داود: بلغك عن عفان إنه ليكذب وهب بن جرير؟ فقال: حدثني عباس
العنبري قال: سمعت علياً يقول: أبو نعيم، وعفان صدوقان، لا أقبل
كلامهما في الرجال، هؤلاء لا يدعون أحداً إلا وقعوا فيه))(١).
وسيأتي قريباً عن أحمد ما يؤيد هذا، وكذا جاء عن أبي خيثمة
زهير بن حرب(٢).
ولا يقال إن المعروف بالشدة من هؤلاء الأربعة هو يحيى
القطان، وذلك لأن الشدة التي عرف بها لا تخرج عن النقد المقبول،
فالذين تشدد معهم يحيى القطان هم في الغالب محل للكلام، فتشدده
بناء على منهج ارتضاه وسلکه في هؤلاء، وقد مضی ما یوضح ذلك،
وسيأتي قريباً زيادة إيضاح.
وأما تشدد عفان، وأبي نعيم فيظهر من كلام ابن المديني،
وأحمد أنه لم يسلم منه أحد، وإن لم يكن موضعاً للكلام فيه (٣).
وذكر ابن معين سبباً آخر في أبي نعيم بخصوصه، وهو تأثير
معتقده - وهو ما عليه أهل الكوفة من التشيع - على أحكامه على
الرواة(٤).
وهكذا يقال في النقاد قبل طبقة هؤلاء الأربعة وبعدها، إنما
يبين منزلة الناقد في النقد: المعتنون به في وقتهم، المدركون له،
(١) «سؤالات الآجري لأبي داود)) ١٦:٢.
(٢)
((تاريخ بغداد)) ٤٠٣:٨.
انظر نماذج من نقد هذين الإمامين: ((سؤالات ابن الجنيد لابن معين)) ص٣٢٢،
(٣)
و((أسئلة البرذعي لأبي زرعة)) ص٧٤٤ -٧٤٥، و((تاريخ بغداد)) ٤٠٣:٨.
(٤) ((سؤالات ابن الجنيد)) ص٤٦٩ .
٣٧٩

فاجتماع العشرات من النقاد على توجيه الأسئلة في الرواة إلى أحمد بن
حنبل، ويحيى بن معين مثلاً هو الشهادة لهما على جلالتهما في النقد،
وعلو كعبهما فيه.
ثم إذا تحققنا من قبول الناقد واعتماده في الجرح والتعديل -
صار قوله أيضاً معتمداً في بيان منزلة غيره في النقد، ويكتفى بقوله،
ولا يشترط أن يبلغنا ذلك عن مجموعة من النقاد.
ولهم مصطلحات في بيان كون الشخص ناقداً أو غير ناقد، من
ذلك قولهم: فلان من أصحاب الحديث، وربما قالوا: من كبار
أصحاب الحديث، أو ليس من أصحاب الحديث(١)، وقولهم: فلان
يفهم هذا الشأن، أو فلان عارف، أو يعرف.
ويمكن للباحث أيضاً أن يستفيد من كلام الأئمة المتأخرين،
ممن اعتنى بكلام النقاد، وأدمن النظر فيه، كالذهبي، وابن عبدالهادي،
وابن رجب، وابن حجر، فلهم كلمات في بعض النقاد يوضحون فيها
مناهجهم، ومنزلتهم في النقد.
إذا تبين هذا فإن الذين تكلموا في الرواة بالنسبة لتوافر الشروط
فيهم أو عدمه على ثلاثة أصناف:
الصنف الأول: من عرفنا أنهم أخلوا ببعض الشروط، فمتى
وصلنا عن أحد النقاد أنه أخل بشرط من هذه الشروط أو أكثر، بحيث
لم يتوافر في الناقد، فينظر في هذا الشرط، ودرجة الإخلال به.
(١) وربما استعملوا هذا المصطلح في درجة الراوي توثيقاً أو تضعيفاً، وسيأتي الحديث
عن هذا في المبحث الرابع.
٣٨٠