النص المفهرس

صفحات 201-220

أكتب عمن يغلط في عشرة؟ قال: نعم، قيل له: يغلط في عشرين؟
قال: نعم، قلت: فثلاثين؟ قال: نعم، قلت: فخمسين؟ قال:
نعم))(١)، وقال أيضاً: ((قلت لعبدالرحمن بن مهدي: أكتب عمن يغلط
في مئة؟ قال: لا، مئة كثير))(٢).
فهذا الجواب ليس على ظاهره وأن ذلك محدد بعدد، إذ عرف من
مذهب عبدالرحمن بن مهدي أنه لا يترك حديث الرجل حتى يكون
الغالب عليه الوهم والغلط(٣)، فكأنه أراد في جوابه لسليمان بن أحمد
غير المكثرين جداً من الرواية، وغير المقلين جداً، فلا يعارض هذا
أنهم ربما ضعفوا الراوي بالخطأ في الحديث الواحد لقلة حديثه (٤).
ويضاف إلى مراعاة مقدار الخطأ والصواب في حديثه نوع الخطأ
الذي وقع فيه، فبعض الأخطاء وإن كانت قليلة قد يكون أثرها في
الحكم على الراوي أقوى من غيرها، فمثلاً إذا حدث الراوي فاختلفت
روايته بين إرسال ووصل أهون من أن ينقلب عليه الإسناد، كما قال
يعقوب بن شيبة في هشام بن عروة: «هشام مع تثبته ربما جاء عنه بعض
الاختلاف، وذلك فيما حدث بالعراق خاصة، ولا يكاد يكون الاختلاف
عنه فيما يفحش، يسند الحديث أحياناً ويرسله أحياناً، لا أنه يقلب
إسناده ... ))(٥).
((الجرح والتعديل)) ٢: ٢٨.
(١)
(٢)
((الجرح والتعديل)) ٢: ٣٣.
(التمييز)) ص، و((الجرح والتعديل)) ٣٨:٢، و((الكامل)) ١٦٦:١، و((الكفاية))
(٣)
ص١٤٣، و((شرح علل الترمذي)) ١ : ٣٩٨.
(٤) انظر مثلاً: ((أسئلة البرذعي لأبي زرعة)) ص٣٥٣.
(٥) ((شرح علل الترمذي)) ٢ : ٧٦٩.
٢٠١

ومثل ما تقدم يقال في تفرد الراوي، فنرى الأئمة يستنكرون
أحاديث لبعض الرواة، ومع هذا يوثقونهم، ونراهم تارة أخرى يضعفون
الراوي بحديث واحد أنكر عليه(١)، وما ذلك إلا لمراعاة مقدار ما
شارك الراوي فيه الثقات، ونوع ما تفرد به، فبعض التفرد لا يغتفر وإن
كان قليلاً، كما قال أبو زرعة، وقد سئل عن عمر بن عبدالله بن أبي
خثعم: ((واهي الحديث، حدث عن يحيى بن أبي كثير ثلاثة أحاديث،
لو كانت في خمسمئة لأفسدتها))(٢).
فإذا جئنا إلى عدالة الراوي رأينا تعارض الوسائل يقع فيها أيضاً،
مثل أخذ الأجرة على التحديث، فقد ورد عن الأئمة كلمات في التحذير
منه، وأنه لا يؤخذ الحديث ممن يبيعه، وفي مقابل ذلك وثقوا جماعة
ممن كان يأخذ الأجرة على التحديث، وأثنوا عليهم، فمنعهم من أخذ
الأجرة («تنزيهاً للراوي عن سوء الظن به، لأن بعض من كان يأخذ الأجر
على الرواية عثر على تزيده وادعائه ما لم يسمع، لأجل ما كان
يعطى))(٣)، فإذا أمن هذا الجانب، وثبتت عدالة الراوي وثقته، صار
الخروج على عرفهم مستساغاً إذا ألجأت إليه الحاجة والضرورة(٤).
ومن دقائق تعارض الوسائل ما يرجع الأمر فيه إلى القصد والنية،
فقد يكون في الشخص من الصلاح والعبادة ما يظن به البعد عن
(١) انظر مثلاً: ((أسئلة البرذعي لأبي زرعة)) ص٣٥٩، ٣٦٠، و((المجروحين)) ١ :
٣٠٠.
ے
(٢) ((أسئلة البرذعي لأبي زرعة)) ص٥٤٣.
(٣) ((الكفاية)) ص١٥٤ .
(٤) انظر: ((معرفة الرجال)) ٢: ٣١، و((الكفاية)) ص١٥٣-١٥٦، و((سير أعلام النبلاء))
٤٢٦:١١، و(فتح المغيث)) ٢: ٨٦-٩٩.
٢٠٢

الكذب، وفي حديثه من المناكير والموضوعات ما يوجب ريبة أن يكون
يكذب، فهل ما وقع منه بسبب الضبط، من غير تعمد، أو بسبب العدالة،
فالراوي قد تعمد ذلك؟ في أحيان كثيرة يتحدد أحد السببين بسهولة، بناء
على قرائن الحال التي تحيط بالراوي، ومثاله ما وقع لعبدالعزيز
الدراوردي، فقد انقلبت عليه أحاديث عبدالله بن عمر العمري، وهو
ضعيف، فجعلها عن أخيه عبيدالله بن عمر، وهو ثقة ثبت، وعُدَّ ذلك خطأ
من الدراوردي، ووقع القلب من راو آخر، وهو حماد بن عمرو النصيبي،
وعد العلماء ذلك تعمداً منه(١).
وفي أحيان أخرى يقع التردد، كما في قصة أبي مقاتل حفص بن سلم
السمرقندي، أحد العباد، في حديثه مناكير وموضوعات، فمن النقاد من
یری أنه صدوق، لا یتعمد الكذب، وأنه یغلط، ویدخل عليه الحدیث دون
أن يدري، ومنهم من يكذبه، قال نصر بن حاجب المروزي: ((ذكرت أبا
مقاتل لعبدالرحمن بن مهدي، فقال: والله لا تحل الرواية عنه، فقلت له:
عسى أن يكون كتب له في كتابه وجهل ذلك، فقال: يكتب في كتابه
الحديث؟ فكيف بما ذكرت عنه أنه قال: ماتت أمي بمكة، فأردت الخروج
منها، فتكاريت، فلقيت عبيد الله بن عمر، فأخبرته بذلك، فقال: حدثني
نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله وقالله: ((من زار قبر أمه كان كعمرة))،
قال: فقطعت الكرى، وأقمت، فكيف يكتب هذا في كتابه؟))(٢).
(١) انظر: ما تقدم في المبحث الثاني (اختلاف حال الراوي) (الصورة الأولى)،
و((الضعفاء الكبير)) ١: ٣٠٨، و((لسان الميزان)) ٢: ٣٥٠، و((النكت على كتاب ابن
الصلاح)) ٢ : ٦٤٠.
(٢) ((المجروحين)) ١: ٢٥٦، وانظر: ((الكامل)) ٢: ٨٠٠، و((الإرشاد)) ٣: ٩٧٥،
و((تهذيب التهذيب)) ٢: ٣٩٧، و((لسان الميزان)) ٢: ٣٢٢.
٢٠٣

ومثله سفيان بن وكيع بن الجراح، اتفقوا على ضعفه، وجمهورهم
على أنه صدوق في نفسه، يُدخل عليه ما لیس من حديثه فیحدث به،
وأما أبو زرعة فرماه بالكذب(١).
وعكسه أحمد بن محمد بن غالب، المعروف بغلام خليل، رماه
بوضع الحديث جماعة من الأئمة، وأما أبو حاتم فقال: ((روى أحاديث
مناكير عن شيوخ مجهولين، ولم يكن عندي ممن يفتعل الحديث، كان
رجلاً صالحاً))(٢).
وربما وقع التردد في الراوي من ناقد واحد، كما قال ابن عدي في
عبدالله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم، بعد أن ساق له أحاديث
بواطيل: ((إما أن يكون مغفلاً لا يدري ما يخرج من رأسه، أو متعمداً،
فإني رأيت له غير حديث مما لم أذكر أيضاً هاهنا غير محفوظ)) (٣).
وفي نظري أن تعارض الوسائل عند النقاد أهم سبب لاختلافهم في
الراوي الواحد، بل لاختلاف الرواية عن الإمام الواحد، وتردده في
الراوي، وهذا يكثر في الرواة المتوسطين، ويوجد في غيرهم أيضاً،
والله أعلم.
(١) انظر: المبحث الأول من هذا الفصل (وسائل الحكم على الراوي) (النظر في
أصول الرواة)، و((الجرح والتعديل)) ٢٣١:٤، و((تهذيب التهذيب)) ١٢٣:٤.
(٢) (الجرح والتعديل)) ٧٣:٢، و((المجروحين)) ١٥٠:١، و((تاريخ بغداد)) ٧٨:٥،
و((الموضوعات)) ١١٣:٣، و((اللسان)) ٢٧٢:١، وانظر ما تقدم في المبحث الأول
من هذا الفصل (وسائل الحكم على الراوي) (توجيه أسئلة للراوي).
(٣) ((الكامل)) ١٥٦٨:٤ .
٢٠٤

ثالثاً: نقد النقد:
كما أن الراوي إذا روى شيئاً - وإن قل - قد جعل نفسه عرضة لنقد
النقاد، فقد یصوبونه أو يخطئونه، وربما اتهموه - فالناقد له كذلك، قد
نصب نفسه عرضة للنقد والمساءلة، ويتم ذلك على صفتين، الصفة
الأولى: حال الناقد في عموم نقده، ومنزلته، وقيمة ما يصدره من
أحكام، وهذه سيأتي الحديث عنها في الفصل الثالث (ضوابط النظر في
أحكام النقاد على الرواة)، والصفة الثانية: تتبع الأحكام الجزئية التي
يصدرها الناقد على الرواة من قبل غيره، وقد يفعل هذا الراوي نفسه،
يدافع عما رمي به من خطأ، أو اتهم به من كذب، وقد يكون من نقاد
آخرين، معاصرين للناقد الأول، أو ممن جاء بعده.
فالعالم الإسلامي باتساعه يمثل محكمة للرواة، والراوي متى
تصدى للرواية فالأمة ستحاكمه، أصاب أم أخطأ؟ صدق أم كذب؟ يقوم
مقام الأمة في ذلك النقاد، ولما كانوا هم أيضاً بشراً يصيبون ويخطئون،
وقد يظن الواحد منهم استكماله لوسائل نقد الراوي فيصدر حكمه، ولا
يكون الأمر كذلك - كانت أحكامهم أيضاً عرضة للمراجعة والنقد، فلا
محاباة لأحد، ولا تجن على أحد، وكل سيأخذ حقه في النهاية، كما
قال الذهبي: ((هذا الدين مؤيد محفوظ من الله تعالى، لم يجتمع
علماؤه على ضلالة، لا عمداً ولا خطأ، فلا يجتمع اثنان على توثيق
ضعيف، ولا على تضعيف ثقة))(١).
ولا أراني بحاجة إلى التنبيه على أن نقد النقد ربما أجدى شيئاً،
(١) ((الموقظة)) ص٨٤.
٢٠٥

وربما لم يجد، بل قد يتعرض للنقد أيضاً، غير أن قضية مراجعة أحكام
الناقد من قبل غيره تجعله يحسب حساباً لذلك، وربما تراجع عن بعض
أقواله، كما سيأتي في الأمثلة.
وفيما يتعلق بدفاع الرواة عن أنفسهم فإن كتب الرواة وأصولهم
العتيقة تعد الخط الأول للدفاع، كما تقدمت الإشارة إليه في المبحث
الأول: (وسائل الحكم على الراوي) (النظر في أصول الرواة).
وروى أبو داود عن شيخه الحسن بن علي الحلواني قوله: «أول
من أظهر كتابه روح بن عبادة، وأبو أسامة))، علق عليه الخطيب بقوله:
((يعني أنهما رويا ما خولفا فيه، فأظهرا كتبهما حجة لهما على
مخالفيهما، إذ روايتهما من حفظهما موافقة لما في كتبهما))(١) .
ومن النصوص في دفاع الرواة عن أنفسهم قصة الحسن بن عمارة
مع شعبة، كان شعبة يتكلم في الحسن بن عمارة، ويرميه بالكذب،
ومما يستدل به شعبة على قوله أن الحكم بن عتيبة لم يحدث عن يحيى
بن الجزار إلا ثلاثة أحاديث، والحسن بن عمارة يحدث عن الحكم،
عن يحيى بن الجزار أحاديث كثيرة، وسئل الحسن بن عمارة عن ذلك
فقال مدافعاً عن نفسه: ((الحكم أعطاني حديثه عن يحيى في كتاب
لأحفظه، فحفظته))(٢)، وكان يقول: ((الناس كلهم في حِلِّ، ما خلا
شعبة))(٣).
وكذا دافع عنه بعض معاصريه، غير أن هذا كله لم يجد شيئاً،
-
«سؤالات الآجري لأبي داود)) ٢: ١٤١، و((تاريخ بغداد)) ٨: ٤٠٢.
(١)
(٢)
((تاريخ بغداد)) ٧: ٣٤٧.
(تاريخ بغداد)) ٧: ٣٤٨.
(٣)
٢٠٦

فجمهور الأئمة على أنه متروك الحديث، بل نقل الساجي الإجماع على
ذلك(١).
وقال أحمد: ((سمعت عبدالوهاب الخفاف قال: استعار مني روح
كتاب ابن أبي ذئب فلم يرده علي، فذكرت ذلك لروح، فقال: بلى،
قد بعثت به مع أخيه - أو مع ابن أخيه ))(٢).
وقد اشتهر عن محمد بن جعفر غندر إتقانه لحديث شعبة، وصحة
كتابه عنه، وكأنه قد أحَسّ أن النقاد يغمزونه فيما سوى شعبة، لكونه لم
يلازم بقية شيوخه كما لازم شعبة، فذكر يحيى بن معين قصة يدافع فيها
محمد بن جعفر عن نفسه، أنقلها بطولها لطرافتها، قال ابن محرز:
((سمعت يحيى بن معين يقول: قال لي غندر مرة: أنتم تقولون إن غندراً
ضبط هذه الأحاديث عن شعبة لكثرة ما دارت عليه، هذا ابن عيينة قد
كتبت جرابين، فانظر فيهما، فإن أخرجت حديثاً واحداً خطأ فأنت
أنت، قال: فقلت له: هات - أو كما قال يحيى -، قال: فأخرج إلي
جرابين عن ابن عيينة، قال: فنظرت في أحدهما وأنا مقتدر - أو كما
قال يحيى بن معين -، حتى انتهيت إلى آخره، فلم أر شيئاً، ثم نظرت
في الآخر حتى قاربت أن أفرغ منه فلم أجد عليه فيه شيئاً، فكدت أن
أخجل، ثم إنه مر بي حديث - ذكره يحيى بن معين وأنسيته - فقلت:
ها هو ذا واحد، فقال لي: أي شيء هو، هو حديث كذا وكذا؟ قلت:
نعم، قال: ذاك من ابن عيينة، لا مني، هل مرّ بك قبل؟ قلت: لا،
قال: فإنه سيمر بك في موضع آخر على الاستواء، قال: ففتشت ما بقي
(١) (ضعفاء النسائي)) ص٣٤، و((الجرح والتعديل)) ٣: ٢٧، و(تهذيب الكمال)) ٦:
٢٦٥.
(٢) ((العلل ومعرفة الرجال)) ١: ٣٥٤، ٣٥٥.
٢٠٧

- أو كما قال يحيى -، فإذا الحديث قد مرّ بي صحيح، فعلمت أنه كما
قال - أو كما قال يحيى في هذا الكلام كله ))(١).
وكان المبارك بن حسان البصري قد خرج من البصرة ونزل مكة،
فذكر أبو سلمة التبوذكي البصري أنه قد سمع منه، وتوقف في ذلك
بعض الأئمة، وقد أشار إلى ذلك أحمد، قال أبو داود: ((قال لي
أحمد: ترى أبا سلمة - يعني المبارك - سمع منه؟ وتبسم))(٢).
وممن توقف في سماعه منه علي بن المديني، واضطر أبو سلمة
التبوذكي إلى إشهاد الجيران أن المبارك بن حسان قد قدم إلى البصرة
بعد خروجه منها، قال ابن أبي خيثمة: ((عاب علي بن المديني أبا
سلمة، قال: كيف سمع من المبارك وقد خرج عن البصرة قديماً؟ قال:
فبلغني أن أبا سلمة ذهب إلى جيران المبارك فشهدوا أن المبارك قدم
البصرة مختفياً، فسمع منه أبو سلمة في حال اختفائه))(٣).
وأما مراجعة بعض النقاد لكلام نقاد آخرين فأمثلته كثيرة جداً، فمن
ذلك أن يحيى بن سعيد القطان كان يضعف همام بن يحيى البصري،
ولا يحدث عنه، وكان يراجع في ذلك فلا يقبل، وخالفه كثير من النقاد
في رأيه، حتى قال عبدالرحمن بن مهدي: ((ظلم يحيى بن سعيد همام
بن يحيى، لم يكن له به علم ولا مجالسة)) (٤).
(١) (معرفة الرجال)) ٢: ٤١، وانظر: ((العلل ومعرفة الرجال)) ١: ٣٠٥.
(٢)
«سؤالات أبي داود) ص٣٥٤.
(٣)
((تهذيب التهذيب)) ١٠: ٢٦.
وانظر أمثلة أخرى لدفاع الراوي عن نفسه في: ((الجرح والتعديل)) ١٩٣:٩،
و ((تاريخ بغداد)) ١٤: ١٥٩، ١٢١:٧.
(٤) ((تهذيب التهذيب)) ١١ : ٧٠.
٢٠٨

وجاء عنه أنه رجع عما كان يقوله فیه، قال عفان: ((کان یحیی بن
سعيد يعترض على همام في كثير من حديثه، فلما قدم معاذ بن هشام
نظرنا في كتبه، فوجدناه يوافق هماماً في كثير مما كان يحيي ينكره
عليه، فكف يحيى بعد عنه))(١)، وفي رواية: ((فكان يحيى يقول لي بعد
ذلك: كيف قال همام في هذا الحديث - يتذاكرونه بينهم -؟))(٢).
وقال أحمد: ((ذكرنا عند يحيى بن سعيد عقيل بن خالد، وإبراهيم
بن سعد، فجعل كأنه يضعفهما، فجعل يقول: عقيل، وإبراهيم بن
سعد، عقيل ، وإبراهيم - كأنه يضعفهما -، وأيش ينفع يحيى من هذا؟
هؤلاء ثقات، لم يخبرهما یحیی))(٣).
وذكر علي بن المديني أن عبدالرحمن بن مهدي كان يطعن على
روح بن عبادة في أحاديث ابن أبي ذئب، عن الزهري، مسائل كانت
عنده، قال ابن المديني: ((فلما قدمت على معن بن عيسى بالمدينة
سألته أن يخرجها لي - يعني أحاديث ابن أبي ذئب، عن الزهري، هذه
المسائل - فقال لي معن: وما تصنع بها؟ هي عند بصري لكم يقال له:
روح، كان عندنا هاهنا حين قرأ علينا ابن أبي ذئب هذا الكتاب، فأتيت
عبدالرحمن بن مهدي، فأخبرته، فأحسبه قال: استحله لي)) (٤).
وقال أحمد مدافعاً عن شيخه روح بن عبادة: ((كانوا يقولون: إن
روحاً لا يعرف - يعني في الحديث -! سمعت عثمان بن عمر قال:
(١) ((الجرح والتعديل)) ٩: ١٠٨.
(سؤالات أبي داود)) ص٣٣٦، وانظر: ((العلل ومعرفة الرجال)) ٣: ٢١٦، و((تهذيب
(٢)
التهذيب)) ١١ : ٦٧.
(٣) ((العلل ومعرفة الرجال)) ٢: ٣٣٣، ٥١٩.
((تاريخ بغداد)) ٨: ٤٠٤.
(٤)
٢٠٩

استعرت من روح كتاب هشام، فكان كتاباً تاماً))(١).
وقال عبدالله بن أحمد: ((قلت لأبي إن يحيى بن معين يطعن على
عامر بن صالح، قال: يقول ماذا؟ قلت: رآه يسمع من حجاج، قال:
قد رأيت أنا حجاجاً يسمع من هشيم، وهذا عيب؟ يسمع الرجل ممن
هو أصغر منه وأكبر))(٢).
كذا نقل عبدالله لأبيه سبب طعن ابن معين في عامر بن صالح،
والروايات الأخرى عن ابن معين تشرح هذا السبب بما يعذر فيه ابن
معين، قال ابن محرز: ((سمعت يحيى بن معين سئل عن عامر بن صالح
الذي يحدث عن هشام بن عروة، فقال: كذاب، خبيث، عدو لله، هو
زبيري، قد کتبت عنه، فقلت لیحیی: إن أحمد بن حنبل یحدث عنه،
فقال: لمه وهو يعلم أنا تركنا هذا الشيخ في حياته، فقلت: ولم؟ قال:
قال لي حجاج - يعني ابن محمد الأعور -: جاءني فكتب عني حديث
هشام بن عروة، عن ابن لهيعة، وليث بن سعد، ثم ذهب فادعاها
فحدث بها عن هشام)) (٣).
وقال أبو داود: ((قيل لابن معين: إن أحمد حدث عن عامر بن
صالح، فقال: ماله؟ جُنّ))، قال أبو داود: ((حدث أحمد عنه بثلاثة
(١) ((العلل ومعرفة الرجال)) ١: ٣٥٤، وانظر نصوصاً أخرى في الكلام في روح
والدفاع عنه: ((سؤالات الآجري لأبي داود)) ٢: ١٧، و((الضعفاء الكبير)) ٢: ٥٩،
و((تاريخ بغداد)) ٨: ٤٠١، و((سير أعلام النبلاء)) ٩: ٤٠٢، و((تهذيب التهذيب)) ٣:
٢٩٣.
(٢) ((الكفاية)) ص١١٠، و((تاريخ بغداد)) ١٢: ٢٣٤.
(٣) ((معرفة الرجال)) ١: ٥٢، و((تاريخ بغداد)) ١٢: ٢٣٦، وحديث هشام بن عروة،
عن ابن لهيعة، وليث بن سعد المقصود به ما كتبه حجاج عن ابن لهيعة، وليث بن
سعد، عن هشام بن عروة، وانظر: ((سؤالات الآجري لأبي داود)) ٢: ٣٠٧.
٢١٠

أحاديث))(١).
وقد قواه أبو حاتم أيضاً لكن الجمهور على ما قاله ابن معين، وأنه
متروك الحديث، قال الدارقطني: ((أساء ابن معين القول فيه، ولم يتبين
أمره عند أحمد، وهو مدني يترك عندي))(٢).
ويشبه حاله حال إبراهيم بن أبي الليث البغدادي، كان أحمد، وابن
معین، وابن المديني يختلفون إليه يكتبون عنه، ثم ظهر للأخيرين منه ما
أوجب تركه، وكان ابن معين يذمه ذماً شديداً ويكذبه، وأما أحمد فظل
يحسن الظن به ويدافع عنه.
والجمهور على تضعيفه، ومنهم من يكذبه، قال صالح بن محمد
البغدادي: ((كان يكذب عشرين سنة، أشكل أمره على يحيى، وأحمد،
وعلي بن المديني، حتى ظهر بعد بالكذب، فتركوا حديثه))(٣).
وقد جرى بسببه مناقشات بين أحمد، وابن معين، بواسطة
تلامذتهما (٤).
وبضدهما داود بن المحبر البغدادي، كان أحمد يضعفه جداً،
ويكذبه، وكان ابن معين يذهب إلى أنه في الأصل ثقة، ولكنه جفا
الحديث ثم حدث، وكان يقول فيه مشيراً إلى ما يقال فيه: ((ليس له
(١) ((سؤالات الآجري لأبي داود)) ٢: ٣٠٧.
(سؤالات البرقاني للدارقطني)) ص٥٠، وانظر: ((العلل ومعرفة الرجال)) ١: ٤٠٩،
(٢)
و(ضعفاء النسائي)) ص٧٨، و((الجرح والتعديل)) ٣٢٤:٦، و((المجروحين)) ٢:
١٨٧، و((الكامل)) ٥: ١٧٣٧، و((تاريخ بغداد)) ١٢: ٢٣٤، و((تهذيب التهذيب)) ٥:
٧١.
(٣)
((تاريخ بغداد)) ٦: ١٩٦.
(٤) (معرفة الرجال)) ١: ٩٤، و((تاريخ بغداد)) ٦: ١٩١، و((لسان الميزان)) ١: ٩٣.
٢١١

بخت))(١)
والجمهور على ما قاله أحمد، وأنه متروك الحديث، ونسبه بعضهم
كذلك إلى الكذب ووضع الحديث(٢).
وسمع الحسين بن إدريس محمد بن عبدالله بن عمار الموصلي
يقول في إبراهيم بن طهمان: ((ضعيف مضطرب الحديث))، فذكر ذلك
لصالح بن محمد البغدادي المعروف بجزرة، فقال: ((ابن عمار من أين
يعرف حديث إبراهيم؟ إنما وقع إليه حديث إبراهيم في الجمعة - يعني
الحديث الذي رواه ابن عمار، عن المعافى بن عمران، عن إبراهيم،
عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة: ((أول جمعة جمعت بجواثا)) -
والغلط فيه من غير إبراهيم، لأن جماعة رووه عنه، عن أبي جمرة، عن
ابن عباس، وكذا هو في تصنيفه، وهو الصواب، وتفرد المعافى بذكر
محمد بن زياد، فعلم أن الغلط منه لا من إبراهيم» (٣).
وهكذا يمكن للناظر في كتب الجرح والتعديل أن يرى نماذج كثيرة
من دفاع الرواة عن أنفسهم، ومن مناقشات أئمة الجرح والتعديل
بعضهم لبعض، مما يدل بوضوح على أن إطلاق الحكم على الراوي
من قبل الناقد ليس بالأمر اليسير، وأنه سيضعه موضع النقد
والتمحيص.
(١) ((تاريخ الدوري عن ابن معين)) ٢: ١٥٤، و ((تاريخ بغداد)) ٨: ٣٦١.
(٢) ((العلل ومعرفة الرجال)) ١: ٣٨٨، و(التاريخ الكبير)) ٣: ٤٢٤، و((الضعفاء الكبير))
٢: ٣٥، و((المجروحين)) ١: ٢٩١، و((الكامل)) ٣: ٩٦٥، و((تاريخ بغداد)) ٨:
٣٥٩، و((تهذيب التهذيب)) ٩: ١٩٩.
(٣) ((تهذيب التهذيب)) ١: ١٣٠، وانظر: ((صحيح البخاري)) حديث ٨٩٢، ٤٣٧١،
و ((سنن أبي داود)) حديث ١٠٦٨، و((سنن النسائي الكبرى)) حديث ١٦٥٥.
٢١٢

رابعاً: انعدام وسائل الحكم على الراوي أو ضعفها.
قد لا يتمكن الناقد من الوقوف على وسيلة توصله إلى درجة
الراوي جرحاً أو تعديلاً، أو يقف على شيء لا يسعفه في الكشف عن
حاله، فيصرح بأنه لا يعرفه، أو لا يذكر معرفته، أو ماله به تلك
المعرفة، أو ماله به ذاك الخبر، أو ليس له بحديثه علم، أو لا يدري
عن حاله شيئاً، أو هو مجهول، ونحو هذا، وهو كثير جداً، وربما جاء
ذلك عن إمامين أو أكثر(١).
وغالب من لا يعرفهم النقاد يرجع السبب إلى قلة رواية الواحد
منهم، وقلة من روى عنه، فلا يخبره الإمام، وربما صرح بذلك، كما
قال عبدالله بن أحمد: ((سألته - يعني أباه - عن عقبة الأسدي، فقال:
يروي عن أبي وائل، قلت: هو ثقة؟ قال: ما أدري، كم يروى عن
هذا؟ ثم قال: روى عنه سفيان الثوري)) (٢).
وقال عبدالله أيضاً: ((سألت أبي عن أبي نصر، قال: هذا شيخ
روى عنه سفيان الثوري، وابن عيينة، وابن فضيل، واسمه عبدالله بن
عبدالرحمن، وهو شیخ قدیم، قلت: کیف حديثه؟ قال: وإیش حديثه!
إنما يعرف الرجل بكثرة حديثه))(٣).
(١) انظر مثلاً: ((سؤالات أبي داود)) ص٢٨٠، ٢٩١، ٣٣١، ٣٥٠، و((العلل ومعرفة
الرجال)) ٢: ١٦، ١٧، ٢٠، ٢٣، ٢٥، ٣١، ٣٦، ٣٧، ٥١، ٨١، ٨٥،
٨٧-٩١، ٩٢، ٩٣، ٩٥، ١٠١، ١٠٢، ١٦٥، و((مسائل إسحاق)) ٢: ٢٠٣،
٢٢١، ٢٢٣، ٢٢٧، ٢٣٠، ٢٣٢، ٢٣٤، ٢٣٦، و((معرفة الرجال)) ١: ٥٩، ٦٥،
٧٤_٧٨، ١٤٧.
(٢) ((العلل ومعرفة الرجال)) ٢: ٨٨.
(٣) ((العلل ومعرفة الرجال)) ٣٦٩:٢.
٢١٣

وذكر ابن عدي أحاديث لمحمد بن مسلم بن مهران، ثم قال:
((ليس له من الحديث إلا اليسير، ومقدار ماله من الحديث لا يتبين
صدقه من كذبه))(١).
وقال ابن عدي أيضاً في آخر ترجمة سلم العلوي: ((وسلم العلوي
قليل الحديث جداً، ولا أعلم له جميع ما يروي إلا دون خمسة أحاديث
أو فوقها قليل، وبهذا المقدار لا يعتبر فيه حديثه أنه صدوق أو ضعيف،
ولا سيما إذا لم يكن في مقدار ما يرويه متن منكر))(٢).
وهناك سبب آخر يقوم في الرواي يحول دون معرفة الإمام به كما
ينبغي، وذلك أن يكون في حديثه ما ينكر عليه، ولكن دونه أو فوقه في
الإسناد من يحتمل أن تكون العهدة عليه في النكارة، فيتردد الناقد، كما
قال ابن حبان في موسى بن سيار الأسواري: ((يروي عن عطية، روى
عنه عبدالواحد بن واصل، منكر الحديث عن عطية، فلست أدري وقع
المناكير في حديثه منه، أو من عطية، وإذا احتج (كذا) في إسناد خبر
راويه من لا يعرف بالعدالة، عن إنسان ضعيف، لا يتهيأ إلزاق الوهن
بأحدهما دون الآخر، ولا يجوز القدح في هذا الراوي إلا بعد السبر
والاعتبار بروايته عن الثقات غير ذلك الضعيف ... ))(٣).
ومن ذلك أيضاً أن يحيى بن يزيد بن عبدالملك النوفلي يروي عن
أبيه، عن أبي هريرة أحاديث، وهي منكرة، وأبوه ضعفه الجمهور،
وأما هو فوقع التردد فيه، قال أحمد: ((لا بأس به، ولم يكن عنده إلا
(١) ((الكامل)) ٢: ٢٢٤٧.
(٢) ((الكامل)) ١١٧٦:٣.
(٣) ((المجروحين)) ٢: ٢٤٠.
٢١٤

حديث أبيه، ولو كان عنده غير حديث أبيه لتبين أمره))(١).
وقال أبو حاتم: ((منكر الحديث، لا أدري منه أو من أبيه))(٢).
وقال أبو حاتم في سعد بن سعيد المقبري: ((هو في نفسه مستقيم،
وبليته أنه يحدث عن أخيه عبدالله بن سعيد، وعبدالله بن سعيد ضعيف
الحديث، ولا يحدث عن غيره، فلا أدري منه أو من أخيه))(٣).
وقد يجتمع في الراوي أكثر من سبب، كما هو حال أبان الرقاشي،
والد یزید، فليس له سوی حدیث واحد، والراوي عنه ولده یزید، وهو
متروك الحديث، قال أبو حاتم: ((أبان الرقاشي لم يصح حديثه، إنما
روى حديثاً واحداً يرويه عنه ابنه، ما نقدر أن نقول فيه؟))(٤).
ومن الأسباب ما يعود إلى الناقد نفسه، فلم يخبر الراوي كما
ينبغي، مع إمكان ذلك، وهذا قد يكون حقيقياً كما في قول أحمد في
علي بن غراب: ((ليس لي به خبر، سمعت منه مجلساً واحداً، وكان
يدلس، وما أراه إلا صدوقاً))(٥)، وقال عنه أيضاً: ((كأن حديثه حديث
أهل الصدق»(٦).
وقال المروذي: ((قيل له (يعني لأحمد): فإسماعيل بن مجالد؟
((الجرح والتعديل)) ٩: ١٩٨.
(١)
(الجرح والتعديل)) ٩: ١٩٨، وانظر: ((علل المروذي)) ص١١٤، و((الكامل)) ٧:
(٢)
٢٧٠٢، ٢٧١٥، و((تهذيب التهذيب)) ١١: ٣٤٨، و((لسان الميزان)) ٦: ٢٨١.
(٣) ((الجرح والتعديل)) ٤: ٨٥.
وانظر مثالين آخرين في: ((الكامل)) ٣: ٩١٥.
(٤)
((الجرح والتعديل)) ٢٩٥:٢ .
((العلل ومعرفة الرجال)» ٣: ٢٩٧ .
(٥)
((علل المروذي)) ص٩٦، والنص فيه هكذا: ((كان حديثه حديث أهل الصدق))،
(٦)
على الجزم، ويظهر لي أن ما أثبته هو الصواب، بقرينة رواية عبدالله.
٢١٥
-

قال: لا أدري، قد روي عنه))(١)، ونقل عنه عبدالله قوله: ((ما أراه إلا
صدوقاً))(٢)
وقال أبو داود: ((قلت لأحمد: كيف حديث عبدالحميد - يعني ابن
سليمان ـ؟ قال: ما أدري، إلا أنه ما أرى كان به بأس، وكان مكفوفاً،
وكان ينزل مدينة أبي جعفر))(٣).
فالذي يظهر أن أحمد لم يخبره جيداً، فسائر النقاد على
تضعيفه(٤).
وقد يكون صورياً، كأن يجعلهما الناقد راويين، وهما راو واحد،
فالاشتباه في الرواة كثير، كما تقدم شرحه في أول هذا المبحث، ومثاله
أن عبدالله بن أحمد سأل أباه عن يزيد بن عبدالله مولى الصهباء،
يحدث عنه وكيع، فقال: ((لا أعرفه))(٥)، وسأله أبو داود عن يزيد أبي
عبدالله الشيباني، فقال: ((هذا شيخ قديم، ليس به بأس))(٦)، وهما
شخص واحد(٧).
أو يعرف الناقد شخصه ولا يعرف اسمه، فيسأل عنه فلا يعرفه،
كما في قصة عبدالواحد بن زياد مع يزيد بن زريع، قال عفان: ((كانوا
يذكرون ليزيد بن زريع عبدالواحد بن زياد، فيقول: من هذا الكذاب
(١) ((علل المروذي)) ص١٣٤.
((العلل ومعرفة الرجال)) ٣: ٩، وانظر: ((تهذيب التهذيب)) ١: ٣٢٧.
(٢)
(٣)
«سؤالات أبي داود» ص٢٢١ .
(٤)
((تهذيب التهذيب)) ٦ : ١١٦.
((العلل ومعرفة الرجال)» ٢: ٣٠.
(٥)
(٦)
«سؤالات أبي داود) ص٣١٤.
((تهذيب التهذيب)) ٣٤٣:١١.
(٧)
٢١٦

الذي يحدث عن يونس، لا أعرفه، قال: فلقيه يوماً في بعض الطريق،
فقيل له: هذا عبدالواحد بن زياد، فقال: هذا کان جلیسنا عند يونس،
فقالوا: هذا عبدالواحد بن زياد))(١).
والناقد في أحيان كثيرة يلجأ إلى معرفة غيره بالراوي، إذا لم يتوافر
لديه من الوسائل ما يصدر فيه حكماً، وهذا كثير مشهور، من ذلك قول
حرب الكرماني في إبراهيم بن محمد بن العباس الشافعي: ((سمعت
أحمد يثني عليه))(٢)، وروى أبو داود، عن أحمد قوله فيه: ((أحسن
الثناء عليه حسين، ولا أعرفه))(٣).
وكذا قال ابن معين لما سئل عنه: ((لا أعرفه، زعموا أنه ليس به
بأس»(٤).
وقال ابن محرز: ((سمعت يحيى وسئل عن داود بن عمرو الضبي،
فقال: لا أعرفه، من أين هذا؟ قلت: ينزل المدينة، قال: مدينتنا هذه
أو مدينة الرسول؟ قلت: مدينة أبي جعفر، قال: عمن يحدث؟ قلت:
عن منصور بن أبي الأسود، وصالح بن عمر، ونافع بن عمر، فقال:
هذا شيخ كبير، من أين هو؟ قلت: من آل المسيب، فقال: قد كان
لهؤلاء نفسين متقشفين، أحدهما يتصدق، والآخر يبيع القصب، لا
أعرفه، أما لهذا أحد يعرفه؟ قلت: بلى، بلغني عن سعدويه أنه سئل
عنه فقال: ذاك المشؤوم ما حدَّث بعد، وعرفه، فقال: سعدويه أعرف
(١) ((العلل ومعرفة الرجال)) ١: ٣٥٥.
(٢)
((الجرح والتعديل)) ٢ : ١٣٠.
(٣)
اسؤالات أبي داود)» ص٢٣٨ .
(٤) ((معرفة الرجال)) ١: ٧٥.
٢١٧

بمن كان يطلب الحديث معه منا.
ثم بلغني عن يحيى بن معين بعد - أو سمعته وسئل عنه - فقال: لا
بأس به، وبلغني أن یحیی سأل سعدویه عنه فحمده))(١).
وسئل يحيى بن معين عن يزيد بن أبي حكيم فقال: ((زعموا: ليس
به بأس، يقوونه))(٢)، وسئل عنه مرة أخرى فقال: «كان ليس به بأس،
لم أكتب عنه))(٣).
وقال محمد بن عثمان بن أبي شيبة: ((وسألته - يعني علي بن
المديني - عن شيخ حدث عنه أبو إسماعيل المؤدب يقال له: سليمان
بن أبي هند، مولى زيد بن الخطاب، فقال: سألنا عن هذا الشيخ فذكر
أصحابنا أنه لم یکن به بأس)) (٤).
ونقل ابن شاهين عن محمد بن عبدالله بن عمار قوله في مسكين
بن بكير الحراني: ((يقولون إنه ثقة، ولم أسمع منه))(٥).
واتضح مما تقدم أن عدم معرفة الراوي هو في مجموع النقاد أمر
نسبي، فقد لا يعرفه ناقد، ويعرفه غيره، وهذا راجع - كما تقدم آنفاً -
إلى ما يتوافر عند الناقد من وسائل، وإلى تمكنه من استخدامها،
وخلوصه في النهاية إلى حكم في الراوي.
(١) ((معرفة الرجال)) ١: ٧٤.
(٢)
(معرفة الرجال)) ١: ٨٢.
(٣)
اسؤالات ابن الجنيد)) ص٢٥٧ .
((سؤالات ابن أبي شيبة)) ص١٦٢، وانظر: ((التاريخ الكبير)) ٤: ٤٠، و((الجرح
(٤)
والتعديل)) ١٤٨:٤ .
(٥) (( تاريخ أسماء الثقات)) ص٣١١.
وانظر نصاً آخر عن ابن عمار في: ((تاريخ بغداد)» ١١: ٣٥٨.
٢١٨

وليس هذا بالقليل في عموم الرواة، وهو يفسر لنا جانباً من
الاختلاف بين الأئمة في راو عرفه بعضهم، ولم يعرفه البعض الآخر،
كما تقدم آنفاً في علي بن غراب، وعبدالحميد بن سليمان، وعدم
معرفة أحمد لهما المعرفة التامة، وهما معروفان عند غيره من النقاد(١)،
وكذلك إبراهيم بن محمد الشافعي، لم يعرفه أحمد، وابن معين، وقد
عرفه جمع من النقاد(٢).
ومثل ذلك عبدالله بن مسلم أبو طيبة قاضي مرو، لم يعرفه أحمد،
وعرفه أبو حاتم وغيره(٣).
وكما يتوقف الإمام في الراوي لأحد الأسباب المتقدمة - يتوقف
أحياناً في المقارنة بين الرواة، قال أبو داود: ((قلت لأحمد: إذا اختلف
الفريابي، ووكيع - أليس يقضى لوكيع؟ قال: مثل ماذا؟ قلت: ما لم
يروه غيره، قال: ما أدري، وكيع ربما خولف))(٤).
وقال إسحاق: ((سئل عن الزبير بن عدي، وواصل الأحدب ـ أيما
أحب إليك منهما؟ قال: لا أدري)»(٥) .
والخلاصة أن الناقد إذا لم يكن لديه شيء من وسائل الحكم على
الراوي، أو المقارنة بين راويين، أو كان لديه ما لا يكفي لذلك،
أوضح ذلك بعبارة مناسبة، وقد ينقل حكم غيره ويعتمد عليه، ولم
(١) ((تهذيب التهذيب)) ٦: ١١٦ ٧: ٣٧١.
(٢) ((تهذيب التهذيب)) ١: ١٥٤.
(٣) ((علل المروذي)) ص١١٩، و((الجرح والتعديل)) ٥: ١٦٥، و((تهذيب التهذيب))
٣٠:٦.
(٤) «سؤالات أبي داود)) ص١٩٩ .
(٥) ((مسائل إسحاق بن هانىء)) ٢: ٢٢١.
٢١٩

يكن الواحد منهم رحمهم الله تعالى يأنف أن يقول: لا أدري، أو لا
أعرف الراوي، ونحو ذلك من العبارات، فإن غرضه الوصول إلى
الحق، ولم يتمكن من ذلك بالصورة التي يرضى عنها، كما قال ابن
معين: ((لقد رأيت رجلاً يسأل يحيى بن سعيد عن أشياء، فجعل يقول:
لا أدري، لا أدري، حتى رحمته، وكان يحيى بن سعيد رجل
صدق))(١).
وأخيراً ينتبه إلى أن بعض عبارات نفي العلم بحال الراوي ليست
على ظاهرها، فقد يراد بها تضعيف الراوي، أو تليينه، فيكون الناقد
خبر الراوي وحكم عليه، وهذا یرشد إليه سياق النص، وقرائن الحال،
مثاله قول أحمد: ((عثمان الثقفي ثقة الحديث، سمع منه شعبة، وهو
أثبت من عثمان أبي اليقظان، ذاك - يعني أبا اليقظان - حديثه ما أدري
ما هو))(٢).
وقال أبو داود: ((قلت لأحمد : عبدالواحد بن قيس الذي روى عنه
الأوزاعي؟ قال: لا أدري، أخشى أن يكون حديثه منكراً)(٣).
وقال عبدالله بن أحمد: ((سمعت أبي يقول: سمعت عبيد الله بن
موسى قديماً، بعضه في سنة خمس وثمانين، وبعد ذلك قال: رأيت
عبيد الله بن موسى بمكة فما عرضت له، لم يكن لي فيه رأي))(٤).
والظاهر أن أحمد يريد أنه غير راغب في السماع منه، وكان أحمد
(١) «سؤالات ابن الجنيد) ص٣٢٣.
(٢) ((سؤالات أبي داود)) ص ٣٠٥، وانظر: ((العلل ومعرفة الرجال)) ٢: ٥٣٦، و((أحوال
الرجال)» ص٤٩، و((تهذيب التهذيب)) ٧: ١٤٥.
(٣) ((سؤالات أبي داود)) ص٢٥٧، وانظر: ((تهذيب التهذيب)) ٦: ٤٣٩.
(٤) ((العلل ومعرفة الرجال)) ٣: ١٩٧.
٢٢٠