النص المفهرس

صفحات 181-200

إلى أيهما أميل؟ قال: جميعاً عندي ثبت، وذهب إلى أن لا يقضي
لأحد))(١).
وقال الفضل بن زياد: ((سمعت أبا عبدالله - وسأله أبو جعفر:
مبارك (يعني ابن فضالة) أحب إليك أم الربيع ( يعني ابن صبيح)؟ قال:
ربيع، وأما عفان وهؤلاء فيقدمون مباركاً عليه، ولكن الربيع صاحب
غزو وفضل))(٢).
وقال ابن معين: ((الحارث بن مسكين خير من أصبغ بن الفرج
وأفضل، وأفضل من عبدالله بن صالح كاتب الليث، وكان أصبغ من
أعلم خلق الله كلهم برأي مالك، يعرفها مسألة مسألة، متى قالها
مالك، ومن خالفه فيها)»(٣).
وسأله ابن الجنيد: أيما أثبت شريك أو إسرائيل؟ قال: ((إسرائيل
أقرب حديثاً، وشريك أحفظ))(٤).
والظاهر أنه يعني أن شريكاً أقوى حافظة، أو أكثر محفوظاً، لكن
إسرائيل أصح حديثاً منه، وسبب ذلك أنه اعتمد على كتابه فضبط(٥).
وقال ابن المديني: ((أصحاب قتادة ثلاثة: سعيد - يعني ابن أبي
عروبة - ، وهشام - يعني الدستوائي -، وشعبة، فأما سعيد فأتقنهم،
,
(١) ((علل المروذي)) ص٤٣ .
(٢)
((المعرفة والتاريخ)) ٢: ١٣٥.
(٣)
(تاريخ بغداد)» ٨: ٢١٧.
(٤)
((سؤالات ابن الجنيد)» ص٧٨ .
(٥) انظر: ما يأتي قريباً عن ابن المديني، وانظر أيضاً: ((تاريخ الدوري عن ابن معين))
٢٩:٢، و(سؤالات أبي داود)) ص٣١١، و((المعرفة والتاريخ)) ٢: ١٦٨، ١٧٤،
و((الجرح والتعديل)) ٢: ٣٣١.
١٨١

وأما هشام فأكثرهم، وأما شعبة فأعلمهم بما سمع، ليس بعد هؤلاء
أحد مثل همام من كتابه))(١)، وفي رواية أخرى عنه: ((وهمام أسندهم
إذا حدث من كتابه، هم هؤلاء أربعة أصحاب قتادة))(٢).
وقال أيضاً: ((لم يكن في القوم أعلم من حماد بن زيد بأيوب، ولم
يكن في القوم أثبت فيما روى من إسماعيل، ووهيب،
وعبدالوارث»(٣).
وقال أيضاً في محمد بن عيسى بن الطباع: ((سمعت عبدالرحمن
ويحيى يسألانه عن حديث هشيم، وما أعلم أحداً أعلم به منه))(٤).
وقال أيضاً: ((شريك أعلم من إسرائيل، وإسرائيل أقل خطأ
منه))(٥).
وقال أيضاً في كلامه على أصحاب إبراهيم النخعي: ((لا أعلم أحداً
يروي في المسند عن إبراهيم ما روى الأعمش، ومغيرة بن مقسم كان
أعلم الناس بإبراهيم، ما سمع منه وما لم يسمع، لم يكن أحد أعلم به
منه، حمل عنه وعن أصحابه، ثم كان أبو معشر، وحماد، وحماد فوق
أبي معشر)) (٦).
فخص الأعمش بكثرة رواية المسند عن إبراهيم، وقدم مغيرة في
(١) ((المعرفة والتاريخ)) ٢: ١٤٠.
(معرفة الرجال)) ٢: ١٩٤، وانظر: ((تاريخ المقدمي)) ص٢٠٢، و((تهذيب الكمال))
(٢)
٣٠ :٣٠٦.
((المعرفة والتاريخ)) ٢: ١٣٠.
(٣)
(التاريخ الكبير)) ١ : ٢٠٣.
(٤)
((تاريخ بغداد)) ٩ : ٢٨٣.
(٥)
((المعرفة والتاريخ)» ٣: ١٤.
(٦)
١٨٢

كثرة الرواية عن إبراهيم، ما كان مسنداً، وما كان غير مسند، فيدخل
فيه ما يرويه عن إبراهيم من قوله، وأما في التثبت فقد سئل أي
أصحاب إبراهيم أعجب إليك؟ قال: ((إذا حدثك عن منصور ثقة فقد
ملأت یدیك، ولا ترید غیرہ»(١).
وقال ابن محرز: «سمعت أبا بكر بن أبي شيبة وذكروا عنده زید بن
حباب، فقال: كان والله خيراً من أبي نعيم، أعف عفة، وأكثر صوماً،
وأكثر صلاة، وأكثر صدقة))(٢).
وسئل أبو داود: أيما أحفظ وكيع، أو عبدالرحمن؟ فقال: ((وكيع
أحفظ من عبدالرحمن بن مهدي، وكان عبدالرحمن أقلّ وهماً، وكان
أتقن))(٣).
وإنما أطلت في سرد هذه النصوص لتأكيد عناية الأئمة النقاد بأمور
مختلفة عند المفاضلة .
ولا شك أن الذي يهم الباحث في دراسة الإسناد ما يتعلق بالتقديم
في التثبت، وقد يقف على ذلك صريحاً كما تقدم في بعض النصوص
السابقة، وغيرها كثير، فهذه بغيته، وقد لا يقف على ذلك صريحاً،
لكن في كلام الإمام ما يشير إلى أن مراده التقديم من هذه الجهة، كما
في قول أبي داود: ((قلت لأحمد: يزيد - يعني ابن أبي زياد - أحب
إليك عن مقسم، أو الحكم؟ قال: الحكم في كل شيء، قلت لأحمد:
ذكرت أن الحكم في مقسم أحب إليك منه - أعني من يزيد -، والحكم
(١) ((سير أعلام النبلاء)) ٥: ٤١٢.
(٢) ((معرفة الرجال)) ٢١٤:٢.
(٣) ((سؤالات الآجري لأبي داود)) ١ : ١٥٩.
١٨٣

سمع من مقسم أحاديث؟ قال: أربعة سمع منه، قلت وكيف تختار
الحكم عليه؟ فقال: الحكم لا يقاس إليه، يزيد يختلف عنه جداً))(١).
وقال عبدالله بن أحمد: ((قلت لأبي: أيهما أعجب إليك إسماعيل
بن أبي خالد، أو داود - يعني - ابن أبي هند؟ فقال: إسماعيل أحفظ
عندي منه، قال: قلَّ ما اختلف عن إسماعيل، وداود يختلف عنه))(٢).
وسئل أحمد عن عقيل، ويونس الأيليين، فقال: ((عقيل، وذاك أن
يونس ربما رفع الشيء من رأي الزهري، يصيره عن ابن المسيب، قد
روی یونس عن عقيل))(٣).
ففي هذه النصوص الثلاثة أشار أحمد إلى سبب التقديم، وبه عرف
أن مراده في التثبت والضبط.
ومثله ما إذا ذكر الإمام حديثاً اختلف فيه اثنان، فرجح قول
أحدهما، وعلل ذلك بأنه أحفظ، كما في قول أبي حاتم في حديث
ذكره لسلمة بن كهيل، وحصين بن عبدالرحمن السلمي: ((سلمة أحفظ
من حصين))(٤).
وفي حديث آخر لسفيان بن عيينة، وحسين بن واقد المروزي،
يرويانه عن عمرو بن دينار: ((ابن عيينة أحفظ، وأعلم بعمرو منه))(٥).
فيعلم هنا أن المراد بالحفظ: الضبط والتثبت، لا كثرة المحفوظ
مثلاً.
(١) ((مسائل أبي داود)) ص٤٤٦.
(٢) ((العلل ومعرفة الرجال)) ١: ٣٢٨.
(٣)
((علل المروذي)) ص٥٦.
((علل ابن أبي حاتم)) ١ : ٢٤.
(٤)
(٥) ((علل ابن أبي حاتم)) ١: ٢٨٤.
١٨٤

فأما إذا لم تكن عبارة الإمام صريحة، وليس في كلامه قرينة على
أن مراده التقديم في الثقة والضبط، مثل أن يقول: أعجب إلي، أو
أحب إلي، ونحو ذلك، فعلى الباحث حينئذ أن يبحث عن مفسر
خارجي، كأن يقف على رواية أخرى للناقد تفسر مراده، أو يقف على
كلام ناقد آخر يعين على تفسير المراد.
وإذا لم يقف على شيء من ذلك فالذي يظهر لي أنه لا بأس بأن
يحمل الباحث عبارة الناقد على التقديم في الضبط والتثبت، إذ الأصل
في السؤال والجواب عن الرواة أن يكون في ضبطهم وتثبتهم، فيبقى مع
هذا الأصل حتى يدل دليل على أن مراد الناقد خلافه.
ومن جهة ثانية فإن معرفة اهتمام النقاد بجهات مختلفة عند
المفاضلة بين الرواة يساعد كثيراً في إزالة التعارض الذي يبدو من
الروايات المختلفة عن الناقد، أو عن الناقد مع غيره من النقاد، في
الموازنة بين بعض الرواة، فكلامهم متفق في الغالب، وما يبدو من
تعارض يمكن حمله في كثير من الأحيان على اختلاف جهات التقديم.
مثال ذلك: قول ابن المبارك: ((كان شريك أحفظ لحديث الكوفيين
من سفيان - يعني الثوري _(١))، وفي رواية: ((أعلم بحديث الكوفة من
سفيان))(٢).
فهذه العبارة ظاهرها يعارض ما اشتهر عند الأئمة من تقديم الثوري
على غيره من الحفاظ الكبار، فضلاً عن شريك ونحوه، كما تقدم في
القسم الأول: المقارنة المطلقة بين الرواة، ويمكن تفسيرها بما قاله ابن
معين في جوابه على سؤال يزيد بن الهيثم الدقاق، قال يزيد: ((قلت
((تاريخ بغداد)) ٩: ٣٨٢.
(١)
((تاريخ بغداد)) ٩: ٣٨١.
(٢)
١٨٥

ليحيى بن معين: زعم إسحاق بن أبي إسرائيل أن شريكاً أروى عن
الكوفيين من سفيان، وأعرف بحديثهم، فقال: ليس يقاس بسفيان أحد،
ولكن شريكاً أروى منه في بعض المشايخ، الركين، والعباس بن
ذريح، وبعض المشايخ يعني الكوفيين - يعني أكثر كتاباً ))(١).
ومثله عبارة الأوزاعي في قرة بن عبدالرحمن، وروايته عن
الزهري، وهو متكلم فيه كثيراً، وغير مكثر عن الزهري(٢)، قال
الأوزاعي فيما رواه عنه يزيد بن السمط: ((ما أحد أعلم بالزهري من قرة
بن عبدالرحمن».
عقب عليه ابن أبي حاتم بقوله: ((لم يكن الأوزاعي وقف على
كتاب معمر، عن الزهري، فإنه أكثرهم رواية عنه، ولا وقف على كتاب
عقيل، ويونس، وإنما شاهد من قرة ما كان يورده عليه فتصور صورته
عنده أنه أعلمهم بالزهري، ويحتمل أنه عنى أنه كان عالماً بأخلاق
الزهري، ولم يرد أنه كان عالماً بحديث الزهري))(٣).
والمعنى الثاني أولى بأن تحمل عليه عبارة الأوزاعي، فإن يزيد بن
السمط رواها عن الأوزاعي بعد أن روى عن قرة قوله: ((لم يكن للزهري
کتاب إلا کتاب فيه نسب قومه)»(٤)، قال ابن حجر بعد أن أورد هذا: «فيظهر
من هذه القصة أن مراد الأوزاعي أنه أعلم بحال الزهري من غيره، لا فيما
يرجع إلى ضبط الحديث وهذا هو اللائق، والله أعلم))(٥).
(١) ((من كلام ابن معين - رواية الدقاق)) ص١٠٢، و((تاريخ بغداد)) ٩: ٣٨٢.
(٢) انظر: تهذيب التهذيب)) ٨: ٣٧٢.
(٣)
((الجرح والتعديل ١ : ٢٠٥.
((الكامل)) ٥ : ٢٠٧٦.
(٤)
(٥) ((تهذيب التهذيب)) ٨: ٣٧٤، وانظر: ((ثقات ابن حبان)) ٧: ٣٤٢.
١٨٦

المبحث الرابع
عوائق الحكم على الراوي
تقدم في المباحث الثلاثة السابقة عرض الوسائل التي بها يتوصل
الأئمة إلى حكم يليق بالراوي، وتفصيل حال الراوي إن كان يحتاج إلى
تفصيل، ومقارنته برواة آخرين، ولا شك أن هذا كله يقتضي اطلاعاً
واسعاً، وقدرة على السبر والتتبع والموازنة، اختص بها أئمة نقد
الرواة.
وفي أغلب الرواة تسير الأمور دون عوائق، فيصدر الناقد حكمه
على الراوي دون عناء، ولكنهم - مع حفظهم، وسعة اطلاعهم، وما
لديهم من وسائل كثيرة للحكم على الرواة - قد تواجههم عوائق في
الطريق إلى ذلك، بعضها يمكن تجاوزها ولو بمرور الزمن، والبعض
الآخر لا يمكن تجاوزه، فيتوقف الناقد، ولا يصدر حكمه، أو يشير
إلى تردده، وقد يصدر حكمه ويتبين تأثير العوائق على هذا الحكم،
فهو محل نظر، وهذا أمر ليس بغريب، إذا تأمل الناظر في كثرة الرواة
كثرة بالغة، وتفرقهم في الزمان والمكان.
وأهم هذه العوائق:
أولاً: اشتباه الراوي بغيره على الناقد.
ومعناه أن يقع اشتباه في اسم واحد، هل هو لشخص واحد، أو
لاثنين اتفقا في الاسم، أو أكثر من اثنين؟ ويقع مثله في الكنى
والأنساب.
وسبب الاشتباه أن كثيراً من الرواة إنما يعرفون وتؤخذ تراجمهم
١٨٧

من أسانيد الأحاديث التي يروونها، فربما يأتي اسم راو في إسناد
منسوباً إلى قبيلة، وفي آخر إلى قبيلة أخرى، أو إلى بلد، أو ينسب في
إسناد إلى بلد، وفي إسناد إلى بلد آخر، وقد يتباعد البلدان، فيقع
الاحتمال أن یکون راوياً واحداً، وأن یکون أکثر من راو.
وقد يأتي اسم الراوي في إسناد منسوباً إلى أبيه، ويأتي في آخر
منسوباً إلى اسم جده، فيحتمل أن يكون واحداً نسبه بعض الرواة إلى
اسم جده، ويحتمل أن يكونا اثنين.
وقد يأتي الراوي في إسناد بذكر اسم أبيه وجده، ويأتي في آخر
بإبدال اسم الأب باسم الجد، أو یأتي في إسناد باسم عبدالله - مثلاً- ،
وفي آخر باسم عبيد الله - مصغراً -، فيقع الاحتمال هل هما اثنان، أو
واحد أخطأ في اسمه بعض الرواة، أو صحفه؟
ويصحب ذلك كله اتحاد الطبقة أو تقاربها.
وفي مقابل ذلك قد توجد أسماء أو كنى متعددة مختلفة، ولكن
يوجد رابط من جهة أخرى، كاتفاق الأحاديث التي وردت من طريقها،
ثم قد یکون تعدد الأسماء والکنی وقع اتفاقاً، وقد يكون وقع قصداً من
بعض الرواة الذين عرفوا بتغيير الأسماء والكنى للشخص الواحد، وهو
ما يعرف عند العلماء بتدليس الشيوخ، فيترجح أن تكون هذه الأسماء
أو الکنی ۔ وإن تعددت ۔ لشخص واحد.
وقد عرف بتدليس الشيوخ بعض المدلسين، كهشيم، ومروان بن
معاوية الفزاري، والوليد بن مسلم، وبقية بن الوليد، ويقع من غيرهم
أيضاً على سبيل الندرة (١) .
(١) انظر: ((العلل ومعرفة الرجال)) ٢: ٥١، و((المراسيل)) ص١٤٧-١٤٨، فقرة ١٥٢٣،
و((معرفة الرجال)) ١: ٦٣، و((المجروحين)) ١: ٩١، و((الكفاية)) ص٣٦٥-٣٧١،
و(شرح علل الترمذي)) ٢: ٨٢٣-٨٢٤، و((تهذيب التهذيب)) ١٠ : ٩٨.
١٨٨

فقد روى هشيم عن أبي إسحاق الكوفي، وعن أبي ليلى، وعن
أبي عبدالجليل، وعن أبي جرير، وكلهم شخص واحد، وهو عبدالله
بن ميسرة الكوفي(١).
وقال الدوري: ((سألت يحيى بن معين عن حديث مروان بن
معاوية، عن علي بن أبي الوليد، قال: هذا علي بن غراب، والله ما
رأيت أحيل للتدليس منه)(٢).
وقال ابن معين: ((كان مروان بن معاوية يحدث عن أبي بكر بن
عياش ولا يسميه، يقول: حدث أبو بكر، عن أبي صالح، ويدع
الكلبي، يوهم أنه أبو بكر آخر»(٣).
وقال ابن معين أيضاً: ((كان مروان يغير الأسماء، يعمي على
الناس، كان يحدثنا عن الحكم بن أبي خالد، وإنما هو الحكم بن
ظهير)) (٤).
كما تفنن أهل الشام في تغيير اسم محمد بن سعيد المصلوب،
حتى قيل إنهم قلبوا اسمه إلى مائة اسم(٥).
(١) (سؤالات أبي داود)) ص١٧٨، و((تاريخ الدوري عن ابن معين)) ٢: ٣٣٣،
و((الكامل)) ٤: ١٤٨٨، و((تهذيب التهذيب)) ٦: ٤٨.
(٢)
(تاريخ الدوري عن ابن معين)) ٢: ٥٥٧، و((تهذيب التهذيب)) ١٠ : ٩٧.
((تاريخ الدوري عن ابن معين)) ٢: ٥٥٦، ومعنى قوله: ((ويدع الكلبي)): أي يسقط
(٣)
الكلبي من الإسناد، بين أبي بكر بن عياش، وبين أبي صالح ولكي لا يعرف أنه قد
أسقطه لا يسمي أبا بكر بن عياش، لأنه لو سماه لعرف أن بينه وبين أبي صالح
راو، وهو الكلبي.
(٤) (تهذيب التهذيب)) ١٠ : ٩٨.
(٥) جمعها الحافظ أبو طالب البغدادي في كتاب، انظر: ((الموضوعات)) لابن الجوزي
١: ٢٨٠ (فضائل النبي (9) (باب ذكر أنه لا نبي بعده).
١٨٩

وغير خاف أن اشتباه الراوي بغيره يمثل عائقاً للحكم عليه، حتى
مع تجاوز ذلك من قبل الناقد، إذ يقتضي منه أن ينظر أولاً في هذا
الاشتباه، قبل أن يحكم على الراوي.
وقد بذل أئمة النقد جهوداً كبيرة جداً في تمييز الرواة، وجمعهم أو
تفريقهم، يلاحظ ذلك بوضوح في كتب السؤالات، وكتب العلل، فمن
ذلك قول أبي داود: ((قلت لأحمد: عثمان بن أبي زرعة؟ قال: هو
عثمان الأعشى، وعثمان بن المغيرة، وعثمان الثقفي، يقال له: أبو
المغيرة))(١).
وقال أحمد أيضاً: ((حفص بن عبيد الله الذي روى عنه ابن
إسحاق، ويحيى بن أبي كثير، ليس هو الذي يحدث عنه خلف بن
خليفة، الذي يحدث عنه خلف ما أعلم أحداً حدث عنه غيره)(٢).
وقال عبدالله بن أحمد: ((سألت أبي عن أبي رافع مولى عمر بن
الخطاب، فقال: قد روى عنه الحسن، وبكر المزني، وخلاس بن
عمرو، وثابت البناني، ومروان الأصفر ... ، روى عنه الصغار
والكبار، قلت لأبي: في حديث بكر، عن أبي رافع: حلفت مولاتي
ليلى بنت العجماء، فترى أن أبا رافع هذا غير أبي رافع مولى عمر،
فقال: أحسب أن ليلى بنت العجماء بينها وبين عمر سبب، وهو عندي
واحد إن شاء الله))(٣).
وقال عبدالله بن أحمد أيضاً: ((سألته عن حديث عن أبي النضر،
(١) ((سؤالات أبي داود)) ص ١٨٢.
(٢)
«سؤالات أبي داود)) ص١٩١ .
(٣) ((العلل ومعرفة الرجال)) ٢: ٤٠.
١٩٠

قال: سمعت حَمَلة بن عبدالرحمن، قال: ليس هذا أبو النضر الذي
يحدث عنه مالك، وابن عيينة، هذا رجل شامي من عَكّ))(١).
وقال ابن معين: ((قد روى أبو عوانة، وشعبة، ومسعر، عن أبي
العنبس، وليس هو من أبوي العنبس الصغيرين في شيء، أحد ذينك
يقال له: عمرو بن مروان، يروي عنه وكيع، والآخر سعيد بن كثير،
يروي عنه حفص بن غياث، وثلاثتهم كوفيون، وأبو العنبس الذي
يحدث عنه يعلى بن عبيد هو سعيد بن كثير))(٢).
وقال ابن محرز: «سمعت یحیی بن معین وقيل له: مسعر بن کدام
سمع من إياس بن سلمة بن الأكوع شيئاً؟ فقال: لا، لم يسمع مسعر
في غير الكوفة شيئاً قط، إنما سمع ممن قدم عليهم الكوفة، هذا رجل
آخر يقال له: ابن الأكوع، وليس هو إياس بن سلمة))(٣).
وقال أبو حاتم: ((لأهل الشام عرسان، عرس بن عميرة، وله
صحبة، وعرس بن قيس ليست له صحبة))(٤).
وفي هذا السياق أولى الأئمة اهتماماً كبيراً لكنى الرواة، وتمييز
أصحابها، وإرجاع الكنية إلى اسم صاحبها إن كان معروف الاسم، لئلا
يظن أنه شخص آخر.
(١) ((العلل ومعرفة الرجال)) ٢: ١٦٩.
وانظر أيضاً أمثلة أخرى عن أحمد في: ٢: ٣٢ فقرة ١٤٦٠، ٣٦ فقرة ١٤٧٥، ٤٩
فقرة ١٥١٦، ٥٢ فقرة ١٥٢٤، ٦٣ فقرة ١٥٥٧، ١٥٧ فقرة ١٨٦١، ١٥٩، ١٦٥
فقرة ١٨٨٢، ١٦٦ فقرة ١٨٨٦، ١٧١ فقرة ١٩٠٠، ١٧٨ فقرة ١٩٢٢ .
(٢) ((تاريخ الدوري عن ابن معين)) ٢: ٧١٨.
(معرفة الرجال)) ١ : ١٢٧.
(٣)
(٤) ((المراسيل)) ص١٦٢.
١٩١

ثم لما جاءت النوبة إلى من ألف منهم كتباً خاصة بالرواة ساروا
على نهج من سبقهم في الاجتهاد في الجمع والتفريق، كالبخاري،
ومسلم، والنسائي، وابن أبي حاتم، وابن حبان، كما أولوا الكنى عناية
خاصة، إما مع كتبهم في أسماء الرواة بتخصيص جزء خاص بالكنى،
كما فعل البخاري، وابن أبي حاتم، وغيرهما، أو بتخصيص كتب
مفردة للكنى، كما فعل مسلم، والنسائي، والدولابي، وأبو أحمد
الحاكم، وغيرهم.
كما تصدى بعض الأئمة للتأليف في موضوعات تعين على تمييز
الرواة، فمنهم من كتب في (المؤتلف والمختلف)، وهو ما يتفق في
الخط، ويختلف في الضبط أو الشكل، وكان التأليف فيه مبكراً، لكنه
كان في أول الأمر على نطاق ضيق، ثم اتسع، وكثرت المؤلفات فيه
جداً، ومن أشهر من ألف في هذا: عبدالغني بن سعيد الأزدي،
والدار قطني، والخطيب البغدادي، وابن ماكولا(١).
ومنهم من ألف في المتفق والمفترق، ومعناه اتفاق اثنين أو أكثر
في الاسم واسم الأب، فيجري التمييز بينهم، وقد يكون الاتفاق في
أشياء أخرى أيضاً كالنسبة أو الكنية، وممن ألف في ذلك الخطيب
البغدادي فله كتاب باسم: ((المتفق والمفترق))(٢).
ومنهم من ألف فيمن يرد بأسماء أو نعوت مختلفة وهو شخص
واحد، وقد ألف فيه عبدالغني بن سعيد الأزدي(٣)، وخصص الخطيب
البغدادي لذلك جزءاً من كتابه ((موضح أوهام الجمع
(١) وانظر: ما كتبه الشيخ عبدالرحمن المعلمي عن تاريخ التأليف في هذا النوع في
مقدمته لكتاب («الإكمال)) لابن ماكولا ١-١٤.
(٢) حققه محمد الحامدي، وطبعه في ثلاث مجلدات.
(٣) ((مقدمة ابن الصلاح)) ص٤٩٨.
١٩٢

والتفريق))(١).
في أشياء كثيرة تعين على تمييز الرواة وتفريقهم أو جمعهم، وقد
اعتنت كتب المصطلح بشرح ذلك(٢).
وهذا الضرب من الاشتباه بين الرواة والكلام في جمعهم أو
تفريقهم هو من موضوعات نقد السنة التي يتبّد فيها حمار الباحث
المتأخر كثيراً، إذ الاعتماد فيه أولاً وآخراً على كلام أئمة النقد، فهو
يحتاج إلى حفظ واسع، ومعرفة وفهم بأحوال الرواة المشتبه بهم، ومن
یروي عنهم، ومن یروون عنه.
ومع ذلك فإن بإمكان الباحث أن يشارك أئمة النقد في حالتين:
الحالة الأولى: أن يقع اختلاف بينهم في الجمع والتفريق،
فقد وقع ذلك كثيراً؛ إذ هو مبني على الاجتهاد، والنظر في القرائن،
كغيره من قضايا هذا الفن، مثال ذلك أن إبراهيم بن محمد بن المنتشر،
(١) خصص القسم الأول من الكتاب لأشياء جمعها رأى أن من قبله من الأئمة الذين
ألفوا في الرواة وقعوا فيها في أوهام، من عد الواحد اثنين أو أكثر، أو عد الاثنين
واحداً، وأكثرها مما وقع للبخاري في ((تاريخه الكبير))، وخصص القسم الثاني لمن
يرد في الروايات بأسماء أو كنى أو نسب متعددة وهو شخص واحد، وقد حقق
الكتاب وطبعه في مجلدين الشيخ عبدالرحمن المعلمي، وكتب له مقدمة بين فيها
أن ما ذكره الخطيب من أوهام للبخاري - وعددها ثمانون - لا يلزم البخاري منها
إلا الشيء اليسير، فمنها ما هو محل للاجتهاد، ومنها ما وقع الخطأ فيه بسبب
نسخة الخطيب من ((التاريخ))، ومنها ما غفل فيه الخطيب عن اصطلاح البخاري أو
إشارته .
وبكل حال فقراءة هذا الكتاب ومقدمته مفيدة جداً في الاطلاع على جهود الأئمة،
والتمرن على معالجة هذا النوع من الاشتباه.
(٢) انظر مثلاً: (معرفة علوم الحديث)) ص٢٢١-٢٣٨، و((مقدمة ابن الصلاح))
ص٤٩٨_٥٦٥.
١٩٣

روى عن أبيه، عن عباية بن رداد، سمع عمر يقول: ((لا صلاة إلا
بفاتحة الكتاب)».
فذهب أحمد، والبخاري، والبيهقي إلى أن عباية بن رداد التيمي
هذا هو عباية بن ربعي الأسدي الكوفي، يروى عن علي، وأبي أيوب،
وابن عباس، وروى عنه خيثمة بن عبدالرحمن، وسلمة بن كهيل
وموسی بن طريف، وغيرهم.
وذهب أبو حاتم إلى التفريق بينهما، فسكت عن عباية بن رداد،
ولم يذكر في الرواة عنه سوى محمد بن المنتشر، وقال في الثاني: ((من
عتق الشيعة، شيخ))، وكذا فرق بينهما ابن حبان، لكنه زاد فذكر في
الرواة عن ابن رداد: سلمة بن كهيل، وقال في الثاني: ((روى عنه أهل
الكوفة)).
وحجة أبي حاتم وابن حبان ظاهرة، فالاسم مختلف، والطبقة
مختلفة، فابن رداد يروي عن عمر، والآخر تأخر كثيراً، بدليل روايته
عن ابن عباس، ولحوق المذكورين له.
وحجة باقي الأئمة أن خيثمة بن عبدالرحمن روى نحو هذا الأثر
بعينه عن عباية بن ربعي، عن عمر بن الخطاب، فلا يبعد حينئذٍ أن
یکون نسب إلى غير أبيه في رواية محمد بن المنتشر، وکونه يروي عن
عمر، وهو متأخر فإن ذلك يدل على مجازفته، فهو شيعي غال، رماه
العقيلي بالإلحاد (١).
(١) ((العلل ومعرفة الرجال)) ٢: ١٦٩، و((مصنف ابن أبي شيبة)) ١: ٣٦٠، و((التاريخ
الكبير» ٧٢:٨، و((الضعفاء الكبير)) ٤١٥:٣، و((الجرح والتعديل)) ٧: ٢٨، و((ثقات
ابن حبان)) ٥: ٢٨١، و((جزء القراءة خلف الإمام)) للبيهقي ص٧٣ .
١٩٤

وربما وقع الاختلاف في الحالة المعينة عن الإمام الواحد، فيروى
عنه قولان، بل قد يكون جاء عنه اختلاف في رواية واحدة(١).
فإذا واجه الباحث مثل هذا الاختلاف فإن عليه أن ينظر في أقوالهم
ما أمكنه ذلك، ويرجح ما يراه راجحاً، فقد يكون ترجيحه مبنياً على
ضعف الخلاف أصلاً، كما إذا ذهب الجمهور إلى قول، وخالفهم إمام
واحد.
مثال ذلك أن جماعة من الأئمة منهم أحمد، وابن معين، وابن
المديني، والبخاري، وابن حبان، والخطيب، فرقوا بين الحضرمي بن
لاحق اليمامي الذي يروي عنه يحيى بن أبي كثير، وعكرمة بن عمار،
وبين الحضرمي - غير منسوب ـ الذي تفرد بالرواية عنه سليمان التيمي،
وأما أبو حاتم فجعلهما واحداً، لكنه قال بعد أن جعلهما ترجمة
واحدة: ((حضرمي اليمامي، وحضرمي بن لاحق هو عندي واحد))،
وهو كما قال، لكن الحضرمي الذي يروي عنه التيمي ليس يمامياً،
وإنما هو بصري، فترجح قول الجمهور من هذه الجهة أيضاً (٢).
(١) ((انظر مثلاً: ((العلل ومعرفة الرجال)) ٢١:٣ - ٢٢، و((تاريخ الدوري عن ابن معين))
٢: ١٢١، و((موضح أوهام الجمع والتفريق)) ١: ٢٢٧، في كلام ابن معين على
(الحضرمي بن لاحق)، و((تاريخ الدوري عن ابن معين)) ٢: ٧١٩، و((معرفة
الرجال)) ١: ١٢٥، و((كنى الدولابي)) ١: ٤٧، و((الإصابة)) ١١: ٢٧٨، في كلامه
على (أبي الغادية)، و((تاريخ الدوري عن ابن معين)) ٢: ٣١١ - ٣١٢، و((موضح
أوهام الجمع والتفريق)) ١ : ٣٣٣، في كلامه على (عبد الله بن سلمة).
(٢) (العلل ومعرفة الرجال)) ١٧٧:٢، ٣٠٩، ٥٢٣، ٢١:٣، ٢٢، و(«تاريخ الدوري
عن ابن معين)) ٢: ١٢١، و((التاريخ الكبير)) ١٢٥:٣، و((الجرح والتعديل)) ٣٠٢:٣،
و((ثقات ابن حبان)) ٢٤٩:٦، و((موضح أوهام الجمع والتفريق)) ٢٢٥:١، ٢٢٦،
و ((تهذيب التهذيب)) ٣٩٤:٢.
١٩٥

وقد يكون ترجيحه مبنياً على النظر في أدلة كل قول، وهذا أمر
شاق، ويحتاج إلى خبرة ومران.
والمشتغلون بنقد السنة الآن بحاجة ماسة إلى دراسة موسعة يقوم بها
بعض الباحثين، تعين الباحث على معرفة القرائن التي يستخدمها الأئمة
في الجمع والتفريق، ولعل الله تعالى يهيء من يتصدى لذلك، فإنني لا
أعرف الآن دراسة متكاملة لموضوع تمييز الرواة وجمعهم أو تفريقهم.
ومن أهم ما يتعلق بالاشتباه المذكور بالنسبة للباحث إذا وقف على
اختلاف للأئمة أن يدقق حين نقل كلامهم في المشتبه به، فإذا كان أحد
الأئمة رأى أنهما اثنان، ووثق أو ضعف أحدهما، ثم تبين للباحث
أنهما شخص واحد، فلا يصح أن ينقل كلام هذا الإمام مطلقاً دون
بيان، إذ إن الإمام إنما وثق أحدهما أو ضعفه لكونه يراه غير ذاك،
وإنما يصح نقل كلامه دون بيان إذا فرق بينهما لكن أعطاهما درجة
واحدة، كأن يوثقهما أو يضعفهما.
مثال ذلك: عبدالله بن المؤمل بن وهب الله القرشي المخزومي،
يروي عن أبي الزبير، وعطاء بن أبي رباح، وغيرهما، وعنه الوليد بن
مسلم، والشافعي، وابن المبارك، وغيرهم، ضعفه الجمهور، وذكر
المزي أن ابن حبان ذكره في ((الثقات))، وقال: ((يخطىء))(١)، فتعقبه ابن
حجر بقوله: ((قد ذكره ابن حبان في ((الضعفاء))، وقال: لا يجوز
الاحتجاج بخبره إذا انفرد، وأما في ((الثقات)) فلم أر ما نقله المؤلف
عنه، بل فيه عبدالله بن المؤمل المخزومي، يروي عن عطاء، وعنه
(١) (تهذيب الكمال)) ١٩٠:١٦.
١٩٦

منصور بن سقير، وليس هذا بصاحب أبي الزبير الذي روى عنه ابن
المبارك، ذاك ضعيف، فهذا ابن حبان إنما وثق هذا لأنه ظنه غيره،
والحق أنه هو، ولفظة ((يخطىء)) لم أرها فيه))(١).
والعكس كذلك، فإذا كان الإمام يراه شخصاً واحداً، وتبين
للباحث أنهما اثنان، فلا يصح نقل كلام الإمام في ترجمة كل واحد
منهما دون بیان رأيه.
وأدق من ذلك أن يختلف النقل في الجمع والتفريق عن الإمام
الواحد، كما في المثال السابق، فقد اختلف النقل عن يحيى بن معين
في الحضرمي بن لاحق الذي روى عنه يحيى بن أبي كثير، وعكرمة بن
عمار، والحضرمي - غير منسوب - الذي روى عنه سليمان التيمي،
فجاء عنه من غير وجه أنهما واحد (٢)، وجاء عنه في رواية أنهما اثنان،
وقال فيها عن الذي روى عنه سليمان التيمي حين سأله السائل: هل هو
ثقة؟ قال: ((ليس به بأس))(٣)، وحينئذ فلا يصح أن ينقل في الحضرمي
بن لاحق أن ابن معين قال فيه ذلك، بناء على ما جاء عنه من غير وجه
أنهما واحد، لأنه إنما نقل عنه هذا القول وهو يرى أنهما اثنان.
ومثل ذلك يقال في ذكر الرواة عن المترجم له، ينبغي التدقيق فيه،
فقد علق أحد الباحثين على قول أحد الأئمة في الحضرمي الذي روى
عنه سليمان التيمي: ((لا أعلم روى عنه غير سليمان التيمي)) - علق
((تهذيب التهذيب)) ٦: ٤٦، و((المجروحين)) ٢: ٢٧، و((الثقات)) ٧: ٢٨، وفيه:
(١)
((عبدالله بن المؤمل بن وهب المخزومي))، وليس فيه قوله: ((ذاك ضعيف)).
(تاريخ الدوري عن ابن معين)) ٢: ١٢١، و((موضح أوهام الجمع والتفريق)) ١ :
(٢)
٢٢٧.
(٣) ((العلل ومعرفة الرجال)) ٣: ٢١-٢٢، و((الجرح والتعديل)) ٣: ٣٠٢.
١٩٧

بقوله: ((ذكروا من الرواة عنه: يحيى بن أبي كثير، وعكرمة بن عمار
أيضاً))، ثم أحال إلى بعض كتب الرجال.
وظاهر جداً أن هذا غير دقيق، وينبغي تقييده بأن من ذكر في الرواة
عنه هذين من يرى أنه هو الحضرمي بن لاحق، وجمهور الأئمة على
خلاف هذا كما سبق آنفاً، فلم يرو عنه عندهم غير سليمان التيمي.
وروى أبو إسحاق السبيعي، عن عبدالله بن سلمة الكوفي أبي
العالية(١)، وروى عمرو بن مرة، عن عبدالله بن سلمة الكوفي أبي
العالية، وقد قيل إنه روى عنه أيضاً أبو الزبير، فذهب أحمد، وابن
معين - في أحد قوليه وقيل إنه رجع عنه - إلى أنهما واحد، وهو ظاهر
صنيع ابن أبي حاتم، وذهب محمد بن عبدالله بن نمير، وابن معين في
قوله الآخر، والبخاري، والدارقطني، وغيرهم، إلى أنهما اثنان،
أحدهما جملي مرادي من رهط عمرو بن مرة، والآخر همذاني، كأبي
إسحاق، وقال بعضهم: إن أبا العالية كنية الهمذاني فقط (٢).
فإذا أراد الباحث أن يترجم لعبد الله بن سلمة الذي روى عنه عمرو
بن مرة، أو الذي روى عنه أبو إسحاق، عليه أن ينظر أولاً هل هما
واحد أو اثنان؟ فإذا رجح أنهما اثنان كما هو قول الجمهور فلا يصح
حينئذ أن يذكر في الأول أنه روى عنه أبو إسحاق، ولا أن يذكر في
(١) لم يرو عنه شيئاً مسنداً، وإنما روى عنه من قوله، انظر: ((موضح أوهام الجمع
والتفريق)) ١: ٣٣٣، و((تهذيب التهذيب)) ٥: ٢٤٢.
(٢) ((العلل ومعرفة الرجال) ١: ٣١٥-٣١٦، ٤٨٢، ٢: ١٧٨، ٣٦٧، و((تاريخ الدوري
عن ابن معين)) ٢: ٣١١-٣١٢، و((التاريخ الكبير)) ٥: ٩٩، و(الجرح والتعديل)) ٥:
٧٣، و((موضح أوهام الجمع والتفريق)) ١: ٣٣٠، و(تاريخ بغداد)) ٤٦٠:٩،
و((تهذيب التهذيب)) ٥: ٢٤١.
١٩٨

الثاني أنه روى عنه عمرو بن مرة، وإنما يفعل ذلك إذا رجح قول أحمد
ومن معه .
وسيأتي لذلك زيادة بيان في (الفصل الثالث: ضوابط النظر في
كلام النقاد في الرواة).
الحالة الثانية: أن يقع هذا النوع من الاشتباه للباحث ابتداء،
فلا يقف على صنيع للأئمة المتقدمين في التفريق أو الجمع بينهما،
فيلزمه الاجتهاد كذلك، كما يفعله الأئمة المتأخرون، ومن أمثلته
عبدالله بن واقد، الذي يروي عن محمد بن عجلان، عن عمرو بن
شعيب، عن أبيه، عن جده، في (النهي عن الاحتباء يوم الجمعة
والإمام يخطب)(١)، فذكر المزي أن عبدالله بن واقد هذا يحتمل أن
يكون الهروي، أو أبو قتادة الحراني، أو آخر ثالث(٢)، وعقبه ابن حجر
بقوله: ((أما الحراني فيصغر عن إدراك محمد بن عجلان، فبقي الهروي
على الاحتمال)) (٣).
ومن أمثلته أيضاً عبدالله بن هارون الحجازي، فقد روى عنه
صفوان بن عيسى، عن زياد بن سعد، عن أبي نهيك، عن ابن عباس:
(من السنة إذا جلس الرجل أن يخلع نعليه فيضعهما بجنبه))(٤)، قال ابن
حجر: ((ذكر ابن عدي في ((الكامل)): عبدالله بن هارون البجلي
الكوفي، روى عن ليث بن أبي سليم، وزياد بن سعد، وأبان بن أبي
«سنن ابن ماجه)) حديث ١١٣٤ .
(١)
(تهذيب الكمال)) ٢٥٨:٣٠.
(٢)
(٣)
((تهذيب التهذيب)) ٦ : ٦٦ .
«سنن أبي داود)) حديث ١٣٨].
(٤)
١٩٩

عياش، وعنه حاتم بن إسماعيل، وصفوان بن عيسى، وساق له ثلاثة
أحاديث عن هؤلاء الثلاثة، ثم قال: لم أر له غير هذه، وفيها بعض
الإنكار، ولم أر للمتقدمين فيه كلاماً، فيجوز أن يكون هو المذكور
(يعني الحجازي)، فلعله كوفي سكن الحجاز، أو بالعكس)) (١).
وذكر المزي عبدالله بن يعلى النهدي الكوفي، وأنه روى عن علي
حديث: ((جاءت فاطمة تشكو العمل ... ))، وعنه عيسى بن عبدالرحمن
السلمي، وأن ابن حبان ذكره في ((الثقات))(٢)، فعقبه ابن حجر بقوله:
((قد تقدم عبدالله بن همام الذي روى عن علي هذا الحديث، وعنه هذا
الراوي، فهذا هو ذاك المذكور، ولعل بعض الرواة وهم في اسم أبيه،
أو نسب لجده))(٣).
ثانياً: تعارض وسائل الحكم على الراوي.
والمقصود بهذا أن يقوم في الراوي ما يقود الناقد إلى توثيقه
وتقويته، ويقوم فيه ما يقوده إلى تضعيفه.
ومثاله ما أصاب فيه الراوي من محفوظه وما أخطأ فيه، فإن هذا
يخضع لموازنة القدر الذي أصاب فيه، مع القدر الذي أخطأ فيه، ولا
ضابط لذلك، وما ينقل عن بعض الأئمة من تحديد ذلك ليس على
ظاهره، قال سليمان بن أحمد الدمشقي: ((قلت لعبدالرحمن بن مهدي:
(١) (تهذيب التهذيب)) ٦: ٥٩، و((الكامل)) ٤: ١٥٧٢، واختصر ابن حجر كلامه، وأحد
الأحاديث الثلاثة التي ذكرها ابن عدي هو الحديث المذكور في خلع النعل.
(٢) (تهذيب الكمال)) ٣٣٢:١٦، و((ثقات ابن حبان)) ٥: ٥٢.
(٣) ((تهذيب التهذيب)) ٦: ٨٦.
٢٠٠