النص المفهرس
صفحات 141-160
يسيراً)(١)، فاحتاج الأئمة إلى بيان ذلك، ومن مجموع كلامهم يعرف الباحث درجة اختلاط الراوي، وإن اختلفت العبارة. فممن كان اختلاطه فاحشاً: سعيد بن أبي عروبة، قال أبو عمر الحوضي: ((دخلت على سعيد بن أبي عروبة وأنا أريد أن أسمع منه، فلما رآني قال: الأزد عريضة، ذبحوا شاة مريضة، أطعموني فأبيت، ضربوني فبكيت، فعلمت أنه مختلط، فلم أسمع منه شيئاً))(٢). وقال أبو داود: ((كان سعيد يقول في الاختلاط: قتادة، عن أنس، أو أنس، عن قتادة))(٣)، يعني أنه اختلط اختلاطاً فاحشاً، ولذا قال الأزدي: ((اختلط اختلاطاً قبيحاً)(٤). ومثله عبدالرحمن بن عبدالله بن عتبة المسعودي، قال أبو قتيبة سلم بن قتيبة: ((رأيته سنة سبع وخمسين والذر يدخل في أذنه))(٥). وقال ابن حبان: ((كان المسعودي صدوقاً، إلا أنه اختلط اختلاطاً شديداً حتى ذهب عقله))(٦). وعلى هذا فما يرد في حق هذين وأمثالهما من عبارات أخرى كالتغير وسوء الحفظ - فيراد به الاختلاط الشديد، وهو من تنوع العبارة، كما في قول العجلي في المسعودي: ((ثقة، إلا أنه تغير (شرح علل الترمذي)) ٢ :٧٣٣ . (١) (٢) ((الكامل)) ١٢٣٠:٣، و((الكفاية)) ص١٣٥ . (٣) ((إكمال تهذيب الكمال)) ٣٣١:٥. (٤) ((إكمال تهذيب الكمال)) ٣٣٠:٥. (الضعفاء الكبير)) ٣٣٦:٢، و(تاريخ بغداد)) ٢١٩:١٠. (٥) (٦) ((المجروحين)) ٤٨:٢. ١٤١ بآخره))(١)، وقول يعقوب بن شيبة: ((كان ثقة صدوقاً، إلا أنه تغير بآخره»(٢). وبضد حالهما اختلاط حصين بن عبدالرحمن أبي الهذيل الكوفي، فقد قال يزيد بن هارون: ((طلبت الحديث وحصين حي، كان يقرأ عليه، وكان قد نسي))(٣)، وفي رواية أخرى عنه قال فيه: ((اختلط)) (٤). وكذا قال ابن معين إنه اختلط(٥)، وقال مرة: ((أنكر بأخرة))(٦). والظاهر أن المراد بالاختلاط هنا سوء الحفظ، وليس الاختلاط الفاحش، فقد قال الحسن بن علي الحلواني: ((قلت لعلي (يعني ابن المديني): حصين؟ قال: حصين حديثه واحد، وهو صحيح، قلت: فاختلط؟ قال: لا، ساء حفظه، وهو على ذاك ثقة))(٧). وكذا قال أبو حاتم إنه ساء حفظه في الآخر (٨)، وقال النسائي: ((تغير)(٩). ومثله سعيد بن إياس الجريري، أحد الثقات، وقد تغير حفظه في الآخر، وصار يقبل التلقين، وقد وصفه غير واحد بالاختلاط، منهم ابن أبي عدي، ويزيد بن هارون، وهما من الآخذين عنه، وابن سعد، وابن (١) (تهذيب التهذيب)) ٢١٢:٦. (تهذيب التهذيب)) ٢١٢:٦. (٢) (٣) ((الضعفاء الكبير)) ١ : ٣١٤. ((الضعفاء الكبير)) ٣١٤:١. (٤) (من كلام ابن معين - رواية الدقاق)) ص٣١، ١٠٤ . (٥) «من كلام ابن معین - روایة الدقاق) ص٧١ . (٦) ((الضعفاء الكبير)) ١: ٣١٤. (٧) ((الجرح والتعديل)) ١٩٣:٣. (٨) ((تهذيب التهذيب)) ٣٨٣:٢. (٩) ١٤٢ معين، والعجلي، وغيرهم(١). وقال أحمد: («سألت ابن علية عن الجريري فقلت له: يا أبا بشر أكان الجريري اختلط؟ قال: لا، كبر الشيخ فَرَقَ))(٢). وقال أبو حاتم: ((تغير حفظه قبل موته)) (٣). وقال ابن حبان: ((لم يكن اختلاطه اختلاطاً فاحشاً) (٤). وعلى هذا ينبغي أن يحمل ما يرد من اختلاف عن الأئمة في إثبات اختلاط راو أو نفيه. وأما الأمر الثاني - وهو تمييز من سمع قبل أو بعد الاختلاط - فقد حرص الأئمة على تتبع من سمع من الراوي قبل اختلاطه، ومن سمع منه بعد اختلاطه، والنص على ذلك، وأعلاه أن يأتي ذلك عن الراوي عن المختلط، كما في قول محمد بن أبي عدي: «كنا نأتي الجريري وهو مختلط - لا نكذب الله - فنلقنه الحديث مثل ما هو عندنا، فيجيء به مثل ما عندنا))(٥). وقال أبو حاتم في محمد بن الفضل السدوسي المعروف بعارم: ((اختلط في آخر عمره، وزال عقله، فمن سمع منه قبل الاختلاط فسماعه صحيح، وكتبت عنه قبل الاختلاط سنة أربع عشرة، ولم أسمع (١) (طبقات ابن سعد)) ٧: ٢٦١، و((تاريخ الدوري عن ابن معين)) ٢: ١٩٥، و((سؤالات ابن الجنيد)) ص٢٥٩، و((من كلام ابن معين - رواية الدقاق)) ص١٠٣، و«ثقات العجلي)) ١ : ٣٩٤ . (٢) ((العلل ومعرفة الرجال)) ٣٠٢:٣، وانظر: ٢: ٣٥٤. (٣) ((الجرح والتعديل)) ٢:٤. ((الثقات)) ٣٥١:٦. (٤) (٥) ((تاريخ الدوري عن ابن معين)) ٢: ١٩٥، وانظر: ((معرفة الرجال)) ١٦٠:١. ١٤٣ منه بعد الاختلاط)» (١) وأكبر اعتماد الأئمة في تمييز ذلك على تحديد زمن اختلاط الراوي، مقارنين ذلك بأعمار الرواة، ورحلاتهم، ولقيهم لمشايخهم، فقد وضعوا ضوابط كلية لتمييز السماع من بعض المختلطين. فمن ذلك أن عطاء بن السائب الثقفي الكوفي كان قد تغير وساء حفظه في آخر عمره، فذكر أحمد أن من سمع منه بالكوفة فسماعه صحيح، ومن سمع منه بالبصرة فسماعه مضطرب(٢). وكذا قال أبو حاتم إن حديث البصريين عنه فيه تخاليط كثيرة، لأنه قدم عليهم في آخر عمره(٣). وقال كهمس بن الحسن في سعيد بن إياس الجريري: ((أنكرنا الجريري أيام الطاعون))(٤)، وفي رواية: ((قبل الطاعون))(٥). والطاعون كان سنة إحدى وثلاثين ومئة (٦)، أو اثنتين وثلاثين ومئة (٧)، وقد قال أبو داود: ((كل من أدرك أيوب فسماعه من الجريري جيد))(٨)، وكانت وفاة أيوب سنة إحدى وثلاثين ومئة (٩). (١) ((الجرح والتعديل)) ٥٩:٨. ((مسائل أبي داود)» ص٣٨٢-٣٨٣، و((شرح علل الترمذي)) ٧٣٧:٢. (٢) (٣) (الجرح والتعديل)) ٣٣٤:٦. (طبقات ابن سعد)) ٢٦١:٧، و((العلل ومعرفة الرجال)) ٣٠٣:٢، و((التاريخ الكبير)) (٤) ٤٥٦:٣، و((الجرح والتعديل)) ٢:٤. (٥) ((الضعفاء الكبير)) ٩٩:٢، و((الكامل ١٢٢٨:٣. (طبقات ابن سعد)) ٢٥١:٧، و((العلل ومعرفة الرجال)) ٢٩٦:٣. (٦) (٧) (الكامل)) ١٢٢٨:٣. «سؤالات الآجري لأبي داود)) ١ : ٤٠٤ . (٨) (٩) ((تهذيب الكمال ٤٦٣:٣. ١٤٤ وقال أبو داود في تحديد زمن اختلاط سعيد بن أبي عروبة: ((قال عبدالأعلى: تغير عند الهزيمة))(١). وقال عبد الله بن أحمد: ((سمعت أبي يقول: كان يحيى بن سعيد يوقت فيمن سمع من سعيد بن أبي عروبة: قبل الهزيمة فسماعه صالح، والهزيمة كانت سنة خمس وأربعين ومئة، قال أبي: وهذه هزيمة إبراهيم بن عبد الله بن الحسن الذي كان خرج على أبي جعفر))(٢). وقال عبد الله بن أحمد: ((سمعت أبي يقول: من سمع من سعيد بن أبي عروبة قبل الهزيمة فسماعه جيد، ومن سمع بعد الهزيمة - كأن أبي ضعفهم -، فقلت له: كان سعيد اختلط؟ قال: نعم، ثم قال: من سمع منه بالكوفة - مثل محمد بن بشر، وعبدة - فهو جيد، ثم قال: قدم سعيد الكوفة مرتين قبل الهزيمة))(٣). وكذا قال غير واحد من الأئمة إنه اختلط بعد الهزيمة (٤). وقد قيل إنه قد اختلط قبل ذلك بمدة طويلة، وقيل بعد ذلك(٥). وقال أحمد أيضاً: ((سماع وكيع من المسعودي بالكوفة قديماً، وأبو نعيم أيضاً، وإنما اختلط المسعودي ببغداد، ومن سمع منه بالبصرة والكوفة فسماعه جيد))(٦)؛ وقال أيضاً: ((كل من سمع المسعودي بالكوفة فهو جيد، مثل وكيع، وأبي نعيم، وأما يزيد بن هارون، (١) «سؤالات الآجري لأبى داود)) ١: ٣٥٠. (٢) ((العلل ومعرفة الرجال)» ٣٥٥:١، ٣٥٦:٢. (٣) ((العلل ومعرفة الرجال)) ١٦٣:١، ٤٨٤. ((سؤالات الآجري لأبى داود)) ٣٤٩:١-٣٥١، و((ثقات ابن حبان)) ٣٦٠:٦. (٤) (٥) (تهذيب التهذيب)) ٤: ٦٥، ٦٦. (العلل ومعرفة الرجال)) ٣٢٥:١. (٦) ١٤٥ وحجاج، ومن سمع منه ببغداد وهو في الاختلاط، إلا من سمع منه بالكوفة»(١). وكذا قال محمد بن عبدالله بن عمار: ((المسعودي من قبل أن يختلط كان ثبتاً، ومن سمع منه ببغداد فسماعه ضعيف))(٢). وقال ابن معين: ((من سمع من المسعودي في زمان أبي جعفر فهو صحيح السماع، ومن سمع منه في زمان المهدي فليس سماعه بشيء))(٣). وهذه الضوابط تفيد الباحث في الترجيح عند اختلاف الأئمة في سماع بعض الرواة من المختلط، وفي إلحاق من لم ينص عليه الأئمة إن أمكن ذلك، وكذلك تفيد فيما إذا لم ينص الأئمة على أحد ممن روى قبل الاختلاط أو بعده، كما في قريش بن أنس البصري، فإنه اختلط، وحددوا وقت اختلاطه بأنه قبل وفاته بست سنين، لكن لم يميزوا سماع الرواة منه(٤)، فال ابن حجر مستفيداً من تحديد التاريخ: ((سماع المتأخرين منه بعد اختلاطه، مثل ابن أبي العوام، ويزيد بن سنان البصري، وبكار القاضي، وأبي قلابة، والكديمي))(٥). وليس الأمر بالسهولة التي قد تبدو من العرض السابق، فهناك بعض العقبات لابد من تجاوزها لتمييز الراوين عن المختلط، من أهمها (١) ((العلل ومعرفة الرجال)) ٢: ٥٠. (٢) ((تاريخ بغداد)) ١٠ :٢٢٢ . ((تاريخ بغداد)» ٢٢١:١٠، وانظر: ((من كلام ابن معين - رواية الدقاق)) ص١٢١ . (٣) (٤) ((التاريخ الصغير)) ٢: ٣١٤، و((الجرح والتعديل)) ٢٩٧:٢، و((المجروحين)) ٢١٨:٢، و((تهذيب التهذيب)) ٣٧٥:٨. (٥) ((تهذيب التهذيب)) ٣٧٥:٨. ١٤٦ أن الناقلين لوقت اختلاطه قد يختلفون، وهذا قد یکون مرجعه إلى ما تقدم آنفاً من أن الاختلاط يبدأ في الغالب شيئاً فشيئاً، فأول أمره النسيان، ويمكن التمثيل لهذا بتحديد اختلاط الجريري، فقد ذكر كهمس بن الحسن كما تقدم آنفاً أنهم أنكروه أيام الطاعون، أو قبل الطاعون، وقد وقع سنة إحدى وثلاثين ومئة، أو اثنتين وثلاثين، فعلى هذا يكون الجريري قد اختلط نحواً من أربع عشرة سنة، لأن وفاته كانت سنة أربع وأربعين ومئة (١)، وقد قيل إنه اختلط قبل موته بسبع سنوات(٢)، وقيل بثلاث سنوات(٣). ويؤيد هذا الجمع قول يزيد بن هارون: ((سمعت من الجريري سنة اثنتين وأربعين ومئة، وهي أول سنة دخلت البصرة، ولم ننكر منه شيئاً، وقد كان قيل لنا إنه قد اختلط))(٤)، وقال أيضاً: ((ربما ابتدأنا الجريري، وكان قد أنكر))(٥). وبهذه الطريقة جمع ابن حجر بين الأقوال المختلفة في وقت اختلاط سعيد بن أبي عروبة (٦). ويمكن إرجاع كثير من اختلاف الأئمة في سماع بعض الرواة من المختلطين هل هو قبل الاختلاط أو بعده إلى هذا السبب، كما في اختلافهم في سماع يزيد بن هارون من سعيد بن أبي (١) (تهذيب التهذيب)) ٦:٤. ((طبقات ابن سعد)) ٢٦١:٧، و((ثقات ابن حبان)) ٣٥١:٦. (٢) (٣) «ثقات ابن حبان)) ٣٥١:٦. ((طبقات ابن سعد)) ٧: ٢٦١. (٤) (٥) ((التاريخ الكبير)) ٤٥٦:٣. (٦) ((تهذيب التهذيب)) ٦٦:٤. ١٤٧ عروبة (١). وبكل حال فالقاعدة العامة هنا أن من ذكر تاريخاً متقدماً فقوله المقدم، ويمثل لذلك بتحديد اختلاط محمد بن الفضل المعروف بعارم، فقد ذكر أبو حاتم أنه كتب عنه قبل الاختلاط سنة أربع عشرة - يعني ومئتين -، ولم يسمع منه بعد الاختلاط، لكنه قال: ((فمن كتب عنه قبل سنة عشرين ومئتين فسماعه جيد، وأبو زرعة لقيه سنة اثنتين وعشرين))(٢). هذا قول أبي حاتم، وأما أبو داود فقال: ((بلغنا أنه أنكر سنة ثلاث عشرة، ثم راجعه عقله، واستحكم الاختلاط سنة ست عشرة ومئتين))(٣). وروی العقیلي عن جده بعد أن ساق له حديثاً رواه عن عارم سنة ثمان ومئتين: ((حججت سنة خمس عشرة، ورجعت إلى البصرة، وقد تغير عارم، فلم أسمع منه بعد شيئاً حتى مات)) (٤). وذكر العقيلي أيضاً قصة لعارم عن سعيد بن عثمان أبي أمية الأهوازي حدثت سنة سبع عشرة ومئتين، وعارم قد تغير (٥). وذكر أيضاً قصة لعفان بن مسلم أشار فيها إلى تغير (١) انظر: ((العلل ومعرفة الرجال)) ٣٠٢:٣، و((تاريخ الدوري عن ابن معين)) ٦٧٧:٢، ٤: ٢٨٥، و(من كلام ابن معين - رواية الدقاق)) ص١٠٤، و((الكامل)) ١٢٣٠:٣، و((شرح علل الترمذي)) ٢: ٧٤٥، ٧٤٦. (٢) ((الجرح والتعديل)) ٥٩:٨. ((الضعفاء الكبير)» ١٢١:٤، وانظر: ((سؤالات الآجري لأبي داود)) ٦٧:٢ . (٣) (٤) ((الضعفاء الكبير)) ١٢٢:٤، و((الكفاية)) ص١٣٦ . (٥) ((الضعفاء الكبير)) ١٢٣:٤. ١٤٨ عارم(١)، وعفان مات في سنة عشرين ومئتين، وقيل في سنة تسع عشرة(٢). فالظاهر ان أبا حاتم بنى تحديده على التقدير. ومما يزيد موضوع الاختلاط وعورة أن بعض الرواة قد لقي المختلط قبل وبعد الاختلاط، ثم منهم من كف عن الأخذ عنه بعد أن عرف اختلاطه، كما في قول ابن عيينة: ((كنت سمعت من عطاء بن السائب قدیماً، ثم قدم علینا قدمة فسمعته يحدث بعض ما كنت سمعت فخلط فيه، فاتقيته واعتزلته))(٣). ومنهم من يأخذ عن الراوي بعد اختلاطه أيضاً، ومنهم من يكون متردداً، كما في سماع ابن علية من سعيد بن أبي عروبة، قال أحمد: («قلت لإسماعيل بن علية: متى سمعت من سعيد؟ قال: قبل الطاعون، وبعد الطاعون، قلنا له: فقبل الهزيمة أو بعد الهزيمة؟ قال: قبل الهزيمة وبعد الهزيمة، ثم قال: لا أدري، لا أدري - كأنه شك فيما سمع بعد الهزيمة »(٤). ومن يجزم منهم بالسماع من المختلط في الحالين قد لا يميز ما سمع في كل منهما، كما في سماع عبدالوهاب بن عطاء الخفاف، من سعيد أيضاً، قال ابن معين: ((قلت لعبدالوهاب: سمعت من سعيد في الاختلاط؟ قال: سمعت منه في الاختلاط وغير الاختلاط، فليس أميز (١) ((الضعفاء الكبير)) ١٢٢:٤، و((الكفاية)) ص١٣٧. (٢) ((تهذيب التهذيب)) ٧: ٢٣٤. (٣) ((الضعفاء الكبير)) ٣: ٤٠٠. (٤) ((العلل ومعرفة الرجال)) ٣٥٣:٢، ٢٩٥:٣. ١٤٩ بین هذا وهذا))(١). وقال محمد بن عبد الله بن نمير: ((كان أصحاب الحديث يقولون: إنه سمع منه بآخره، كان شبه المتروك))(٢). وسماع أبي عوانة من عطاء بن السائب، فروى علي بن المديني قال: ((حدثنا يحيى بن سعيد قال: سألت أبا عوانة عن عطاء بن السائب، قال: سمعت منه قبل وبعد - قال علي: قبل الاختلاط، وبعد - قال: فقلت: تفصل بينهما؟ قال: لا))(٣). ومثله سماع حماد بن سلمة، من عطاء، فقد تقدم قول أحمد، وأبي حاتم إن من سمع من عطاء بالبصرة فهو بعد الاختلاط، لكن قال أبو داود: ((قال غير أحمد: قدم عطاء البصرة قدمتين، فالقدمة الأولى سماعهم صحيح، وسمع منه في القدمة الأولى حماد بن سلمة، وحماد بن زيد، وهشام الدستوائي، والقدمة الثانية كان متغيراً فيها، سمع منه وهيب، وإسماعيل، وعبدالوارث، سماعهم منه فيه ضعيف))(٤). وكذا قال النسائي، والدارقطني، إنه قدم البصرة مرتين، قال النسائي بعد أن ساق حديثاً من رواية جعفر بن سليمان، عن عطاء، واستنكره، واستظهر أنه سمعه منه بعد الاختلاط: ((دخل عطاء بن السائب البصرة مرتين، فمن سمع منه أول مرة فحديثه صحيح، ومن سمع منه آخر مرة ففي حديثه شيء، وحماد بن زيد حديثه عنه (١) ((شرح علل الترمذي)) ٧٤٧:٢، وانظر: ((علل المروذي)) ص٥٩. (٢) ((شرح علل الترمذي)) ٧٤٦:٢. ((معرفة الرجال)) ١٩٧:٢، و((الضعفاء الكبير)) ٣: ٤٠٠، وانظر: ((تاريخ الدوري عن (٣) ابن معین) ٤٠٣:٢ . (٤) ((مسائل أبي داود)) ص ٣٨٣. ١٥٠ صحيح))(١). وقال الدارقطني: ((دخل عطاء البصرة مرتين، فسماع أيوب، وحماد بن سلمة في الرحلة الأولى صحيح))(٢). وقال ابن المديني: ((قلت ليحيى (يعني القطان): وكان أبو عوانة حمل عن عطاء بن السائب قبل أن يختلط؟ فقال: كان لا يفصل هذا من هذا، وكذلك حماد بن سلمة))(٣). فقول يحيى القطان هذا مقدم على من ذكر أن حماداً سمع من عطاء في القدمة الأولى فقط؛ لأن معه زيادة علم. ومقدم كذلك على ما ورد عن بعض الأئمة مثل يحيى بن معين، ويعقوب بن شيبة، وابن الجارود، والطحاوي، من تقوية رواية حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، أو كونه سمع منه قديماً(٤)، ويمكن حمل كلامهم على أن ذلك بالنسبة لمن لم يسمع منه إلا بعد الاختلاط، فقد قال ابن معين أيضاً: ((جميع من روى عن عطاء روى عنه في الاختلاط، إلا شعبة، وسفيان))(٥)، وقال في رواية أخرى: ((كل شيء من حديث عطاء بن السائب ضعيف إلا ما كان عن شعبة وسفيان))(٦). ((سنن النسائي الكبرى)) ٦٥:٦ بعد حديث (١٠٠٥٢). (١) ((تهذيب التهذيب)» ٧: ٢٠٦. (٢) (٣) ((الضعفاء الكبير)) ٣٩٩:٣. (تاريخ الدوري عن ابن معين)) ٤٠٣:٢، و((سؤالات ابن الجنيد)» ص٤٧٨، (٤) و((الكامل)) ٢٠٠٠:٥، و(شرح علل الترمذي)) ٧٣٥:٢، و((تهذيب التهذيب)) ٢٠٧:٧، و ((الكواكب النيرات» ص٣٢٥. (٥) ((الكامل)) ٢٠٠٠:٥. (شرح علل الترمذي)) ٧٣٨:٢، وانظر: ((النكت الظراف)) ٧: ٥٠، و((هدي الساري)) (٦) ص٤٢٥، و(تهذيب التهذيب)) ٢٠٧:٧، و((التلخيص الحبير)) ١: ١٥٠، وما علقته = ١٥١ والقاعدة أنه إذا لم يتميز ما سمع من الراوي قبل اختلاطه عما سمع منه بعد اختلاطه فيجعل كله كأنه سمعه بعد الاختلاط. ومن أمثلة ما تميز به السماعان: رواية شعبة، عن عطاء بن السائب، قال يحيى القطان: ((ما حدث سفيان وشعبة، عن عطاء بن السائب صحيح، إلا حديثين كان شعبة يقول: سمعتهما بأخرة عن زاذان)»(١) . وعليه فيتوقف في رواية شعبة، عن عطاء، عن زاذان، وما عداها فهو مما سمعه قبل الاختلاط، ولم أقف على تعيين هذين الحديثين، ولا وقفت على شيء مما يرويه شعبة، عن عطاء بن السائب، عن زاذان، إلا على حديث واحد(٢). وكذلك إذا لم يعرف سماع الراوي هل هو بعد الاختلاط أو قبله فيحمل على أنه سمع منه بعد الاختلاط، ويتأكد ذلك إذا لاحت قرينة في الراوي أو مروياته، كما في سماع عباد بن العوام، من سعيد بن أبي عروبة، قال أحمد عنه: ((مضطرب الحديث عن سعيد بن أبي عروبة))(٣)، وذكر له مرة أحاديث خطأ عن سعيد، وقال: ((عند عباد عن سعيد غير حديث خطأ، فلا أدري سمعه منه بآخرة أم لا)) (٤). على كتاب ((التحقيق)) لابن الجوزي ص١١٤٧-١١٤٨، حديث رقم ٢٩٥. (١) ((الجرح والتعديل)) ٣٣٣:٦، وانظر: ((معرفة الرجال)) ١٩٧:٢، و((الضعفاء الكبير)) ٣٩٩:٣. ((غرائب شعبة)) ص١٤٦ . (٢) (٣) ((الجرح والتعديل)) ٨٣:٦. (٤) ((مسائل أبي داود)) ص ٤٠٠، وانظر: ((علل المروذي)) ص١٤٩. ١٥٢ ويبقى في موضوع الاختلاط ثلاثة أمور هامة: الأمر الأول: أن بعض المختلطين مع نص الأئمة على اختلاطهم لا يقف الباحث على كلام للأئمة في تمييز من سمع منهم قبل الاختلاط أو بعده، وقد يقف على كلام لهم في تحديد وقت الاختلاط، وقد لا يقف أيضاً، فهؤلاء على ضربين: الضرب الأول: قوم ثقات، وثقهم الأئمة، مثل أبان بن صمعة الأنصاري اختلط جداً، ولم يحددوا وقت اختلاطه(١)، وعمرو بن عيسى بن سويد أبو نعامة العدوي، ذكر أحمد انه اختلط قبل موته، ولم يحدد ذلك(٢). فهذان وأمثالهما الحكم فيهم أنهم على الثقة، والأمر محمول على أنهم لم يحدثوا حال اختلاطهم، أو حدثوا ولم يستنكر عليهم شيء مما حدثوا به، ويبقى هذا الحكم حتى يتبين في حديث بعينه أنه خطأ، قال ابن عدي في أبان بن صمعة: «له من الروايات قليل، وإنما عيب عليه اختلاطه لما كبر، ولم ينسب إلى الضعف؛ لأن مقدار ما يرويه مستقيم، وقد روى عنه البصريون ... وغيرهم أحاديث، وكلها مستقيمة غير منكرة، إلا أن يدخل في حديثه شيء بعد ما تغير واختلط))(٣). ويتأكد ذلك جداً إذا كان ثبوت الاختلاط فيه شيء، كما في اختلاط أبي وائل شقيق بن سلمة، قال ابن محرز: ((سمعت يحيى وقلت له: شعبة حدث عن الحسن قال: كان أبو وائل مختلطاً، من (١) (العلل ومعرفة الرجال)) ٤٩٩:٢، و((التاريخ الكبير)) ٤٥٢:١، و((ضعفاء النسائي)) ص١٤، و((الجرح والتعديل)) ٢٩٧:٢، و((الضعفاء الكبير)) ٤٢:١، و((الكامل)) ١ : ٣٨٢. (٢) ((الجرح والتعديل)) ٢٥١:٦. (٣) ((الكامل)) ٣٨٣:١. ١٥٣ حسن؟ قال: ابن عمرو - يعني الفقيمي - فقلت: هذا محفوظ من حديث شعبة؟ قال: ما ذكره عنه أحد إلا علي بن الجعد))(١). وما قرره ابن عدي في حق أبان بن صمعة أولی مما قاله ابن حبان في أصبغ مولى عمرو بن حريث المخزومي، فأصبغ قد اختلط، وقد وثقه ابن معين ، والنسائي، وقال أبو حاتم: ((شيخ))(٢). قال ابن حبان: ((تغير بآخره حتى كبل بالحديد، ولا يجوز الاحتجاج بخبره إلا بعد التخليص، وعلم الوقت الذي حدث فيه، والسبب الذي يؤدي إلى هذا العلم معدوم فيه))(٣). كذا قال ابن حبان، وهو إن كان يقرره في حق أصبغ فقط، لكونه قليل الحديث غير مشهور - فالأمر قريب، وأما إن كان قاعدة عامة، فما ذهب إليه ابن عدي أولى كما تقدم آنفاً. والله أعلم. الضرب الثاني: جماعة من الضعفاء والمتروكين، اختلطوا، وتغيروا ولم ينقل عن الأئمة تمييز السماعين، فيحمل الجميع على الأدنى، وأنه كله بعد الاختلاط، كما قال ابن حجر في ليث بن أبي سليم: ((صدوق، اختلط جداً، ولم يتميز حديثه فترك))(٤). ومثله عثمان بن عمير البجلي الكوفي(٥)، وإبراهيم بن خثيم بن (١) ((معرفة الرجال)) ١٤٣:١، ١٥٩:٢. وانظر مثالاً آخر للشك في ثبوت الرمي بالاختلاط ترجمة ثابت بن أسلم البناني، وما نسب إلى يحيى القطان من أنه اختلط في: ((إكمال تهذيب الكمال)) ٦٦:٣ . (٢) (التاريخ الكبير)) ٣٥:٢، و((الجرح والتعديل)) ٣٢٠:١، و((ضعفاء النسائي)) ص٢١، و((الضعفاء الكبير)) ١٢٩:١، و((الكامل)) ٣٩٩:١. (٣) ((المجروحين)) ١ :١٧٣. (٤) ((نقريب التهذيب)) ص٤٦٤ . (٥) ((تهذيب التهذيب)) ٧: ١٤٥. ١٥٤ عراك الغفاري(١)، وأبو بكر بن أبي مريم الشامي(٢)، ويحيى بن الیمان(٣)، وغيرهم. الأمر الثاني: تجتمع هذه الصورة - وهي اختلاط الراوي - مع بعض الصور الخمس قبلها، وقد يشتهر الراوي بالاختلاط فيسهو الباحث عن ملاحظة ما عداه، فمن ذلك أن سعيد بن أبي عروبة مشهور بالاختلاط، وحديثه بالكوفة من جید حديثه، قدم إليها مرتین، وقد قيل لأحمد: روى الكوفيون عن سعيد غير شيء خلاف ما روى عنه البصريون، فقال: ((هذا من حفظ سعيد، كان يحدث من حفظه))(٤). ومعنى هذا ترجيح ما رواه البصريون الذين سمعوا منه قبل الاختلاط على ما رواه الكوفيون عنه، وذلك عند الاختلاف، لكونه يحدث بالكوفة من حفظه، وهذا شيء دقيق جداً. ومن ذلك أيضاً عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي، اختلط أيضاً، لكن حديثه قبل الاختلاط متفاوت أيضاً، فما يرويه عن شيوخه الصغار مثل عاصم بن بهدلة، والأعمش، وسلمة بن كهيل، وعبدالملك بن عمير، وغيرهم يغلط فيه، وما رواه عن شيوخه الكبار كالقاسم بن عبدالرحمن، ومعن بن عبدالرحمن، فهو من صحيح حديثه، قاله ابن معين(٥)، ونحوه لابن المديني(٦). (١) ((لسان الميزان)) ١ :٥٣. (٢) ((تهذيب التهذيب)) ٥٨:١٢ . (٣) ((المعرفة والتاريخ)) ٧٢٢:١، و((تاريخ بغداد)) ١٢٤:١٤، و(تهذيب التهذيب)) ١١ :٣٠٧. (٤) ((شرح علل الترمذي)) ٧٤٦:٢ . (تاريخ الدوري عن ابن معين)) ٣٥١:٢، و((الضعفاء الكبير)) ٣٣٧:٢، و«تاريخ (٥) بغداد)» ١٠ :٢٢١. (٦) ((تاريخ بغداد)) ١٠ :٢٢٠. ١٥٥ الأمر الثالث: استخدم الأئمة وصف الراوي بالاختلاط والتخليط على معنى اضطراب الحديث، أو تداخل بعض حديث الراوي عليه، فلا يقصدون بذلك المعنى الاصطلاحي المشهور، وقد رأيت بعض الأئمة والباحثين ربما عدوا من وصفهم الأئمة بشيء من ذلك في المختلطين، فيتنبه لذلك، وسبيله الوقوف على نصوص النقاد ما أمكن. فمن ذلك سعيد بن أبي هلال، قال فيه ابن حجر: ((صدوق، لم أر لابن حزم في تضعيفه سلفاً، إلا أن الساجي حكى عن أحمد أنه اختلط))(١) كذا قال ابن حجر، ولفظ الساجي: ((صدوق، كان أحمد يقول: ما أدري أي شيء حديثه، يخلط في الأحاديث)) (٢). وظاهر جداً أن أحمد لم يقصد الاختلاط المعروف، وإنما أراد عدم إتقانه واضطرابه . وذكر برهان الدين الحلبي في كتابه «الاغتباط بمعرفة من رمي بالاختلاط))، ثم ابن الكيال في كتابه: ((الكواكب النيرات في معرفة من اختلط من الرواة الثقات)) أبا جعفر عيسى بن أبي عيسى الرازي، أحد المختلف فيهم، ونقلا فيه قول ابن المديني: ((ثقة، كان يخلط))، ونقل فيه ابن الكيال قول ابن المديني أيضاً: ((هو نحو موسى بن عبيدة، وهو يخلط)»(٣). (١) ((التقريب)» ص٢٤٢ . (٢) ((إكمال تهذيب الكمال)) ٣٦٥:٥. (٣) ((الاغتباط)) ص٣٨٧، و((الكواكب النيرات)) ص٤٤٤. ١٥٦ والذي يظهر أن مراده الغلط في الرواية، لا الاختلاط المعروف، ونص عبارته: ((هو نحو موسى بن عبيدة، وهو يخلط فيما روى عن مغيرة ونحوه))(١)، وقد قال فيه ابن معين: ((ثقة، وهو يغلط فيما روى عن مغيرة))(٢). ومثل ذلك إسماعيل بن مسلم المكي، ضعيف الحديث، لم يصفه أحد بالاختلاط، وقد ذكره أحد الباحثين ممن تصدى لجمع المختلطين من أجل قول القطان فيه حين سئل عنه كيف كان أول أمره؟ فقال: ((لم يزل مختلطاً، كان يحدثنا بالحديث الواحد على ثلاثة ضروب))(٣). ومراد القطان أن سوء حفظه ليس طارئاً، فهو نفي للاختلاط لا إثبات له. ومثله يحيى بن محمد بن عباد المدني، ضعيف الحديث ذكره الباحث من أجل قول العقيلي فيه: ((في حديثه مناكير وأغاليط، وكان ضريراً، فيما بلغني أنه يلقن))(٤). وقد أطلت شيئاً في موضوع الاختلاط، لما رأيت من الحاجة إلى التنبيه على بعض قواعده، مع أنه بتفاصيله يحتاج إلى كتابة مستقلة موسعة، والله أعلم. ((تاريخ بغداد)) ١٤٦:١١. (١) (٢) ((تاريخ الدوري عن ابن معين)) ٦٩٩:٢. (٣) ((الضعفاء الكبير)) ٩٢:١، و((الجرح والتعديل ١٩٨:٢، و((الكامل)) ٢٧٩:١، و«بيان الوهم والإيهام)» ٢٧٨:٣، وفي الأخير، وكذا في ((الجرح)): ((لم يزل مخلطاً)). (٤) ((الضعفاء الكبير)) ٤: ٤٢٧ . ١٥٧ المبحث الثالث مقارنة الراوي بغيره إلى جانب الحكم على الراوي مفرداً سلك الأئمة النقاد نهجاً آخر موازياً له، لا يقلّ أهمية عنه، أعني بذلك مقارنة الراوي برواة آخرين، بغرض معرفة درجته لكونه غير معروف عند السائل، أو غير مشهور، فيقصد الإمام بمقارنته بغيره وصف حاله وبيان درجته. وقد يكون الجميع معروفین مشهورین، فالغرض إذن بيان منزلة كل منهم بالنسبة للآخر، بعد معرفة منزلة كل واحد منهم مفرداً، إذ قد يجتمعون في وصف معين، أو في درجة معينة ولكنهم يتفاوتون فيها، فيستفاد من ذلك الترجيح عند الاختلاف - وما أكثره - بين الرواة، كما سيأتي في بابه إن شاء الله تعالى. واستخدم الأئمة في سبيل ذلك كله ما تقدم في المبحث الأول من وسائل للحكم على الراوي بمفرده، ثم بعد ذلك عرض حاله على حال رواة آخرين تم الفراغ من الحكم عليهم بتلك الوسائل مفردين أيضاً، ولا شك أن هذا يحتاج إلى حافظة قوية، واطلاع واسع، واستحضار سريع، وذهن وقاد، توافر لأولئك الأئمة. وإنما أولى الأئمة النقاد هذا الأمر اهتمامهم لما له من أثر بالغ على نقد السنة، كما إذا اختلف أصحاب راو عليه، أو تفرد بعضهم بشيء عنه، فسهل الأئمة النقاد على من بعدهم النظر في أحاديث الرواة، وصار من بعدهم يوازن ويحكم بناء على تصنيف الأئمة النقاد لأصحاب الراوي، فأمكن لمن بعدهم - بمصاحبة أمور أخرى - مشاركة النقاد في ١٥٨ هذا العلم، وفهم كلامهم، والسير على خطاهم. وأما الأئمة النقاد أنفسهم فالأمر على القلب بالنسبة لهم، أي أنهم قاموا بهذا التصنيف بناء على دراسة تلك الأحاديث والنظر فيها . وليس هذا خاصاً بهذه القضية، فهو شامل لكافة قضايا الجرح والتعديل، فإنها مبنية في الغالب على دراسة أحاديث الرواة، كما سبقت الإشارة إليه في مقدمة هذه السلسلة، ويأتي زيادة بسط لهذه القضية في باب مقارنة المرويات، لكنني أشير إليها في مثل هذه المناسبة لأهميتها وضرورة فهمها واستيعابها بالنسبة لمن يتصدى لنقد السنة . والمقارنة بين الرواة شغلت حيزاً واسعاً من كتب الجرح والتعديل، وبذل أئمته والسائلون لهم من أجله جهداً كبيراً، ويمكن أن يلحظ القارىء في كتبهم ذلك بسهولة. والمتأمل في النقد المقارن يلحظ أيضاً انقسامه في الجملة قسمين بارزین: القسم الأول: المقارنة المطلقة، بمعنى أن يقارن الناقد بين الرواة بإطلاق، غیر مقید لهم بشيء معین، کبلد، أو شیخ. ومن هذا القسم - وهو أقله - ما تكون المقارنة فيه بين راو ومن سواه من الرواة غير محدد، أو بين عدد من الرواة ومن سواهم كذلك. وهو على ضربين : الضرب الأول: أن تكون المقارنة فيه بين راو أو أكثر وبين من سواه بإطلاق. فمن ذلك سفيان الثوري، كان جمهور الأئمة لا يقدمون عليه ١٥٩ أحداً، فإذا سئل أحدهم عن سفيان وآخر معه، أو اختلف سفيان مع غيره في حديث، ذكر الإمام قاعدة عامة في تقديم سفيان على من سواه، قال أحمد: ((كان الثوري أحفظ وأقل الناس غلطاً))(١). وقال ابن معين: ((ليس أحد يخالف سفيان الثوري إلا كان القول قول سفيان))(٢) . وقال أبو حاتم: ((لا أقدم على سفيان في الحفظ أحداً من أشكاله))(٣). وقال صالح بن محمد البغدادي: ((ليس يقدمه عندي أحد في الدنيا)» (٤). ومن ذلك أيضاً قول أحمد: ((زائدة، وزهير، وسفيان - لا تكاد تجد مثلهم))(٥)، وقوله: ((علم الناس إنما هو عن شعبة، وسفيان، وزائدة، وزهير، هؤلاء أثبت الناس، وأعلم بالحديث من غيرهم)) (٦). الضرب الثاني: أن يقيد الناقد من يقارن الراوي بهم بشيء ما، كأن يقيدهم بأهل بلد الراوي، أو بمن رآهم الناقد. ((تاريخ بغداد)) ٩ :١٦٨. (١) (٢) ((تاريخ الدوري عن ابن معين)) ٢١١:٢، و((تاريخ بغداد)) ٩: ١٦٨_١٦٩. (٣) ((علل ابن أبي حاتم)) ٣٧٢:٢، ووقع في إحدى المخطوطتين اللتين نشر عليهما الكتاب: ((على سمعان)) بدل ((على سفيان)). وصوبه الناشر، والصواب ما في الأخرى، وهو ما في باقي مخطوطات الكتاب. (٤) ((تاريخ بغداد)) ٩ : ١٧٠ . (٥) «مسائل إسحاق)) ٢٠٨:٢. ((مسائل إسحاق)) ١١٣:٢، وانظر: ((سؤالات أبي داود ص٣٠٩ و((العلل ومعرفة (٦) الرجال)) ٦٠١:٢، و((علل المروذي) ص١٧١، و(المعرفة والتاريخ)) ١٦٧:١، و(تهذيب الكمال)) ٢٧٦:٩. ١٦٠