النص المفهرس
صفحات 121-140
ولهذا السبب - وهو الخوف من التلاعب بها - عمد بعض الرواة إلى كتبه فدفنها أو أحرقها، أو غسلها، خشية أن تقع في يد من لا يعرف قيمتها أو يزورها، ومنهم من كان يوصي بذلك بعد موته(١)، قال الذهبي بعد أن ذكر عن شعبة بن الحجاج أنه أوصى بغسلها: «هذا قد فعله غير واحد، بالغسل، وبالحرق، وبالدفن، خوفاً من أن تقع في يد إنسان واهٍ يزيد فيها أو يغيرها))(٢). وقد يقع ذلك - وهو التغيير في الكتاب - بسبب حادث، كما في قصة أحمد بن عمر الوادي، انهدمت داره، وتقطعت الكتب، واختلطت عليه، فصار يخطىء من كتابه(٣). وحفظ الصدر لا يعتريه حين التحديث به والنقل منه ما يعتري التحديث والنقل من الكتاب، ولا سيما حين الكبر وضعف البصر، إذ يعتري التحديث من الكتاب أو النقل منه الخطأ في قراءة بعض الكلمات، وانتقال البصر من إسناد حديث أو متنه إلى إسناد أو متن حديث آخر، وهو ما يعرف بسبق النظر، وقد تقدم شيء من ذلك في الكلام على الفرق بين أصول الرواة العتيقة وبين كتبهم الجديدة ومصنفاتهم في المبحث الأول من هذا الفصل. روى معاوية بن صالح قال: ((قال يحيى (يعني ابن معين) يوماً لرجل ذاكره بحديث من حديث سفيان، عن الزبير بن عدي، عن أنس، عن النبي ◌َّر: ((إذا صلت المرأة خمسها ... ))، فقال: من حدث بذا؟ (١) انظر: ((العلل ومعرفة الرجال)) ٢١٥:١. (٢) ((سير أعلام النبلاء)) ٢١٣:٧، ٢٢٣. (٣) ((الضعفاء الكبير) ٢٦٧:٣. ١٢١ قال: أبو عصام (يعني رواد بن الجراح)، قال يحيى: نعم رواد، نعم ذاك حدث عن سفيان، تخايل له سفيان، لم يحدثه سفيان بذا قط، إنما حدثه عن الزبير: ((أتينا أنساً نشكو الحجاج ... ))، وينبغي أن يكون إلى جانب سفيان: عن الربيع بن صبيح، عن يزيد الرقاشي، عن أنس، عن النبي ◌َّر))(١). ثم إن الحفظ في الصدر قريب التناول، يرتحل وينزل مع صاحبه حيث حل وارتحل، ولا يتهيأ ذلك في الكتاب دائماً. وقد كان الاعتماد في الصدر الأول على حفظ الصدر قبل انتشار الكتابة، واتساع الرواية، بل كان بعضهم ينهى عن الكتابة، وربما عيروا من اعتمد عليها، كما قال الأوزاعي: ((كان هذا العلم كريماً، يتلاقاه الرجال بينهم، فلما دخل في الكتب دخل فيه غير أهله))(٢). ثم لما اتسعت الرواية وطالت الأسانيد، وانتشرت الكتابة، وذلك في نهاية القرن الأول وما بعده، صار الاعتماد على ضبط الكتاب، إلى جانب حفظ الصدر، كما قال ابن المبارك: ((لولا الكتاب ما حفظنا))(٣)، وقال أيضاً: ((الحبر في الثوب خلوق العلماء)) (٤)، حتى خشي بعض الأئمة أن يعتمد الطلبة على الكتاب ويدعوا الحفظ، قال عبدالله بن (١) ((تاريخ دمشق)) ٢٠٩:١٨. وانظر أمثلة أخرى في: ((علل ابن أبي حاتم)) ٧٧:١ مسألة ٢٠٧، و((المعرفة والتاريخ)) ٧١٤:١ _٧١٥، و((الجرح والتعديل)) ٢٤٨:٩، و((الكفاية)) ص١٤٦، و((تهذيب الكمال)) ٧: ١٥٠-١٥٣. (٢) ((الكامل)) ١٠١:١، و((سير أعلام النبلاء)) ١١٤:٧. وانظر: ((الجامع لأخلاق الراوي)) ٢: ٢٥٠-٢٥٤ . (٣) (سير أعلام النبلاء)) ٤٠٩:٨. ((سير أعلام النبلاء)» ٤٠٩:٨. (٤) ١٢٢ إدريس: ((كان أبي يقول لي: احفظ، وإياك والكتاب، فإذا جئت فاكتب، فإن احتجت يوماً، أو شغلك قلبك وجدت كتابك))(١). وليس معنى ذلك أن الاعتماد على الحفظ وحده قد انقرض، فقد استقر العمل على الاكتفاء بأحد الأمرين للحفظ، حفظ الصدر، أو ضبط الكتاب، كما قال الشافعي في شروط المحدث الذي تقبل روايته: ((حافظاً إن حدث من حفظه، حافظاً لكتابه إن حدث من كتابه)) (٢). وقال محمد بن أبي الحواري: ((سمعت مروان - يعني ابن محمد - يقول: ثلاثة ليس لصاحب الحديث عنها غنى: الحفظ، والصدق، وصحة الكتب، فإن أخطأ واحدة وكانت فيه ثنتان لم يضره، إن أخطأ الحفظ ورجع إلى الصدق، وصحة كتب - لم يضره، قال مروان: طال الإسناد وسيرجع الناس إلى الكتب)) (٣). والأمر كما قال مروان، فالاعتماد على الحفظ وحده قد قلّ جداً، ولذا نجد الأئمة ينصون على من ليس له كتب، فالحفظ وحده لا يقوم به إلا قوي الحافظة، وإلا وقع في أوهام، فقد سئل أحمد عن الحكم ابن عطية البصري فقال: ((لا أعلم إلا خيراً)) فذكر له حديث يرويه فتعجب، ثم استدرك قائلاً: ((هؤلاء الشيوخ لم يكونوا يكتبون، إنما كانوا يحفظون، ونسبوا إلى الوهم، أحدهم يسمع الشيء فيتوهم (١) ((المعرفة والتاريخ)) ٣: ٣٠. (٢) ((الرسالة)) ص ٣٧٠. وانظر كلام الحميدي في شروط قبول التحديث من الكتاب وإن لم يحفظ ما فيه في: ((الجرح والتعديل)) ٢٧:٢ . (٣) ((الكامل)) ١٦٦:١، و((الجرح والتعديل)) ٣٦:٢، وليس فيه قول مروان الأخير. ١٢٣ فيه))(١). وكذا قال أبو حاتم حين ذكر جماعة من الرواة وأنه لا يحتج بحديثهم؟ فقيل له: ما معنى لا يحتج بحديثهم، فقال: ((كانوا قوماً لا يحفظون، فيحدثون بما لا يحفظون فيغلطون، ترى في أحاديثهم اضطراباً ما شئت))(٢). ومن هو قوي الحافظة موصوف بذلك ربما لم يسلم من الوقوع في الخطأ إذا لم يكن له كتاب، كما في قصة أيوب السختياني أحد الحفاظ الكبار، فقد سئل ابن معين عن أحاديث أيوب - اختلاف ابن علية، وحماد بن زيد، فقال: ((إن أيوب كان يحفظ، وربما نسي الشيء))، وروى ابن معين عن عبدالصمد بن عبدالوارث، عن أبيه، عن أيوب أنه كان إذا قدم البصرة يقول: ((خذوها رطبة قبل أن تتغير - ولم يكن يكتب، ولا يكتب ـ)، وقيل ليحيى: كان شعبة هَمَّ أن يترك حديث أيوب؟ قال: ((كان أيوب خيراً من شعبة، ولكن لحال أنه كان يحفظ، ولم يكن يكتب))(٣). ويشار هنا إلى أن انتشار الكتابة لم يحل مشكلة الخطأ في الرواية تماماً، وذلك لأسباب عديدة، منها ما تقدمت الإشارة إليه من وقوع التحريف والتبديل فيها، ومنها أن كثيراً ممن كان يكتب إنما يكتب من حفظه بعد سماعه من شيخه بمدة تطول أو تقصر، وذلك لأمر يقوم في (١) (تهذيب التهذيب)) ٤٣٦:٢، وانظر: ((علل المروذي)) ص١٠٣، و((الجرح والتعديل)) ١٢٦:٣. (٢) ((الجرح والتعديل)) ١٣٣:٢ . (٣) ((من كلام ابن معين - رواية الدقاق)) ص ٨٠-٨١. ١٢٤ الراوي نفسه كأن يكون بطيء الكتابة، فلا يمكنه ذلك في وقت السماع، أو يكتب في المجلس كتابة مبدئية، ثم ينقلها إلى الكتاب بعد، أو يقوم في شيخه، فكان بعضهم يأبى أن يكتب عنه شيء، وهذا يفسر لنا جانباً من وقوع الأخطاء في أصول الرواة وكتبهم. قال الترمذي: ((أكثر من مضى من أهل العلم كانوا لا يكتبون، ومن كتب منهم إنما كان يكتب لهم بعد السماع)) (١). ومن الأسباب أيضاً - وهو موضع الشاهد هنا - أن بعض من ضبط أصوله و کتبه لم يلتزم حین التحدیث أن يحدث منها، بل ربما حدث من حفظه، ونحن نعرف أن من أهم مميزات ضبط الكتاب أن التحديث منه - إذا ضبط الكتاب وحرر، وصين عن الزيادة والنقص - أبعد عن الغلط والسهو، إذ حفظ الصدر مهما كانت قوة الحافظة عرضة لذلك، كما قال أحمد: ((كان ابن المبارك يحدث من الكتاب، فلم يكن له سقط كثير، وكان وكيع يحدث من حفظه، فكان يكون له سقط، كم يكون حفظ الرجل؟))(٢). وقال الذهبي: ((لا ريب أن الأخذ من الصحف، وبالإجازة، يقع فيه خلل، ولا سيما في ذلك العصر، حيث لم يكن بعد نقط ولا (١) ((سنن الترمذي)) ٧٤٦:٧. وهذه المسألة من دقائق علم (النقد)، ولم أر من تعرض لها بتوسع، وانظر نصوصاً أخرى فيها في: ((العلل ومعرفة الرجال)) ٣٦٧:٢ فقرة ١٩٣، ٢٦٢٩، و((معرفة الرجال)) ٧٨٧٥:٢، ١٩٣، ١٩٥، ٢١٩، و((المعرفة والتاريخ)) ٧٢١:١، ١٣٠:٢، ١٣١، ٨٢٩-٨٣٠، و((تاريخ بغداد) ٣١٢:١٠، ١٢٢:١٤-١٢٤، و ((الكفاية)) ص٢٤١. (٢) ((سير أعلام النبلاء)) ٤٠٧:٨. ١٢٥ شكل، فتتصحف الكلمة بما يحيل المعنى، ولا يقع مثل ذلك في الأخذ من أفواه الرجال، وكذلك التحديث من الحفظ يقع فيه الوهم، بخلاف الرواية من كتاب مُحرَّر))(١). وقد دفع هاجس الخوف من الخطأ والسهو حين التحديث من الحفظ جماعة من الرواة إلى التزام التحديث من الكتاب، مع قوة حافظتهم، قال أبو بكر الخلال: ((عن عباس بن محمد الدوري: سمعت يحيى بن معين يقول: دخلت على أبي عبدالله أحمد بن محمد بن حنبل، فقلت له: أوصني، فقال: لا تحدث المسند إلا من كتاب، قال: وكذلك قال علي بن المديني، قال لي سيدي أحمد بن حنبل: لا تحدث إلا من كتاب))(٢). وقال ابن المديني أيضاً: ((ليس في أصحابنا أحفظ من أبي عبدالله أحمد بن حنبل، وبلغني أنه لا يحدث إلا من كتاب، ولنا فيه أسوة))(٣). وقال ابن حبان في محمد بن المثنى أبي موسى المعروف بالزَّمِن: ((كان صاحب كتاب، لا يحدث إلا من كتابه)) (٤). ومن طريف ما يذكر هنا قصة أبي بكر بن أبي شيبة حين ورد بغداد، فقد روى الخطيب من طريق محمد بن إبراهيم الأنماطي المعروف بمربع قال: ((قدم علينا أبو بكر بن أبي شيبة، فانقلبت به (١) ((سير أعلام النبلاء)) ٧: ١١٤ . (٢) (تهذيب الكمال)» ١٦٥:١ ((شرح علل الترمذي)» ١ : ٤٨١. (٣) ((الثقات)) ١١١:٩. (٤) ١٢٦ بغداد، ونصب له المنبر في مسجد الرصافة، فجلس عليه، فقال من حفظه: حدثنا شريك، ثم قال: هي بغداد، وأخاف أن تزل قدم بعد ثبوتها، يا أبا شيبة (يعني ابنه إبراهيم) هات الكتاب))(١). ودفع هذا السبب بعض الأئمة إلى التزام عدم السماع من بعض الرواة الذين يخشى من خطئهم إذا حدثوا من حفظهم إلا من كتبهم، قال أحمد: ((كان حفظ المقرىء (يعني عبدالله بن يزيد) رديئاً، وكنت لا أسمع منه إلا من كتاب)»(٢). وقال أحمد أيضاً: ((كل ما سمعنا من غندر من أصل كتابه - قرأه علينا -، إلا حديثاً واحداً عن عبدالرحمن بن القاسم، طويل، من حديث شعبة، في بيعة أبي بكر)) (٣). وقال يحيى بن معين: ((قال لي عبدالرزاق: اكتب عني ولو حديثاً واحداً من غير كتاب، فقلت: لا، ولا حرفاً) (٤). ولا شك أن التزام الرواة بالتحديث من كتبهم لو تم لكان أضبط للرواية وأحكم، كما قال الذهبي: ((الورع أن المحدث لا يحدث إلا من كتاب، كما كان يفعل ويوصي به إمام المحدثين أحمد بن حنبل))(٥). غير أن الواقع بخلاف ذلك، فقد حدث الكثير من الرواة من ((تاريخ بغداد)) ١٠ :٦٧ . (١) (٢) ((العلل ومعرفة الرجال)) ٣: ٤٧٤. ((العلل ومعرفة الرجال)) ١٧٥:٢، وانظر: ((المعرفة والتاريخ)) ١٥٦:٢-١٥٧، (٣) و(تهذيب التهذيب)) ٩: (٤) ((مسند أحمد)) ٢٩٧:٣، وانظر: ((العلل ومعرفة الرجال)) ٦٠٥:٢- ٦٠٦، ١٥:٣. (٥) ((سير أعلام النبلاء)) ٣٨٣:٩. ١٢٧ حفظهم، مع أن لهم كتباً صحيحة، ومن هؤلاء من قيل فيهم إنهم لا يحدثون إلا من كتاب، أي أنهم ربما حدثوا من الحفظ أيضاً، كما قال أبو زرعة الرازي في إبراهيم بن موسى الرازي: ((أتقن من أبي بكر بن أبي شيبة، وأصح حديثاً منه، لا يحدث إلا من كتابه، لا أعلم أني کتبت عنه خمسين حديثاً من حفظه))(١). وللتحديث من الحفظ أسباب عديدة، أحدها العامل النفسي، فإن القوم أصحاب حفظ، يتفاخرون بذلك، وليس من السهل على أحدهم أن يلتزم التحديث من الكتاب، ففيه غضاضة عليه، لا سيما حين يشعر أنه مقصود بذلك لخوف خطئه، كما تقدم آنفاً في كلام عبدالرزاق مع یحیی بن معین. ومن ذلك قصة همام بن يحيى البصري، كان يحدث من حفظه فيخطىء أحياناً، ويخالف فيما يروي فلا يرجع إلى كتابه، ثم إنه رجع بعد فعرف أنه يخطىء، قال عفان: ((كان همام لا يكاد يرجع إلى كتابه ولا ينظر فيه، وكان يخالف فلا يرجع إلى كتابه، ثم رجع بعد فنظر في كتبه، فقال: يا عفان كنا نخطىء كثيراً، فنستغفر الله تعالى))(٢). وقد اضطره إلى الرجوع إلى كتبه أخيراً أنه أصابته مثل الزمانة (الزمانة: المرض الدائم) فكان يحدثهم من كتبه، قاله أحمد(٣). وقد توارد جماعة من الأئمة عن أن هماماً يخطىء إذا حدث من (١) ((الجرح والتعديل)) ١٣٧:٢. (٢) ((تهذيب التهذيب)) ٧٠:١١، وانظر: ((سؤالات أبي داود)» ص٣٣٥، و((العلل ومعرفة الرجال)) ٣٥٧:١. (٣) ((سؤالات أبي داود)) ص٣٣٥. ١٢٨ حفظه، وأنه قوي إذا حدث من كتابه، منهم يزيد بن زريع، وعبدالرحمن بن مهدي، وأحمد، وابن المديني، وأبو حاتم، والساجي(١). ومن الأسباب أيضاً: رحلة الراوي إلى غير بلده، فيضطر إلى التحديث من حفظه، حيث لا كتب معه، كما تقدم في الصورة الثالثة في قصة معمر، وتحديثه بالبصرة من حفظه، وشبيب بن سعيد الحبطي، وأبي أمية الطرسوسي، وتحديثهما بمصر من حفظهما. وقال أبو حاتم في معرض كلامه عن حديث أخطأ فيه جعفر بن برقان: ((قدم جعفر الكوفة وليس معه كتب، فكان يحدث من حفظه فيغلط)»(٢). ومنها: أن يحال بين الراوي وبين كتابه، فقد يضيع منه، كما تقدم في الصورة الثانية في قصة معمر مع شيخه الأعمش، حيث سقطت منه صحیفته . ومثله حماد بن سلمة مع شيخه قيس بن سعد، ضاع منه كتابه في طريق مكة، فكان يحدث عنه من حفظه فيخطىء عليه(٣)، وقد قيل إنه کتبه على باب، ثم محاه(٤). وكان هشيم يضعف في الزهري، فيقال إنه ضاع منه كتابه، فكان (١) ((سؤالات أبي داود)) ص٣٣٥، و((العلل ومعرفة الرجال)) ٣٥٧:١، و((معرفة الرجال)) ١: ١٢٢، و((الجرح والتعديل)) ١٠٨:٩، و((شرح علل الترمذي)) ٧٥٨:٢، و(تهذيب التهذيب)) ٧٠:١١. (٢) ((علل الحديث)) ١ : ٢٥٤. ((العلل ومعرفة الرجال)) ١٢٧:٣، و((المعرفة والتاريخ)) ١٥٢:٢. (٣) (٤) ((المحدث الفاصل)) ص ٣٨٣. ١٢٩ يحدث بما علق في ذهنه (١). وكذلك أبو عوانة في قتادة، قال ابن المديني: ((كان أبو عوانة في قتادة ضعيفاً، لأنه كان ذهب كتابه ... ))(٢) . وذكر أحمد حديثاً استنكره على شيخه محمد بن عبدالله الأنصاري، فقال: ((كانت كتب الأنصاري ذهبت في أيام المنتصر، فكان بعد يحدث من كتب غلامه، وكان هذا من تلك))(٣). أو تسرق كتبه، كما تقدم في الصورة الأولى في قصة عبدالرزاق بن عمر الدمشقي، حیث سرق کتابه عن الزهري. أو يتلف الراوي كتبه بالدفن وغيره كما تقدم الحديث عنه في أول هذه الصورة، وكما في حال يوسف بن أسباط، قال البخاري: ((قال صدقة: دفن يوسف بن أسباط كتبه، فكان بعد يقلب عليه فلا يجيء كما ينبغي، يضطرب في حديثه))(٤)، وقال البخاري أيضاً في يوسف: ((دفن كتبه، فكان لا يجيء حديثه بعد كما ينبغي))(٥). ومثله مؤمل بن إسماعيل العدوي، دفن كتبه فكان يحدث من حفظه، فكثر خطؤه(٦). أو يصاب بالعمى فلا يتمكن من قراءة كتابه، قال عبدالله بن علي بن المديني: ((سئل أبي عن سويد بن سعيد الأنباري فحرك رأسه، (١) انظر: ((تاريخ بغداد)) ٨٧:١٤، و((الجامع لأخلاق الراوي)) ١٤٢:٢. (٢) ((تاريخ بغداد)) ١٣ : ٤٦٣. «مجموع فتاوى ابن تيمية)) ٢٥٢:٢٥ . (٣) ((التاريخ الصغير)) ٢٦٥:٢. (٤) ((التاريخ الكبير» ٨: ٣٨٥. (٥) (٦) ((تهذيب الكمال)) ١٧٨:٢٩ . ١٣٠ وقال: ليس بشيء، وقال: الضرير إذا كانت عنده كتب فهو عيب شديد، وقال: هذا أحد رجلين: إما رجل يحدث من كتابه، أو من حفظه ... ))(١). ومن هؤلاء: علي بن مسهر، ثقة، قال فيه العجلي: ((صاحب سنة، ثقة في الحديث، ثبت فيه، صالح الكتاب ... ))(٢)، لكنه عمى في آخر عمره فصار يحدث من حفظه فيخطىء، قال أحمد لما سئل عنه: ((لا أدري كيف أقول، كان قد ذهب بصره، وكان يحدثهم من حفظه))(٣). وقد قيل إنه دفن كتبه قبل ذلك، قاله عبدالله بن نمير(٤)، وأشار إليه أحمد أيضاً، قال ابن رجب: ((ذكر الأثرم عن أحمد أنه أنكر حديثاً، قيل له: رواه علي بن مسهر، فقال: إن علي بن مسهر كانت كتبه قد ذهبت، فكتب بعد، فإن كان روى هذا غيره وإلا فليس بشيء یعتمد»(٥). ومحمد بن ميمون أبو حمزة السكري، ثقة صحيح الكتاب، كما قال ابن المبارك (٦)، لكنه عمي في آخر عمره، قال أحمد: ((من سمع من أبي حمزة السكري - وهو مروزي - قبل أن يذهب بصره فهو (١) (تاريخ بغداد)) ٢٢٩:٩، وانظر أقوال العلماء في قبول سويد للتلقين بعدما عمي في: ((أسئلة البرذعي لأبي زرعة)) ص٤٠٨، و((تاريخ بغداد)) ٢٢٩:٩، ٢٣٠، ٢٣١. (٢) ((تهذيب التهذيب)) ٧: ٣٨٤. (٣) ((الضعفاء الكبير)) ٢٥١:٣ . ((تاريخ الدوري عن ابن معين)) ٤٢٣:٢ . (٤) ((شرح علل الترمذي)» ٧٥٥:٢. (٥) (٦) ((الجرح والتعديل)) ٨١:٨. ١٣١ صالح، سمع منه علي بن الحسن قبل أن يذهب بصره، وسمع عتاب بن زياد منه بعدما ذهب بصره))(١). وقال النسائي: ((لا بأس به، إلا أنه كان قد ذهب بصره في آخر عمره، فمن کتب عنه قبل ذلك فحدیثه جيد))(٢). وعبد الزراق بن همام الصنعاني، ثقة إمام مشهور، لكن الذي يظهر أن في حفظه شيئاً، فكان الأئمة يأخذون عنه من كتابه وهو صحيح البصر، كما تقدم آنفاً عن ابن معين، ومثله عن أحمد أيضاً وغيره، وقد خطأه الأئمة في أحاديث، وذكروا أنه كان يحدث بها من حفظه(٣)، وذلك أنه لما عمي صار يحدث من حفظه، وربما لقن ما ليس في كتابه، فجاءت عنه أحاديث مناكير، قال أحمد: ((حديث عبدالرزاق حديث أبي هريرة: ((النار جبار))، إنما هو: ((البئر جبار))، وإنما كتبنا كتبه على الوجه، وهؤلاء الذين كتبوا عنه سنة ست ومئتين إنما ذهبوا إليه وهو أعمى، فلُقِّن فقبله ومرَّ فيه)) (٤)، وقال أحمد أيضاً: ((أتينا عبدالرزاق قبل المئتين، وهو صحيح البصر، ومن سمع منه بعدما ذهب بصره فهو ضعيف السماع)»(٥). فهذه أسباب للتحديث من الحفظ دون الكتاب، وقد يكون هناك (١) ((سؤالات أبي داود)) ص٣٥٩، وانظر: ((شرح علل الترمذي)) ٢: ٧٥٤. (٢) ((سنن النسائي الكبرى)) ١٢٢:٢ بعد حديث ٢٦٧٧ . (٣) ((علل الدارقطني)) ٢٥٣:٩، و((شرح علل الترمذي)) ٧٥٦:٢-٧٥٧. (٤) (مسائل إسحاق)) ٢٠٢:٢. (٥) ((تاريخ أبي زرعة الدمشقي)) ٤٥٧:١، وانظر: ((العلل ومعرفة الرجال)) ١٥:٣-١٦، و((مسائل إسحاق) ٢٠٤:٢، ٢٣٣، و((مقدمة ابن الصلاح)) ص٥٩٧، و((تهذيب الکمال» ٥٨٫٥٧:١٨، و ((شرح علل الترمذي» ٧٥٢:٢-٧٥٤. ١٣٢ غيرها. والحاصل أن التحديث من الحفظ ووقوع الخطأ من الراوي مع صحة كتابه كثير في الرواة، وقد أكثر الأئمة من النص عليه، كما في الأمثلة السابقة . ومن أمثلته أيضاً: جرير بن حازم، ثقة، لكنه يخطىء ويهم، وعزا الأئمة ذلك إلى تحديثه من حفظه، فإن کتابه صحیح، قال ابن معين: ((جرير بن حازم أمثل من أبي هلال، وكان صاحب كتاب))(١). وقال البخاري: ((هو صحيح الكتاب، إلا أنه ربما وهم في الشيء))(٢). وقال ابن حبان: ((كان يخطىء؛ لأن أكثر ما كان يحدث من حفظه)»(٣). ويونس بن يزيد الأيلي، وثقه الجمهور، لكن وصفه وكيع بسوء الحفظ (٤)، وقال ابن المبارك: ((يونس ما حدث من كتابه فهو ثقة))، عقب عليه ابن المديني بقوله: ((هو بمنزلة همام، إذا حدث من كتابه عن قتادة فهو ثقة))(٥). وقال ابن المبارك أيضاً: ((كتابه صحيح))(٦). (١) ((الجرح والتعديل)) ٥٠٥:٢. (٢) ((العلل الكبير)) ٣٨٠:١. (٤) ((سؤالات أبي داود)) ص٢٦٨، و((أسئلة البرذعي لأبي زرعة)) ص ٦٨٥، و((الجرح ((الثقات)) ١٤٥:٦. (٣) والتعديل)) ٢٤٨:٩. (٥) ((معرفة الرجال)) ١٢٢:١. (٦) ((الجرح والتعديل)) ٢٤٨:٩. ١٣٣ وقال عبدالرحمن بن مهدي: ((لم أكتب حديث يونس بن يزيد إلا عن ابن المبارك، فإنه أخبرني أنه كتبها عنه من كتابه))(١). وقال أحمد: ((إذا حدث من حفظه يخطىء))(٢). وقال أبو زرعة: ((كان صاحب كتاب، فإذا حدث من حفظه لم يكن عنده شيء))(٣). وعبدالعزيز الدراوردي، قال فيه أحمد: ((كتابه أصح من حفظه))(٤)، وقال أيضاً: ((إذا حدث من كتابه فهو صحيح، وإذا حدث من كتب الناس وهم، كان يقرأ من كتبهم فيخطىء))(٥). وقال ابن معين: ((الداروردي ما روى من كتابه فهو أثبت من حفظه)) (٦) وقال أبو زرعة: ((سيء الحفظ، فربما حدث من حفظه الشيء فيخطىء))(٧). وعبدالله بن نافع الصائغ المدني، مختلف فيه، قال فيه البخاري: ((في حفظه شيء))(٨)، وقال أيضاً: ((تعرف حفظه وتنكر، وكتابه (شرح علل الترمذي)) ٧٦٥:٢. (١) ((شرح علل الترمذي)) ٢: ٧٦٥، وانظر: ((مسائل أبي داود)) ص٤٠٩. (٢) (٣) ((أسئلة البرذعي لأبي زرعة)) ص٦٨٥ . «سؤالات أبي داود)) ص٢٢١ . (٤) (الجرح والتعديل)) ٣٩٦:٥، وانظر: ((علل المروذي)) ص١٢٢، و((شرح علل (٥) الترمذي)» ٧٥٨:٢. ((من كلام ابن معين - رواية الدقاق)) ص٩٣ . (٦) (٧) ((الجرح والتعديل)) ٥٠٥:٢ . ((التاريخ الصغير)) ٣٠٩:٢. (٨) ١٣٤ أصح)(١). وقال أبو حاتم: ((ليس بالحافظ، هو لين، تعرف حفظه وتنكر، و کتابه أصح»(٢). وقال ابن حبان: «کان صحیح الکتاب، وإذا حدث من حفظه ربما أخطأ))(٣) . ومن دقائق هذه المسألة أن يوثق الشخص في كتابه، ويلين في حفظه، ويستثنى من حفظه حديثه عن شيخ معين له، قال أحمد في عبدالأعلى بن عبدالأعلى البصري: ((ما كان من حفظه ففيه تخليط، وما کان من کتاب فلا بأس به، وكان يحفظ حديث يونس (يعني ابن عبيد) مثل سورة من القرآن))(٤). وغير خاف أن الفائدة من التفريق بين تحديث الراوي من حفظه وبين تحديثه من كتابه إنما تتم إذا نص الأئمة على علامة تميزهما، وقد فعلوا ذلك في كثير من الرواة، والعلامة قد تكون بعض شيوخ الراوي، أو بعض البلاد التي حدث عن أهلها، أو بعض البلاد التي حدث بها، فتلتقي هذه الصورة إذن مع الصور السابقة، وتكون سبباً لها في بعض (١) ((التاريخ الكبير) ٢١٣:٥. (٢) ((الجرح والتعديل)) ١٨٤:٥. «ثقات ابن حبان)» ٣٤٨:٨. (٣) وانظر نصوصاً أخرى في هذا الباب في: ((مسائل أبي داود)» ص٣٩٣، و((العلل ومعرفة الرجال)) ٢٣٩:٣، و((التاريخ الكبير» ١٠٥:٦، و((المعرفة والتاريخ)) ١٥٦:٢-١٥٧، و((المجروحين)) ١٨٩:٢، و((تاريخ بغداد)) ٤:١١، ٥، و((تهذيب الكمال)» ١٩٠:٥، ٣٧٤:٢٥، و((تهذيب التهذيب)) ٢١٠:١، ٣٧:١٢. (٤) «سؤالات أبي داود)) ص٣٤٦. ١٣٥ الأمثلة. وقد تكون العلامة زمانية، كما تقدم آنفاً في كلام أحمد في عبدالرزاق(١)، ومثله علي بن مسهر، فإنه أصيب بالعمى بعيد توليه قضاء أرمينية، فترك القضاء ورجع إلى الكوفة(٢). وقد تكون بالنص على من سمع منه في الحالتين، كما تقدم آنفاً أيضاً عن أحمد في السماع من أبي حمزة السكري. ومثله السماع من همام بن يحيى، فقد كان أولاً يحدث من حفظه، ثم صار يراجع كتابه، كما سبقت الإشارة إليه، فحالته نادرة، وقد نص أحمد على بعض من سمع منه في الحالين، قال: ((سماع من سمع من همام بأخرة هو أصح، وذلك أنه أصابته مثل الزمانة، فكان يحدثهم من كتابه، فسماع عفان، وحبّان، وبَهْز - أجود من سماع عبدالرحمن، لأنه كان يحدثهم - يعني لعبد الرحمن، أي أيامهم - من حفظه))(٣). وإذا لم يوقف على نص للأئمة في تمييز التحديث من الحفظ والتحديث من الكتاب فيمكن معرفة ذلك في الحديث المعين، كأن يكون خالف فيه من هو أوثق منه، أو تفرد تفرداً استنكره الأئمة ، كما تقدم آنفاً في كلام أحمد على علي بن مسهر، وبحث هذا سيأتي موسعاً في (مقارنة المرويات) إن شاء الله تعالى. وفي ختام الكلام على هذه الصورة أنبه إلى أن تقوية الأئمة لراو في كتابه - إذا لم ينصوا على خطئه إذا حدث من حفظه - لا يلزم منه (١) وانظر أيضاً: ((الكواكب النيرات)) ص٢٦٦-٢٨١. (٢) ((تاريخ الدوري عن ابن معين)) ٤٢٣:٢ . (٣) ((سؤالات أبي داود)) ص ٣٣٥، وانظر: ((العلل ومعرفة الرجال)) ٣٥٧:١. ١٣٦ القدح فيه إذا حدث من حفظه، إذ قد يكون مرادهم الثناء عليه في الحالين، قال أحمد في أبي أسامة حماد بن أسامة: ((كان ثبتاً، صحيح الكتاب))(١)، وقد قال فيه أيضاً: ((كان ثبتاً، لا يكاد يخطىء، ما كان أثبته))(٢). السادسة: تضعيف الراوي في آخر عمره، وتقويته قبل ذلك. يعرض لبعض الرواة ما يعرض لغيرهم من البشر، فتتناقص قواه الذهنية، وتضعف حافظته بمرور الزمن، وقد تصل في آخر مراحلها إلى الاضمحلال والعدم. وربما حدث هذا للراوي بعوامل أخرى غير الكبر، كأن يمرض، أو تصيبه مصيبة، من احتراق كتب، أو موت ولد أو أخ، أو سرقة متاع. ويعبر الأئمة عن هذه الحالة التي تحدث للراوي بالاختلاط، كما يعبرون عنها أحياناً بالتغير، أو بسوء الحفظ، مع تقييد سوء الحفظ بكونه طارئاً، ويقولون أيضاً: أنكر عقله، أو بعض عقله، أو أنكرناه، أو أنكر في آخر أمره، ونحو هذه العبارات. ثم قد يستمر الراوي في التحديث مع تغير حافظته، وهذا هو الغالب، وقد يرزق من يقوم عليه، ويحول دون تحديثه، كما حصل لجرير بن حازم، وعبدالوهاب الثقفي، فقد اختلط الأول قبل موته (١) (العلل ومعرفة الرجال)) ٣٩٠:١. (٢) ((العلل ومعرفة الرجال)) ٣٨٣:١، وانظر: ٢٠٧:٣، ٤٦٤. ١٣٧ بسنة، كما حدده أبو حاتم(١)، واختلط الثاني قبل موته بثلاث سنين، أو أربع، كما حدده عقبة بن مكرم(٢)، وكلاهما لم يحدث في حال اختلاطه . قال عبدالرحمن بن مهدي: ((جرير بن حازم اختلط، وكان له أولاد أصحاب حديث، فلما خشوا ذلك منه حجبوه، فلم يسمع منه أحد في اختلاطه شيئاً))(٣). وقال أبو داود: ((عبدالوهاب اختلط حتى حجب الناس عنه، واختلط جرير بن حازم حتى حجبه ولده))(٤)، وقال أيضاً: ((جرير بن حازم، وعبدالوهاب الثقفي، تغيرا، فحجب الناس عنهم)) (٥). ومثلهما سعيد بن عبدالعزيز الشامي، قال أبو مسهر: ((كان سعيد بن عبدالعزيز قد اختلط قبل موته، وكان يعرض عليه قبل أن يموت، وكان يقول: لا أجيزها))(٦). وكذلك إبراهيم بن أبي العباس الكوفي، قال ابن سعد: ((اختلط في آخر عمره، فحجبه أهله في منزله حتى مات)»(٧). ثم من حدث في حال اختلاطه يختلف الآخذون عنه بعد الاختلاط، فمنهم من لم يحدث بما سمعه منه بعد أن عرف أنه اختلط، ((الجرح والتعديل)) ٥٠٥:٢ . (١) (٢) ((تاريخ بغداد)» ١١ :٢١. (٣) ((الجرح والتعديل)) ٥٠٥:٢. «سؤالات الآجري لأبي داود)) ١٢٥:٢ . (٤) (٥) ((الضعفاء الكبير)) ٣: ٧٥. ((تاريخ الدوري عن ابن معين)) ٢٠٤:٢. (٦) (طبقات ابن سعد)) ٣٤٦:٧. (٧) ١٣٨ كما قال يحيى القطان: ((أتيت الجريري فسمعته يقول: حدثنا عبدالله بن بريدة، عن عبدالله بن عمر قال: ((بين كل أذانين صلاة))، فلما خرجت قال لي رجل: إنما هو عن عبدالله بن مغفل، فرجعت إليه فقلت له، فقال: عن عبدالله بن مغفل))(١). ولم يحدث القطان عنه بشيء، بل قد نهى عيسى بن يونس أن یحدث عنه، فانتهى، قال ابن معين: «سمعت عیسی بن یونس وسألوه عن حديث الجريري فقال: لست أحدث عنه، نهاني عنه فتى من أهل البصرة يقال له: يحيى بن سعيد أن أحدث عنه، لست أحدث عنه))(٢). وقال أبو نعيم: ((دخلت البصرة بعدما خرج الثوري من عندنا، ودخل وكيع قبلي، فأتيت سعيد بن أبي عروبة فوجدته قد تغير، فلا أحدث عنه، وسمعت من الثوري عن ابن أبي عروبة، فأخذت عن الثوري، عنه، ولا أحدث عنه))(٣). ومثله عبدالرحمن بن مهدي مع سعيد أيضاً(٤). وقال أبو داود في إسحاق بن راهويه: ((تغير قبل أن يموت بستة أشهر، فرميت بما سمعت منه في تلك الأيام)»(٥). (١) ((الضعفاء الكبير)) ٩٩:٢. (٢) ((الضعفاء الكبير)) ٩٩:٢، وانظر: ((تاريخ الدوري عن ابن معين)) ١٩٥:٢. (٣) ((الكفاية)) ص١٣٥، وانظر: ((الكامل)) ١٢٢٩:٣ ففيه رواية أخرى عن أبي نعيم أنه سمع منه حدیثین، ثم قام وتركه. (٤) «سؤالات الآجري لأبي ی داود» ص ٣٥٠. (٥) ((تاريخ بغداد)) ٣٥٣:٦. وانظر قصة لقي أحمد لخلف بن خليفة في (العلل ومعرفة الرجال)) ١٢٩:٣، و ((تاريخ بغداد)) ٣٢٠:٨، و((تهذيب الكمال)) ٢٨٧:٨. ١٣٩ ومنهم من يحدث بما سمعه من المختلط بعد اختلاطه، إلا أن بعضهم يلتزم ألا يحدث إلا بما هو من صحيح حديث المختلط لمعرفته به، إذ من المعلوم أن المختلط في حال اختلاطه إذا حدث يكون في حديثه ما هو من صحيح حديثه، وما ليس كذلك، كما قال يعقوب بن سفيان في الجريري: «هو ثقة أخذوا عنه، من سمع منه في الصحة، لأنه كان عمل فيه السن فتغير، وكان أهل العلم يسمعون، وسماع هؤلاء الذين بأخرة فيه وفيه))(١). وقال يحيى بن معين لوكيع: «تحدث عن سعيد بن أبي عروبة وإنما سمعت منه في الاختلاط ؟ !! فقال: رأيتني حدثت عنه إلا بحديث مستو))(٢). غير أن هذا لم يكن منهجاً عاماً للرواة عن المختلطين بعد اختلاطهم، فلذا احتاج الأئمة إلى الاشتغال بهؤلاء المختلطين، أولاً من جهة درجة اختلاطهم، وثانياً لتحديد من سمع منهم قبل الاختلاط، ومن سمع منهم بعد الاختلاط. ولا شك أن هذا قد اقتضى من الأئمة جهداً مضاعفاً، يدرك المتتبع له بسهولة عناءهم في سبيل ذلك، ودقتهم، ومبلغ علمهم في فنهم. فأما الأمر الأول - وهو تحديد درجة الاختلاط - فسببه تفاوت المختلطين في درجته، كما قال ابن رجب: ((هم متفاوتون في تخليطهم، فمنهم من خلط تخليطاً فاحشاً، ومنهم من خلط تخليطاً (١) ((المعرفة والتاريخ)) ١١٥:٢. (٢) ((الكفاية)) ص١٣٦، وانظر: ((تهذيب الكمال)) ١١: ١٠. ١٤٠