النص المفهرس

صفحات 101-120

وتطلب هذا كله من النقاد تتبع أحوال الرواة، وإعطاء الراوي ما
يستحقه في جميع شيوخه على التفصيل.
وهذه الصورة أكثر صور اختلاف حال الراوي وجوداً، فقل راو من
الرواة المعروفين إلا ويجري فيه استثناء، وقد خصص الباحث صالح
بن حامد الرفاعي رسالته الماجستير للثقات الذين ضعفوا في بعض
شيوخهم، وأصلها فصل في ((شرح علل الترمذي لابن رجب))(١) إلا أن
الباحث اقتصر في رسالته، على من ضعف في ثلاثة من شيوخه فأقل،
مع تقييدات أخرى، ومع هذا فلم يستوفهم(٢).
ومن أمثلة هذه الصورة: حماد بن سلمة، هو قوي جداً في بعض
شيوخه كثابت البناني، وحميد الطويل، وعلي بن زيد، وعمار بن أبي
عمار، وقد لازم هؤلاء وحفظ عنهم، وهو دون ذلك في أكثر شيوخه،
كقتادة، وأيوب السختياني، وعمرو بن دينار، والجريري، وداود بن
أبي هند، وقيس بن سعد، يخطىء عليهم كثيراً، على تفاوت بينهم(٣).
وجرير بن حازم الأزدي البصري، هو ثقة إلا في قتادة فهو فيه
ضعيف، كذا قاله جماعة من الأئمة، قال عبدالرحمن بن مهدي:
(يضعف في حديثه عن قتادة)) (٤).
وقال أحمد: ((أشياء يسندها عن قتادة بواطيل))(٥)، وقال الميموني:
(١) (شرح علل الترمذي)) ٢: ٧٨١-٨١٣، و((الثقات الذين ضعفوا في بعض شيوخهم))
ص٥-١٠.
(٢) ((الثقات الذين ضعفوا في بعض شيوخهم)) ص ٧-١٠، ٢٣٧.
(٣) ((حماد بن سلمة ومروياته في مسند أحمد عن غير ثابت)) ص٧٦-٨٠.
(٤)
(شرح علل الترمذي)) ٢ : ٦٢٤.
(٥) ((شرح علل الترمذي)) ٢: ٦٢٤.
١٠١

((ذكر أبو عبدالله حديثه عن قتادة فقال: كأن حديثه عن قتادة غير
حديث الناس، يوقف أشياء ويسند أشياء))(١).
وقال عبدالله بن أحمد: ((سألت يحيى بن معين عن جرير بن
حازم، فقال: ليس به بأس، فقلت له: إنه حدث عن قتادة، عن أنس
أحاديث مناكير، فقال: ليس بشيء، هو عن قتادة ضعيف))(٢).
وجعفر بن برقان الجزري، ثقة إلا في حديثه عن الزهري فهو فيه
ضعيف، قال عبدالله بن أحمد: ((سألت أبي عن جعفر بن برقان،
فقال: إذا حدث عن غير الزهري فلا بأس، في حديث الزهري
يخطىء))(٣).
وقال ابن معين: «جعفر بن برقان ثقة فيما روى عن غير الزهري،
وأما ماروى عن الزهري فهو فيه ضعيف، وكان أمياً لا یکتب، ولیس
هو مستقيم الحديث عن الزهري، وهو في غير الزهري أصح
حديثاً)) (٤).
وقال النسائي: ((جعفر بن برقان في الزهري ضعيف، وفي غيره لا
بأس به»(٥).
(١) ((الضعفاء الكبير)) ١٩٩:١، وانظر أيضاً: ((المعرفة والتاريخ)) ١٩٧:٢.
(٢) ((العلل ومعرفة الرجال)) ٢: ١٠.
وانظر أيضاً في جرير وروايته عن قتادة: ((الكامل)) ٥٤٨:٢-٥٥٤.
(٣) ((العلل ومعرفة الرجال)) ١٠٣:٣، و((الجرح والتعديل)) ٢: ٤٧٤، وانظر: ((تهذيب
الكمال)» ١٣:٥ .
(٤) ((سؤالات ابن الجنيد)) ص٧، وانظر: ((سؤالات ابن الجنيد)) ص٣٩٥، و((تاريخ
الدوري عن ابن معين)) ٨٤:٢، وتاريخ الدارمي عن ابن معين)) ص٤٤، و((الكامل))
٢: ٥٦٣، و(تهذيب الكمال)) ١٤:٥ .
(٥) ((عمل اليوم والليلة)) حديث ٢١٠.
١٠٢

وبمعنى هذا قال محمد بن عبد الله بن نمير، والعقيلي، وابن
عدي، والدارقطني، وغيرهم(١).
ومثله في الزهري: إسحاق بن راشد الجزري، وسفيان بن حسين
الواسطي، وهشيم بن بشير الواسطي، فهؤلاء في الزهري ضعفاء(٢).
وعبدالرزاق بن عمر الدمشقي الكبير، ضعيف الحديث، وهو في
الزهري أشد ضعفاً، فهو متروك الحديث، قال هشيم: ((ذهبت كتبه،
خرج إلى بيت المقدس، فجعل كتبه في خرج جديد، وثيابه في خرج
خلق، فجاء اللصوص فأخذوا الخرج الجديد، فذهبت كتبه، وكان بعد
ذلك إذا سمع حديثاً من حديث الزهري قال: هذا مما سمعت))(٣).
وعبدالعزيز بن محمد الدراوردي، صدوق، لكن هو في عبيد الله
بن عمر العمري ضعيف، كان قد سمع من عبدالله بن عمر العمري -
وهو ضعيف - أحاديث فجعلها عن أخيه عبيد الله بن عمر وهو ثقة
ثبت، قال أبو داود: ((سمعت أحمد غير مرة يقول: عامة أحاديث
الدراوردي عن عبيد الله - أحاديث عبد الله العمري، مقلوبة - وربما لم
يذكر: مقلوبة، ولا عامة -، وسمعته يقول: عبدالعزيز الدراوردي عنده
عن عبيد الله مناكير)) (٤).
(١) ((الضعفاء الكبير)) ١٨٤:١، و((الجرح والتعديل)) ٢: ٤٧٥، و((الكامل)) ٥٦٤:٢،
و ((سؤالات البرقاني للدار قطني)) ص٢١ .
(٢)
((تهذيب التهذيب)) ٢٣٠:١، ١٠٨:٤، ١١: ٦٠، ٦٣.
(٣) ((الضعفاء الكبير)) ١٠٦:٣، وانظر أيضاً: ((سؤالات الآجري لأبي داود)) ١٩٨:٢،
و((تهذيب التهذيب)) ٣٠٩:٦.
(٤) ((سؤالات أبي داود)) ص٢٢٢، وانظر: ((الجرح والتعديل)) ٣٩٥:٥، ٣٩٦، و((شرح
علل الترمذي)) ٨١٠:٢.
١٠٣

وقال النسائي: ((ليس به بأس، وحديثه عن عبيد الله بن عمر
منكر))(١)
ويحيى بن سليم الطائفي، صدوق سيء الحفظ، لكن حديثه عن
عبيد الله بن عمر العمري أشد ضعفاً من غيره، قال أحمد: ((يحيى بن
سليم مضطرب الحديث، روى عن عبيد الله مناكير))(٢).
وقال النسائي: «ليس به بأس، وهو منكر الحديث عن عبيد الله بن
عمر))(٣).
وقال الساجي: ((صدوق يهم في الحديث، وأخطأ في أحاديث
رواها عن عبيد الله بن عمر، لم يحمده أحمد)) (٤).
وهو بضد ذلك في حديثه عن عبدالله بن عثمان بن خثيم، فقد
أتقن حديثه عنه، وله عنه كتاب كان لا يعطيه لأحد إلا برهن، قال
أحمد: ((كان قد أتقن حديث ابن خثيم، كانت عنده في كتاب، فقلنا
له: أعطنا كتابك، فقال: أعطوني مصحفاً رهناً، قلنا: من أين لنا
مصحف ونحن غرباء؟))(٥).
وقال ابن معين: ((أتيت يحيى بن سليم الطائفي، وكان يعطي
نسخته ويأخذ رهناً مصحفاً، فقلت له، فقال: إن شئت قرأت علي كما
قرأت أنا على ابن خثيم))(٦).
(١) ((تهذيب الكمال)) ١٨: ١٩٤.
(٢) ((سؤالات أبي داود)) ص٢٣٦ .
(٣)
((تهذيب الكمال)) ٣٦٨:٣١.
((إكمال تهذيب الكمال)» ١٢ :٣٢٣ .
(٤)
وانظر أيضاً: ((علل المروذي)» ص١٤٢، ١٤٥، و((سنن الترمذي)) ٧٥٩:٥.
(٥) ((العلل ومعرفة الرجال)) ٢: ٤٨٠.
(٦) ((تاريخ الدوري عن ابن معين)) ٦٤٩:٢، وانظر: ((الكامل)) ٢٦٧٥:٧.
١٠٤

وقال البخاري: ((رجل صالح ... ، يهم الكثير في حديثه، إلا
أحاديث كان يسأل عنها، فأما غير ذلك فيهم الكثير، روى عن عبيد الله
بن عمر أحاديث يهم فيها ... )) (١).
والظاهر أن البخاري يعني بالأحاديث التي يسأل عنها حديثه عن
عبدالله بن عثمان بن خثيم، كما تقدم عن أحمد، وابن معين.
وأبو معاوية محمد بن خازم الضرير، لازم الأعمش، فأتقن عنه
جداً، وكان من المقدمين في أصحابه، وأما في غير الأعمش فيخطىء،
وخاصة فيما يرويه عن عبيد الله بن عمر العمري، وهشام بن عروة،
قال أحمد: ((أبو معاوية الضرير في غير حديث الأعمش مضطرب، لا
يحفظها حفظاً جيداً))(٢)، وقال أبو داود: «قلت لأحمد: کیف حدیث
أبي معاوية عن هشام بن عروة؟ قال: فيها أحاديث مضطربة، يرفع منها
أحاديث إلى النبي وَليو))(٣)، وقال أبو داود أيضاً: ((سمعت أحمد يقول:
كان أبو معاوية يخطىء في غير شيء عن عبيد الله ... ))(٤).
وقال ابن محرز: ((سمعت يحيى - وسألته عن أبي معاوية قلت:
كيف هو في غير حديث الأعمش؟ - فقال: ثقة، ولكنه يخطىء))(٥).
والضحاك بن مخلد أبو عاصم النبيل، ثقة ثبت، لكنه يخطىء في
حديث سفيان الثوري، قال إبراهيم الحربي: ((كان أبو عاصم إذا حدث
(١) ((العلل الكبير)) ٢: ٩٨١.
(٢) ((العلل ومعرفة الرجال)) ٣٧٨:١، ٣٧٤:٢.
(٣)
((مسائل أبي داود)) ص٤٠٤، وانظر: ((شرح علل الترمذي)) ٢: ٦٨٠.
(٤)
«مسائل أبي داود» ص٤٠٤ .
((معرفة الرجال)) ٩٦:١، ١٥٧.
(٥)
وانظر في أبي معاوية أيضاً: ((تهذيب التهذيب)) ١٣٧:٩- ١٣٩.
١٠٥

عن ابن جريج وغيره من أصحابه جاء مستوياً، وإذا حدث عن سفيان
أخطأ؛ لأنه لم يضبط عنه، فكان إذا أخرج المجلس وجّه به إلى علي
بن المديني لينظر فيه، ويصلح خطأه، فقال له بعض من قال له: أيش
توجه بكتابك إلى هذا؟ حدِّث كما سمعت، قال: ففعل، وكان يخطىء
كل مجلس في اثنين، ثلاثة، من حديث سفيان))(١).
وقال النسائي في شيخه الحسن بن أحمد بن حبيب: ((لا بأس به،
إلا في حديث مسدد))، وكذا قال مسلمة بن قاسم: ((لا بأس به،
یخطىء في حدیث مسدد)).
وکان الحسن هذا يروي عن مسدد «مسنده))(٢).
والأمثلة على التوثيق والتضعيف المقيد في شيخ معين أو أكثر
كثيرة جداً.
ويدخل في هذه الصورة - وهو من دقيقها - ما إذا كان التوثيق أو
التضعيف في الشيخ المعين مخصوصا بشيء، مثل سماعه منه في بلد
معین، أو روایته کتابا لشيخه.
مثال ذلك إسماعيل بن مسلم المكي، ضعيف الحديث، واستثنى
أحمد من ذلك ما يرويه عن الحسن البصري في القراءات، قال عبدالله
بن أحمد: ((سمعت أبي يقول: إسماعيل بن مسلم المكي ما روى عن
الحسن في القراءات، فأما إذا جاء إلى المسندة التي مثل حديث عمرو
بن دينار، يسند عنه أحاديث مناكير، ليس أراه بشيء، وكأنه ضعفه،
(١) ((الجامع لأخلاق الراوي)) ٨٩:٢، وانظر: ((العلل ومعرفة الرجال)) ٥٥٧:٢،
((ومعرفة الرجال)) ١٠٩:١.
(٢) ((إكمال تهذيب الكمال)) ٦٥:٤، و(تهذيب التهذيب)) ٢٥٣:٢-٢٥٤.
١٠٦

ويسند عن الحسن، عن سمرة أحاديث مناكير))(١).
وعبدالرزاق الصنعاني، حافظ ثقة، وقد سمع من سفيان الثوري
بمكة، وباليمن، فضعف أحمد سماعه منه بمكة، وقوى سماعه منه
باليمن، قال أحمد: ((سماع عبدالرزاق بمكة من سفيان مضطرب جداً،
روى عنه عن عبيدالله أحاديث مناكير، هي من حديث العمري، وأما
سماعه باليمن فأحاديث صحاح))(٢).
وزياد بن عبد الله البكائي، مختلف فيه، ليّن الحديث، سوى
حديثه عن محمد بن إسحاق فهو ثبت فيه، وذلك في ((السيرة)) لابن
إسحاق خاصة، قال عبدالله بن إدريس: ((ما أحد أثبت في ابن إسحاق
منه، لأنه أملى عليه إملاء مرتين ... ))(٣).
وقال ابن معين: ((ليس حديثه بشيء، وكان عندي في المغازي لا
بأس به، زعم عبدالله بن إدريس أن زياداً البكائي باع بعض داره وكتب
المغازي))(٤).
وقال أبو داود، عن ابن معين: ((زياد البكائي في ابن إسحاق ثقة،
كأنه يضعفه في غير ابن إسحاق))(٥). وقال الدارمي، عن ابن معين: ((لا
بأس به في المغازي، وأما في غيره فلا، وسألته: عمن أكتب المغازي،
ممن يروي عن يونس بن بكير، أو غيره؟ قال: اكتبه عن أصحاب
(العلل ومعرفة الرجال)) ٣٥٢:٢، و((الكامل)) ١: ٢٨٠.
(١)
(٢)
(شرح علل الترمذي)) ٦٠٦:٢.
(٣)
((الجرح والتعديل)) ٥٣٨:٣.
((الجرح والتعديل)) ٥٣٨:٣.
(٤)
((تاريخ بغداد)» ٤٧٧:٨.
(٥)
١٠٧

البكائي))(١).
وقال صالح بن محمد: ((ليس كتاب المغازي عند أحد أصح منه
عند زياد البكائي، وزياد في نفسه ضعيف، ولكن هو من أثبت الناس
في هذا الكتاب، وذلك أنه باع داره وخرج يدور مع ابن إسحاق حتى
سمع منه الكتاب))(٢).
وابن هشام روى ((سيرة ابن إسحاق)) عن زياد البكائي، عن ابن
إسحاق، ثم هذبها، واشتهرت عنه، وهي المعروفة بـ(سيرة ابن هشام))(٣).
الثانية: توثيق الراوي في روايته عن أهل بلد معين،
وتضعيفه في روايته عن أهل بلد آخر :
قد يوثق الراوي في روايته عن أهل بلد، لكونه حفظ عنهم،
ويضعف في روايته عن أهل بلد آخر، لكونه لم يحفظ عنهم، إما لقلة
مكثه عندهم، أو لكونه سمع منهم بعد ماکبر، أو لأسباب أخرى،
وربما استثنوا من التوثيق أو التضعيف بعض شيوخه.
ومن أشهر من عرف بذلك إسماعيل بن عياش، قواه الجمهور في
روايته عن أهل بلده أهل الشام، وضعفوه في غيرهم، كأهل الحجاز
وأهل العراق، قال أبو داود: ((سألت أحمد عن إسماعيل بن عياش
فقال: ما حدث عن مشايخهم، قلت: الشاميين؟ قال: نعم، فأما
حديث غيرهم عنده مناكير))(٤)، وقال أبو طالب عن أحمد: ((ما روى
(١) ((تاريخ الدارمي عن ابن معين)) ص١١٤.
(٢)
«تاریخ بغداد)) ٤٧٨:٨.
(سيرة ابن هشام) ١٠:١، ١٢.
(٣)
«سؤالات أبي داود)) ص٢٦٤ .
(٤)
١٠٨

عن الشاميين فصحيح، وما روى عن أهل الحجاز فليس بصحيح)) (١).
وقال ابن معين: ((إسماعيل بن عياش ثقة فيما روى عن الشاميين،
وأما روايته عن أهل الحجاز فإن كتابه ضاع فخلّط في حفظه عنهم)) (٢)،
وقال أيضاً: ((إذا حدث عن الشاميين وذكر الخبر فحديثه مستقيم، وإذا
حدث عن الحجازيين والعراقيين خلّط ما شئت))(٣).
وقد توارد على هذا المعنى جماعة من الأئمة، كعلي بن المديني،
ودحيم، وعمرو بن علي الفلاس، والبخاري، وأبي زرعة، وابن
(٤)
عدي (٤).
ومن هذا الضرب أيضاً: بقية بن الوليد الحمصي، قواه الأئمة فيما
إذا روى عن الثقات، وصرح بالتحديث، لكن ذلك فيما يرويه عن أهل
الشام، قال عبدالله بن علي بن المديني: سمعت أبي يقول: ((بقية
صالح فيما روى عن أهل الشام، وأما حديثه عن عبيد الله بن عمر
وأهل الحجاز والعراق فضعفه فيها جداً)(٥).
وقال ابن عدي: «صفته في روایات الحدیث کإسماعيل بن عياش،
إذا روى عن الشاميين فهو ثبت، وإذا روى عن المجهولين فالعهدة
(١) ((الكامل)) ٢٨٨:١، وانظر: ((علل المروذي)) ص١٤١، و((الجرح والتعديل))
١٩٢:٢، و((الكامل)) ٢٨٩:١.
(٢)
((تاريخ بغداد)) ٢٢٦:٦.
(تهذيب الكمال)) ١٧٤:٣، وانظر: ((العلل ومعرفة الرجال)) ٩:٣، و((الجرح
(٣)
والتعديل)) ١٩٢:٢، و((الكامل)) ٢٨٩:١.
(٤) ((سؤالات ابن أبي شيبة)) ص١٦١، و((التاريخ الكبير)) ١: ٣٧٠، و((الجرح والتعديل))
١٩٢:٢، و(الكامل)) ٢٩٢:١، ٢٩٦، و((تاريخ بغداد)) ٢٢٦:٦، و((تهذيب الكمال))
١٧٦:٣-١٧٨، و((شرح علل الترمذي)) ٧٧٣:٢ .
(٥) ((تاريخ بغداد)) ١٢٥:٧ .
١٠٩

منهم لا منه، وإذا روى عن غير الشاميين فربما وهم عليهم، وربما كان
الوهم من الراوي عنه))(١).
وقال أبو زرعة في حديث رواه بقية عن المسعودي فأخطأ فيه: ((إذا
نقل بقية حديث الكوفة إلى حمص يكون هكذا))(٢).
وتلتقي هذه الصورة مع التي قبلها فيما إذا استثنى الأئمة بعض
شيوخ الراوي في البلد الذي ضعف فيه أو وثق، أو كان تضعيفه أو
توثيقه في ذلك البلد متفاوتاً.
فمن هؤلاء معمر بن راشد، فإنه ثقة ثبت، إلا في حديثه عن أهل
الحجاز وأهل العراق، فإنه يهم فيه، واستثنوا من أهل الحجاز حديثه
عن الزهري، وعبدالله بن طاووس، ثم إنه في بعض شيوخه من أهل
العراق كثابت البناني، والأعمش، أضعف من روايته عن غيرهما.
قال ابن أبي خيثمة: ((سمعت يحيى بن معين يقول: إذا حدثك
معمر عن العراقيين فخفه، إلا عن الزهري، وابن طاوس، فإن حديثه
عنهما مستقيم، فأما أهل الكوفة وأهل البصرة فلا، وما عمل في حديث
الأعمش شيئاً، قال يحيى: وحديث معمر عن ثابت، وعاصم بن أبي
النجود، وهشام بن عروة، وهذا الضرب، مضطرب كثير الأوهام)) (٣).
وقال ابن معين أيضاً: ((معمر، عن ثابت: ضعيف))(٤).
(١) ((الكامل)) ٥١٢:٢.
((شرح علل الترمذي)) ٢: ٧٧٤.
(٢)
(٣)
((سير أعلام النبلاء)) ١٠:٧، و((شرح علل الترمذي)) ٧٧٤:٢، و((إكمال تهذيب
الكمال)» ٣٠٠:١١، وفي الأول منها: (فخافه)) بدل ((فخفه))، وفي الثالث:
«فخالفه)».
(٤) ((تهذيب الكمال)) ٣٠٣:٢٨.
١١٠

وكذا قال ابن المديني في رواية معمر، عن ثابت، إن فيها أحاديث
غرائب ومنكرة، وأشار إلى أنها تشبه أحاديث أبان بن أبي عياش(١).
وبمعنى كلام هذين الإمامين في رواية معمر، عن ثابت، جاء عن
أحمد، والعقيلي(٢).
وقال أحمد: ((أحاديث معمر، عن الأعمش، التي يغلط فيها، ليس
هو من عبدالرزاق، إنما هو من معمر - يعني الغلط _))(٣).
وقال ابن رجب: ((أما معمر في الأعمش فهو سيء الحفظ جداً،
كذا ذكره ابن معين، والأثرم، والدارقطني))(٤).
وقد اعتذر معمر عن ذلك بقوله: ((سقطت مني صحيفة الأعمش،
فإنما أتذكر حديثه، وأحدث من حفظي))(٥).
وفرج بن فضالة الحمصي، الجمهور على تضعيف حديثه، ومن
قواه فذلك في حديثه عن الشاميين خاصة، وأما حديثه عن أهل الحجاز
فلا، وخاصة عن يحيى بن سعيد الأنصاري، قال عبدالرحمن بن
مهدي: ((حدث فرج بن فضالة عن أهل الحجاز أحاديث مقلوبة
منكرة))(٦).
وقال أحمد: «إذا حدث عن الشامیین فليس به بأس، ولكنه حدث
(١) ((علل ابن المديني)) ص٧٢، و((شرح علل الترمذي)) ٢: ٦٩١، ٨٠٤.
(٢) ((المعرفة والتاريخ)) ١٦٦:٢، و((علل المروذي)) ص١٥٠، و((شرح علل الترمذي))
٦٩١:٢، وانظر أيضاً: ((علل الترمذي الكبير)) ٢: ٦٨٥.
(٣)
(شرح علل الترمذي)) ٧٢٠:٢ .
(٤)
((شرح علل الترمذي)» ٢: ٧٢٠.
(٥)
((المعرفة والتاريخ)) ٢٩:٣.
(٦) ((الكامل)) ٦: ٢٠٥٤، وانظر: ((الجرح والتعديل)) ٨٦:٧.
١١١

عن يحيى بن سعيد مناكير))(١).
وقال أبو حاتم: «صدوق، یکتب حديثه ولا يحتج به، حديثه عن
يحيى بن سعيد فيه إنكار، وهو في غيره أحسن حالاً ... ))(٢).
وعباس بن الفضل الأنصاري البصري، متروك الحديث، لكن هو
فيما حدث عن البصريين أحسن حالاً مما حدث به عن الكوفيين، قواه
أحمد في حديثه عن البصريين، واستثنى من ذلك حديثاً باطلاً(٣)، وقال
ابن حبان: ((كان إذا حدث عن خالد الحذاء، ويونس بن عبيد، وشعبة
بن الحجاج أتى عنهم بأشياء تشبه أحاديثهم المستقيمة، وإذا روى عن
عنبسة بن عبدالرحمن، والقاسم بن عبدالرحمن، وأهل الكوفة أتى
بأشياء لا تشبه حديث الثقات، كأنه كان يحدث عن البصريين من كتابه،
وعن الكوفيين من حفظه، فوقعت المناكير فيها من سوء حفظه، فلما
كثر ذلك في روايته بطل الاحتجاج بخبره))(٤).
الثالثة: توثيق الراوي أو تضعيفه في رواية أهل بلد
معین عنه :
قد يحدث بعض الرواة في بلد فيضبط حديثه، ويضبطه أهل ذلك
البلد عنه، ثم يحدث في بلد آخر فيقع في حديثه أوهام، إما بسببه، أو
بسبب الآخذین عنه.
(١) (سؤالات أبي داود)) ص٢٦٤، وانظر: ((سؤالات الآجري)) ٢٣٧:٢، و(«تاريخ
بغداد» ٣٩٥:٢.
(٢) ((الجرح والتعديل)) ٨٦:٧.
وانظر: ((الكامل)) ٢٠٥٥:٦، و((تاريخ بغداد)) ٣٩٦:١٢.
(٣) ((العلل ومعرفة الرجال)) ٣١٨:٢.
(٤) (المجروحين)) ١٨٩:٢.
١١٢

فمن هؤلاء: زهير بن محمد الخراساني، حديث أهل العراق عنه
مستقيم، وأما حديث أهل الشام عنه فضعيف جداً، حتى إن بعض
الأئمة أبدى احتمالاً أن يكون غيره، قلب أهل الشام اسمه، ويساعد هذا
اتنشار تدليس الشيوخ في أهل الشام، لكن كأن الجمهور على أنه هو.
قال الأثرم: ((سمعت أبا عبدالله - وذكر رواية الشاميين عن زهير
بن محمد - قال: يروون عنه أحاديث مناكير هؤلاء، ثم قال لي: ترى
هذا زهير بن محمد الذي يروي عنه أصحابنا؟ ثم قال: أما رواية
أصحابنا عنه فمستقيمة، عبدالرحمن بن مهدي، وأبو عامر، أحاديث
مستقيمة صحاح، وأما أحاديث أبي حفص ذاك التنيسي عنه فتلك
بواطيل موضوعة - أو نحو هذا، فأما أباطيل فقد قاله ـ))(١).
وذكر البخاري عن أحمد قوله: ((كأن الذي روى عنه أهل الشام
زهير آخر فقلب اسمه)»(٢).
وقال البخاري: ((ما روى عنه أهل الشام فإنه مناكير، وما روى عنه
أهل البصرة فإنه صحيح))(٣).
وذکر الترمذي حديثاً من رواية الوليد بن مسلم - وهو شامي - عنه،
وسأل عنه البخاري فقال: ((أنا أتقي هذا الشيخ، كأن حديثه موضوع،
وليس هذا عندي بزهير بن محمد، وكان أحمد بن حنبل يضعف هذا
الشيخ، ويقول: ينبغي أن يكونوا قلبوا اسمه، أهل الشام يروون عن
(١) ((تهذيب الكمال)) ٤١٧:٩.
(٢)
((التاريخ الكبير)) ٤٢٨:٣، و((التاريخ الصغير)) ١٤٩:٢.
(تهذيب الكمال)) ٤١٨:٩، وانظر: ((التاريخ الكبير) ٤٢٨:٣، و((التاريخ الصغير))
(٣)
١٤٩:٢، و((الكامل)) ١٠٧٣:٣.
١١٣

زهير بن محمد هذا مناكير)) (١).
وقد توارد على تضعيف رواية أهل الشام عن زهير بن محمد أئمة
آخرون، كالعجلي، وأبي حاتم، والنسائي، وابن عدي(٢).
وأيوب بن عتبة اليمامي، قواه بعضهم فيما حدث به باليمامة، دون
ما حدث به بالعراق، قال أبو حاتم: ((فیه لین، قدم بغداد ولم يكن معه
كتبه، فكان يحدث من حفظه على التوهم فيغلط، وأما كتبه في الأصل
فهي صحيحة، عن يحيى بن أبي كثير، قال لي سليمان بن شعبة هذا
الکلام ۔ و کان عالماً بأهل اليمامة -، وقال: هو أروی الناس عن يحيى
بن أبي كثير، وأصح الناس كتاباً عنه))(٣).
وقال أبو زرعة: ((قال لي: سليمان بن داود بن شعبة اليمامي: وقع
أيوب بن عتبة إلى البصرة وليس معه كتب فحدث من حفظه، وكان لا
يحفظ، فأما حديث اليمامة ما حدث به ثمة فهو مستقيم)) (٤).
والجمهور على تضعيف أيوب بن عتبة مطلقاً، لم يفصلوا هذا
التفصيل، وكأن الغالب روايات أهل العراق عنه(٥).
ومعمر بن راشد البصري ثم اليمني، في حديث أهل البصرة عنه
أوهام وخطأ، كان أتى إلى البصرة لزيارة أمه، فحدث من حفظه
:
(١) ((العلل الكبير)) ٩٥٢:٢، و((سنن البيهقي)) ٢٤٠:٢، و ((الميزان)) ٨٤:٢.
(٢) ((الجرح والتعديل)) ٣: ٥٩٠، و(تهذيب الكمال)) ٤١٨:٩، و((الكامل)) ١٠٧٨:٣،
و((شرح علل الترمذي)) ٧٧٧:٢، و(تهذيب التهذيب)) ٣: ٣٥٠.
(٣)
((الجرح والتعديل)) ٢: ٢٥٣ .
((الجرح والتعديل)) ٢٥٣:٢، وانظر: ((أسئلة البرذعي لأبي زرعة)) ص٥٤٩ .
(٤)
(طبقات ابن سعد)) ٤٠٤:٥، و((التاريخ الكبير)) ٤٢٠:١، و((الكامل)) ٣٤٣:١،
(٥)
و «تاريخ بغداد)) ٤:٧، و((تهذيب الكمال)) ٣: ٤٨٤.
١١٤

فغلط(١)، قال أبو داود: ((قلت لأحمد: ما حدث معمر بالبصرة؟ قال:
أخطأ بالبصرة في أحاديث))(٢)، وقال أحمد أيضاً: ((حديث عبدالرزاق،
عن معمر، أحب إلي من حديث هؤلاء البصريين، كان يتعاهد كتبه
وينظر - يعني باليمن -، وكان يحدثهم بخطأ بالبصرة))(٣).
وقال يعقوب بن شيبة: ((سماع أهل البصرة من معمر حين قدم
عليهم فيه اضطراب، لأن كتبه لم تكن معه)) (٤).
وقال أبو حاتم: ((ما حدث بالبصرة ففيه أغاليط، وهو صالح
الحديث))(٥).
وعبدالرحمن بن أبي الزناد الفقيه المدني، مختلف فيه، لكن حديثه
بالمدينة أصح وأقوى مما حدَّث به في بغداد، هكذا قاله جماعة من
الأئمة، قال يعقوب بن شيبة: ((في حديثه ضعف، سمعت علي بن
المديني يقول: حديثه بالمدينة حديث مقارب، وما حدَّث به بالعراق
فهو مضطرب))(٦)، وقال ابن المديني أيضاً: ((ماحدث عبدالرحمن بن
أبي الزناد بالمدينة فهو صحيح، وما حدّث به ببغداد أفسده البغداديون،
ورأيت عبدالرحمن (يعني ابن مهدي) خط على أحاديث عبدالرحمن بن
أبي الزناد، وكان يقول في حديث: عن مشيختهم، ولقنه البغداديون:
عن فقهائهم، وعدّهم، فلان وفلان وفلان))(٧).
(١) (سير أعلام النبلاء)) ٨:٧.
(٢)
«مسائل أبي داود)) ص٤٠٩ .
(شرح علل الترمذي)) ٧٦٧:٢.
(٣)
(٤)
((شرح علل الترمذي)) ٧٦٧:٢ .
(٥)
((الجرح والتعديل)) ٢٥٧:٨.
((تاريخ بغداد)) ٢٢٩:١٠، وانظر: ((شرح علل الترمذي)) ٧٧٠:٢.
(٦)
(تاريخ بغداد)) ٢٢٩:١٠.
(٧)
١١٥

وقال عمرو بن علي الفلاس: ((عبدالرحمن بن أبي الزناد فيه
ضعف، وما حدث بالمدينة أصح مما حدث ببغداد))(١).
وكذا قال الساجي(٢).
وشريك بن عبدالله القاضي، مختلف فيه أيضاً، وذكر أحمد أن
حديث شريك بواسط أصح من غيره، قال أبو داود: ((سمعت أحمد
يقول: عباد بن العوام، وإسحاق - يعني الأزرق -، ويزيد كتبوا عن
شريك بواسط من كتابه، قدم عليهم في حفر نهر، قال أحمد: سماع
هؤلاء أصح عنه - يعني سماع أهل واسط -، سمعت أحمد يقول: كأن
حديث أهل واسط عن شريك لا يشبه حديث شريك))(٣).
وقال ابن المديني: ((كان عسراً في الحديث، وإنما كان حديث
شريك وقع بواسط، قدم عليهم في حفر نهر، فحمل عنه إسحاق
الأزرق وغيره))(٤).
وكذا قال محمد بن عبدالله بن عمار، لكنه قصر ذلك على إسحاق
الأزرق، قال: ((شريك كتبه صحاح، فمن سمع منه من كتبه فهو
صحيح، ولم يسمع من شريك من كتابه إلا إسحاق الأزرق))(٥).
وجرير بن حازم البصري، ذهب إلى مصر فحدث من حفظه
أحاديث وقع فيها وهم وغلط، قاله أحمد، والساجي،
((تاريخ بغداد)) ٢٢٩:١٠.
(١)
(٢)
((تاريخ بغداد)) ١٠ :٢٣٠.
(٣) ((مسائل أبي داود)) ص ٤٣٠، وانظر: ((سؤالات أبي داود)) ص٣٢١، و((مسائل
إسحاق» ١٩٨:٢.
(٤)
((تاريخ بغداد)) ٩ :٢٨٣.
((شرح علل الترمذي)) ٧٥٩:٢ .
(٥)
١١٦

وغيرهما (١).
ويزيد بن هارون الواسطي، ثقة ثبت، وحديثه بواسط أقوى من
حديثه ببغداد، قال أحمد: ((يزيد بن هارون من سمع منه بواسط هو
أصح ممن سمع ببغداد، لأنه كان بواسط يلقن فرجع إلى ما في
الكتب)»(٢).
ومحمد بن عبد الرحمن المدني الفقيه، المعروف بابن أبي ذئب،
ثقة ثبت، إلا أن حديثه بالحجاز أصح من حديثه بالعراق، ففي حديثه
بالعراق أغلاط، ذكر مسلم أن سماع الحجازيين منه صحيح - قال:
((وفي حديث العراقيين وهم كبير، ولعله كان يلقن فيتلقن - يعني
بالعراق _))(٣).
وشبيب بن سعيد الحبطي البصري، ثقة، وحدث بمصر أحاديث
مناكير، قال ابن المديني: ((ثقة، كان يختلف في تجارة إلى مصر،
و کتابه کتاب صحیح، وقد کتبتها عن ابنه أحمد»(٤).
وقال ابن عدي: ((كأن شبيباً إذا روى عنه ابنه أحمد بن شبيب
نسخة يونس، عن الزهري - إذ هي أحاديث مستقيمة - ليس هو شبيب
بن سعيد الذي يحدث عنه ابن وهب بالمناكير التي يرويها عنه، ولعل
شبيباً بمصر في تجارته إليها كتب عنه ابن وهب من حفظه، فيغلط
ويهم، وأرجو أن لا يتعمد شبيب هذا الكذب))(٥).
(١) ((إكمال تهذيب الكمال)) ١٨١:٣، ١٨٢.
(٢) ((مسائل صالح)) ص٣٣١.
(٣) (شرح علل الترمذي)) ٢: ٧٨٠، وانظر: ((التمييز)) لمسلم ص١٩١، و((فتح الباري))
لابن حجر ١٠ :٤٤٣.
(٤) ((الكامل)) ١٣٤٦:٤.
(٥) ((الكامل)) ١٣٤٧:٤.
١١٧

والوليد بن مسلم الدمشقي، قال ابن رجب: ((ظاهر كلام أحمد أنه
إذا حدث بغير دمشق ففي حديثه شيء، قال أبو داود: سمعت أبا
عبدالله سئل عن حديث الأوزاعي عن عطاء، عن أبي هريرة، عن النبي
گی ر: ((علیکم بالباءة ... ))، قال: هذا من الوليد، يخاف أن یکون ليس
بمحفوظ عن الأوزاعي، لأنه حدث به الوليد بحمص، ليس هو عند
أهل دمشق، وتكلم أحمد أيضاً فيما حدث به الوليد من حفظه
بمكة»(١).
ومحمد بن إبراهيم أبو أمية الطرسوسي، ما حدث به في مصر فيه
أوهام، قال ابن حبان: ((دخل مصر فحدثهم من حفظه من غير كتاب
بأشياء أخطأ فيها، فلا يعجبني الاحتجاج بخبره إلا ما حدث من
كتابه))(٢).
الرابعة: توثيق الراوي أو تضعيفه في صفة معينة في
الرواية :
هناك صفة في الرواية تحتاج إلى درجة عالية من الحفظ والتثبت،
وربما فعلها من في حفظه شيء فلم يحكم الرواية، وهذه الصفة هي أن
يجمع الراوي عدداً من شيوخه فيروي عنهم جميعاً، وكثيراً ما يكون
بينهم اختلاف في الإسناد أو المتن، فيحمل حديث بعضهم على بعض
دون تمييز، ويستدل الأئمة بهذا على أن هذا الراوي في حفظه شيء،
ويتأكد هذا في حال جمعه لعدد من شيوخه.
(١) (مسائل أبي داود)) ص٤١٣، و(شرح علل الترمذي)) ٧٧٢:٢ .
(٢) ((ثقات ابن حبان)) ١٣٧:٩.
١١٨

ومن هؤلاء: حماد بن سلمة، قال أحمد عن حديث حماد بن
سلمة، عن أيوب، وقتادة، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن أبي
ثعلبة الخشني، عن النبي وَ ل (في آنية المشركين): ((هذا من قبل حماد
(يعني ذكر أبي أسماء الرحبي في طريق أيوب، وأن الصواب فيه: عن
أبي قلابة، عن أبي ثعلبة) كان لا يقوم على مثل هذا، يجمع الرجال،
ثم يجعله إسناداً واحداً، وهم يختلفون))(١).
وقال أبو يعلى الخليلي: ((ذاكرت بعض الحفاظ قلت: لم لم يدخل
البخاري حماد بن سلمة في ((الصحيح))؟ قال لأنه يجمع بين جماعة من
أصحاب أنس، يقول: حدثنا قتادة، وثابت، وعبدالعزيز بن صهيب،
وربما يخالف في بعض ذلك، فقلت: أليس ابن وهب اتفقوا عليه،
وهو يجمع بين أسانيد فيقول: أخبرنا مالك، وعمرو بن الحارث،
والأوزاعي، ويجمع بين جماعة غيرهم؟ فقال: ابن وهب أتقن لما
يرويه وأحفظ)»(٢).
ومثله محمد بن إسحاق، قال أحمد في رواية إسحاق بن هانيء:
((إبراهيم بن سعد من أحسن الناس حديثاً عن محمد بن إسحاق، فإذا
جمع بين رجلين - يقول: حدثني فلان وفلان - لم يحكمه)) (٣).
وقال المروذي: ((سألته عن محمد بن إسحاق كيف هو؟ فقال: هو
(١) ((شرح علل الترمذي)) ٢:، وانظر: ((حماد بن سلمة ومروياته في مسند أحمد عن
غیر ثابت» حدیث ٦٨ .
(٢) ((الإرشاد)) ١ : ٤١٧.
وانظر أيضاً: ((صحيح ابن حبان)) ١: ١٥٤، و((حماد بن سلمة ومروياته في مسند
أحمد عن غير ثابت)» ص٨٢.
(٣) ((مسائل إسحاق)) ٢٢٥:٢.
١١٩

حسن الحديث، ولكنه إذا جمع عن رجلين، قلت: كيف؟ قال: يحدث
عن الزهري ورجل آخر، فيحمل حديث هذا على هذا))(١).
وسأله أيوب بن إسحاق بن سافري عن ابن إسحاق هل يقبله إذا
تفرد بحديث، فقال: ((لا والله، إني رأيته يحدث عن جماعة بالحديث
الواحد، ولا يفصل كلام ذا من كلام ذا))(٢).
وربما كان الراوي ضعيفاً في نفسه، ويزداد ضعفاً إذا صنع ذلك،
مثل ليث بن أبي سليم، قال ابن معين فيه: ((ضعيف الحديث عن
طاووس، وإذا جمع طاووس وغيره زيادة هو ضعيف))(٣).
الخامسة: تقوية الراوي إذا حدث من كتابه،
وتضعيفه إذا حدث من حفظه:
ضبط الرواية له طريقان، أحدهما: حفظها في الصدور، والآخر:
تقييدها بكتاب، ولكل واحد منهما ما يميزه، فأما حفظ الصدر فأهم
ميزاته أنه لا يدخله التحريف والتبديل، إذ هو علم في صدر صاحبه،
وأما الكتب فهي عرضة لذلك، فتحتاج إلى مزيد صيانة وحفظ، وإلا
حُرِّفت وأدخل فيها ما ليس منها، وكانت الكتب تمثل عبئاً على صاحبها
حين يريد السفر، فيبحث عن شخص كفؤ ليودعها إياه (٤).
(١) ((علل المروذي)) ص٦١ .
(٢).
((تاريخ بغداد)) ١ :٢٣٠.
(٣)
((علل المروذي)) ص٢١٦.
وانظر: ((الجرح والتعديل)) ١٧٨:٦، و((سؤالات البرقاني للدارقطني)) ص٥٨،
و((شرح علل الترمذي)) ٨١٤:٢.
(٤) انظر: ((معرفة الرجال)) ٨٦:١.
١٢٠