النص المفهرس

صفحات 1-20

سُلِّلة نقد المرويات (١)
للجرح
التعديل
بقَلم
مُكتَبَةُالرَّشِدْ
جيـ
نَاشِرُون
◌ِ هِم بَعَبْد ◌َّه الْ حَمْ
الشريُ وَ التَّعْدِل

سلسلة نقد المرويات
(١)
الزُّهَعَ التَّعْدِيَ
بقَلم
◌ِّاهتم بن عَبْدُ أَّ اللّم
مَكَتَبَ الرَّشِدْ
نَاشِرُونْ

جميع الحقوق محفوظة
الطَّبْعَةُ الأولى
١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣م
مُكتَبَالزُشِدْ
نَاشِرُونْ
المملكة العربية السعودية - الرياض
شارع الأمير عبد الله بن عبد الرحمن (طريق الحجاز)
ص.ب ١٧٥٢٢ الرياض ١١٤٩٤ هاتف ٤٥٩٣٤٥١ فاكس ٤٥٧٣٣٨١
Email: alrushd@alrushdryh.com
Website: www. rushd.com
فرع طريق الملك فهد - الرياض - غرب وزارة البلدية والقروية هاتف ٢٠٥١٨٣٠
*فرع مكة المكرمة - هاتف ٥٥٨٥٤٠١ فاكس ٥٥٨٣٥٠٦
* فرع المدينة المنورة - شارع ذر الغفاري هاتف ٨٣٤٠٦٠٠ - ٨٣٨٣٤٢٧
* فرع جدة - ميدان الطائرة - هاتف ٦٧٧٦٣٣١
* فرع القصيم - بريدة طريق المدينة هاتف ٣٢٤٢٢١٤ فاكس ٣٢٤١٣٥٨
* فرع ابها - شارع الملك فيصل هاتف ٢٣١٧٣٠٧
* فرع الدمام - شارع ابن خلدون هاتف ٨٢٨٢١٧٥
وكلاؤنا في الخارج
* القاهرة : مكتبة الرشد / هاتف ٢٧٤٤٦٠٥
* الكويت : مكتبة الرشد/ هاتف ٢٦١٢٣٤٧
* بيروت: دار ابن حزم / هاتف ٧٠١٩٧٤
* المغرب : الدار البيضاء / مكتبة العلم / هاتف ٣٠٣٦٠٩
* تونس : دار الكتب المشرقية / هاتف ٨٩٠٨٨٩
* اليمن : صنعاء/ دار الآثار/ هاتف ٦٠٣٢٥٦
* الاردن : دار الفكر / هاتف ٤٦٥٤٧٦١
* البحرين : مكتبة الغرباء / هاتف ٩٥٧٨٣٣ - ٩٤٥٧٣٣
* الامارات : الشارقة / مكتبة الصحابة / هاتف ٥٦٣٣٥٧٥
* سوريا : دمشق / دار الفكر / هاتف ٢٢١١١٦٦
* قطر : مكتبة ابن القيم / هاتف ٤٨٦٣٥٣٣

-3
ر
مكتبة الرشد : ١٤٢٤ هـ
فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر
اللاحم ، ابراهيم بن عبد الله
الجرح والتعديل./ابراهيم بن عبد الله اللاحم - الرياض، ١٤٢٤هـ
ص ؛ ٥٦٠ ١٧ × ٢٤ سم
ردمك : ٦٢٢٥ ٢٥ - ٠١ - ٩٩٦٠
١- الحديث - الجرح والتعديل أ. العنوان
١٤٢٤/٤٤٣١
ديوي ٣٫٣٦
رقم الايداع : ١٤٢٤/٤٤٣١
ردمك : ٥- ٢٥٦ - ٠١ - ٠ ٩٩٦

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى
آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإنجازاً لوعد الله - سبحانه وتعالى - بحفظ كتابه وسنة نبيه وَال
بقوله تعالى: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ - فقد هيأ الله -
سبحانه وتعالى - لسنة نبيه وسي﴿ رجالاً أفذاذاً، أفنوا أعمارهم وبذلوا
أوقاتهم وأموالهم في جمعها، ونقد رواتها وأسانيدها، لتمييز صحيحها
من سقيمها، فخلفوا للأمة بعدهم ثروة عظيمة جليلة، تتمثل في
المؤلفات الكثيرة في جميع جوانب علم السنة.
وسار أولئك الأئمة في نقد السنة على قواعد وضوابط تواصوا بها
وتوارثوها، مأخوذة في جملتها من نصوص الشرع وعموماته.
وغلب على علمهم في هذه القواعد الجانب التطبيقي، فلم تدون
وتحرر في مؤلفات مستقلة .
وقد يقع بينهم اختلاف في بعض هذه القواعد على ندرة ذلك،
وأكثر منه أن يقع بينهم اختلاف في تطبيق هذه القواعد، لأسباب كثيرة.
وبعد انقراض عصر أولئك الأئمة - عصر الرواية - احتاج الناس
بعدهم إلى معرفة هذه القواعد وتحريرها، لإدراك عملهم، وفهم
مصطلحاتهم، وتطبيق قواعدهم، للموازنة بين آرائهم حين يختلفون، أو
للحكم على أحاديث لم يحكموا عليها، أو لم يبلغ من بعدهم حكمهم
عليها .
ونظراً لاتساع رقعة العالم الإسلامي، وتفرق أولئك الأئمة فيه،
وكثرة مؤلفاتهم في نقد السنة ورواتها - أصبح تحرير هذه القواعد
٥

بالنسبة لمن جاء بعدهم ليس بالأمر اليسير، فبذلت جهود كبيرة لهذا
الغرض، وتسابق الأئمة للتأليف في هذه القواعد، وحصرها وتقريبها
لطلبة العلم.
وليس من المستغرب أن يقع اختلاف في سبر وتحرير قواعد أولئك
الأئمة، لأسباب كثيرة، منها درجة تمكن المتصدي لهذا الشيء في علم
نقد السنة، وما تهيأ له من مؤلفات الأولين، وتأثره بفنون أخرى غير نقد
السنة، لها صلة بهذا الفن.
ثم إن هذه القواعد بحاجة إلى أن تكتب بلغة العصر، ليسهل فهمها
وتطبيقها على طلبة العلم.
لهذا كله فإنني أرى - ونحن نشهد بحمد الله تعالى نهضة علمية
مباركة، لا سيما في هذا العلم - أن يقوم أهله بالكتابة والتأليف في
قواعد نقد السنة، كتابة تترك أثرها الطيب في الدراسات النقدية للسنة
النبوية، تساعد على أن تكون هذه النهضة مبنية على أسس متينة،
متصفة بالجدية والابتكار.
ولتحقيق هذا الغرض يمكن وضع معالم عامة للمنهج الذي يحسن
أن يسير عليه من رأى من نفسه القدرة على الكتابة والتأليف، وهي
باختصار:
١- ممارسة التطبيق العملي بكثرة وقوة، بحيث يمكنه إدراك وجه
الحاجة إلى تحرير القواعد والكتابة فيها، ويمكنه تصور صعوبة هذا
الفن وخطورة التعرض لمسائله، وكلما كان الباحث بمعزل عن التطبيق
العملي كان احتمال وقوعه في الخطأ أكبر.
٢- القراءة الواسعة في كتب أئمة هذا العلم، في عصر النقد عصر
:
٦

الرواية، ليتمكن بذلك من الوقوف على قدر كافٍ من النصوص التي
تستخلص القواعد منها، فإن أكثر ما يتطرق الخلل إلى القاعدة إذا كان
السبر ناقصاً، والاعتماد في تحريرها على قدر يسير من نصوص الأئمة.
٣- الفحص الشديد للنصوص التي يعتمد الباحث عليها، وإعمال
.الروية فيها، للتأكد من دلالتها على المراد، وقد رأيت خللاً ظاهراً في
بعض الدراسات النقدية يتعلق بهذا الجانب، فيورد الباحث النص،
ويستخلص منه ما يريد، أو يحكيه للاستدلال على شيء قد ذكره،
وواقع الحال أن النص عند التأمل ليس فيه مراد الباحث، أو هو مقيد
بقيد، أو في غير محل النزاع إذا كانت المسألة موضع خلاف ، ونحو
ذلك.
٤- الإكثار من ضرب الأمثلة؛ لإيضاح القاعدة، وكيفية تطبيقها،
والابتعاد - ما أمكن - عن تحويل قواعد هذا العلم إلى نظريات جامدة،
يتلقنها الطلاب ويحفظونها.
٥- الكتابة بأسلوب علمي هادیء يبتعد فیہ الباحث - ما أمكنه - عن
أسلوب التقريع والتوبيخ عند مناقشته لآراء غيره، أو إشارته إلى ما
وقعوا فيه من أخطاء، وتجنب التعرض للأشخاص أنفسهم، والتشكيك
في نياتهم، فإن هذه الأساليب كثيراً ما تحول دون تقبل القارىء لما
يكتب، وتثير في نفسه العصبية والحمية، إلى جانب كونها تغذي بذور
الشقاق والافتراق.
٦- تتميز قواعد هذا الفن بأن مجال الاجتهاد فيها محدود جداً، فما
على الباحث سوى أن يثبت أن أئمة هذا الفن يطبقون تلك القاعدة، أو
٧

يقدمون عليها القاعدة الفلانية، ونحو ذلك، بغض النظر عن إقامة
الدلائل على صحة القاعدة، أو صحة الرأي المطروح، فالباحث حينئذٍ
ملزم بإقامة الدليل على أنهم يفعلون كذا، لا أن دليل ما يفعلونه هو
كذا، وهناك فرق جوهري بين الأمرين.
ولما تقدم فإن المسؤولية الملقاة على عاتق الباحث الذي يتصدى
للكتابة في قواعد النقد تعظم، وهو بعد مراعاته للأمور السابقة يلزمه أن
يتوج ذلك بأن يتحلى بالأدب العلمي، فيضع في ذهنه دائماً أن الرأي
الذي يطرحه محتمل للخطأ كما هو محتمل للصواب، فلا يجزع إذا
وجه غيره إليه انتقاداً، ولا يأنف من الرجوع عن الخطأ متى تبين له
الصواب.
هذه إلمامة سريعة بمعالم هذا المنهج، وهو محتاج إلى كتابة
خاصة فيه، توضحه وترسخه، وفوق ذلك هو بحاجة أيضاً إلى تطبيق
عملي، بحيث يتم تنزيله على أرض الواقع، فالدعوى تظل دعوى حتى
تقام عليها البينة.
وقد رأيت مستعيناً بالله سبحانه وتعالى أن أساهم بقدر استطاعتي
بالكتابة في قواعد هذا الفن ومسائله، ملتزماً ما استطعت إلى ذلك
سبيلاً بالمنهج الذي اقترحته، مدركاً أن هناك جماً غفيراً من المشايخ
والباحثين هم أحق مني بالكتابة، ولكن هذا جهد مقل، فعسى أن
أتحف القارىء بفائدة علمية من هنا أو هناك.
وما أكتبه سيكون - بإذن الله - في أجزاء متسلسلة، الأول في
(الجرح والتعديل)، والثاني في (اتصال الإسناد وانقطاعه)، والثالث في
(مقارنة المرويات)، والرابع في (أئمة النقد وكتبهم) والخامس في
(مباحث متفرقة في نقد السنة).
٨

وقبل الشروع في المقصود أقدم الحديث عن بعض الأمور التي
يحسن بالقارىء أن يتأملها قبل قراءته لهذه الأبحاث:
الأمر الأول: قد يقع في ذهن القارئ أن هذه الأبحاث
طويلة، فالحديث عن (قواعد نقد السنة) في عدة أجزاء، ولو تم
اختصارها في جزء واحد لسهل فهمها وأمكن متابعتها، خاصة
للمبتدیء.
وهذا الكلام فيه شيء من الصحة، غير أن هذا التطويل له ما
يبرره، فهو أولاً تطويل نسبي، وأعني بذلك أن بعض موضوعات هذه
السلسلة يمكن أن تكتب بنفس أطول، فهي تحتمل أن تكون في جزء
خاص، أو في رسالة خاصة.
فلو أخذنا مثلاً مبحثاً من مباحث الفصل الأول من القسم الأول
(الجرح والتعديل) مثل (الوسائل التي استخدمها الأئمة للحكم على
الرواة) لرأيناه يحتمل رسالة مستقلة، بل بعضه يحتمل ذلك، مثل
(التلقين)، فقد اختصرته جداً، وأحلت إلى المصادر في باقيه .
ومثله يقال في مبحث (اختلاف حال الراوي)، أو (مقارنة الراوي
بغيره).
وهكذا في الفصول الأخرى، ففصل (ضوابط النظر في أقوال النقاد
في أحكامهم على الرواة) كتبته في نحو مئة صفحة، وهو يحتمل أن
يفرد برسالة خاصة، بل قد كتب فيه رسالة علمية في مجلدين، في
ضوابط ذلك عند الذهبي في كتابه ((سير أعلام النبلاء)).
ومثل هذا يقال في باقي أجزاء السلسلة، فالاتصال والانقطاع بعض
فصوله تحتمل البسط أيضاً، وكذلك مقارنة المرويات.
٩

ولهذا فإنني آمل أن يكون في هذه الأبحاث ما يفتح أعين الباحثين
المتخصصين إلى موضوعات (نقد السنة)، وما يصلح أن يخص برسالة
علمية .
وسيرى القارئ الكريم في هذه الأبحاث ازدحام المعلومات،
وتشعبها، فقد أجهدني كثيراً التفكير في كيفية عرضها واختصارها دون
الإخلال بشيء منها، وأرجو أن أكون قد وفقت لذلك.
ومن أجل إفادة القارىء التزمت ان أذكر في كل موضوع من هذه
الأبحاث ما كتب فيه قبلي، وأختار لذلك المكان المناسب للحديث
عنه .
فالسبب إذن فيما يظن أنه تطويل جاء من حصر موضوعات (نقد
السنة) في سلسلة واحدة، والحرص على البحث فيها كلها، دقيقها
وجليلها، ما أمكن ذلك . .
وكان بالإمكان أن تخرج هذه الأبحاث متفرقة، فأحد فصول
(الجرح والتعديل)، أو مباحثه يخرج ببحث مستقل، يعقبه آخر في
(مقارنة المرويات) مثلاً، وهكذا بصورة عشوائية، غير أنني آثرت
إخراجها متكاملة متسلسلة لأمر أقصده، وهو علاج ما رأيته من خلل
ظاهر في نقد السنة عند الباحثين، سببه الصورة الجزئية التي يكون بها
الباحث نفسه، فظهر لدينا من الباحثين من هو متخصص في الجرح
والتعديل، ومن هو متخصص في الاتصال والانقطاع، ومن هو
متخصص في العلل، وأَّر هذا بدوره على ممارسة الباحث للتطبيق
العملي، واشتغاله بنقد الأسانيد.
نعم، قد يكون في إكثاري من سرد نصوص النقاد شيء من
١٠

التطويل، وكان بالإمكان الاكتفاء ببعضها، مع أنني قد فعلت ذلك، كما
سيلاحظه القارىء في كثرة الإحالة إلى نصوص لم أذكرها، لكن ما
ذكرته قد يكون فيه شيء من التطويل، فلا مناص من التسليم بهذا.
ولي غرض أيضاً من الإكثار من سرد النصوص، غرض خفي أرجو
أن يوليه القارىء اهتمامه، ذلك أن من متطلبات الباحث الجيد في (نقد
السنة) أن يعيش في عصر الأئمة عصر النقد، يعيش فيه بروحه وفكره،
فكأنه يعيش معهم، ولا سبيل إلى ذلك إلا بالإكثار من قراءة نصوصهم
والتشبع بها، ولهذا فقد سرت في بعض الموضوعات على الاكتفاء
بالعرض التاريخي لها، دون استنتاج قواعد يطبقها الباحث، فالغرض
إذن وضع الباحث في صورة تقريبية لما يحدث في عصر النقد.
ولهذا السبب أيضاً سرت في نقل النصوص على مبدأ شمول النقل
في القضية الواحدة لكافة طبقات النقاد في عصر النقد، ما أمكنني
ذلك، مرتباً لهذه النصوص حسب زمن قائليها في الغالب.
الأمر الثاني: سيلاحظ القارىء في هذه السلسلة كثرة الإحالة
على ما مضى، وما سيأتي، وأيضاً تناول بعض القضايا والتنبيه عليها في
أکثر من موضع.
وهذا العمل له ما يبرره، فهو أولاً يغني عن التكرار المؤدي إلى
الإطالة، وثانياً - وهو المهم - يبرز شدة الترابط بين موضوعات (نقد
السنة)، وأن بعضها مترتب على البعض الآخر، فلا يمكن تناول
(الجرح والتعديل)، أو البحث في (الاتصال والانقطاع) بمعزل عن
إتقان الموضوعات المتعلقة بـ(مقارنة المرويات) مثلاً.
وكمثال على ذلك: البحث في سماع راو من آخر، يتطلب في كثير
١١

من الأحيان دراسة مروياته عنه، ودراستها تتطلب النظر في الطرق إليه،
من جهة درجة الرواة، ومن جهة المقارنة بينهم فيما لو وقع اختلاف في
تصريح بالتحديث، فاحتجنا حينئذٍ إلى (الجرح والتعديل) واحتجنا إلى
(مقارنة المرويات).
واتضح من هذا المثال أن مباحث (الاتصال والانقطاع) لا تعتمد
فقط على علم التاريخ كالولادة والوفاة، والسن، والبلد، والرحلات
فقط، بل تعتمد أيضاً على (مقارنة المرويات)، وهذا الأخير هو المحك
في قدرة الباحث على تناولها، فقد رأيت أحد الباحثين خصص رسالته
لأحد الرواة، وسماعه من مشايخه، وأطال فيها جداً، وفي بعضها
خالف جماهير النقاد في إثبات سماعه من بعض مشايخه، فلما تأملته
وجدت الخلل جاءه من ضعفه في تسخير (علم مقارنة المرويات) أو
(علم العلل) لهذا الغرض.
وهنا أمر هام أيضاً، وهو أن الباحثين ظلوا زماناً يعتقدون أن (علم
العلل) يعتمد على (علم الجرح والتعديل)، فإذا أردنا أن نوازن بين
روايين أو أكثر نظرنا في درجة كل راو، للموازنة بينهم، وهذا وإن كان
فيه شيء من الصحة بالنسبة لنا، لكنه بالنسبة للناقد الأول ليس كذلك،
فـ (علم الجرح والتعديل) متولد في غالبه من (مقارنة المرويات)،
والصورة المقلوبة في أذهان الباحثين أدت إلى خلل في النقد، فاحتجت
في مواضع متعددة إلى شرح هذه القضية، والتنبيه عليها، وبيان مالها
من آثار.
الأمر الثالث: تعمدت أن أضيف إلى ما أكتبه أمراً قد يرى
غيري أن تركه أولى، وهو ضرب الأمثلة على ما يقع من الباحثين من
١٢ ٠

أخطاء، جراء إغفال تطبيق القاعدة موضع الحديث، وأقدم عذري عن
ذلك هنا، فليس غرضي - بحمد الله تعالى - التشهير بأحد، أو التجني
عليه، بل تعمدت إغفال ذكر أسماء المشايخ والباحثين المعاصرين،
والابتعاد ما أمكن عن الدلالة عليهم.
وغرضي من ضرب الأمثلة الإسهام في علاج أمر بالغ الخطورة،
ألا وهو ضعف نقد السنة النبوية في العصور المتأخرة، خاصة في
عصرنا هذا، إذ يمكن القول بأن جهود أئمة النقد الأولين في تنقية
المرويات وتصفيتها كادت تذهب سدى، فالأحاديث الموضوعة
والمنكرة خرجت من الباب الأمامي، ورجع الكثير منها من الباب
الخلفي، ولكن بثوب جديد، ثوب الصحة أو الحسن، فاستقرت في
البيت، وانتشرت في الأمة بثوبها الجديد، بحكم تداول الأحكام
الجديدة عليها، لسهولة الوصول إليها، وانتشار كتب أصحابها بين
الناس، فأصبح إخراجها مرة أخرى يحتاج إلى جهد مضاعف.
وقد سمعت - أثناء كتابتي لهذه المقدمة - أحد المشايخ الفضلاء
يتحدث في ندوة عن (العين)، فقدم لكلامه بمقدمة أوضح فيها أنهم لا
يقصدون بسرد النصوص في إثبات العين، وأنها حق، تخويف السامع،
وإثارة الرعب في نفسه، وهذا كلام جميل، لكن الشيخ الفاضل أورد
من ضمن الأحاديث التي فيها إثبات العين حديث جابر: ((أكثر من
يموت من أمتي - بعد قضاء الله وقدره - من العين))، وأردفه بذكر
تصحيح وتحسين بعض الأئمة المتأخرين، وكذا بعض المشايخ
المعاصرين.
والسؤال الآن: أي رعب يبث في نفس السامع أعظم مما يبثه هذا
١٣
١

الحديث؟ مع أنه حديث باطل المتن، منكر الإسناد، لا يصح عن
رسول الله وَلِ﴾(١).
ئے
وترى هذا الحديث المنكر يتصدر رسائل عديدة صدرت في هذا
الموضوع.
وقد رأيت بعض من تصدى لهذه القضية يذكر أن السبب هو
مخالفة المتأخرين لمنهج المتقدمين، واستحداث قواعد لنقد السنة لم
تكن معروفة من قبل، فأدى هذا إلى مخالفتهم في الأحكام على
الأحاديث، ثم يتعرضون في بيان ذلك لبعض المسائل البارزة، مثل
مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه، والتفرد، والشد بالطرق.
وتصور كثير من الباحثين أن مجرد تحرير قواعد أئمة النقد في هذه
المسائل كفيل بالعودة إلى المنهج الصحيح.
وما يذهب إليه هؤلاء بعض الحقيقة وليس كلها، إذ لا شك أن
الابتعاد عن منهج النقاد في هذه المسائل أحد الأسباب الرئيسة لضعف
النقد، غير أن هناك مسائل كثيرة سار فيها العمل وفق قواعد وضوابط
مخالفة لما عليه أئمة النقد لم يتم إبرازها والحديث عنها، ولها أثر كبير
في واقع النقد الآن، منها في الجرح والتعديل، ومنها في الاتصال
والانقطاع، وغير ذلك، وقد رأيت بعض من يكثر من الانتساب لمنهج
الأوائل في النقد، والعودة إليه، يتخبط في هذه القضايا، وربما ناقض
نفسه .
وأهم من ذلك أن الحديث انصب بصورة كاملة على المنهج الذي
(١) انظر: ((التاريخ الكبير)) ٣٦٠:٤، و((الضعفاء الكبير)) ٢٣١:٢، و((الكامل))
٤: ١٤٤٠، و((العلل المتناهية)) ٣٨٩:٢.
١٤

يطبق في النقد، ولم يتم التعرض للمطبق للمنهج، وقد تبين لي أن
مخالفة أحكام أئمة النقد الأولين على الأحاديث ليس السبب في كثير
منها مخالفتهم في المنهج، وإنما السبب في الباحث نفسه، ومنهج
المتأخرين - حسب قواعده - لو تم تطبيقه بصورة جيدة لضاقت الفجوة
في المحصلة النهائية، وهي الحكم على الأحاديث.
فما ذنب منهج المتأخرين في حكم باحث لم يستطع تمييز رواة
إسناده أو بعضهم؟ وما ذنب منهج المتأخرين في جمع غفير من
الباحثين يصححون ويضعفون دون أن ينظروا أصلاً في اتصال الإسناد
وانقطاعه؟
فالذي أريد التأكيد عليه هنا أننا بحاجة ماسة جداً إلى إعداد باحث
متمكن يجيد تطبيق قواعد البحث العلمي ومتطلباته بصفة عامة،
والبحث العلمي المتعلق بنقد السنة بصفة خاصة، قد قرأ كثيراً في كتب
أئمة النقد، وأعمل نظره وفكره في منهجهم وطريقتهم، ثم تدرب كثيراً
أيضاً على ممارسة النقد والاشتغال به، يتحلى بالصبر والأناة، يعيش
بفكره وعقله دائماً في قضايا نقد السنة، متابع لما يصدر من أبحاث
وكتب تتعلق بفنه الذي يشتغل به، قد أقبل على هذا العلم بنفس تواقة
إلى إتقانه، محبة له، يدرك أن المشوار طويل، لا يستطيع المضي فيه
من يتعجل قطف الثمرة، قد تكونت لديه - بعد ممارسة طويلة - هيئة
نفسية، تمكنه من مشاركة أهل هذا العلم أحكامهم.
وإعداد مثل هذا الباحث يقع العبء الأكبر منه على أساتذة هذا
الفن، فيحتاج منهم إلى جهد مضاعف؛ إذ هو قائم على التطبيق
والممارسة، وهذا يقتضي الأخذ بيد الباحث، والسير معه برفق وأناة،
١٥

وترويض النفس على تحمّل المشاق والعناء.
وقد رأيت أن الإسهام في تكوين مثل هذا الباحث عن طريق هذه
السلسلة في مسائل النقد يمكن أن يتم بدق ناقوس الخطر في ذهنه،
وأن الخوض في هذا الفن مزلة قدم، فتعمدت الإكثار من عرض أخطاء
الباحثين والمتكلمين على الأحاديث تصحيحاً وتضعيفاً، ليأخذ الباحث
حذره، فيستعد جيداً لما هو مقبل عليه، ويكون دائم الوجل والخوف
وهو يمارس التطبيق العملي.
وأما إذا استمر وضع الباحثين على ما هو عليه فالأمر خطير جداً؛
ذلك أن تطبيق قواعد المتأخرين أسهل بكثير من تطبيق قواعد أئمة النقد
الأولين، فقواعد المتأخرين مطردة، يسهل تطبيقها، لا تحتاج إلى
إعمال نظر كبير، فإذا كان حال الباحثين الآن الضعف الشديد في تطبيق
هذه القواعد - فماذا ستكون الحال إذا أراد هذا الباحث - وهو هو لم
يتغير - تطبيق قواعد أئمة النقد؟ لا شك أن التخبط سيكون أكبر،
والخلل أعظم.
وقد رأيت من خلال رصدي لبعض أعمال الباحثين بوادر ذلك،
وأخشى ما أخشاه أن يأتي يوم نتمنى فيه أننا لم نحرك ساكناً، وأننا
أبقينا ما كان على ما كان.
الأمر الرابع: من أكبر الأخطاء التي يقع فيها المنتسبون للسنة
النبوية، المشتغلون بالنقد وقضاياه: ما استقر في أذهانهم من أن كل
دارس لقواعد التصحيح والتضعيف يصبح لديه القدرة على ممارسة
النقد، بل سارت الأقسام العلمية المتخصصة في السنة النبوية في
الجامعات على إلزام الباحثين - كل الباحثين - بإصدار أحكامهم على ما
١٦

يمر بهم من أحاديث وآثار، لا فرق بين باحث مبتدىء، وباحث
متمرس، ونرى من مزايا البحث عند فاحصه ظهور شخصية الباحث في
بحثه، ويعنون بذلك نصه على حكم كل رواية تمر به، على حين يوجه
نقد لاذع إلى باحث أحجم عن التصريح بأحكامه، أو بعضها. وتعدى
هذا إلى المنتسبين لفنون أخرى غير السنة النبوية، كالفقه، والتفسير،
والعقيدة.
وأصبح هذا هو العرف السائد في الأوساط العلمية، فما من باحث
يتصدى لتحقيق كتاب، أو للكتابة في موضوع ما إلا وتراه يتعاطى نقد
الأسانيد، على تفاوت بينهم.
وغير خاف أن مرد ذلك في أغلبه إلى تصور كثير من المشايخ
والباحثين سهولة تعاطي نقد السنة، فما هو إلا دراسة كتيب مختصر في
المصطلح، ثم العمل بعد ذلك.
ولو كنا في سبيل تعداد المداخل التي ضعف بسببها نقد السنة - وما
أكثرها - لكان هذا المدخل في مقدمتها، ولا أتردد لحظة واحدة في
وصف هذا التصور بأنه خاطىء تماماً، وأن من المهم جداً صرف كثير
من الجهد في سبيل إطلاع الباحثين من متخصصين وغيرهم على حقيقة
الأمر.
وإذا كنا نبذل جهوداً للعودة بالنقد إلى منهجه الصحيح، وشرح
هذا المنهج للناس، فإن من المتحتم أن يكون هذا الشرح وهذا البيان
يقود إلى علاج الداء الذي وصفته، وإلا فهو شرح وبيان غير واف،
وهذه النقطة لم تنفك عن مخيلتي أبداً، منذ مدة طويلة، فقد وضعت
في ذهني وأنا أسبر عمل الباحثين وكلماتهم، أن أساهم بقدر المستطاع
١٧

في العلاج، إن قدر لي الكتابة في قواعد وضوابط النقد.
وعلى هذا فإنني أقول إن من أغراض هذه السلسلة - بالإضافة إلى
مساعدة الباحثين في السير على المنهج الصحيح للنقد - أن تسهم في
كبح جماح هذا الاندفاع المحموم نحو ممارسة النقد، وأن تصرف قدراً
كبيراً من الباحثين عما كانوا يقومون به، أو ماكانوا ينوون القيام به، بعد
معرفتهم بصعوبة الأمر، وطول الطريق، وكثرة العقبات، فتبعد من كل
مئة باحث تسعاً وتسعين، وتبقي واحداً.
ولو قدر لهذه السلسلة أن تفي بهذا الغرض وتؤديه، لكان هذا
مكسباً عظيماً، أفتخر به، وإن لم يتحقق غيره، ونحن إلى قليل نافع
أحوج منا إلی کثیر لا فائدة منه.
وتحقيق هذا الغرض أحد الأسباب التي دفعتني إلى الإكثار من
ضرب الأمثلة على الأخطاء التي يقع فيها المشتغلون بنقد السنة،
وسيرى القارئ الكريم إذا رآها أو شيئاً منها أنني غير مبالغ فيما قلته
آنفاً.
وتحقيقاً لهذا الغرض أيضاً سيجد القارىء - وإن كان باحثاً
متخصصاً - أنني ربما تعمقت في بحث بعض القضايا، وأبنت عن الدقة
فيها وفي تطبيقها، وأنني عرضت بعض القضايا على طريقة الاختلاف،
فهناك أقوال وأدلة ومناقشات، والمقصود بيان أن تحرير قواعد أئمة
النقد قد لا يكون متيسراً دائماً، فالباحث قبل التطبيق بحاجة إلى أن
يكون له اجتهاد في القاعدة التي يطبقها.
الأمر الخامس: قد يقول قائل: إذا كنت تأمل من قراء هذه
السلسلة أن يكفوا أو يكف الكثير منهم عن ممارسة النقد فماذا بقي
١٨

للمتخصص من عمل يقوم به يميزه عن غيره؟ وأيضاً ألا يستفيد القارىء
شيئاً إيجابياً يطبقه في عمله، فإن ترك النقد أمر سلبي؟
والجواب عن السؤال الأول ليس هذا موضعه؛ إذ هو يحتاج إلى
تفصيل، فقد جمعت - من أجل مساعدة الباحثين - ما يقرب من أربعين
عملاً منوطة بالباحث غير إصداره الأحكام على الأحاديث، وربما تزيد
على ذلك، وفي النية الكتابة فيها في الجزء الأخير من هذه السلسلة.
وأما الجواب عن السؤال الثاني فهو الذي نحتاجه هنا، وسأوضح
للقارىء الكريم ماذا يمكن أن يستفيده الباحث المتخصص من هذه
السلسلة وأمثالها غير الحكم على الأحاديث.
ورغبة في عدم تشعب الكلام ألخص هذه الاستفادة في ثلاثة
أشیاء :
الأول: فهم كلام الأئمة.
نعم، فهم كلام الأئمة، فإذا استطاع الباحث أن يفهم كلام الأئمة
فقد فارق الباحث بهذا غير المتخصص، وبيان ذلك أن (علم نقد السنة)
كغيره من العلوم، له مصطلحاته، وله لغته، وفهم هذه المصطلحات،
وإدراك مراد قائلها بها في النص المعين، مرتبة عالية، لا يبلغها الباحث
إلا بعد عناء ومشقة، وصبر وأناة، وإعمال ذهن.
وكلنا نعرف أن الأئمة في عصر النقد يستخدمون المصطلح الواحد
في أكثر من معنى، ويستخدمون للمعنى الواحد أكثر من مصطلح،
والسیاق يوضح المراد.
ثم هؤلاء النقاد كلماتهم في الغالب مختصرة جداً، يعتمدون في
فهمها على أن السائل أو المتلقي واحد منهم، يفهم المراد بأدنى
١٩

إشارة، وقد يحتاج النص بالنسبة لغيرهم إلى البحث عنه في مصادر
متعددة، والبحث كذلك في روايات أخرى عن الإمام، لعل فيها ما
يعين على فهمه، وربما بقي النص محتملاً.
وأهم من ذلك أن كثيراً من مصطلحاتهم وألفاظهم التي يتداولونها
لم تذكر في كتب المصطلح، ولم يوضح معناها، وقد سجلت منها ما
يمر بي فبلغت قدراً لا بأس به، ولا شك أن هناك المزيد.
والذي رأيته أن هناك قصوراً واضحاً عند كثير من الباحثين في فهم
عبارات الأئمة، فهذا باحث ينقل عن إمام أنه يصحح الحديث أو
يضعفه، وكلامه ليس كما فهمه الباحث، وأتي الباحث من عدم فهمه
للعبارة التي استخدمها الإمام، وماذا يريد بها؟
وباحث آخر يمر به حكم إمام على إسناد، ثم يكلف نفسه بتفسير
كلام الإمام، فيقول: وهذا هو الذي يعرف في علوم الحديث بكذا،
وليس الأمر كما قال.
وأشد ما يكون الخطر في عدم فهم كلام الأئمة إذا أخذ الباحث منه
قاعدة للعمل، أو قرر مصطلحاً.
مر أحد الأساتذة الفضلاء بقول يحيى بن سعيد القطان: ((ينبغي في
صاحب الحديث خصال: يكون ثبت الأخذ، ويفهم ما يقال له، ويبصر
الرجال، ثم يتعاهد ذلك))، فعلق الأستاذ على جملة: ((ويبصر الرجال))
بقوله: ((في الجرح والتعديل: ويبصر الرجل، وفسره بقوله : - يعني
المحدث -، وهذا يعني أنه ينبغي للسامع أن يرى شيخه وقت السماع،
ولعله يقصد الأفضلية فقط، فقد قال ابن الصلاح: يصح السماع ممن
هو وراء حجاب ... )).
٢٠