النص المفهرس

صفحات 41-60

١٤ - النوع الرابع عشر
معرفة المنكر
قال الحافظ البَرْدِيجيُّ : هو الفرد الذي لا يعرف متنه عن غير راوية ،
وكذا أطلقه كثيرون . والصواب فيه التفصيل الذي تقدم في الشاذ ، فإنه
بمعناه.
١٥ - النوع الخامس عشر
معرفة الاعتبار والمتابعات والشواهد
هذه أمور یتعرفون بها حال الحديث .
فمثال الاعتبار : أن يروي حماد مثلاً حديثاً لا يتابع عليه عن أيوب عن
ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي وَله، فينظر هل رواه ثقة غير أيوب عن ابن
سيرين ، فإن لم يوجد فغير ابن سيرين عن أبي هريرة ، وإلا فصحابي غير أبي
هريرة عن النبي وَّر. فأي ذلك وجد علم أن له أصلاً يرجع إليه ، وإلا فلا .
والمتابعة : أن يرويه عن أيوب غير حماد وهي المتابعة التامة ، أو عن ابن
سيرين غير أيوب ، أو عن أبي هريرة غير ابن سيرين، أو عن النبي وَلّ صحابي
آخر .
فكل هذا يسمى متابعة ، وتقصر عن الأولى بحسب بعدها منها ، وتسمى
المتابعة شاهداً ، والشاهد أن يروى حديث آخر بمعناه ، ولا يسمى هذا متابعة .
وإذا قالوا في مثله تفرد به أبو هريرة أو ابن سيرين أو أيوب أو حماد كان
مشعراً بانتفاء المتابعات ، وإذا انتفت مع الشواهد فحكمه ما سبق في الشاذ .
البيهقي : خالف عبد الواحد العدد الكثير في هذا ، فإن الناس إنما رووه من فعل النبي ◌َّقد لا
=
من قوله ، وانفرد عبد الواحد من بين ثقات أصحاب الأعمش بهذا اللفظ .
٤١

ويدخل في المتابعة والاستشهاد رواية من لا يحتج به ، ولا يصلح لذلك كل
ضعيف ، والله أعلم .
١٦ - النوع السادس عشر
معرفة زیادات الثقات وحكمها
وهو فن لطيف تستحسن العناية به(١). ومذهب الجمهور من الفقهاء
والمحدثين قبولها مطلقاً . وقيل : لا تقبل مطلقاً . وقيل : تقبل إن زادها غير من
رواه ناقصاً ، ولا تقبل ممن رواه مرة ناقصاً .
وقسمه الشيخ أقساماً :
أحدها : زيادة تخالف الثقات فترد ، كما سبق .
الثاني : مالا مخالفة فيه كتفرد ثقة بحملة حديث فيقبل ، قال الخطيب :
باتفاق العلماء .
الثالث : زيادة لفظة في حديث لم يذكرها سائر رواته ، کحدیث (« جعلت
لي الأرض مسجداً وطهوراً)) انفرد أبو مالك الأشجعي فقال: ((وتربتها
طهوراً))(٢) . فهذا يشبه الأول ويشبه الثاني ، كذا قال الشيخ . والصحيح قبول
هذا الأخير، ومثّله الشيخ أيضاً بزيادة مالك في حديث الفطر ((من المسلمين))
(١) اعتنى به غير واحد من المعتبرين ، مثل : أبو بكر عبد الله بن محمد بن زياد النيسابوري ، وأبو
الوليد حسان بن محمد القرشي .
(٢) قال العراقي : وإنما تفرد أبو مالك الأشجعي بذكر تربة الأرض في حديث حذيفة كما رواه مسلم
في صحيحه من رواية أبي مالك الأشجعي عن ربعي عن حذيفة ، وقد اعترض على المصنف
بأنه يحتمل أن يريد بالتربة الأرض من حيث هي أرض لا التراب ، فلا يبقى فيه زيادة ولا
مخالفة لمن أطلق في سائر الروايات .
(والجواب ) أن في بعض طرقه التصريح بالتراب كما في رواية البيهقي ((وجعل ترابها لنا طهوراً))
ولم يتقدم من المصنف ذكر لحديث حذيفة . وإنما أطلق كون هذه اللفظة تفرد بها أبو مالك فلذلك
أحببت أن أذكر أنها وردت من رواية غيره من حديث علي وذلك فيما رواه أحمد في مسند من رواية =
٤٢
ـ

ولا يصح التمثيل به ، فقد وافق مالكاً عمر بن نافع والضحاك بن عثمان(١)،
والله أعلم .
١٧ - النوع السابع عشر
معرفة الأفراد
تقدم مقصوده . فالفرد قسمان :
أحدهما : فرد عن جميع الرواة ، وتقدم حكمه .
والثاني : بالنسبة ألى جهة ، كقولهم : تفرّد به أهل مكة والشام ، أو فلان
عن فلان ، أو أهل البصرة عن أهل الكوفة وشبهه .
ولا يقتضي هذا ضعفه إلا أن يراد بتفرد المدنيين انفراد واحد منهم ،
فيكون كالقسم الأول ، والله أعلم .
١٨ - النوع الثامن عشر
المُعَلّلُ
ويسمونه المعلول، وهو لحن . وهذا النوع من أجلّها ، يتمكن منه أهل
الحفظ والخبرة والفهم الثاقب .
عبد الله بن محمد بن عقيل عن محمد بن علي الأكبر أنه سمع علي بن أبي طالب رضي الله عنه
=
يقول: قال رسول الله ﴿ يقول: ((أعطيت ما لم يعطه أحد من الأنبياء)) فذكر الحديث ، وفيه
((وجعل التراب لي طهوراً)) وهذا إسناد حسن وقد رواه البيهقي أيضاً في سننه من هذا الوجه .
التقييد والإيضاح : ١١٤ . طبعة دار الفكر العربي.
(١) رواية عمر بن نافع أخرجها البخاري في صحيحه . ورواية الضحاك بن عثمان أخرجها مسلم في
صحيحه . وهناك رواية لكثير بن فرقد أخرجها الحاكم في المستدرك والدارقطني في سننه .
وليونس بن يزيد رواية أخرجها الطحاوي في ((بيان المشكل)) . وللمعلي بن إسماعيل رواية =
٤٣

والعلة عبارة عن سبب غامض قادح مع أن الظاهر السلامة منه . ويتطرق
إلى الإِسناد الجامع شروط الصحة ظاهراً وتدرك بتفرّد الراوي وبمخالفة غيره له
مع قرائن تنبه العارف على وهم بإرسال أو وقف أو دخول حديث في حدیث أو
غير ذلك ، بحيث يغلب على ظنه فيحكم بعدم صحة الحديث أو يتردد
فيتوقف .
والطريق إلى معرفته جمع طرق الحديث والنظر في اختلاف رواته وضبطهم
وإتقانهم .
وكثر التعليل بالإِرسال بأن يكون راويه أقوى تمن وصل . وتقع العلة في
الإسناد وهو الأكثر ، وقد تقع في المتن ، وما وقع في الإسناد قد يقدح فيه وفي
المتن كالإِرسال والوقف ، وقد يقدح في الإسناد خاصة ويكون المتن صحيحاً ،
كحديث يعلي بن عبيد عن الثوريّ عن عمرو بن دينار حديث: (( البيِّعان
بالخيار))(١) غلط یعلي ، إنما هو عبد الله بن دينار .
وقد تطلق العلة على غير مقتضاها الذي قدمناه ، ككذب الراوي وغفلته
وسوء حفظه ونحوها من أسباب ضعف الحديث .
وسمّى الترمذي النسخ علة . وأطلق بعضهم العلة على مخالفة لا تقدح
كإرسال ما وصله الثقة الضابط ، حتى قال: من الصحيح صحيح معلّل ، كما
قيل منه صحيح شاذ ، والله أعلم .
أخرجها ابن حبان في صحيحه والدارقطني في سننه . انظر مزيداً من التفاصيل عند الحافظ
=
العراقي في كتابه : التقييد والإيضاح (ص ١١١ - ١١٢ - ١١٣).
(١) رواه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، والدارمي،
ومالك ، وزيد بن علي ، وأحمد بن حنبل ، والطيالس .
٤٤

١٩ - النوع التاسع عشر
المُضطرِبُ
هو الذي يروى على أوجه مختلفة متقاربة ، فإن رجحت إحدى الروايتين
بحفظ راويها ، أو كثرة صحبته المروي عنه ، أو غير ذلك .. فالحكم
للراجحة ، ولا يكون مضطرباً .
والإضطراب يوجب ضعف الحديث لإِشعاره بعدم الضبط . ويقع في
الإِسناد تارة(١) ، وفي المتن أخرى(٢)، وفيهما من راو أو جماعة، والله أعلم.
(١) مثاله: حديث أبي بكر رضي الله عنه أنه قال: يا رسول الله، أراك شبت؟ قال: ((شيبتني هود
وأخواتها)) . قال الدارقطني : هذا حديث مضطرب ، فإنه لم يرو إلا من طريق أبي إسحاق ،
وقد اختلف عليه فيه على نحو عشرة أوجه : فمنهم من رواه عنه مرسلاً ، ومنهم من رواه
موصولاً ، ومنهم من جعله من مسند أبي بكر ، ومنهم من جعله من مسند سعد ، ومنهم من
جعله من مسند عائشة ، ورواته ثقات ، لا يمكن ترجيع بعضهم على بعض ، والجمع متعذر .
أهـ . والحديث المذكور رواه الطبراني في الكبير وابن مردويه وسعيد بن منصور في سننه وابن
عساكر ، كلهم من طرق مختلفة .
(٢) مثاله : ما رواه الترمذي عن شريك عن أبي حمزة عن الشعبي عن فاطمة بنت قيس رضي الله
عنها قالت: ((سئل رسول الله﴿ عن الزكاة. فقال: إن في المال لحقا سوى الزكاة)). ورواه
ابن ماجة من هذا الوجه بلفظ: ((ليس في المال حق سوى الزكاة )) قال العراقي : فهذا
اضطراب لا يحتمل التأويل .
وقيل : هذا لا يصلح مثالاً ، فإن شيخ شريك ضعيف فهو مردود من قبل ضعف راويه لا من
قبل اضطرابه ، وأيضاً فيمكن تأويله بأنها روت كلا من اللفظين عن النبي ، وأن المراد بالحق
المثبت المستحب ، وبالمنفى الواجب .
وهناك مثال أحسن وأفضل من السابق : هو حديث البسملة فيما انفرد مسلم باخراجه من
حديث أنس من اللفظ المصرح بنفي قراءة ( بسم الله الرحمن الرحيم ) . فإن ابن عبد البر
أعله بالاضطراب ، والمضطرب يجامع المعلل لأنه قد يكون علته ذلك .
قال : اختلف في ألفاظ هذا الحديث اختلافاً كثيراً متدافعاً مضطرباً، منهم من يقول :
( صليت خلف رسول الله #1 وأبي بكر وعمر ، ومنهم من يذكر عثمان ، ومنهم من يقتصر على
أبي بكر وعثمان ، ومنهم من لا يذكر ، فكانوا لا يقرؤون بسم الله الرحمن الرحيم ، ومنهم من
قال : فكانوا لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم ، ومنهم من قال فكانوا يجهرون ببسم الله
الرحمن الرحيم ، ومنهم من قال : فكانوا يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين ، ومنهم من
قال : فكانوا يقرؤون بسم الله الرحمن الرحيم .
قال : وهذا اضطراب لا تقوم معه حجة لأحد .
٤٥

٢٠ - النوع العشرون
المُدْرَجُ
هو أقسام :
أحدها : مدرج في حديث النبي و # بأن يذكر الراوي عقيبه كلاماً لنفسه
أو لغيره ، فيرويه مَنْ بعده متصلاً ، فيتوهم أنه من الحديث .
والثاني : أن يكون عنده متنان بإسنادين فيرويهما بأحدهما .
الثالث : أن يسمع حديثاً من جماعة مختلفين في إسناده أو متنه فيرويه
عنهم باتفاق .
وكله حرام ، وصنف فيه الخطيب كتاباً شفى وكفى (١) ، والله أعلم .
٢١ - النوع الحادي والعشرون
الموضوع
هو المُخْتَلَقُ المصنوع، وشر الضعيف ، وتحرم روايته مع العلم به في أي
معنی کان إلا مبيناً .
ويعرف الوضع بإقرار واضعه ، أو معنى إقراره ، أو قرينة في الراوي أو
المرويّ ، فقد وضعت أحاديث يشهد بوضعها ركاكة لفظها ومعانيها .
وقد أكثر جامع الموضوعات في نحو مجلدين ، أعني أبا الفرج بن
الجوزي ، فذكر كثيراً مما لا دليل على وضعه ، بل هو ضعيف .
(١) هو كتاب: ((الفصل للوصل المدرج في النقل)). وقد لخصه وزاد عليه الحافظ بن حجر في كتابه
الموسوم: ((تقريب المنهج بترتيب المدرج)). ومن أراد التوسع في معرفة هذا النوع فعليه
بكتاب: ((الباعث الحثيث)) للشيخ الفاضل: أحمد محمد شاكر. ص : ٦١، ٦٢، ٦٣،
٦٤ . طبعة دار التراث . فهو قد وضعه بما فيه الكفاية بأسلوب واضح وسلس .
٤٦

والواضعون أقسام ، أعظمهم ضرراً قوم ينسبون إلى الزهد ، وضعوه
حسبة(١) في زعمهم ، فقبلت موضوعاتهم ثقة بهم .
وجوّزت الكرّامية(٢) الوضع في الترغيب والترهيب . وهو خلاف إجماع
المسلمين الذين يعتد بهم . ووضعت الزنادقة جملاً ، فبين جهابذة الحديث
أمرها ، ولله الحمد .
وربما أسند الواضع كلاماً لنفسه أو لبعض الحكماء . وربما وقع في شبه
الوضع بغير قصد .
ومن الموضوع الحديث المروي عن أبيّ بن كعب في فضل القرآن سورة
سورة . وقد أخطأ من ذكره من المفسرين ، والله أعلم .
٢٢ - النوع الثاني والعشرون
المقلوب
هو نحو حديث مشهور عن سالم جُعِلَ عن نافع ليرغب فيه . وقلب أهل
بغداد على البخاري مائة حديث امتحاناً ، فردّها على وجوهها ، فأذعنوا
بفضله .
فرع :
إذا رأيت حديثاً بإسناد ضعيف ، فلك أن تقول : هو ضعيف بهذا
الإِسناد ، ولا تقل : ضعيف المتن لمجرد ضعف ذلك الإسناد(٣) إلا أن يقول
(١) أي احتساباً للثواب عند الله تعالى ، وسئل أحدهم عن ذلك فقال: وضعتها أرغب الناس .
(٢) من فرق الابتداع في الإسلام، نسبوا إلى إمامهم: محمد بن كَرَّام المتوفى سنة (٢٥٥ هـ ـ
٨٦٩ م)، كان يقول بأن الله تعالى مستقر على العرش، وأنه جوهر. الملل والنحل
الشهر ستاني ١: ١٥٨، وتذكرة الحفاظ ٢: ١٠٦، والقاموس، والتاج: مادة ((كرم))،
والأنس الجليل ١: ٢٦٢، واللباب ٣: ٣٢، وميزان الاعتدال ٣: ١٢٧، ولسان الميزان
٥ : ٣٥٣، والأعلام ٧ : ١٤.
(٣٣) لأنه قد يكون له إسناد آخر صحيح .
٤٧

إمام : إنه لم يرو من وجه صحيح ، أو إنه حديث ضعيف مفسراً ضعفه ، فإن
أطلق ففيه كلام يأتي قريباً .
وإذا أردت رواية الضعيف بغير إسناد فلا تقل: قال رسول الله ولو كذا
وما أشبهه من الجزم . بل قل : رُوي كذا ، أو بلغنا كذا ، أو ورد ، أو جاء ،
أو نُقِل، وما أشبهه . وكذا [ تقول في ] ما تشك في صحته.
ويجوز عند أهل الحديث وغيرهم التساهل في الأسانيد ورواية ما سوى
الموضوع من الضعيف والعمل به من غير بيان ضعفه في غير صفات الله تعالى ،
والأحكام كالحلال والحرام ، ومما لا تعلق له بالعقائد والأحكام(١)، والله
أعلم .
٢٣ - النوع الثالث والعشرون
صفة من تقبل روايته وما يتعلق به
وفيه مسائل :
إحداها : أجمع الجماهير من أئمة الحديث والفقه أنه يشترط فيه أن يكون
عَدْلاً ضابطاً : بأن يكون مسلماً بالغاً عاقلاً(٢) سليماً من أسباب الفسق وخوارم
المروءة ، متيقظاً حافظاً إن حدّث من حفظه ، ضابطاً لكتابه إن حدّث منه،
عالماً بما يحيل المعنی إن روى به .
الثانية : تثبت العدالة بتنصيص عَدْلَين عليها ، أو بالاستفاضة فمن
اشتهرت عدالته بين أهل العلم وشاع الثناء عليه بها كفى فيها ، كمالك ،
والسُّفيانين ، والأوزاعيّ ، والشافعيّ ، وأحمد ، وأشباههم . وتوسع ابن عبد
(١) أي يجوز روايتها في القصص ، والمواعظ ، والترغيب ، والترهيب ، وغيرها مما هو شبيه بها.
(٢) وعلى ذلك ، فلا يقبل كافر ، ولا مجنون مطبق بالإجماع، ومن تقطع جنونه وأثر في زمن إفاقته ،
وإن لم يؤثر قبل ، قاله ابن السمعاني . ولا صغير على الأصح ، وقيل : يقبل المميز إن لم
يجرب عليه الكذب .
٤٨

البَرِّ فيه فقال : كل حامل علم معروف العناية به محمول أبداً على العدالة حتى
يتبين جرحه . وقوله هذا غير مرضى .
الثالثة : يُعْرَفُ ضبطه بموافقته الثقات المتقنين غالباً ، ولا تضر مخالفته
النادرة ، فإن كثرت اختل ضبطه ولم يحتج به .
الرابعة : يقبل التعديل من غير ذكر سببه على الصحيح المشهور ، ولا
يقبل الجرح والتعديل التي لا يذكر فيها سبب الجرح ففائدتها التوقف فيمن
جرّحوه ، فإن بحثنا عن حاله وانزاحت عنه الرّيبة وحصلت الثقة به قبلنا حديثه
كججماعة في الصحيحين بهذه المثابة .
1
الخامسة : الصحيح أن الجَرْحَ والتعديل يثبتان بواحد ، وقيل : لا بد من
اثنين، وإذا اجتمع فيه جَرْح وتعديل فالجرح مقدم(١) . وقيل: إن زاد
المعدِّلون قدّم التعديل .
وإذا قال : حدّثني الثقة أو نحوه ، لم يكتف به على الصحيح . وقيل :
يكتفي . فإن كان القائل عالماً كفى في حق موافقه في المذهب عند بعض
المحققين .
وإذا روى العدل عمن سماه لم يكن تعديلاً عند الأكثرين ، وهو
الصحيح . وقيل : هو تعديل .
وعمل العالم وفتياه على وفق حديث رواه ليس حكماً بصحته ، ولا مخالفته
[ له ] قدح في صحته ولا في رواته .
السادسة : رواية مجهول العدالة ظاهراً وباطناً لا تقبل عند الجماهير،
(١) هذا هو الأصح عند الفقهاء والأصوليين . ونقله الخطيب عن جمهور العلماء ؛ لأن مع الجارح
زيادة علم لم يطلع عليها المعدل ؛ ولأنه مصدق للمعدل فيما أخبر به عن ظاهر حاله ، إلا انه
يخبر عن أمر باطن خفي عنه . وقيد الفقهاء ذلك بما إذا لم يقل المعدل : عرفت السبب الذي
ذكره الجارح ، ولكنه تاب وحسنت حاله . فإنه حينئذ يقدم المعدل .
٤٩

ورواية المستور وهو عدل الظاهر خفيّ الباطن يحتج بها بعض من ردّ الأول ،
وهو قول بعض الشافعيين .
قال الشيخ : ويشبهه أن يكون العمل على هذا في كثير من كتب الحديث
في جماعة من الرواة تقادم العهد بهم وتعذّرت خبرتهم باطناً .
وأما مجهول العين فقد لا يقبله بعض من يقبل مجهول العدالة . ثم من
روى عنه عدلان عيّناه ارتفعت جهالة عينه ، قال الخطيب : المجهول عند أهل
الحديث من لم يعرفه العلماء ، ولا يعرف حديثه إلا من جهة واحد ، وأقل ما
يرفع الجهالة رواية اثنين مشهورين . ونقل ابن عبد البرِّ عن أهل الحديث
نحوه .
قال الشيخ رداً على الخطيب : وقد روى البخاري عن مِرْدَاس
الأسلمي ، ومسلم عن ربيعة بن كعب الأسلمي ، ولم یرو عنهما غير واحد .
والخلاف في ذلك متجه كالاكتفاء بتعديل واحد ، والصواب نقل
الخطيب ، ولا يصح الردّ عليه بِمِرْدَاس وربيعة ؛ فإنهما صحابيان مشهوران ،
والصحابة كلهم عدول .
فرع :
يقبل تعديل العبد والمرأة العارفين ، ومن عرفت عينه وعدالته وجهل
اسمه احتج به .
وإذا قال : أخبرني فلان أو فلان وهما عدلان ، احتج به . فإن جهل
عدالة أحدهما ، أو قال : فلان أو غيره ، لم يحتج به .
السابعة: من كُفِّرَ ببدعته لم يحتج به بالاتفاق(١) . ومن لم يكفر، قيل :
(١) قال البعض : دعوى الاتفاق ممنوعة ؛ لأنه قيل: إنه يقبل مطلقاً، وقيل : يقبل إن اعتقد حرمة
الكذب ، وصححه صاحب المحصول . وقال شيخ الإسلام : التحقيق أنه لا يرّد كل مكفر
ببدعته ؛ لأن كل طائفة تدعي أن مخالفتها مبتدعة ، وقد تبالغ فتكفر مخالفيها . فلو أخذ ذلك =

لا يحتج به مطلقاً. وقيل : يحتج به إن لم يكن ممن يستحل الكذب في نصرة
مذهبه أو لأهل مذهبه ، وحكي عن الشافعي . وقيل : يحتج به إن لم يكن
داعية إلى بدعته ، ولا يحتج به إن كان داعية . وهذا هو الأظهر الأعدل ، وقول
الكثير أو الأكثر . وضُعَّفَ الأول باحتجاج صاحبي الصحيحين وغيرهما بكثير
من البتدعة غير الدعاة .
الثامنة : تقبل رواية التائب من الفسق إلا الكذب في حديث رسول
الله ◌َليّ فلا تقبل أبداً وإن حسنت طريقته، كذا قال أحمد بن حنبل والحميدي
شيخ البخاري والصَّيرَفيّ والشافعي. قال الصيرفي : كل من أسقطنا خبره بكذب
لم تعد لقبوله بتوبة ، ومن ضعفناه لم نقوه بعده بخلاف الشهادة .
وقال السَّمْعَانيّ : من كذب في خبر واحد وجب إسقاط ما تقدم من
حديثه .
قلت : هذا كله مخالف لقاعدة مذهبنا ومذهب غيرنا ، ولا نقوّي الفرق
بينه وبين الشهادة .
التاسعة : إذا روى حديثاً ثم نفاه المُسْمِع ، فالمختار أنه إن كان جازماً
بنفيه بأن قال : ما رويته ونحوه ، وجب رده ولا يقدح في باقي روايات الراوي
عنه . فإن قال : لا أعرفه أو لا أذكره أو نحوه، لم يقدح فيه .
ومن روى حديثاً ثم نسيه جاز العمل به على الصحيح ، وهو قول
الجمهور من الطوائف خلافاً لبعض الحنفية ، ولا يخالف هذا كراهة الشافعي
وغيره الرواية عن الأحياء .
العاشرة : من أخذ على التحديث أجراً لا تقبل روايته عند أحمد وإسحاق
وأبي حاتم ، وتقبل عند أبي نعيم الفضل وعلي بن عبد العزيز وآخرين . وأفتى
=
على الإطلاق لاستلزم تكفير جميع الطوائف . والمعتمد أن الذي ترد بدعتُه روايتَه مَنْ انكر أمراً
متواتراً من الشرع معلوماً من الدين بالضرورة ، أو اعتقد عكسه . وأما من لم يكن كذلك ،
وانضم الى ذلك ضبطه لما يرويه ، مع ورعه وتقواه ، فلا مانع من قبوله .
٥١

الشيخ أبو إسحاق الشيرازي بجوازها لمن امتنع عليه الكسب لعياله بسبب
التحديث .
الحادية عشرة : لا تقبل رواية من عرف بالتساهل في سماعه أو إسماعه ،
كمن لا يبالي بالنوم في السماع، أو يحدّث لا من أصل مصحح ، أو عرف
بقبول التلقين في الحديث ، أو كثرة السهو في روايته إذا لم يحدّث من أصل ، أو
كثرة الشواذ والمناكير في حديثه .
قال ابن المبارك ، وأحمد ، والحميدي ، وغيرهم : من غلط في حديث
فبين له فأصر على روايته سقطت رواياته . وهذا صحيح إن ظهر أنه أصر عناداً
أو نحوه .
الثانية عشرة : أعرض الناس هذه الأزمان عن اعتبار مجموع الشروط
المذكورة ؛ لكون المقصود صار إبقاء سلسلة الإِسناد المختص بالأمة . فليعتبر ما
يليق بالمقصود ، وهو كون الشيخ مسلماً ، بالغاً، عاقلاً، غير متظاهر بفسق أو
سخف . و[ يكتفي ] بضبطه بوجود سماعه مثبتاً بخط غير متهم ، وبروايته من
أصل موافق لأصل شيخه . وقد قال نحو ما ذكرناه الحافظ أبو بكر البيهقي .
الثالثة عشرة : في ألفاظ الجرح والتعديل :
وقد رتبها ابن أبي حاتم فأحسن . فألفاظ التعديل مراتب :
أعلاها : ثقة أو متقن أو ثبت أو حجة أو عدل حافظ أو ضابط .
الثانية : صدوق ، أو محله الصدق ، أو لا بأس به . قال ابن أبي حاتم :
هو ممن يكتب حديثه وينظر فيه ، وهي المنزلة الثانية . وهو كما قال ؛ لأن هذه
العبارة لا تشعر بالضبط ، فيعتبر حديثه على ما تقدم . وعن يحيى بن مَعَينٍ :
إذا قلت لا بأس به فهو ثقة ، ولا يقاوم قوله عن نفسه نقل ابن أبي حاتم عن
أهل الفن .
الثالثة : شيخ ، فيكتب وينظر .
الرابعة : صالح الحديث ، يكتب للاعتبار .
٥٢

وأما ألفاظ الجرح فمراتب :
فإذا قالوا : لينّ الحديث ، كتب حديثه وينظر اعتباراً . وقال الدَّارَقُطنيُّ :
إذا قلت لين الحديث لم يكن ساقطاً، ولكن مجروحاً بشيء لا يسقط عن
العدالة .
وقولهم : ليس بقوي . يكتب حديثه ، وهو دون لينّ .
وإذا قالوا : ضعيف الحديث . فدون ليس بقوي ، ولا يُطرَح ، بل يعتبر
به .
وإذا قالوا : متروك الحديث ، أو واهيه ، أو كذّاب . فهو ساقط لا يكتب
حديثه .
ومن ألفاظهم : فلان روى عنه الناس ، وسط ، مقارب الحديث ،
مضطرب ، لا يحتج به ، مجهول ، لا شيء، ليس بذلك ، ليس بذاك
القوي ، فيه أو في حديثه ضعف ، ما أعلم به بأساً ، ويستدل على معانيها بما
تقدم ، والله أعلم(١).
(١) من أشهر الكتب في الجرح والتعديل: ((التاريخ الكبير)) للبخاري، و((الكامل في الضعفاء »
لابن عدي، و((تهذيب التهذيب)) لابن حجر، و((ميزان الاعتدال)) للذهبي، و((الكمال
.. في أسمال الرجال)) لعبد الغني المقدسي، و((الثقات)) لابن حبان، و((الجرح والتعديل))
لابن أبي حاتم، و((تقريب التهذيب)) لابن حجر، الذي يعتبر مختصراً لكتاب ((تهذيب
التهذيب)) لابن حجر أيضاً، والتهذيب مختصر لكتاب ((تهذيب الكمال)) لابن حجر أيضاً،
والتهذيب مختصر لكتاب (( تهذيب الكمال)) للحافظ المزي ، وتهذيب الكمال مختصر لكتاب
(((الكمال في أسماء الرجال)) للكتب الأصول من كتب السنة النبوية وهي : الستة المشهورة ،
وهو للحافظ عبد الغني المقدسي. وفي ((تقريب التهذيب)) زيادات في رجال مصنفات أصحاب
الكتب الستة ، غير الكتب الأصول .
٥٣

٢٤ - النوع الرابع والعشرون
كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه
تقبل رواية المسلم البالغ ما تحمله قبلهما ، ومنع الثاني قومٌ فأخطؤا . قال
جماعة من العلماء : يستحب أن يبتدىء بسماع الحديث بعد ثلاثين سنة .
وقيل : بعد العشرين . والصواب في هذه الأزمان التبكير به من حين يصح
سماعه ، وبكتبه وتقييده حين يتأهل له ، ويختلف باختلاف الأشخاص .
ونقل القاضي عيّاض رحمه الله : أن أهل الصنعة حددوا أول زمن يصح
فيه السماع بخمس سنين ، وعلى هذا استقر العمل .
والصواب اعتبار التمييز، فإن فهم الخطاب وردّ الجواب كان مميزاً
صحيح السماع، وإلا فلا . وروي نحو هذا عن موسى بن هارون وأحمد بن
حنبل .
بيان أقسام طرق تحمل الحديث
ومجامعها ثمانية أقسام :
الأول : سماع لفظ الشيخ :
وهو إملاء وغيره من حفظ ومن كتاب . وهو أرفع الأقسام عند
الجماهير .
قال القاضي عياض : لا خلاف أنه يجوز في هذا للسامع أن يقول في
روايته : حدثنا ، وأخبرنا ، وأنبأنا، وسمعت فلاناً، وقال لنا، وذكر لنا (١).
قال الخطيب : أرفعها سمعت ، ثم حدثنا وحدثني ، ثم أخبرنا - وهو
(١) قال ابن الصلاح: وفي هذا نظر. وينبغي فيما شاع استعماله من هذه الألفاظ مخصوصاً بما سمع
من غير لفظ الشيخ أن لا يطلق فيما سمع من لفظه ، لما فيه من الإبهام والإلباس .
٥٤

كثير في الاستعمال ، وكان هذا قبل أن يشيع تخصيص أخبرنا بالقراءة على
الشيخ - قال : ثم أنبأنا ونبأنا، وهو قليل في الإستعمال .
قال الشيخ : حدثنا وأخبرنا أرفع من سمعت من جهة أخرى ، إذ ليس
في سمعت دلالة على أن الشيخ روّاه إياه بخلافهما . وأما قال لنا فلان أو ذكر
لنا ، فكحدّثنا . غير أنه لائق بسماع المذاكرة وهو به أشبه من حدثنا .
وأوضع العبارات : قال أو ذكر من غير لي أو لنا ، وهو أيضاً محمول على
السماع إذا عرف اللقاء على ما تقدم في نوع المعضل ، لا سيما إن عرف أنه لا
يقول قال إلا فيما سمعه منه . وخص الخطيب حمله على السماع به ، والمعروف
أنه ليس بشرط .
القسم الثاني : القراءة على الشيخ :
ويسميها أكثر المحدثين عرضاً(١)، سواء قرأت أو غيرك وأنت تسمع من
كتاب أو حِفْظٍ ، حَفِظَ الشيخُ أم لا إذا أمسك أصله هو أو ثقة .
وهي رواية صحيحة بلا خلاف في جميع ذلك إلا ما حكى عن بعض من
لا يعتد به .
واختلفوا في مساواتها للسماع من لفظ الشيخ ورجحانه عليها ورجحانها
عليه ، فحكى الأول عن مالك وأصحابه وأشياخه ومعظم علماء الحجاز والكوفة
والبخاري وغيرهم(٢) . والثاني عن جمهور أهل المشرق وهو الصحيح . والثالث
عن أبي حنيفة وابن أبي ذئب وغيرهما ورواية عن مالك .
(١) لأن القارىء يعرض على الشيخ ما يقرؤه، كما يعرض القرآن على المقرىء . لكن قال ابن حجر
في ((فتح الباري)»: بين القراءة والعرض عموم وخصوص ؛ لأن الطالب إذا قرأ كان أعم من
العرض وغيره ، ولا يقع العرض إلا بالقراءة ؛ لأن العرض عبارة عما يعرف به الطالب أصل
شيخه معه أو مع غيره بحضرته . فهو أخص من القراءة .
(٢) وحكاه الرامهرمزي عن علي بن أبي طالب وابن عباس. ثم روي عن علي: ((القراءة على العالم
بمنزلة السماع منه)). وعن ابن عباس قال: ((اقرؤا عليّ؛ فإن قراءتكم عليّ كقراءتي
عليكم)) . رواه البيهقي في المدخل ، وحكاه أبو بكر الصير في عن الشافعي .

والأحوط في الرواية بها : قرأت على فلان ، أو قرىء عليه وأنا أسمع فأقرّ
به . ثم عبارات السماع مقيدة : كحدثنا ، أو أخبرنا قراءة عليه ، وأنشدنا في
الشعر قراءة عليه .
ومنع إطلاق حدثنا وأخبرنا ابن المبارك ، ويحيى بن يحيى التميميّ ، وأحمد
ابن حنبل ، والنسائي ، وغيرهم .
وجوزها طائفة ، قيل : إنه مذهب الزهري ، ومالك ، وابن عيينة ،
ويحيى القطان ، والبخاري ، وجماعات من المحدثين ، ومعظم الحجازيين
والكوفيين(١).
ومنهم من أجاز فيها سمعت . ومنعت طائفة حدثنا ، وأجازت أخبرنا ،
وهو مذهب الشافعي وأصحابه ، ومسلم بن الحجاج ، وجمهور أهل المشرق .
وقيل : إنه مذهب أكثر المحدّثين ، وروي عن ابن جريج والأوزاعي وابن
وهب ، وروي عن النسائي أيضاً، وصار هو الشائع الغالب على أهل
الحديث .
فروع :
الأول : إذا كان أصل الشيخ حال القراءة بيد موثوق به ، مراع لما يقرأ ،
أهل له ؛ فإن حفظ الشيخ ما يقرأ فهو كإمساكه أصله وأولى . وإن لم يحفظ
فقيل : لا يصح السماع. والصحيح المختار الذي عليه العمل أنه صحيح ،
فإن كان بيد القارىء الموثوق بدينه ومعرفته فأولى بالتصحيح ، ومتى كان الأصل
بيد غير موثوق به لم يصح السماع إن لم يحفظه الشيخ .
الثاني : إذا قرأ على الشيخ قائلاً أخبرك فلان أو نحوه والشيخ مصغ إليه
فاهم له غير منكر ، صح السماع وجازت الرواية به . ولا يشترط نطق الشيخ
(١) مثل : الثوري، وأبو حنيفة وصاحباه ، والنضر بن شميل ، ويزيد بن هارون ، وأبو عاصم
النبيل ، ووهب بن جرير، وثعلب ، والطحاوي .. وألف فيه جزءا، وأبو نعيم الأصبهاني ،
وحكاه عياض عن الأكثرين ، وهو رواية عن أحمد .
٥٦

على الصحيح الذي قطع به جماهير أصحاب الفنون ، وشرط بعض الشافعيين
والظاهريين نطقه . وقال ابن الصباغ الشافعي : ليس له أن يقول حدثني ، وله
أن يعمل به وأن يرويه قائلاً: قرىء عليه وهو يسمع .
الثالث : قال الحاكم : الذي اختاره وعهدت عليه أكثر مشايخي وأئمة
عصري أن يقول فيما سمعه وحده من لفظ الشيخ : حدثني ، ومع غيره :
حدثنا . وما قرأ عليه : أخبرني . وما قرىء بحضرته : أخبرنا . وروي نحوه
عن ابن وهب ، وهو حسن . فإن شك فالأظهر أن يقول : حدثني ، أو يقول :
أخبرني ، لا حدثنا وأخبرنا .
وكل هذا مستحب باتفاق العلماء ، ولا يجوز إبدال حدثنا بأخبرنا أو
عكسه في الكتب المؤلفة . وما سمعته من لفظ المحدث فهو على الخلاف في
الرواة بالمعنى إن كان قائله يجوز إطلاق كليهما وإلا فلا يجوز .
الرابع : إذا نسخ السامع أو الْمُسْمِعُ حال القراءة ، فقال إبراهيم الحربي
وابن عديّ والأستاذ أبو إسحاق الإِسفرايني الشافعي : لا يصح السماع .
وصححه الحافظ موسى بن هارون الحمّال وآخرون . وقال أبو بكر الصبغيّ
الشافعي : يقول حضرت ، ولا يقول أخبرنا ، والصحيح التفصيل ، فإن فهم
المقروء صحّ وإلا لم يصح(١).
(١) روي عن الإمام الدارقطني رحمه الله، أنه حضر بمجلس إسماعيل الصفار، فجلس ينسخ جزءاً
كان معه وإسماعيل يملي . فقال له بعض الحاضرين : لا يصح سماعك وأنت تنسخ . فقال :
فهمي للإملاء خلاف فهمك . ثم قال : تحفظ كم أملى الشيخ من حديث إلى الآن ؟ فقال :
لا . فقال الدارقطني : أملى ثمانية عشر حديثاً. فعدت الأحاديث ، فوجدت كما قال . ثم
قال : الحديث الأول عن فلان عن فلان ومتنه كذا . والحديث الثاني عن فلان عن فلان ومتنه
كذا . ولم يزل يذكر أسانيد الأحاديث ومتونها على ترتيبها في الإملاء ، حتى أتى على آخرها .
فعجب الناس منه . ويشبه هذا ما روي عنه أيضاً : أنه كان يصلي والقارىء يقرأ عليه . فمرّ
حديث فيه ( نُسير بن ذَعلوق)، فقال القارىء: بسير. فسبح. فقال: يُسير. فتلا
الدارقطني: ((ن والقلم)). وقال حمزة بن محمد بن طاهر : كنت عند الدارقطني ، وهو قائم
يتنفل ، فقرأ عليه القارىء : (عمرو بن شعيب)؛ فقال: (عمرو بن سعيد) ؛ فسبح
الدارقطني؛ فأعاده ووقف ؛ فتلا الدارقطني قوله تعالى: ((يا شعيب أصلواتك تأمرك ».
٥٧

ويجري هذا الخلاف فيما إذا تحدث الشيخ أو السامع أو أفرط القاريء في
الإِسراع، أو هينم القاريء، أو بَعُدَ بحيث لا يفهم ، والظاهر أنه يعفى عن
نحو الكلمتين .
ويستحب للشيخ أن يجيز للسامعين رواية ذلك الكتاب ، وإن كتب
لأحدهم كتب سمعه مني وأجزت له روايته ، كذا فعل بعضهم .
ولو عظم مجلس الْمُمْلِى فبلّغ عنه المستملي ، فذهب جماعة من المتقدمين
وغيرهم إلى أنه يجوز لمن سمع المستملي أن يروي ذلك عن المُعْلِي . والصواب
الذي قال المحققون أنه لا يجوز ذلك .
وقال أحمد في الحرف يدغمه الشيخ فلا يفهم وهو معروف : أرجو أن لا
تضيق روايته عنه . وقال في الكلمة تستفهم من المستملي : إن كانت مجتمعاً
عليها فلا بأس . وعن خلف بن سالم منع ذلك .
الخامس : يصح السماع من وراء حجاب إذا عرف صوته إن حدّث
بلفظه ، أو حضوره بسمع منه إن قرىء عليه ، ويكفي في المعرفة خبر ثقة .
وشرط شعبة رؤيته ، وهو خلاف الصواب وقول الجمهور .
السادس : إذا قال المسمع بعد السماع : لا تروعني ، أو رجعت عن
إخبارك ، ونحو ذلك، غير مُسْنِدٍ ذلك إلى خطأ أو شك ونحوه ، لم تمتنع
روايته . ولو خصّ بالسماع قوماً فسمع غيرهم بغير علمه جاز لهم الرواية عنه .
ولو قال : أخبركم ولا أخبر فلاناً لم يضر ، قاله الأستاذ أبو إسحاق .
القسم الثالث : الإِجازة :
وهي أضرب .. الأول : أن يجيز معينا لمعين : كأجزتك البخاري ، أو
ما اشتملت عليه فهرستي . وهذا أعلى أضربها المجردة عن المناولة ، والصحيح
الذي قاله الجمهور من الطوائف واستقر عليه العمل جواز الرواية والعمل بها .
وأبطلها جماعات من الطوائف ، وهو إحدى الروايتين عن الشافعي .
وقال بعض الظاهرية ومتابعيهم : لا يعمل بها كالمرسل . وهذا باطل .
٥٨

الضرب الثاني : يجيز معيناً غيره(١) : كأجزتك مسموعاتي . فالخلاف فيه
أقوى وأكثر ، والجمهور من الطوائف جوّزوا الرواية وأوجبوا العمل بها .
الثالث : يجيز غير معين بوصف العموم : كأجزت المسلمين أو كل أحد
أو أهل زماني . وفيه خلاف للمتأخرين ، فإن قيدها بوصف حاصر فأقرب إلى
الجواز . ومن المجوزين القاضي أبو الطيب والخطيب وأبو عبد الله بن منده
وابن عتّاب والحافظ أبو العلاء وآخرون .
قال الشيخ : ولم يسمع عن أحد يقتدي به الرواية بهذه .
قلت : الظاهر من كلام مصححها جواز الرواية بها ، وهذا يقتضي
صحتها ، وأي فائدة لها غير الرواية بها .
الرابع : إجازة بمجهول أَوْلَهُ : كأجزتك كتاب السنن ، وهو يروي كتباً
في السنن ، أو أجزت لمحمد بن خالد الدمشقي ، وهناك جماعة مشتركون في
هذا الاسم . فهي باطلة .
فإن أجاز لجماعة مسمّين في الإِجازة أو غيرها ، ولم يعرفهم بأعيانهم ولا
أنسابهم ولا عددهم ولا تصفحهم ، صحّت الإجازة كسماعهم منه في مجلسه في
هذا الحال .
وأما أجزت لمن يشاء فلان أو نحو هذا ، ففيه جهالة وتعليق ، فالأظهر
بطلانه ، وبه قطع القاضي أبو الطيب الشافعي ، وصححه ابن الفرّاء الحنبلي ،
وابن عُمْرُوس المالكي .
ولو قال : أجزت لمن يشاء الإِجازة ، فهو كأجزت لمن يشاء فلان ،
[ بل ] وأكثر جهالة .
ولو قال : أجزت لمن يشاء الرواية عني ، فأولى بالجواز ؛ لأنه تصريح
بمقتضى الحال .
(١) أي أن يجيز معيناً بغير معين .
٥٩

ولو قال : أجزت لفلان کذا إن شاء روايته عني ، أو لك إن شئت أو
أحببت أو أردت ، فالأظهر جوازه .
الخامس : الإِجازة للمعدوم : كأجزت لمن يولد لفلان . واختلف
المتأخرون في صحتها ، فإن عطفه على موجود ، كأجزت لفلان ومن يولد له أو
لك ولعقبك ما تناسلوا ، فأولى بالجواز . وفعل الثاني من المحدثين أبو بكر بن
أبي داود ، وأجاز الخطيب الأول(١)، وحكاه عن ابن الفراء ، وابن عمروس.
وأبطلها القاضي أبو الطيب وابن الصباغ الشافعيان ، وهو الصحيح الذي لا
ينبغي غيره .
وأما الإِجازة للطفل الذي لا يميّز ، فصحيحة على الصحيح الذي قطع به
tuf f
٧١-١.
L
ـعا
٦
السادس : إجازة ما لم يتحمله المجيز بوجه ليرويه المُجَازُ إذا تحمله
المجيز : قال القاضي عِيَاض : لم أر من تكلم فيه ، ورأيت بعض المتأخرين
يصنعونه . ثم حكى عن قاضي قرطبة أبي الوليد منع ذلك ، قال عِيَاضٌ : وهو
الصحيح . وهذا هو الصواب .
فعلى هذا يتعين على من أراد أن يروي عن شيخ أجاز له جميع مسموعاته
أن يبحث حتى يعلم أن هذا مما تحمله شيخه قبل الإِجازة .
وأما قوله : أجزت لك ما صح أو يصح عندك من مسموعاتي . فصحيح
تجوز الرواية به ، لما صح عنده سماعه له قبل الإِجازة ، وفعله الدارقطني
وغيره .
السابع : إجازة المُجَاز : كأجزتك مجازاتي . فمنعه بعض من لا يعتد
(١) وقد ألف فيها جزءاً، وقال : إن أصحاب مالك وأبي حنيفة ، أجازوا الوقف على المعدوم ، وإن
لم يكن أصله موجوداً . قال : وإن قيل كيف يصح أن يقول أجازني فلان ومولده بعد موته ؟
يقال : كما يصح أن يقول وقف على فلان ، ومولده بعد موته . قال : ولأنّ بعد أحد الزمانين
من الآخر كبعد أحد الوطنين من الآخر .