النص المفهرس

صفحات 361-380

٣٦٠
جهود المحدثين في مكافحة التصحيف
وقال القاضي عياض: ((لا خلاف أن على الجاهل والمبتدئ، ومن لم
يمهر في العلم، ولا تقدم في معرفة تقديم الألفاظ، وترتيب الجمل، وفهم
المعاني - أن لا يكتب ولا يروي، ولا يحكي حديثاً إلا على اللفظ الذي
سمعه، وأنه حرام عليه التعبير بغير لفظه المسموع؛ إذ جميع ما يفعله من
ذلك تحكّمٌ بالجهالة، وتصرف على غير حقيقة في أصول الشريعة، وتَقَوّلٌ
على الله ورسوله ما لم يحط به علماً) (١).
وقال أيضاً: ((ثم اختلف السلف وأرباب الحديث والفقه والأصول: هل
يسوغ ذلك لأهل العلم فيحدثون على المعنى، أو لا يباح لهم ذلك؟
فأجازه جمهورهم إن كان ذلك من مشتغل بالعلم، ناقد لوجوه تصرف
الألفاظ والعلم بمعانيها ومقاصدها، جامع لمواد المعرفة بذلك، وروي نحوه
عن مالك. ومنعه آخرون وشددوا فيه من المحدثين والفقهاء، ولم يجيزوا
ذلك لأحد، ولا سوّغوا إلا الإتيان به على اللفظ نفسه في حديث النبي ◌َّ
وغيره، وروي نحوه عن مالك أيضاً .
وشدد مالك الكراهية فيه في حديث النبي عَّه. وروي عنه في سماع
أشهب: ((أما في حديث النبي ◌َّ فأحب إليّ أن يؤْتَى به على ألفاظه))
ورخص فيه في حديث غيره، وفي التقديم والتأخير وفي الزيادة والنقص.
وحمل أئمتنا هذا من مالك على الاستحباب كما قال، ولا يخالفه أحد في
هذا، وأن الأولى والمستحب المجيء بنفس اللفظ ما استطيع))(٢).
ثم روى رحمه الله عن معن بن عيسى قال: كان مالك يتقي في حديث
رسول الله عَّه الباء والتاء ونحوهما.
(١) ((الإلماع)) للقاضي عياض ص ١٧٤ .
(٢) ((الإلماع)) للقاضي عياض ص ١٧٨ - ١٧٩.

٣٦١
التحمل والأداء
وروي أيضاً عن مالك: ((وأما حديث رسول الله عَه فأحب أن يؤتى به
على ألفاظه)) .
ثم عقب القاضي عياض بقوله: ((وما قاله رحمه [الله] الصواب، فإن
نظر الناس مختلف، وأفهامهم متباينة، وفوق كل ذي علم عليم. كما قال
رسول الله عَّه: (((ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، فإذا أدى اللفظ أمن
الغلط، واجتهد كل من بُلّغَ إليه فيه، وبقي على حاله لمن يأتي بعد، وهو أنزه
للراوي وأخلص للمحدث))(١).
وقد ختم القاضي عياض رحمه الله بحثه في الكلام على الرواية بالمعنى
بما يدل على دقة نظره واحتياطه للشريعة الإسلامية، فذهب إلى أن فعل ذلك
جاز في عهد الصحابة لأسباب سوغته. قال رحمه الله: ((ولا يحتج باختلاف
الصحابة في نقل الحديث الواحد بألفاظ مختلفة، فإنهم شاهدوا قرائن تلك
الألفاظ وأسباب تلك الأحاديث، وفهموا معانيها حقيقة فعبروا عنها بما اتفق
لهم من العبارات، إذ كانت محافظتهم على معانيها التي شاهدوها والألفاظ
ترجمة لها))(٢)
.
ويفهم من كلامه أيضاً أن المنع خاص بعصر التدوين فيما قصد به
الاستنباط واستخراج الأحكام الشرعية.
وأما الجواز للعالم فهو خاص بحالة الاستشهاد والمذاكرة والحجة، أما
في الرواية والأداء فالأولى في ذلك المحافظة على اللفظ .
قال رحمه الله: ((أما من بعدهم - يعني الصحابة - فالمحافظة أولاً على
الألفاظ المبلغة إليهم التي منها يستخرج المعاني، فما لم تضبط الألفاظ
(١) (الإلماع)) ص ١٧٨ - ١٧٩ .
(٢) ((الإلماع)) ص ١٨٠.

٣٦٢
جهود المحدثين في مكافحة التصحيف
وتتحرى، وتسومح في العبارات والتحدث على المعنى انحل النظم، واتسع
الخرق.
وجواز ذلك للعالم المتبحر عندي على طريق الاستشهاد والمذاكرة
والحجة، وتحريه في ذلك متى أمكنه أولى كما قال مالك، وفي الأداء
والرواية آكد))(١) .
وبعد سرد كلام هؤلاء العلماء في حكم الرواية بالمعنى، نقف على أمثلة
تطبيقية تؤكد لنا ما ذهب إليه كثير من المحدثين أن الرواية بالمعنى قد تصرف
معاني النصوص عن وجهها، وتصحف معانيها إلى معان غير مقصودة،
وهذه بعض الأمثلة :
روى البخاري عن أبي هريرة عن النبي عَّ قال: ((إذا سمعتم الإقامة
فامشوا إلى الصلاة وعليكم بالسكينة والوقار، ولا تسرعوا، فما أدر كتم فصلوا وما
فاتكمفأتموا»(٢)
وروى الحديث أيضاً عن أبي هريرة الإمام أحمد أن رسول الله عَّ قال:
«ما أدر كتم فصلوا وما فاتكم فاقضواء(٣).
قال محمد عوامة: ((وهذا الاختلاف اليسير بين الروايتين في كلمة
واحدة ((فأتموا)) و((فاقضوا)) ترتب عليه اختلاف ذو أهمية من الناحية الفقهية،
بيانه: أن المصلي المسبوق إذا أدرك صلاة الركعة الرابعة مع الإمام، فكيف
يصلي الركعات الثلاث التي لم يدركها؟
(١) ((الإلماع)) ص ١٨٠.
(٢) رواه البخاري ٢/ ١١٧ ح ٦٣٦ كتاب الأذان: باب لا يسعى إلى الصلاة. وليأت
بالسكينة والوقار.
(٣) أحمد في المسند ٢/ ٢٧٠ .

٣٦٣
التحمل والأداء
فعلى مقتضى الرواية الأولى ((فأتموا)) يعتبر المصلي الركعة التي أدركها مع
الإمام - يعتبرها ركعة أولى بالنسبة إليه، وإن كانت ركعة رابعة بالنسبة إلى
إمامه، فإذا سلم الإمام قام وأتى بركعة ثانية، لأنه قام (يتم) صلاته، فيقرأ
فيها الفاتحة وسورة، ولا يقرأ دعاء الاستفتاح، فيقرأ فيها ما يقرؤه في الركعة
الثانية لو كان منفرداً، فإذا صلى الركعة الثانية كذلك قعد للتشهد، ثم قام
يتم صلاته، فيصلي الركعتين الباقيتين، ويقرأ فيهما الفاتحة فقط. وهذا
مذهب جماعة من العلماء، منهم الإمام الشافعي رضي الله عنه.
وعلى مقتضى الرواية الثانية ((فاقضوا)) يعتبر المصلي الركعة التي أدركها
مع الإمام - يعتبرها ركعة رابعة بالنسبة إليه وإلى إمامه، فإذا سلم الإمام قام
وأتى بركعة يعتبرها الركعة الأولى، لأنه قام (يقضي) ما فاته، فيقرأ فيها
الاستفتاح والفاتحة وسورة - كما يقرأ في الركعة الأولى لو كان منفرداً -
وبعدها يقعد للتشهد، ثم يقوم فيقرأ الفاتحة وسورة، وفي الركعة الأخيرة
يقرأ الفاتحة فقط .
وهذا مذهب جماعة من العلماء منهم الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه .
وهذا عمل بمقتضى الروايتين قضاء من حيث القراءة، إتمام من حيث
القعود))(١) .
مثال آخر :
قال ابن ماجه: ((حدثنا هشام بن عمار، ثنا عبد العزيز الدراوردي وحاتم
ابن إسماعيل، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عن جابر أن رسول الله عَّ أفرد
بالحج.))(٢) .
(١) (أثر الحديث الشريف في اختلاف الأئمة الفقهاء) محمد عوامة ص ٢٣ -٢٤ .
(٢) سنن ابن ماجه ٢ / ٩٨٨ ح ٢٩٦٦ كتاب المناسك: باب الإفراد بالحج.

٣٦٤
جهود المحدثين في مكافحة التصحيف
قال ابن القيم: ((وأما حديثه الآخر - يعني جابر بن عبد الله - الذي رواه
ابن ماجه ((أن رسول الله عَّ أفرد الحج.)) فله ثلاث طرق: أجودها طريق
الدراوردي عن جعفر بن محمد عن أبيه، وهذا يقيناً مختصر من حديثه
الطويل في حجة الوداع، ومروي بالمعنى، والناس خالفوا الدراوردي في
ذلك، وقالوا: ((أهَلَّ بالحج، وأهل بالتوحيد)).
ثم ذكر ابن القيم تضعيف الطريقين الآخرين ثم قال: ((وسائر الرواة
الثقات إنما قالوا ((أهل بالحج)).
فلعل هؤلاء حملوه على المعنى وقالوا: أفرد الحج ... ))(١).
فانظر إلى أثر الرواية بالمعنى وما ترتب على ذلك من قول بعض الفقهاء
أنه عَّ أحرم مفرداً. أخذاً من هذه الرواية التي جاءت بالمعنى وتصرف فيها
الراوي .
والراجح في إحرامه عَّه في حجة الوداع أنه كان قارناً. (٢)
مثال ثالث :
حديث: ((كل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج)، يعني نقص غير تمام.
رواه البعض على المعنى بلفظ ((لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب))(٣).
والمقصود هنا أن القول بمنع الرواية بالمعنى احتياط للسنة وصيانة لها من
التغيير والتصحيف خصوصاً في عصر الرواية. وإن كان الراجح جواز ذلك
بالشروط التي سبق ذكرها عن الخطيب البغدادي .
(١) ((زاد المعاد)) ٢/ ١٣١ -١٣٣.
(٢) لمعرفة الراجح في إحرامه عَّه في حجة الوداع راجع (زاد المعاد) لابن القيم فإنه أفاض في
ترجيح أنه كان قارناً (٢/ ١٠٧ وما بعدها).
(٣) راجع في هذا كتاب ((النكت على كتاب ابن الصلاح)) لابن حجر ٢ / ٨٠٦ - ٨٠٧

٣٦٥
التحمل والأداء
ب - اختصار الحديث :
كل حديث من أحاديث الرسول عَّه يمكن أن يستنبط منه حكم شرعي
على الأقل، وبعض أحاديثه عَّه تفيد أكثر من حكم، فمن خصوصياته عَّه
أنه أُعطي جوامع الكلم. ومن هنا تكلم المحدثون عن حكم اختصار الحديث
الواحد، والاقتصار على بعض ألفاظه تبعاً لما يمكن أن يفيده كلامه ◌ّ في
المناسبة الواحدة.
وقد أثار المحدثون هذه المسألة بقصد المحافظة على الأحكام الشرعية أن
يصيبها بتر ، أو تغيير، أو تحريف، أو تصحيف. ولهذا قالوا إذا كان
الحديث بعضه متصلاً ببعض بحيث يختل معناه وحكمه الشرعي بحذف
بعضه فلا يجوز اختصاره لما يترتب على الاختصار من تحريف المعاني وتغيير
الأحكام الشرعية .
قال الخطيب البغدادي: «والذي نختاره في ذلك أنه إن کان فیما حذف
من الخبر معرفة حكم شرعي، وشرط، وأمر لا يتم التعبد، والمراد بالخبر إلا
بروايته على وجهه - فإنه يجب نقله على تمامه ويحرم حذفه؛ لأن القصد
بالخبر لا يتم إلا به، فلا فرق بين أن يكون ذلك تركاً لنقل العبادة كنقل بعض
أفعال الصلاة، أو تركاً لنقل فرض آخر هو الشرط في صحة العبادة كترك
نقل وجوب الطهارة ونحوها، وعلى هذا الوجه يحمل قول من قال لا يحل
اختصار الحديث))(١) .
وقال أيضاً: ((وكذلك لا يجوز لسامع الخبر الذي يتضمن حكماً متعلقاً
بغيره وأمراً يلزم في حكم الدين لا يتبين المقصد منه إلا باستماع الخبر على
تمامه و کماله. أن يروي بعضه دون بعض لأنه يدخله فساد وإحالة لمعناه وسد
(١) ((الكفاية في علم الرواية)) للخطيب البغدادي ص ١٩٠ - ١٩١.

٣٦٦
جهود المحدثين في مكافحة التصحيف
الطريق العلم بالمراد منه ... ))(١) .
وقد ذكر الحافظ السخاوي بعض النماذج لاختصار الحديث الذي
يترتب عليه إحالة المعاني وتغيير الأحكام، رأينا أن نوردها هنا تحذيراً للقارئ
أن یقع في مثلها. قال رحمه الله: «هذا الإمام أبو حاتم بن حبان وناهيك به قد
ترجم في ((صحيحه)) ((إيجاب دخول النار لمن أسمع أهل الكتاب ما
يكرهون» وساق فيه حديث أبي موسى الأشعري بلفظ «من سمع يهودياً أو
نصرانياً دخل النار))(٢) وتبعه غيره فاستدل به على تحريم غيبة الذمي، وكل هذا
خطأ، فلفظ الحديث: ((من سمع بي من أمتي أو يهودي أو نصراني فلم يؤمن بي
دخل النار)).
وكذا ترجم المحب الطبري في أحكامه ((الوليمة على الاخوة)) وساق
حديث أنس قدم عبد الرحمن بن عوف، فآخى النبي ◌َّه بينه وبين سعد بن
الربيع؛ لكون البخاري أورده في بعض الأماكن من صحيحه باختصار قصة
التزويج مقتصراً على الإخاء والأمر بالوليمة، ففهم منه أن الوليمة للأخوة
وليس كذلك. والحديث قد أورده البخاري تاماً في أماكن كثيرة، وليست
الوليمة فيه إلا للنكاح جزماً)(٣).
هذا عن الاختصار في متون الأحاديث وما ترتب عليه من تغيير في
الأحكام.
وأما الاختصار في الألفاظ الواردة عن النقاد في الجرح والتعديل فحكمه
حكم الاختصار في متون الأحاديث لما يترتب على ذلك من معان محرفة
(١) ((الكفاية في علم الرواية)) للخطيب البغدادي ص ١٩٢ .
(٢) راجع ((الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان)) ٧/ ١٩٣ ح ٤٨٦٠ كتاب السير: ذكر إيجاب
دخول النار لمن أسمع أهل الكتاب ما یکرهون.
(٣) ((فتح المغيث)) للسخاوي ٢/ ٢٥١ -٢٥٢.

٣٦٧
التحمل والأداء
وأحكام معاكسة لما قصده النقاد فمن ذلك :
ذكر الذهبي في ترجمة بشر بن شعيب بن أبي حمزة الحمصي أنه صدوق
ثم قال: ((أخطأ ابن حبان بذكره في الضعفاء، وعمدته أن البخاري قال:
((تركناه) كذا نقل، فوهم على البخاري، وإنما قال البخاري: ((تركناه حياً
سنة اثنتي عشرة ومائتين))))(١) فانظر إلى ما تفيده كلمة ((الترك)) من جرح عند
المحدثين وانظر إلى أصل كلام البخاري في هذا الرجل أنه تركه حياً، لترى ما
أدى إليه اختصار الكلام من معان محرفة، أدرجت هذا الراوي ((بشر بن
شعيب)) في صفوف المتروكين حتى أورده ابن حبان، وصنفه ضمن الضعفاء
والمجروحين.
ج - المخالفة :
من الأسباب التي يرد بها حديث الراوي: المخالفة، ويدخل في المخالفة
عدة أنواع منها: الغرابة والشذوذ والنكارة والاضطراب والقلب. وإنما رُدَّتْ
رواية المخالف عند المحدثين لأن مخالفته تشعر بعدم ضبطه. ومن خلال
تتبعنا لكتب التخريج والمصطلح وشروح الحديث تبينا، ووقفنا على نماذج
من المخالفات، ترتب عليها تصحيف في الحديث، إما من جهة اللفظ، أو من
جهة المعنى، ولذلك أدخلنا ضمن الصفات الممنوعة عند الأداء - المخالفة.
وذكرنا من أنواعها: الغرابة؛ لأن في تفرد الراوي وشذوذه بلفظ لم يروه
أحد غيره مخالفة للثقات الذين لم يتابعوه عليه .
وأدخلنا في المخالفة أيضاً الشذوذ والنكارة والاضطراب والقلب.
ووجدنا في رد هذه الأنواع من الحديث حماية وصيانة وحفظاً للسنة من
التصحيف والتحريف .
(١) ((ميزان الاعتدال)) ١ / ٣١٨.

٣٦٨
جهود المحدثين في مكافحة التصحيف
وإليك البيان :
١ - الغرابة :
اهتم المحدثون وحرصوا على السماع من أهل التحقيق والإتقان،
ورغبوا في سماع الحديث المشهور الذي يرويه الثقات الأعلام، وحازت
الشهرة دوراً هاماً في قبول الأحاديث وردها .
ونالت الكتب الستة حظاً وافراً وعناية تامة من طرف المحدثين؛ وذلك
لشهرتها وتلقي العلماء لها بالقبول؛ ولظهورها في وقت توفرت فيه دواعي
النقد والتمحيص من طرف المحدثين.
ولهذا السبب وغيره حملها الناس وتزاحموا على سماعها وإسماعها .
وتناولها النقاد بالتتبع والإلزام والاستدراك والاستخراج. كما تناولها
المحدثون بالشرح والتفسير والاختصار والتهذيب .
وأفرد المحدثون المؤلفات في الجرح والتعديل في رجالها .
وتنكبوا عن سماع الغريب من الأحاديث الذي لم يحمله الثقات
المشهورون، ونزهوا كتبهم عن شحنها بالأحاديث الغريبة التي ينفرد بها
الرواة .
قال أبو داود: ((والأحاديث التي وضعتها في كتاب ((السنن)) أكثرها
مشاهير (وهي عند كل من كتب شيئاً من الحديث إلا أن تمييزها لا يقدر عليه
كل الناس والفخر بها أنها مشاهير)؛ فإنه لا يحتج بحديث غريب ولو كان
من رواية مالك، ويحيى بن سعيد والثقات من أئمة العلم.
ولو احتج رجل بحديث غريب، وجدت من يطعن فيه ولا يحتج
بالحديث الذي قد احتج به إذا كان الحديث غريباً شاذاً .

٣٦٩
التحمل والأداء
فأما الحديث المشهور المتصل الصحيح فليس يقدر أن يرده عليك أحد.
وقال إبراهيم النخعي: ((كانوا يكرهون الغريب من الحديث)).
وقال يزيد بن أبي حبيب: ((إذا سمعت الحديث فانشده كما تنشد
الضالة، فإن عرف وإلا فدعه))))(١) .
قال الذهبي: ((الغريب ضد المشهور فتارة ترجع غرابته إلى المتن، وتارة
إلى السند، والغريب صادق على ما صح، وعلى ما لم يصح. والتفرد
یکون لما انفرد به الراوي إسناداً أو متناً، ویکون لما تفرد به عن شیخ معین،
كما يقال لم يروه عن سفيان إلا ابن مهدي، ولم يروه عن ابن جريج إلا ابن
المبارك)). (٢)
وقال ابن رجب الحنبلي: «وأما الحديث الغريب فهو ضد المشهور. وقد
كان السلف يمدحون المشهور من الحديث ويذمون الغريب منه في الجملة.
ومنه قول ابن المبارك: ((العلم هو الذي يجيئك من ههنا ومن ههنا)) يعني
المشهور))(٣) .
وقال مالك: ((شر العلم الغريب، وخير العلم الظاهر الذي قد رواه
الناس)) (٤).
وقال شعبة: ((اكتبوا المشهور عن المشهور))(٥) .
وقال أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم القاضي: ((من اتبع غريب الحديث
(١) رسالة أبي داود إلى أهل مكة ص ٢٩ -٣٠.
(٢) ((الموقظة في علم مصطلح الحديث)) للإمام الذهبي ص ٤٣.
(٣) ((شرح علل الترمذي)) للحافظ ابن رجب الحنبلي ص ٢٣٤ .
(٤) رواه ابن السمعاني في ((أدب الإملاء والاستملاء)» ص ٥٨ .
(٥) رواه ابن السمعاني في ((أدب الإملاء والاستملاء)» ص ٥٨ .

٣٧٠
جهود المحدثين في مكافحة التصحيف
كذب ومن طلب المال بالكيمياء أفلس ومن طلب الدين بالكلام تزندق)) (١) .
وقال عبد الرزاق: ((كنا نرى أن غريب الحديث خير فإذا هو شر))(٢).
وقال أحمد بن حنبل: ((إذا سمعت أصحاب الحديث يقولون (هذا)
حديث غريب، أو فائدة، فاعلم أنه خطأ، أو دخل حديث في حديث، أو
خطأ من المحدث، أو حديث ليس له إسناد))(٣) .
ولهذا فإننا نجد النقاد من أهل الحديث قد ردوا رواية من يكثر الإغراب
واعتبروا ذلك قادحاً في ضبطه، وإن كان عدلاً في نفسه.
قال أبو نعيم: ((كان عندنا رجل يصلي كل يوم خمسمائة مرة سقط
حديثه في الغرائب)) (٤) .
وعن عمرو بن خالد قال: سمعت زهير بن معاوية يقول لعيسى بن
يونس: ((ينبغي للرجل أن يتوقى رواية غريب الحديث فإني أعرف رجلاً كان
يصلي في اليوم مائتي ركعة، ما أفسده عند الناس إلا رواية غريب
الحديث ... ))(٥) .
وقال الخطيب البغدادي: ((وأكثر طالبي الحديث في هذا الزمان يغلب
على إرادتهم كتب الغريب دون المشهور، وسماع المنكر دون المعروف
والاشتغال بما وقع فيه السهو والخطأ من روايات المجروحين والضعفاء، حتى
لقد صار الصحيح عند أكثرهم مجتنباً والثابت مصدوفاً عنه مطرحاً، وذلك
(١) رواه الخطيب البغدادي في ((الكفاية)) ص ١٤٢ .
(٢) رواه ابن السمعاني في ((أدب الإملاء والاستملاء)) ص ٥٩.
(٣) رواه الخطيب البغدادي في ((الكفاية)) ص ١٤٢ .
(٤) أخرجه الخطيب البغدادي في ((الكفاية)) ص ١٤٢ .
(٥) أخرجه الخطيب البغدادي في ((الكفاية)» ص ١٤٢ -١٤٣.

٣٧١
التحمل والأداء
كله لعدم معرفتهم بأحوال الرواة ومحلهم ونقصان علمهم بالتمييز وزهدهم
في تعلمه، وهذا خلاف ما كان عليه الأئمة من المحدثين والأعلام من أسلافنا
الماضين))(١) .
قال ابن رجب الحنبلي معلقاً على قول الخطيب: ((وهذا الذي ذكره
الخطيب حق، ونجد كثيراً ممن ينتسب إلى الحديث لا يعتمد الأصول
الصحاح كالكتب الستة ونحوها. يُعْنَى بالأجزاء الغريبة وبمثل ((مسند البزار))
و((معاجم الطبراني)) و((أفراد الدارقطني)) وهي مجمع الغرائب والمناكير)) (٢).
وقال حافظ المغرب أبو عمر يوسف بن عبد البر: ((واعلم رحمك الله أن
طلب العلم في زماننا هذا وفي بلدنا قد حاد أهله عن طريق سلفهم، وسلكوا
في ذلك ما لم يعرفه أئمتهم، وابتدعوا في ذلك ما بان به جهلهم وتقصيرهم
عن مراتب العلماء قبلهم.
فطائفة منهم تروي الحديث وتسمعه قد رضيت بالدؤوب في جمع ما لا
تفهم، وقنعت بالجهل في حمل ما لا تعلم، فجمعوا الغث والسمين،
والصحيح والسقيم، والحق والكذب في كتاب واحد، وربما في ورقة
واحدة. ويدينون بالشيء وضده، ولا يعرفون ما في ذلك عليهم، قد شغلوا
أنفسهم بالاستكثار عن التدبر والاعتبار، فألسنتهم تروي العلم، وقلوبهم قد
خلت من الفهم، غاية أحدهم معرفة الكتب الغريبة والاسم الغريب أو
الحديث المنكر ... )) (٣).
وإذا نحن علمنا كراهة المحدثين رواية الغريب من الحديث، فإنهم طعنوا
(١) ((الكفاية)) للخطيب البغدادي ص ١٤٣ .
(٢) ((شرح علل الترمذي) لابن رجب الحنبلي ص ٢٣٥.
(٣) ((جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله)) لابن عبد البر ٢/ ٢٠٧ - ٢٠٨.

٣٧٢
جهود المحدثين في مكافحة التصحيف
في ضبط الرواة الذين غلب عليهم رواية الغريب واشتهروا به .
وإذا كان الغريب كما قال الإمام أحمد عبارة عن خطأ، أو إدخال
حديث في حديث فلا يؤمن على من يروي الغرائب أن يصحف عليه
الحديث؛ فیعتبر ذلك مما انفرد به عن سائر الرواة .
ولهذا كان أهل التحقيق في الحديث إذا تغرب عليهم بعض الرواة
بحديث اعتبروه من التصحيف الواقع لحامله.
قال ابن كثير: ((وقد كان شيخنا المزي من أبعد الناس عن هذا المقام(١)،
ومن أحسن الناس أداء للإسناد والمتن، بل لم يكن على وجه الأرض - فيما
نعلم - مثله في هذا الشأن أيضاً. وكان يقول إذا تغرب عليه أحد برواية مما
يذكره بعض شراح الحديث على خلاف المشهور عنده: «هذا من التصحيف
الذي لم يقف صاحبه إلا على مجرد الصحف والأخذ منها))(٢).
٢ - الشذوذ :
من أنواع المخالفة التي يرد بها حديث الراوي، ولو كان ثقة، الشذوذ.
والحديث الشاذ هو ما رواه الثقة مخالفاً لمن هو أولى منه.
قال الشافعي: ((ليس الشاذ من الحديث أن يروي الثقة ما لا يرويه غيره،
هذا ليس بشاذ، إنما الشاذ أن يروي الثقة حديثاً يخالف فيه الناس، هذا
الشاذ من الحديث))(٣).
قال الحافظ ابن حجر: ((الشاذ لغة: المنفرد، واصطلاحاً: ما يخالف فيه
(١) أي من أبعد الناس عن الوقوع في التصحيف.
(٢) ((فتح المغيث شرح ألفية الحديث)) للحافظ السخاوي ٣/ ٧٩.
(٣) ((معرفة علوم الحديث)) لأبي عبد الله الحاكم ص ١١٩ .

٣٧٣
التحمل والأداء
الراوي من هو أرجح منه))(١) .
والأرجحية تكون بكثرة عدد أو بزيادة ضبط .
ومخالفة الراوي قد تكون تصحيفاً في اسم رجل من رجال الإسناد،
کما قد تكون تصحیفاً في متن حديث، يشذ بذلك راو فيخالف من هو أكثر
منه عدداً، أو أكثر ضبطاً.
فمن الشذوذ في الإسناد :
ما رواه مالك بن أنس عن ابن شهاب عن علي بن حسين، عن عمر بن
عثمان بن عفان عن أسامة بن زيد أن رسول الله عَّه قال: ((لا يرث المسلم
الكافر) (٢).
قال الترمذي: ((وروى مالك عن الزهري عن علي بن حسين عن عمر بن
عثمان عن أسامة بن زيد عن النبي ◌َّه نحوه، وحديث مالك وَهَمٌ، وهم فيه
مالك، وقد رواه بعضهم عن مالك فقال: ((عن عمرو بن عثمان))، وأكثر
أصحاب مالك قالوا عن مالك عن ((عُمَر بن عثمان))، وعمرو بن عثمان بن
عفان هو مشهور من ولد عثمان ولا يعرف عمر بن عثمان ... )) (٣).
وقال الحافظ العراقي: ((فخالف مالك غيره من الثقات في قوله: ((عمر
ابن عثمان)) يعني بضم العين. وذكر مسلم في ((التمييز)) أن كل من رواه من
أصحاب الزهري قال فيه: ((عمرو بن عثمان)) يعني بفتح العين، وذكر أن
مالكاً كان يشير بيده إلى دار عمر بن عثمان كأنه علم أنهم يخالفونه، وعمرو
وعمر جميعاً ولدا عثمان غير أن هذا الحديث إنما هو عن عمرو بفتح العين.
(١) ((نزهة النظر)) لابن حجر ص ٢٩.
(٢) (الموطأ)) للإمام مالك ٢/ ٥١٩ ح ١٠ كتاب الفرائض: باب ميراث أهل الملل.
(٣) ((سنن الترمذي)» ٤/ ٤٢٤.

٣٧٤
جهود المحدثين في مكافحة التصحيف
وحكم مسلم وغيره على مالك بالوهم فيه ... ))(١).
قلت: أما الذين خالفوا مالكاً في قوله: ((عمر بن عثمان)) فهم:
أولاً: محمد بن أبي حفصة(٢) .
ثانياً : ابن جريج(٣) .
ثالثاً: معمر (٤) .
رابعاً: سفيان بن عيينة(٥) .
خامساً: يونس بن يزيد بن أبي النجاد الأيْلي(٦) .
سادساً: هُشَيْم بن بشير(٧).
فهؤلاء الستة خالفوا مالكاً عن الزهري في قوله: ((عمر بن عثمان)) بضم
العين واتفقوا على قولهم ((عمرو بن عثمان)).
قال الشافعي : ((صحف مالك في عمر بن عثمان وإنما هو عمرو
(١) ((التبصرة والتذكرة)) للحافظ العراقي ١/ ٢٠٠.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه ٨/ ١٣ ح ٤٢٨٢ كتاب المغازي: باب أين ركز النبي الراية
يوم الفتح.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه ١٢ / ٥٠ ح ٦٧٦٤: كتاب الفرائض: باب لا يرث المسلم
الكافر ولا الكافر المسلم.
(٤) أخرجه الدارمي ٢/ ٢٦٨ ح ٣٠٠٢ كتاب الفرائض: باب في ميراث أهل الشرك وأهل
الإسلام.
(٥) أخرجه مسلم في صحيحه ١١ / ٥٢ كتاب الفرائض.
(٦) أخرجه ابن ماجه ٢/ ٩١٢ ح ٢٧٣٠: كتاب الفرائض: باب ميراث أهل الإسلام من
أهل الشرك .
(٧) أخرجه الترمذي ٤/ ٤٢٣ ح ٢١٠٧ كتاب الفرائض: باب ما جاء في إبطال الميراث بين
المسلم والكافر .

٣٧٥
التحمل والأداء
ابن عثمان))(١) .
وكما يقع الشذوذ في السند يقع أيضاً في الصفن :
فمن ذلك ما رواه مالك عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله قال: ((نحرنا
مع رسول الله عَّ عام الحديبية البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة))(٢).
قال الترمذي: ((حديث جابر حديث حسن صحيح. والعمل على هذا
عند أهل العلم من أصحاب النبي عَّه وغيرهم. يرون الجزور عن سبعة،
والبقرة عن سبعة. وهو قول سفيان الثوري والشافعي وأحمد. وروي عن
ابن عباس عن النبي ◌َّه: أن البقرة عن سبعة، والجزور عن عشرة. وهو
قول إسحاق، واحتج بهذا الحديث. وحديث ابن عباس إنما نعرفه من وجه
واحد))(٣) .
وحديث جابر أخرجه الحاكم قال: أخبرني علي بن عيسى الحيري، ثنا
إبراهيم بن أبي طالب، ثنا محمد بن المثنى ومحمد بن بشار (قالا): ثنا
عبد الرحمن، عن سفيان عن أبي الزبير عن جابر قال: نحرنا يوم الحديبية
سبعين بدنة: البدنة عن عشرة)).
وقال: ((هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. وقد روى
(١) رواه عنه الحاكم في ((معرفة علوم الحديث)) ص ١٥٠ .
(٢) أخرجه مالك في ((الموطأ)) ٢ / ٤٨٦ ح ٩ كتاب الضحايا: باب الشركة في الضحايا، وعن
كم تذبح البقرة والبدنة. ومسلم في صحيحه ٩/ ٦٦ - ٦٧ كتاب الحج: باب إجزاء البدنة
والبقرة عن سبعة. والترمذي ٣/ ٢٤٨ ح ٩٠٤: كتاب الحج: باب ما جاء في الاشتراك
في البدنة والبقرة. وأبو داود ٣/ ٢٣٩ - ٢٤٠ ح ٢٨٠٩ كتاب الضحايا: باب [في] البقر
والجزور، عن كم تجزئ؟
(٣) سنن الترمذي ٣/ ٢٤٨.

٣٧٦
جهود المحدثين في مكافحة التصحيف
البدنة عن عشرة عبد الله بن عباس أيضاً))(١) .
وتعقبه الذهبي بقوله: ((وخالفه ابن جريج ومالك وزهير عن أبي الزبير
فقالوا: ((البدنة عن سبعة)) وجاء عن سفيان أيضاً كذلك)).
ومما يدل على شذوذ رواية الحاكم فيه، متابعة من تابع مالكاً عليه، وهم:
١ - سفيان: عند الدارمي بلفظ ((نحرنا يوم الحديبية سبعين بدنة، البدنة
عن سبعة ... ))(٢) الحديث.
٢ - أبو خيثمة زهير بن حرب.
عند مسلم بلفظ: ((خرجنا مع رسول الله عزَّه مهلين بالحج فأمرنا
رسول الله عَّ أن نشترك في الإبل والبقر كل سبعة منا في بدنة»(٣) .
٣ - عَزْرَةُ بن ثابت .
عند مسلم أيضاً بلفظ: ((حججنا مع رسول الله عَبّه فنحرنا البعير عن
سبعة والبقرة عن سبعة)) (٤)
.
٤ - ابن جريج.
عند مسلم أيضاً بلفظ: ((اشتركنا مع النبي ◌َّه في الحج والعمرة كل
سبعة في بدنة. فقال رجل لجابر: أيشترك في البدنة ما يشترك في الجزور؟ .
قال: ما هي إلا من البدن. وحضر جابر الحديبية قال: نحرنا يومئذ سبعين
بدنة، اشتركنا كل سبعة في بدنة))(٥) .
(١) ((المستدرك)) للحاكم ٤ / ٢٣٠.
(٢) ((سنن الدارمي)) ٢/ ٥ ح ١٩٦١ كتاب الأضاحي: باب البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة.
(٣) (صحيح مسلم)) بشرح النووي ٩/ ٦٧ .
(٤) ((صحيح مسلم)) بشرح النووي ٩/ ٦٧ .
(٥) ((صحيح مسلم)) بشرح النووي ٩ / ٦٧ - ٦٨ .

٣٧٧
التحمل والأداء
وأما حديث ابن عباس - الذي أشار إليه الترمذي - فقد أخرجه ابن حبان
في صحيحه من طريق الحسين بن واقد، عن علْبَاء بن أحمر، عن عكرمة،
عن ابن عباس قال: كنا مع النبي ◌َّ في سفر فحضر النحر فاشتركنا في
البقرة سبعة، وفي البعير سبعة أو عشرة))(١).
وأخرجه الحاكم من طريق الحسن بن واقد أيضاً بلفظ: ((فاشتركنا في
البقرة عن سبعة، وفي الجزور عن عشرة))(٢).
قلت: والحسين بن واقد ثقة له أوهام كما ذكر الحافظ ابن حجر في
التقریب(٣).
وهكذا نرى ونتبين أن رواية الحاكم في حديث جابر رواية شاذة لا يمكن
أن تعارض الجماعة الذين تقدم ذكرهم.
ومن خلال هذين المثالين - وغيرهما كثير - نستطيع أن نقول إن مخالفة
الراوي لمن هو أولى أو أرجح منه يمكن أن تكون تصحيفاً. ولهذا فالمحدثون
لما جعلوا الشاذ من قبيل المردود، أو لما اشترطوا في الحديث الصحيح
السلامة من الشذوذ؛ فإنهم قد احتاطوا للسنة أن يتطرق إليها التحريف أو
يمسها التصحيف .
٣- النكارة :
من أنواع المخالفة التي يرد بها حديث الراوي: ((النكارة)). والنكارة
مخالفة من الضعيف للثقة تدل على عدم ضبطه.
والحديث المنكر: هو ما رواه الضعيف مخالفاً به الثقة.
(١) ((الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان)) ٦/ ١٢٧ ح ٣٩٩٦ كتاب الحج: باب الهدي.
(٢) المستدرك للحاكم ٤ / ٢٣٠.
(٣) ((تقريب التهذيب)) لابن حجر ١/ ١٨٠.

٣٧٨
جهود المحدثين في مكافحة التصحيف
قال ابن حجر: ((فإن خولف أي الراوي بأرجح منه فالراجح يقال له :
المحفوظ، ومقابله وهو المرجوح يقال له: الشاذ. وإن وقعت المخالفة له مع
الضعف فالراجح يقال له المعروف، ومقابله يقال له المنكر ... ))(١).
والنكارة من الضعيف قد تكون تصحيفاً، يخالف الضعيف الثقات في
لفظ حدیث فیصحفه .
ومن الأمثلة على ذلك: روى البخاري من طريق سعيد عن أبي هريرة
رضي الله عنه عن النبي ◌َّ قال: ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد
الحرام ومسجد الرسول ◌ّ ومسجد الأقصى،(٢).
وتابع سعيد بن المسيب عن أبي هريرة على هذا الحديث:
- سلمان الأغر أنه سمع أبا هريرة (٣) فذكره.
- أبو سلمة عنه(٤) .
- سعيد بن أبي سعيد المقْبُري عنه(٥).
كل هؤلاء الثلاثة تابعوا سعيداً على ذكر المساجد الثلاثة: المسجد الحرام
والمسجد النبوي والمسجد الأقصى .
وخالفهم خُثَيْم بن مروان عن أبي هريرة فقال: ((مسجد الخيف)) بدل
مسجد الأقصى. قال الذهبي في ترجمته: ((قال البخاري: سمع منه كلثوم
(١) ((نزهة النظر)) لابن حجر ص ٣٥ -٣٦.
(٢) رواه البخاري ٣/ ٦٣ ح ١١٨٩ كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة: باب فضل
الصلاة في مسجد مكة والمدينة. ومسلم ٩/ ١٦٧ - ١٦٨ كتاب الحج: باب فضل المساجد
الثلاثة .
(٣) أخرجه مسلم ٩ / ١٦٨ كتاب الحج باب فضل المساجد الثلاثة.
(٤) أخرجه أحمد في المسند ٢ / ٢٧٨ و٥٠١.
(٥) أخرجه الطحاوي في مشكل الآثار ١/ ٢٤٢ -٢٤٣.

٣٧٩
التحمل والأداء
ابن جبير «لا تشد المطي إلا إلى مسجد الخيف، ومسجدي، ومسجد الحرام)). لا
يتابع في مسجد الخيف. ولا يعرف لخثيم سماع من أبي هريرة.
وقال الأزدي: ((ضعيف))(١) .
فحدیث خثيم هذا حديث منكر، حيث خالف خثيم - وهو ضعيف -
الثقات في قوله ((مسجد الخيف)) فحرف هذا اللفظ، وغير الحكم الشرعي.
والحديث تابع عليه أبا هريرة جماعة من الصحابة منهم: أبو سعيد
الخدري، وأبو بصرة الغفاري وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وأبو
الجعد البصري وعلي(٢) .
فإذا عرفنا أن حديث خثيم حديث منكر، فينبغي أن نعلم أن إدخال
المحدثين الحديث المنكر ضمن الضعيف حفظ وصيانة للحديث من التحريف
والتصحيف .
٤ - الاضطراب :
من أنواع المخالفة التي يرد بها حديث الراوي: ((الاضطراب)).
والحديث المضطرب هو: ما روي على أوجه مختلفة - متساوية في
الصحة - لا يمكن الجمع بينها.
قال الحافظ زين الدين العراقي: ((المضطرب من الحديث هو ما اختلف
راويه فيه، فرواه مرة على وجه ومرة على وجه آخر مخالف له. وهكذا إن
اضطرب فيه راويان فأكثر فرواه كل واحد على وجه مخالف للآخر.
فقولي : من واحد أي من راو واحد.
(١) ((ميزان الاعتدال)) ١ / ٦٥٠.
(٢) انظر تخريج أحاديث هؤلاء الصحابة في ((إرواء الغليل)) للشيخ الألباني ٣/ ٢٢٨ .