النص المفهرس

صفحات 321-340

٣٢٠
جهود المحدثين في مكافحة التصحيف
المطلب الثالث
شروط التحمل
١ - تعلم اللغة والنحو :
اشترط المحدثون في الراوي الذي يحمل الحديث، أن يعنى بتعلم اللغة
العربية والنحو، حتى لا يقع في اللحن والتحريف والتصحيف. فالجهل
بأساليب اللغة العربية وتصاريف كلام العرب أوقع بعض المحدثين في
التصحيف .
قال الحافظ ابن حجر في ((الإصابة في تمييز الصحابة)) في ترجمة ((معروف
الثقفي)): ((ترجم له ابن قانع، فوهم؛ لأنه صفة لا اسم. قال: حدثنا عبد الله
ابن أحمد ثنا أبي، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا همام، عن قتادة،
عن الحسن، عن عبد الله بن عثمان الثقفي، عن رجل من ثقيف يقال له
معروف، وأثنى عليه خيراً، قال: قال رسول الله عليه: (الوليمة حق ....
الحديث. ثم رواه من طريق حجاج، عن همام، فقال فيه عن زهير بن عثمان
الأعور. قال ابن قانع: شك فيه قتادة .
كذا قال، وقد أخرج الحديث عن بهز بن أحمد(١) عن همام عن قتادة عن
الحسن عن عبد الله بن عثمان عن رجل أعور من ثقيف. قال قتادة: وكان
يقال له معروفاً، أي يثنى عليه خيراً. فقد فسر بهز مراد قتادة بقوله: يقال له
معروفاً. ويؤيده تسميته في رواية حجاج بن المنهال زهير بن عثمان .
وكذا سماه عبد الصمد بن عبد الوارث عن همام، أخرجه أحمد أيضاً.
(١) كذا في المطبوع من الإصابة (بهز بن أحمد) وهو تصحيف مطبعي صوابه (بهز بن أسد)
بوزن الحيوان المعلوم.

٣٢١
التحمل والأداء
وقال الدارمي في مسنده: أنا عفان حدثنا همام، فذكره بلفظ أزال
الإشكال من أصله.
فقال: عن رجل من ثقيف أعور يقال له معروفاً، أي يثنى عليه خيراً. إن
لم یکن اسمه زهير بن عثمان فلا أدري ما اسمه .
وكذا هو عند أبي داود والنسائي عن محمد بن المثنى عن عفان. وتقدم
في حرف الزاي في القسم الأول والله أعلم))(١) .
وقد أدى الخطأ في إعراب ألفاظ الحديث وأسماء الرواة إلى التصحيف
وصرف الأحاديث عن معانيها .
قال الحافظ ابن حجر في ترجمة ((ثابت بن أبي زيد الأنصاري ... ذكره
بعضهم مستنداً إلى قول الحاكم في ((علوم الحديث)) ((عَزَرة بن ثابت ومحمد
ابن ثابت وعلي بن ثابت، أبوهم ثابت بن أبي زيد صاحب رسول الله عَئله))
انتهى. وصاحب مجرور صفة لأبي زيد، وكأن من ذكره في الصحابة ظنه
مرفوعاً، فيكون صفة لثابت، وليس كذلك والله أعلم)) (٢) .
فانظر إلى هذا التصحيف، وانظر إلى سببه - وهو الخطأ في الإعراب -
كيف أدى إلى اعتبار ثابت بن أبي زيد الأنصاري صحابياً، حتى ذكره بعض
من صنف في الصحابة من جملتهم .
وقال ابن حجر أيضاً في ((الإصابة)) في ترجمة ((مهاجر بن مسعود .. ذكر
في الصحابة وهو وهم. فأخرج ابن أبي خيثمة من طريق داود بن أبي هند
عن الشعبي قال: كان مهاجَر بن مسعود بحمص، فحدره عمر إلى الكوفة.
(١) ((الإصابة)) لابن حجر ٣/ ٥٢٦.
(٢) ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ١/ ٢٠٧.

٣٢٢
جهود المحدثين في مكافحة التصحيف
قلت: ظن الذي أثبت الصحبة لمهاجر أن الرواية بكسر الجيم، وأنه اسم
صحابي، وليس كذلك، وإنما أخبر الشعبي أن عبد الله بن مسعود، في زمن
الفتوح هاجر إلى أرض الشام، ونزل حمص، ثم رده عمر إلى الكوفة فهاجر
فعل(١) وهو بفتح الجيم. وابن مسعود هو عبد الله. وهو المخبَر عنه بأنه
هاجر، ومن ثم أخرج ابن أبي خيثمة هذا الأثر في ترجمة عبد الله بن
مسعود))(٢).
فهذا الخطأ في شكل هذه الكلمة ترتب عليه اعتبار ((مهاجر بن مسعود))
صحابياً مستقلاً - غير عبد الله بن مسعود - والصواب أنه لا حقيقة لهذا
الاسم.
وقد ينتج عن هذا التصحيف الخلاف في عدد الصحابة، فالذي يعتبر -
مهاجر بن مسعود صحابياً يزيد عنده العدد على غيره.
وقد تنبه المحققون من أهل الحديث إلى ما يمكن أن يحدثه الخطأ في
الإعراب من تغيير في معاني النصوص فحذروا من ذلك.
قال القاضي عياض رحمه الله: ((وقد وقع الخلاف بين العلماء بسبب
اختلافهم في الإعراب كاختلافهم في قوله [عليه السلام]: ((ذكاة الجنين ذكاة
أمه».
فالحنفية ترجح فتح ذكاة الثانية، على مذهبها في أنه يذكى مثل ذكاة أمه .
وغيرهم من المالكية والشافعية ترجح الرفع لإسقاطهم ذکاته .
وكذلك قوله عليه السلام: ((لا نورث، ما تركناه صدقة».
(١) في نسخة دار الفكر (ففل) بفاءين وفي النسخة التي حققها طه محمد الزيني المطبوعة
بمكتبة الكليات الأزهرية (فعل).
(٢) ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ٣/ ٥٣٤.

٣٢٣
التحمل والأداء
الجماعة ترجح روايتها برفع صدقة على خبر المبتدأ، على مذهبها في أن
الأنبياء لا تورث. وغيرهم من الإمامية يرجح الفتح على التمييز لما تركوه
صدقة أنه لا يورث، دون غير ما ترك صدقة. وإذا كان هذا لم يكن فرقاً
بينهم وبين غيرهم، ولم يكن معنى لتخصيصه الأنبياء. وقد أجاز النحاس
نصبه على الحال(١) .
وكذلك قوله في الحديث: ((هو لك عبد بن زمعة)).
رواية الجماعة رفع ((عبد)) على النداء، أو اتباع ابن له، على الوجهين في
نعت المنادى المفرد من الضم والفتح .
والحنفية ترجح تنوين (عبد)) على الابتداء، أي هو الولد لك عبد،
وتنصب ابن زمعة على النداء المضاف)) (٢).
ولهذا اشترط المحدثون في طالب علم الحديث أن يتعلم اللغة العربية
والنحو. قال الأوزاعي: ((أعربوا الحديث فإن القوم كانوا عرباً)»(٣).
وقال الأصمعي: ((إن أخوف ما أخاف على طالب العلم إذا لم يعرف
النحو أن يدخل في جملة قول النبي عَّه: ((من كذب عليّ فليتبوأ مقعده من
النار)، لأنه لم يكن يلحن، فمهما رويت عنه ولحنت فيه كذبت عليه)) (٤) .
وقال شعبة: ((من طلب الحديث فلم يبصر العربية فمثله مثل رجل عليه
برنس، وليس له رأس))(٥) .
(١) تقدم التحقيق في هذه المسألة في باب ((التصحيف وأثره في الفقه)) ص ٢٧٦ .
(٢)
((الإلماع)) للقاضي عياض ص ١٥٠ - ١٥١ .
(٣) رواه الحسن بن عبد الرحمن الرامهر مزي في ((المحدث الفاصل بين الراوي والواعي)) ص
٥٢٤ والخطيب البغدادي في ((الكفاية)) ص ١٩٥ .
(٤) رواه القاضي عياض ((الإلماع)) ص ١٨٤ .
(٥) رواه الخطيب البغدادي في ((الجامع)) ٢/ ٨٣.

٣٢٤
جهود المحدثين في مكافحة التصحيف
وقال حماد بن سلمة: ((مثل الذي يطلب الحديث ولا يعرف النحو مثل
الحمار عليه مخْلاة لا شعير فيها))(١) .
وقال النووي: ((وعلى طالب الحديث أن يتعلم من النحو واللغة ما
يسلم به من اللحن والتصحيف))(٢) .
وهكذا نرى أن المحدثين كغيرهم من أهل الاختصاص في العلوم
الإسلامية، يشترطون في طالب علم الحديث أن يمتلك آليات العلم التي
تؤمنه وتحرزه من الوقوع في الخطأ والتصحيف.
ولا شك أن طالب الحديث يتأكد في حقه تعلم اللغة العربية والنحو أكثر
من غيره، لأنه سَيُبَلِّغ الفقيه المادة المعرفية التي يبني عليها هذا الأخير
استنباطاته واجتهاداته .
٢ - الأخذ عن أهل العناية بالحديث :
علم الحديث علم خطير، والخطأ فيه جسيم، وقد هاب التحديث
جماعة من السلف خشية الوقوع في الخطأ والتصحيف، فامتنعوا عن ذلك
أشد الامتناع .
قال ابن قتيبة: ((أفما ترى تشديد القوم في الحديث وتوقي من أمسك
كراهية التحريف أو الزيادة في الرواية أو النقصان؟ لأنهم سمعوه عليه
السلام يقول: ((من كذب عليّ فليتبوأ مقعده من النار)) وهكذا روي عن الزبير أنه
رواه. وقال: إنهم يزيدون فيه ((متعمداً)) والله ما سمعته قال ((متعمداً)).
وروى مطرف بن عبد الله أن عمران بن حصين قال: والله إن كنت لأرى
(١) رواه الخطيب البغدادي في ((الجامع)) ٢/ ٨٣.
(٢) تدريب الراوي ٢ / ١٠٦.

٣٢٥
التحمل والأداء
أني لو شئت لحدثت عن رسول الله يومين متتابعين، ولكن بطّأني عن ذلك أن
رجالاً من أصحاب رسول الله عَّه سمعوا كما سمعت، وشهدوا كما
شهدت، ويحدثون أحاديث ما هي كما يقولون، وأخاف أن يشبه لي كما
شبه لهم، فأعلمك أنهم كانوا يغلطون لا أنهم كانوا يتعمدون، فلما أخبرهم
أبو هريرة بأنه كان ألزمهم لرسول الله عَّه لخدمته وشبع بطنه وكان فقيراً
مُعْدماً وأنه لم يكن ليشغله عن رسول الله (عَّ غرس الوَديّ(١) ولا الصفق
بالأَسواق، يعرض أنهم كانوا يتصرفون في التجارات، ويلزمون الضياع في
أكثر الأوقات، وهو ملازم له لا يفارقه، فعرف ما لم يعرفوا وحفظ ما لم
يحفظوا، أمسكوا عنه))(٢) .
فهذا النص يبين لنا هيبة السلف من التحديث، خشية الوقوع في الخطأ
والتصحيف، كما يبين لنا مزية أبي هريرة ومكانته في حفظ السنة، وأن ذلك
ما كان ليكون لولا الملازمة التامة، والتفرغ الكامل الذي كان عليه أبو هريرة.
ولهذا فإن الراوي الذي يريد أن يتحمل ويؤدي، لابد له من تفرغ وعناية
وتضحية من أجل تحصيل الحديث، وضبطه وتصحيحه ثم حفظه، والعناية
بصيانته في صدره و کتابه .
فليس كل إنسان ثبتت عدالته، يصح الأخذ عنه واعتماده في سماع
الحديث. قال عبد الرحمن بن يزيد بن جابر: ((لا يؤخذ العلم إلا عمن شهد
له بطلب الحديث))(٣). وقال عبد الله بن عون: «لا نكتب الحديث إلا ممن كان
عندنا معروفاً بالطلب)) (٤) .
(١) قال ابن الأثير: ((الوَديّ بتشديد الياء: صغار النخل، الواحدة: وَديّةٌ)) النهاية ١٧٠/٥.
(٢) ((تأويل مختلف الحديث)) الإمام ابن قتيبة الدينوري ص ٦٢ - ٦٣ .
(٣) أخرجه الخطيب البغدادي في ((الكفاية)) ص ١٦١ .
(٤) أخرجه الخطيب البغدادي في ((الكفاية)) ص ١٦١ .

٣٢٦
جهود المحدثين في مكافحة التصحيف
وعن ابن أبي الزناد عن أبيه قال: ((أدركت بالمدينة مائة كلهم مأمون، ما
يؤخذ عنهم شيء من الحديث، يقال: ليس من أهله))(١) .
وإن الأخذ عن غير أهل العناية الذين لم يتمرسوا بصناعة الحديث
ومعرفة أسماء الرواة، لا يؤمن معه الوقوع في التصحيف والتحريف.
قال ابن وهب: وحدثني مالك قال: ((أدركت بهذا البلد رجالاً من بني
المائة ونحوها يحدثون الأحاديث، لا يؤخذ منهم، ليسوا بأئمة)).
فقلت لمالك: ((وغيرهم دونهم في السن يؤخذ ذلك منهم؟)).
قال: ((نعم، ويجب أن يكون حفظه مأخوذاً عن العلماء لا عن
الصحف))(٢) .
قال الخطيب البغدادي: ((فأول شرائط الحافظ المحتج بحديثه إذا ثبتت
عدالته، أن يكون معروفاً عند أهل العلم بطلب الحديث وصرف العناية
إليه))(٣).
ثم ذكر الخطيب البغدادي نماذج من التصحيفات التي وقعت
لبعض من كتب الحديث ولم يكن الحديث صناعته؛ منها قصة
إسحاق بن راهويه ومناظرته لبشر بن يحيى بن حسان - من أهل الرأي
- في حكم القرعة. وقد تقدمت القصة فيما سبق(٤).
فهي نموذج لغير المشتغل بعلم الحديث وما وقع منه من التصحيف لبعده
(١) أخرجه الخطيب البغدادي في ((الكفاية)) ص ١٥٩ .
(٢) أخرجه الخطيب البغدادي في ((الكفاية)) ص ١٦٢.
(٣) ((الكفاية)) للخطيب البغدادي ص ١٦١ .
(٤) راجعها في ص ٥٩ - ٦٠ من هذه الرسالة.

٣٢٧
التحمل والأداء
عن ميدان الحديث واشتغاله بالرأي .
وقد اتخذ الحافظ ابن حبان من بعض الفقهاء نموذجاً آخر لما تتسبب فيه
قلة العناية بعلم الحديث من التصحيف والتحريف.
قال رحمه الله: ((الجنس الخامس(١): الفقيه إذا حدث من حفظه وهو ثقة
في روايته، لا يجوز عندي الاحتجاج بخبره، لأنه إذا حدث من حفظه،
فالغالب عليه حفظ المتون دون الأسانيد، وهكذا رأينا أكثر من جالسناه من
أهل الفقه، كانوا إذا حفظوا الخبر لا يحفظون إلا متنه، وإذا ذكروا أول
أسانيدهم، يكون قال رسول الله عَّه. فلا يذكرون بينهم وبين النبي =
أحداً، فإذا حدث الفقيه من حفظه فربما صحف الأسماء وأقلب (٢) الأسانيد،
ورفع الموقوف، وأوقف المرسل، وهو لا يعلم لقلة عنايته به، وأتى بالمتن
على وجهه، فلا يجوز الاحتجاج برواته إلا من كتاب، أو يوافق الثقات في
الأسانيد ... ))(٣).
وقد زاد الحافظ ابن رجب الحنبلي هذه المسألة بياناً حيث قال: ((الفقهاء
المعتنون بالرأي حتى يغلب عليهم الاشتغال به، لا يكادون يحفظون الحديث
كما ينبغي، ولا يقيمون أسانيده ولا متونه، ويخطئون في حفظ الأسانيد
كثيراً، ويروون المتون بالمعنى ويخالفون الحفاظ في ألفاظه، وربما يأتون
بألفاظ تشبه ألفاظ الفقهاء المتداولة بينهم، وقد اختصر شريك حديث رافع
ابن خَديج في المزارعة، فأتى به بعبارة أخرى فقال: ((من زرع في أرض قوم
(١) أي الجنس الخامس من أحاديث الثقات التي لا يجوز الاحتجاج بها .
(٢) كذا في المطبوع. وفي شرح علل الترمذي لابن رجب ص ٣٧٤ (وقلب الإسناد).
(٣) ((المجروحين)) لابن حبان ١/ ٩٣ - ٩٤.

٣٢٨
جهود المحدثين في مكافحة التصحيف
بغير إذنهم فليس له من الزرع شيء وله نفقته)» (١) وهذا يشبه كلام الفقهاء.
وكذلك روى حديث أنس أن النبي ◌َّ ((كان يتوضأ برطلين من ماء))
وهذا رواه بالمعنى الذي فهمه، فإن لفظ الحديث ((أنه كان يتوضأ بالمد))(٢) والمد
عند أهل الكوفة رطلان .
وكذلك سليمان بن موسى الدمشقي الفقيه، يروي الأحاديث بألفاظ
مستغربة. وكذلك فقهاء الكوفة ورأسهم حماد بن أبي سليمان وأصحابه
وأتباعهم.
وكذلك الحكم بن عُتَيْبَة وعبد الله بن نافع الصائغ صاحب مالك
وغيرهم ... ))(٣).
قلت: فمثل هؤلاء لا يصلح تحمل الحديث عنهم لأنهم ليسوا من أهل
العناية بالحديث، ولا يحافظون على ألفاظه، وليس لديهم حس نقدي في
صناعة الحديث. بخلاف أهل التحقيق الذين نشأوا وورثوا صناعة الحديث
عن المشايخ الضابطين الذين أمعنوا في الحفظ وأفرطوا في كتابة الحديث
وجالوا ورحلوا وذاكروا وصنفوا ... إلخ.
-
(١) الحديث أخرجه الترمذي ٣/ ٦٤٨ ح ١٣٦٦ كتاب الأحكام: باب ما جاء في من زرع في
أرض قوم بغير إذنهم. وأبو داود ٣/ ٦٩٢ - ٦٩٣ ح ٣٤٠٣ كتاب البيوع والإجارات:
باب في زرع الأرض بغير إذن صاحبها. وابن ماجه ٢/ ٦٢٤ ح ٢٤٦٦ كتاب الرهون:
باب من زرع في أرض قوم بغير إذنهم.
(٢) أخرجه الترمذي بلفظ شريك ((كان يتوضأ برطلين)) ٢ / ٥٠٧ ح ٦٠٩ أبواب الصلاة باب
قدر ما يجزئ من الماء في الوضوء وقال: ((هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث
شريك على هذا اللفظ)) ثم أشار إلى الحديث على الصواب.
(٣) (شرح علل الترمذي)) لابن رجب الحنبلي ص ٣٧٣ .

٣٢٩
التحمل والأداء
قال ابن حبان وهو بصدد استعراض طبقات النقاد من أهل التحقيق في
صناعة الحديث: ((ثم أخذ عن هؤلاء مسلك الانتقاد في الأخبار وانتقاء
الرجال في الآثار جماعة منهم: محمد بن يحيى الذهلي النيسابوري،
وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، وأبو زرعة عبيد الله بن عبد الكريم بن
يزيد الرازي، ومحمد بن إسماعيل الجعفي البخاري، ومسلم بن الحجاج
النيسابوري، وأبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني في جماعة من
أقرانهم أمعنوا في الحفظ، وأكثروا في الكتابة، وأفرطوا في الرحلة، وواظبوا
على السنة والمذاكرة والتصنيف والمدارسة، حتى أخذ عنهم من نشأ بعدهم
من شيوخنا هذا المذهب، وسلكوا هذا المسلك، حتى إن أحدهم لو سئل عن
عدد الأحرف في السنن لكل سنة منها عدها عداً، ولو زيد فيها ألف أو واو
لأخرجها طوعاً ولأظهرها ديانة .
ولولاهم لدرست الآثار واضمحلت الأخبار، وعلا أهل الضلالة
والهوى، وارتفع أهل البدع والعماء، فهم لأهل البدع قامعون، بالسنن
شأنهم دامغون، حتى إذا قال وكيع بن الجراح: حدثنا النضر عن عكرمة:
ميزوا حديث النضر بن عربي من النضر الخزاز، أحدهما ضعيف والآخر
ثقة، وقد رویا جمیعاً عن عكرمة وروی و کیع عنهما، وحتى إذا قال حفص
ابن غياث: حدثنا أشعث عن الحسن ميزوا حديث أشعث بن عبد الملك من
أشعث بن سَوَّار، وأحدهما ثقة والآخر ضعيف، وقد رويا جميعاً عن
الحسن، وروی عنھما حفص بن غياٹ، وحتی إذا قال عبد الرزاق: حدثنا
عبيد الله عن نافع وعبد الله عن نافع، میزوا حديث هذا، من حديث ذاك؛
لأن أحدهما ثقة والآخر ضعيف، فإن أسقط من اسم عبيد الله (يا)) علموا أنه

٣٣٠
جهود المحدثين في مكافحة التصحيف
من حديث عبد الله بن عمر(١) ، وإذا زيد في اسم عبد الله ((يا)) قالوا هذا من
حديث عبيد الله بن عمر حتى خلصوا الصحيح من السقيم.
وإذا قال ابن عدي: حدثنا شعبة عن قتادة، وحدثنا سعيد عن قتادة،
فإذا التزق طرف الدال في بعض الكتب حتى يصير سعيدٌ شعبة خلصوه،
وقالوا ليس هذا من حديث شعبة إنما هو لسعيد، وإن انفتح من الهاء فرجة
حتى صار شعبة سعيداً ميزوه، وقالوا ليس هذا من حديث سعيد، هذا من
حديث شعبة .
وإذا كان الحديث عند ابن أبي عدي ويزيد بن زُرَيْع وغُنْدَر، عن سعيد
وشعبة جميعاً، عن قتادة میزوه حتى خلصوا ما عند يزيد بن زريع عن سعيد
عن قتادة، مما عند غندر عن شعبة عن قتادة، لأن سعيداً اختلط في آخر
عمره فليس حديث المتأخرين عنه بمستقيم، وشعبة إمام متقن ما اختلط ولا
تغير .
وإذا قال عبيد الله بن موسى: حدثنا سفيان عن منصور، وحدثنا شيبان
عن منصور ميزوا بين ما انفرد الثوري عن منصور، وبين ما انفرد شيبان عن
منصور، حتى إذا صغرت الفاء من سفيان في الكتابة، واشتبهت بشيبان
ميزوا وقالوا: هذا من حديث سفيان لا شيبان، وإذا عظمت الياء من شيبان
حتى صار شبيهاً بسفيان. قالوا هذا من حديث شيبان لا سفيان، وميزوا بين
(١) الكلام هنا غير مستقيم والصواب أن يقال ((فإن أسقط من اسم عبيد الله ((يا)) علموا أنه من
حديث عبيد الله بن عمر، وإذا زيد في اسم عبد الله (يا)) قالوا هذا من حديث عبد الله)).
وهناك احتمال آخر يستقيم به الكلام إن شاء الله وهو أن يقال سقط من هذا السياق كلمة
((ليس)) مرتين والتقدير ((علموا أنه ليس من حديث عبد الله بن عمر، وإذا زيد في اسم
عبد الله ((يا)) قالوا هذا ليس من حديث عبيد الله بن عمر)) والله أعلم.

٣٣١
التحمل والأداء
ما روى عبيد الله بن موسى، عن شيبان، عن معمر، وبين ما روى عن سفيان
عن معمر في أشباه هذا مما يكثر ذكره ... ))(١).
٣ - تقييد الرواية في الأصل حين سماعها :
إذا سمع الراوي الحديث وجب عليه تقييده في أصله، وأن لا يعتمد على
حفظه وحده؛ لأن الحفظ خوان. وإثبات الحديث في الأصل يحمي الراوي
من اللجوء إلى الرواية بالمعنى، ويؤمنه من الزيادة والنقص والتغيير
والتحريف .
فمرور الزمان على سماع الحديث، وكثرة التحمل، من شأنه أن ينسي
الراوي اللفظ الذي تحمله، فيتصرف، ويجتهد، ويتكلف في استحضار لفظ
الحديث أو معناه، وقد لا تتوفر فيه شروط الرواية بالمعنى.
وقديماً فضل المغاربة صحيح مسلم على صحيح البخاري؛ لأن البخاري
لم يكن يكتب الأحاديث التي سمعها إلا بعد مرور زمان على سماعها، كما
أنه كان يرى الرواية بالمعنى - وهو أهل لذلك.
قال ابن حجر العسقلاني: ((قلت: وما فضله به بعض المغاربة ليس
راجعاً إلى الأصحية، بل هو لأمور:
أ - أحدها: ما تقدم عن ابن حزم(٢) .
ب - والثاني: أن البخاري كان يرى جواز الرواية بالمعنى، وجواز
تقطيع الحديث من غير تنصيص على اختصاره بخلاف مسلم. والسبب في
(١) ((المجروحين)) لابن حبان ١/ ٥٧ - ٦٠.
(٢) الذي تقدم عن ابن حزم ((أنه كان يفضل كتاب مسلم على كتاب البخاري؛ لأنه ليس فيه
بعد خطبته إلا الحديث السرد)) .

٣٣٢
جهود المحدثين في مكافحة التصحيف
ذلك أمران :
أحدهما: أن البخاري صنف كتابه في طول رحلته، فقد روينا عنه أنه
قال: ((رب حديث سمعته بالشام فكتبته بمصر، ورب حديث سمعته بالبصرة
فكتبته بخراسان)» فكان لأجل هذا ربما كتب الحديث من حفظه، فلا يسوق
ألفاظه برمتها بل يتصرف فيه ويسوقه بمعناه. ومسلم صنف كتابه في بلده
بحضور أصوله، في حياة كثير من مشايخه، فكان يتحرز في الألفاظ
ويتحرى في السياق ... ))(١) .
إذاً فكتابة الحديث في أصل الراوي تعمل على صيانته، وحفظه من
التغيير والتحريف والتصحيف، خصوصاً الأحاديث التي يتغير معناها
بتغيير إعرابها وشكلها قال الخطيب البغدادي: ((ويروى عن بعض من كان
يذهب إلى وجوب اتباع اللفظ أنه كان لا يحدث إلا لمن يكتب عنه، ويكره
أن يحفظ عنه حديثه خوفاً من الوهم عليه والغلط فيه حال روايته))(٢).
٤ - حفظ الحديث :
من تمام عناية المحدثين بحديث رسول الله علّه، ومحافظتهم على لفظه
ومعناه، تنصيصهم على ضرورة حفظه بعد كتابته في أصل المحدث. والحفظ
وسيلة أخرى - بالإضافة إلى الكتابة - تعمل على تذكير الراوي باللفظ الذي
سمعه من شيخه حتى لا يقع في التغيير، أو التبديل، أو التحريف، أو
التصحيف. وإذا لم يُعْنَ الراوي بحفظ الأحاديث التي كتبها فإنه لا يؤمن
عليه التغيير، والإحالة، فقد ابتلي بعض المحدثين بوراقين أدخلوا عليهم ما
ليس من حديثهم، فنصحوا فلم يقبلوا فسقط حديثهم، مثل سفيان بن وكيع
(١) ((النكت على كتاب ابن الصلاح)) للحافظ ابن حجر ١/ ٢٨٢ -٢٨٣.
(٢) ((الجامع)) للخطيب البغدادي ٢/ ٧٥ .

٣٣٣
التحمل والأداء
ابن الجراح وغيره. وطريق صيانة وحفظ وضبط أصل الراوي من التغيير
والتبديل والزيادة والنقصان، أن يحفظ ما سمعه و کتبه في أصله.
قال أشهب: ((وسئل مالك أيؤخذ ممن لا يحفظ وهو ثقة صحيح،
أيؤخذ عنه الأحاديث؟)) فقال: ((لا يؤخذ منه؛ أخاف أن يزاد في كتبه
بالليل)»(١) .
وقال هُشَيْم: ((من لم يحفظ الحديث، فليس هو من أصحاب الحديث،
يجيء أحدهم بكتاب كأنه سجل مكاتب))(٢) .
كيفية الحفظ :
١- المذاكرة :
من الأساليب والطرق التعليمية التي ضبط بها وحفظ بها حديث
رسول الله عَّه ونقل بها إلينا - المذاكرة - فقد كان الصحابة إذا قاموا بعد
سماعهم حديث رسول الله عليه، تذاكروه فيما بينهم قصد تثبيته وترسيخه في
ذاكر تهم .
قال أنس بن مالك - رضي الله عنه -: ((كنا نكون عند النبي عليّ، فنسمع
منه الحديث، فإذا قمنا تذاكرناه فيما بيننا حتى نحفظه)) (٣).
وقال ابن عباس: ((إذا سمعتم مني حديثاً فتذاكروه بينكم)) (٤).
وعلى هذا دأب السلف الصالح من أهل الحديث بعد الصحابة .
(١) رواه الخطيب البغدادي في ((الكفاية)) ص ٢٢٧ .
(٢) رواه الخطيب البغدادي في ((الكفاية)) ص ٢٢٨ .
(٣) رواه الخطيب البغدادي في ((الجامع)) ١ / ١٦٩.
(٤) رواه الخطيب البغدادي في ((الجامع)) ١ / ١٧٠ .

٣٣٤
جهود المحدثين في مكافحة التصحيف
قال إبراهيم الأصبهاني: ((كل من حفظ حديثاً فلم يذاكر به تفلت
منه)) (١).
٢ - الأخذ بمبدأ التدرج:
وقد كان السلف من أهل الحديث يعملون بمبدأ التدرج في التعلم،
وحفظ العلم، فيحفظون ما تطيقه عقولهم، وتعيه قلوبهم مراعاة لقدراتهم
العقلية، ومواهبهم الفكرية .
قال الخطيب البغدادي: ((ولا يأخذ الطالب نفسه بما لا يطيقه، بل يقتصر
على اليسير الذي يضبطه ويحكم حفظه ويتقنه)) (٢).
ولهذا كان بعض المحدثين يحفظ خمسة أحاديث في المجلس الواحد، لا
يزيد عليها قال ابن علية: ((كنت أسمع من أيوب خمسة، ولو حدثني بأكثر
من ذلك ما أردت))(٣) .
وقال سفيان: ((كنت آتي الأعمش ومنصوراً فأسمع أربعة أحاديث، أو
خمسة ثم أنصرف كراهة أن تكثر وتفلت)) (٤).
ومنهم من كان لا يزيد على حفظ حديثين حتى يتقنهما حفظاً وفهماً.
قال شعبة: ((كنت آتي قتادة فأسأله عن حديثين، فيحدثني ثم يقول:
(١) رواه الخطيب البغدادي في ((الجامع)) ١ / ١٧١.
(٢) ((الجامع)) للخطيب البغدادي ١ / ١٦٥.
(٣) رواه الخطيب في ((الجامع)) ١/ ١٦٥ .
(٤) أخرجه الخطيب في ((الجامع)) ١ / ١٦٥. في النسخة التي حققها محمد رأفت سعيد ((أن
يكثر)) بالياء المثناة. وفي النسخة التي حققها محمود الطحان ((أن تكثر)) بالتاء المثناة أوله
٢٣٢/١.

٣٣٥
التحمل والأداء
أزيدك. فأقول: حتى أحفظهما وأتقنهما)) (١) .
وهكذا نرى أن أئمة الحديث كانوا يراعون في حمل الحديث الكيف
لا الكم .
قال هشام بن أبي عبد الله: ((كنا ربما رجعنا من عند قتادة بنصف
حديث، يحدثنا بالحديث فنحفظه. فنحفظ نصفه، ثم نعود فنحفظ نصفه من
الغد))(٢).
٣ - تقديم أحفظ الطلبة لسماع الحديث :
وإذا كان في طلبة الحديث عجز أو إبطاء عن سرعة الحفظ، استعانوا
بأنْجَبهم وأحَدِّهم ذاكرة، فقدموه ليحفظ لهم عن الشيخ، ثم يعيد عليهم
الحديث حتى يتمكنوا من حفظه بعد ذلك، كسباً للوقت وتوظيفاً لمهارة ذلك
الطالب النجيب.
قال الخطيب البغدادي: ((وإذا كان في حفظ بعض الطلبة إبطاء، قدموا
من عرفوه بسرعة الحفظ، وجودته، حتى يحفظ لهم عن الراوي، ثم يعيد
ذلك عليهم حتى يتقنوا حفظه عنه))(٣) .
وكان عطاء بن أبي رباح وأصحابه، إذا قدم جابر بن عبد الله، قدموا أبا
الزبير يتحفظ لهم (٤) .
وتدخل مهارة الحفظ في إطار المنهجية التي اعتمدها المحدثون للحد من
(١) أخرجه الخطيب في ((الجامع)) ١/ ١٦٥ -١٦٦.
(٢) أخرجه الخطيب في ((الجامع)) ١ / ١٦٨ -١٦٩.
(٣) ((الجامع)) للخطيب البغدادي ١ / ١٦٦ .
(٤) أخرجه الخطيب في ((الجامع)) ١ / ١٦٦.

٣٣٦
جهود المحدثين في مكافحة التصحيف
تفشي ظاهرة الخطأ والتصحيف في الحديث النبوي. وطريقة التدرج في
الحفظ وسيلة أخرى سلكها المحدثون لتصحيح، وتجويد ألفاظ الحديث
وأسماء الرواة .

المبحث الثاني:
آداب الأداء

إذا تتبعنا كتب المصطلح وآداب الرواية فإننا نجدها زاخرة بالآداب التي
تتعلق بأداء الحديث أكثر من آداب التحمل، وذلك لأن سوء الأداء يترتب
عليه كثير من المفاسد التي ينتج عنها التصحيف وأيضاً لأن نتائج سوء
التحمل إنما تظهر عند الأداء .
ولهذا فإننا نجد المحدثين وظفوا جميع الوسائل التي تعمل على تبليغ
الحديث إلى الطالب كما تحمّله الشيخ عن شيخه إلى رسول الله عُئه .
وقد أوردنا في هذا المبحث آداباً لم ينص المحدثون عليها ضمن آداب
الرواية، رأينا أنها تحقق للحديث حماية ووقاية من التصحيف فلا ينبغي
استغرابها بقدر ما ينبغي إدراك علاقتها بموضوع التصحيف من خلال الأمثلة
التي تضمنتها .
وأشير هنا أيضاً أنني لم أتحدث عن جميع آداب الأداء الموجودة في كتب
المصطلح وآداب الرواية، وإنما اقتصرت على ذكر ما له علاقة بموضوع
التصحيف، وأحيل القارئ الكريم على باقي تلك الآداب في مواضعها عند
أهلها .
فليطلبها من يرغبها في كتاب ((الجامع)) للخطيب البغدادي، وكتاب
((جامع بيان العلم وفضله)) لابن عبد البر، و((الإلماع)) للقاضي عياض،
و ((تذكرة السامع)) لابن جماعة وغيرها من كتب المصطلح.