النص المفهرس

صفحات 301-320

٣٠٠
التصحيف وأثره في الفقه
من كتاب المناقب
صِّلَ اللّه
امتناع الجوع عن النبي
روى ابن حبان في صحيحه عن أنس بن مالك أن النبي عَّه قال: لا
تواصلوا. قالوا: إنك تواصل. قال: إني لست كأحدكم إني أُطْعَمُ وَأُسْقِى.
ثم قال ابن حبان: ((هذا الخبر دليل على أن الأخبار التي فيها ذكر وضع
النبي عَّهِ الحَجَرَ على بطنه هي كلها أباطيل، وإنما معناه الحُجَزُ، لا الحَجَر.
والحُجَزُ طرف الإزار إذ الله جل وعلا كان يطعم رسول الله عَنَّه ويسقيه إذا
واصل، فكيف يتركه جائعاً مع عدم الوصال حتى يحتاج إلى شد حجر على
بطنه، وما يغني الحَجَر عن الجوع))(١) .
هكذا قال ابن حبان، فهو يرى أن لفظ الحديث وقع فيه تصحيف، وهي
دعوى لم يسبق إليها ابن حبان، ولا توبع عليها فيما نعلم، وكانت هذه
المسألة من شواذ ابن حبان رحمه الله، فكان ذلك سبباً في رد العلماء عليه.
والحق أن الذي ذهب إليه ابن حبان يعتبر تصحيفاً لما نقل عن
الرسول عَّ في خصوص هذه المسألة، فقد توارد المؤلفون في الزهد
والشمائل والخصائص على إيراد مثل هذه الأحاديث التي تدل على جواز
الجوع على النبي عَّه، وزينوا بها مؤلفاتهم، واعتبروها تشريفاً للرسول عَّه،
كما أن المحققين من أهل الفقه والحديث ردوا على ابن حبان مذهبه هذا.
(١) الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان ٥/ ٢٣٦ ح ٣٥٧١ كتاب الصوم: ذكر الزجر عن
الوصال في الصيام.

٣٠١
من كتاب المناقب
قال التاج السبكي بعد أن حكى كلام ابن حبان السابق: ((في هذا نظر،
وقد أخرج ابن حبان قبل هذا بأوراق يسيرة حديث ابن عباس : خرج أبو بكر
بالهاجرة ... الحديث وفيه قول النبي عَّه: ((والذي نفسي بيده ما أخرجني إلا
الجوع)».
وفي الجوع أحاديث كثيرة، والجوع لا يقتضي نقصاً، بل فيه رفعة
لدرجاته العليا عَّه، والجمع بين ذلك وقضية الوصال أنه عَّ كانت له
أحوال، بحسب ما يختاره الله تعالى له ويرتضيه، فتارة الجوع، وتارة
التقوية على الصوم، وكل حال بالنسبة إليه في وقتها أكمل وأولى))(١) .
قلت: ومن بين النصوص الأخرى التي ورد فيها ذكر الجوع وجوازه
على النبي ◌َّ وربطه الحجر على بطنه ما ورد في صحيح البخاري من
حديث جابر رضي الله عنه قال: إنا يوم الخندق مُحفرُ فعرضت كَيْدة (٢)
شديدة، فجاءوا النبي ◌َّ فقالوا: هذه كُدية عرضت في الخندق، فقال: أنا
نازل ثم قام وبطنه معصوب بحجر، ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقاً، فأخذ
النبي ◌َّهِ المعْوَل فضرب في الكدية، فعاد كثيباً أهْيَلَ أو أهْيَمَ. فقلت: يا
رسول الله ائذن لي إلى البيت. فقلت لامرأتي رأيت بالنبي عَّه شيئاً ما كان
في ذلك صبر، فعندك شيء؟ ... (٣) الحديث.
(١) طبقات الشافعية الكبرى للتاج السبكي ٢/ ١٤٢.
(٢) بفتح الكاف وسكون التحتانية هي القطعة الشديدة الصلبة من الأرض. راجع الفتح ٧/
٣٩٦.
(٣) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ٧/ ٣٩٥ ح ٤١٠١ كتاب المغازي: باب غزوة
الخندق. وأخرجه أيضاً وكيع بن الجراح في الزهد ١/ ٣٤٩ ح ١٢٤ (باختصار)،
والدارمي في السنن ١ / ٢٦ (المقدمة): باب ما أكرم به النبي عَّه في بركة طعامه (بسياق
أتم). وأحمد بن حنبل في المسند ٣/ ٣٠٠ - ٣٠١ باختصار.

٣٠٢
التصحيف وأثره في الفقه
ومن تلك الأحاديث أيضاً ما رواه البخاري في صحيحه من حديث
أنس بن مالك قال: قال أبو طلحة لأم سُليم: لقد سمعت صوت رسول الله
عَّه ضعيفاً أعرف فيه الجوع فهل عندك من شيء؟(١) الحديث.
ومنها أيضاً حديث أبي طلحة قال: شكونا إلى رسول الله عَّه الجوع
ورفعنا عن بطوننا عن حَجَر حَجَر، فرفع رسول الله عَّه عن حجرين(٢) .
وأما الفائدة من ربط الحجر على البطن فقد أجاب عنها الحافظ ابن حجر
قائلاً: ((وفائدة ربط الحجر على البطن أنها تضمر من الجوع فيخشى على
انحناء الصلب بواسطة ذلك: فإذا وضع فوقها الحجر وشد عليها العصابة
استقام الظهر. وقال الكرماني: لعله لتسكين حرارة الجوع ببرد الحجر،
ولأنها حجارة رقاق قدر البطن تشد الأمعاء فلا يتحلل شيء مما في البطن فلا
يحصل ضعف زائد بسبب التحلل)»(٣) .
وخلاصة الكلام في هذه المسألة أن هذا التصحيف الذي ادعاه ابن حبان
باجتهاد منه نشأ عنه القول بامتناع الجوع على النبي عَّه، والأحاديث في هذا
الباب متواردة على جواز ذلك عليه عمله، والعلماء ذهبوا إلى ذلك، ومقام
النبوة والأسوة يقتضي ذلك في حقه عَّهِ، فهو المربي المعلم الصابر المحتسب
الشاكر على المكروه، ولنا فيه أسوة حسنة.
(١) أخرجه البخاري في صحيحه ٩/ ٥٢٦ ح ٥٣٨١ كتاب الأطعمة: باب من أكل حتى
شبع .
(٢) أخرجه الترمذي في السنن ٤/ ٥٥٨ ح ٢٣٧١ كتاب الزهد: باب ما جاء في معيشة
أصحاب النبي وفي الشمائل ص ٢٨٩ ح ٣٥٣ وفي إسناده سيار بن حاتم قال الحافظ ابن
حجر: ((صدوق له أوهام)).
(٣) فتح الباري ٧/ ٣٩٦.

٣٠٣
من كتاب الزهد
من كتاب الزهد
الزهد في المال
عن عبد الله (بن مسعود) قال: سمعت رسول الله عَّه يقول: ((الغناء ينبت
النفاق في القلب،(١) .
استدل بالحديث بعض الصوفية على ذم المال بعد أن صحفوه فرووه
بالقصر «الغنى)).
قال ابن حجر العسقلاني: ((قال بعض الصوفية: إنما المراد بالغناء هنا
غنى المال، ورده بعض الأئمة بأن الرواية إنما هي الغناء بالمد، وأما غنى المال
فهو مقصور.
قلت: ويدل عليه حديث ابن مسعود الموقوف فإن فيه: ((والذكر ينبت
الإيمان في القلب، كما ينبت الماء البقل))، ألا تراه جعل ذكر الله مقابلاً
للغناء، لكونه ذكر الشيطان، كما قابل الإيمان بالنفاق))(٢).
قال المناوي: ((ذهب بعضهم إلى أن لفظة الغنى بالقصر وأن المراد غنى
المال الذي هو ضد الفقر، وصوب بعض الحفّاظ أنه بالمد وأن المراد به التغنى،
ولذلك أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب ((ذم الملاهي))(٣)).
ومما يدل على أن المراد به التغني ما ورد عند أبي داود حیث قال: حدثنا
(١) أخرجه أبو داود ٥/ ٢٢٣ ح ٤٩٢٧ كتاب الأدب: باب كراهية الغناء والزمر.
(٢) ((التلخيص الحبير)) ٤/ ٢٠٠.
(٣) ((فيض القدير شرح الجامع الصغير)) للمناوي ٤/ ٤١٣.

٣٠٤
التصحيف وأثره في الفقه
مسلم بن إبراهيم، قال: حدثنا سلام بن مسكين، عن شيخ شهد أبا وائل في
وليمة، فجعلوا يلعبون، يتلعبون، يغنون فحل أبو وائل حُبْوَتَه وقال:
سمعت عبد الله يقول: سمعت رسول الله عليه يقول: ((الغناء ينبت النفاق في
القلب، (١) .
فهذا أبو وائل راوي الحديث استدل به على تحريم الغناء، وراوي الحديث
أدرى بما روى وبما حمل من غيره.
فإذا عرفنا وتبينا أن الصواب في هذا الحديث هو ((الغناء» بالمد من التغني
فلا يصح الاستدلال به على الزهد في المال.
وهكذا نرى أن التصحيف الذي ألحقه بعض الصوفية بلفظ الحديث نشأ
عنه فهم خطأ واستدلال مغلوط .
ولا شك أن السبب في هذا التصحيف هو قلة المعرفة والعناية بشأن
الحديث ومجالسة الشیوخ لسماعه وتصحيحه.
كما أن بتر الحديث وفصله عن السياق الذي ورد فيه يمكن أن يترتب عليه
التصحيف في لفظ الحديث أو معناه.
فتلك إحدى وعشرون مسألة فقهية في أبواب متفرقة، عمل بمقتضاها
بعض العلماء اعتماداً على نصوص مصحفة، فكان من نتائج ذلك توسيع
دائرة الخلاف بين فقهاء الإسلام.
ومن خلال هذه الأمثلة للأحاديث التي وقع تصحيف في متونها، فعمل
بالمعنى المصحف بعض الفقهاء أستطيع أن أقول:
إن التصحيف أحد أسباب الخلاف بين الفقهاء ولم أجد من نبه على هذا
(١) سنن أبي داود ٥/ ٢٢٣ ح ٤٩٢٧ والحديث ضعيف لجهالة الشيخ الذي أبهم فيه .

٣٠٥
من كتاب الزهد
الأمر من الذين ألفوا في أسباب الخلاف الفقهي .
تلك هي أهم الآثار المترتبة على التصحيف من الناحية الحديثية
والفقهية .
ولا شك أن هذه الآثار تركت مخلفاتها العلمية في مجال الحديث وفي
مجال الفقه حيث حكم بعض المحدثين على أحاديث - خطأ - بناء على
تصحيفات وقعت في بعض ألفاظ الجرح والتعديل، أو في أسماء بعض
الرواة، أو في بعض صيغ التحديث، كما نشأ عن التصحيف في أسماء
الرواة أحكام حديثية أخرى كالجمع والتفريق، أو الزوائد في علم الرجال.
وفي مجال الفقه أحدث بعض الفقهاء أحكاماً فقهية بناء على أحاديث
مصحفة، فكان من نتائج ذلك شذوذ عن رأي جمهور فقهاء الإسلام.
ومهما يكن الأمر يبقى لتلك الأقوال أثرها في الفقه الإسلامي.
ولا شك أن بعض تلك الأحكام لا يزال عليه العمل عند بعض المسلمين
اليوم. ولكن هل كان بإمكان أولئك الفقهاء تجنب الوقوع في مثل تلك
التصحيفات؟ سؤال يجيب عنه الباب الأخير من هذا البحث.
وقبل تفصيل ذلك أقول: إن اتباع المنهج الذي رسمه المحدثون في تحمل
الأخبار، وأدائها، وشرائط ذلك، ووسائله، واعتماد طرق توثيق الكتاب -
كفيل بأن يحد من ظاهرة التصحيف، وأثرها البالغ في تغيير الأحكام.
كما أن جهود المحدثين في التنبيه والتحذير من التصحيف عبر العصور
من شأنها أن توقظ همة الغافل، وتشد انتباه النبيه إلى تجنب الوقوع في
التصحيف .
إن تلك الجهود التي واجه بها المحدثون ظاهرة التصحيف لجديرة

٣٠٦
التصحيف وأثره في الفقه
بالتأمل والتقصي والتدبر، وذلك لما تقدمه للأصل الثاني للتشريع - وهو
السنة - من الحفظ والصيانة والاستمرار، ومن أجل ذلك فإننا خصصنا باباً
كاملاً لتتبعها واستقصائها أوردنا فيه كل ما رأينا له علاقة بالمحافظة على
الحديث من التصحيف، سواء نص على ذلك المحدثون، أو اهتدينا إليه
بطول النظر والتأمل العميق لبعض أنواع علوم الحديث. وتفصيل ذلك فيما
يأتي.

الباب الرابع
جهود المحدثين
في مكافحة التصحيف
-

الفصل الأول
التحمل والأداء
-

المبحث الأول:
ضرورة التحمل المباشر

م

الحديث علم يعتمد أساساً على السماع والرواية، ولا مجال فيه للقياس
أو الاجتهاد. وحتى يتم حفظه وصيانته من التغيير والتبديل، وضع
المحدثون القوانين الضابطة لتلقيه وروايته.
قال أستاذنا الفاضل الدكتور فاروق حمادة: ((لقد كان لضبط طرق تحمل
الحديث بصفة خاصة، وتحمل المعرفة الإسلامية بصفة عامة شأن كبير عند
المسلمين. فقد أولوا ذلك أهمية كبيرة، وذلك بتحديدها والتزامها، واعتماد
ما يدل على الاتصال والتلقي المباشر. لأن التلقي المباشر له آثار مهمة جداً.
فهو يحفظ المعرفة من التصحيف والتحريف اللذين يقع فيهما من يأخذ من
الصحف، ولا يلقى العلماء، ويحفظ المعرفة، أفكاراً وكتباً من الانتحال
والتزوير، ويقيها نسبتها إلى غير أصحابها؛ وكأثر مباشر لهذا يندر أن تجد
كتاباً من کتب الحدیث بشتی فنونه قد نسب إلی غیر صاحبه، خلاف علوم
التفسير والفقه والأصول، والتاريخ وغيرها.
والتلقي المباشر يقوي الحركة العلمية في أرجاء الأمة الإسلامية، ولهذا
كانت القرون الأولى الثلاثة أزهى عصور المعرفة لتأثرها بتيار المحدثين الذين
لا يعتمدون إلا التلقي المباشر. ويأخذون غيره في غاية الحذر والحيطة، وكان
للرحلة في طلب الحديث آثار مهمة في أطراف البلاد الإسلامية ونتائج بالغة
في جميع نواحي الحياة))(١).
(١) ((المنهج الإسلامي في الجرح والتعديل)) للدكتور فاروق حمادة ص ٢٣٨.

...... ..

٣١٥
التحمل والأداء
المطلب الأول
سن التحمل
اختلف السلف من المحدثين في السن التي يصح فيها تحمل الراوي
للحديث: فمنهم من قال: ((خمس سنوات))، ومنهم من قال: ((ثلاثين
سنة)). وبين القولين أقوال كثيرة.
ومن خلال استعراض الأدلة والحجج التي استند إليها كل فريق يتبين أن
السبب في اختلافهم هو اختلافهم في تحديد سن التمييز. ولا خلاف بينهم
أن الأساس والمعيار المعتبر في التحمل هو التمييز والضبط والاستيعاب
لألفاظ أحاديث الرسول عليه. فمتى حصل التمييز والضبط كان دليلاً على
صحة تحمل الراوي، ومتى عدم وفقد ذلك لم يصح تحمل الراوي مهما
كانت سنه. ألا ترى إلى ردهم رواية المختلط .
ومحمود بن الربيع الذي عقل المجة التي مجها الرسول عَ﴾ في وجهه،
وهو ابن خمس، وعمرو بن سَلمَة، وغيرهما من فتيان الصحابة، قبل
المحدثون روايتهم لضبطهم وحدّةً حافظتهم.
قال القاضي عياض: ((وقد حدد أهل الصنعة في ذلك أن أقله سن
محمود بن الربيع ... ولعلهم إنما رأواهذا السن أقل ما يصح به الضبط
وعقل ما يسمع وحفظه، وإلا فمرجوع ذلك للعادة، ورُب بليد الطبع غبي
الفطرة لا يضبط شيئاً فوق هذا السن، ونبيل الجبلة ذكي القريحة يعقل دون
هذا السن))(١) .
(١) ((الإلماع)) للقاضي عياض ص ٦٢ و ٦٤ .

٣١٦
جهود المحدثين في مكافحة التصحيف
فاشتراط المحدثين - رضي الله عنهم - سناً معينة مهما كانت، للتحمل -
أساسها حصول التمييز والضبط للألفاظ النبوية - يدل على مدى دقتهم،
واحتياطهم، ومحافظتهم، وصيانتهم للحديث النبوي أن يلحقه تغيير، أو
تبديل أو تصحيف أو تحريف.
:٠

٣١٧
التحمل والأداء
المطلب الثانى
طرق التحمل
طرق تحمل الحديث كثيرة، تجمعها ثمانية ضروب، وكل ضرب منها له
فروع وشعوب.
أولها: ((السماع من لفظ الشيخ)).
وثانيها: ((القراءة عليه)) .
وثالثها: ((المناولة)).
ورابعها: ((الكتابة)).
وخامسها: ((الإجازة)).
وسادسها: ((الإعلام للطالب بأن هذه الكتب روايته)) .
وسابعها : «وصیته بکتبه له)).
وثامنها: ((الوقوف على خط الراوي فقط)).
وتفاصيل هذه الضروب في كتب المصطلح. وسنتناول منها ما له علاقة
بحفظ الحديث من وقوع التحريف والتصحيف فأولها:
السماع من لفظ الشيخ :
من أهم وأوثق المصادر التي يعتمدها طالب الحديث في التحمل، أن
يسمع من لفظ الشيخ. وهذه هي أرفع وأعلى مراتب التحمل؛ لأن الشيخ
أدرى وأعرف بمروياته. وهذا الطريق هو أشهر الطرق، وبه تحمل الصحابة
عن الرسول عَّه. وهو أبعد الطرق عن الوقوع في الخطأ والتصحيف.

٣١٨
جهود المحدثين في مكافحة التصحيف
والسماع إما أن يكون ((إملاء أو تحديثاً، وسواء كان من حفظه أو القراءة
من کتابه))(١) .
والإملاء أعلى رتبة من التحديث - من غير إملاء - لأن الإملاء يتطلب
شدة التحري ودقة الضبط ونهاية التحقيق من الشيخ والتلميذ.
قال السخاوي: ((ومن فوائده - يعني الإملاء - اعتناء الراوي بطرق
الحديث وشواهده ومتابعه وعاضده بحيث بها يتقوى، ويثبت لأجلها حكمه
بالصحة أو غيرها، ولا ينزوي، ويترتب عليها إظهار الخفي من العلل،
ويهذب اللفظ من الخطأ والزلل، ويتضح ما لعله يكون غامضاً في بعض
الروايات، ويفصح بتعين ما أبهم أو أهمل أو أدرج، فيصير من الجليات،
وحرصه على ضبط غريب المتن والسند، وفحصه عن المعاني التي فيها نشاط
النفس بأم(٢) المستند، ويبعد (٣) السماع فيها عن الخطأ والتصحيف، الذي
قل أن يعرى عنه لبيب أو حصيف، وزيادة التفهم والتفهيم لكل من حضر،
من أجل تكرر المراجعة في تضاعيف الإملاء والكتابة والمقابلة على الوجه
المعتبر ... )) (٤).
القراءة على الشيخ أو العرض :
وهي أن يقرأ الراوي أو غيره من كتاب، أو من حفظ، والشيخ حافظ لما
يقرأ عليه، أو ماسك بأصله، ويسمى هذا النوع أيضاً عرضاً.
ويدخل هذا الضرب من التحمل ضمن العملية التقويمية التي يهدف
(١) ((الإلماع)) للقاضي عياض ص ٦٩ .
في المطبوع (يأتم) بالياء المثناة التحتية وهو تصحيف مطبعي.
(٢)
في المطبوع (ويعد) بالياء المثناة التحتية وهو تصحيف مطبعي.
(٣)
(٤) ((فتح المغيث)) للسخاوي ٢/ ٣٣٤.

٣١٩
التحمل والأداء
الراوي من خلالها إلى تقويم أخطائه، أو تصحيح ما يمكن أن يحفظه على
التصحيف أو التحريف .
قال شيخنا الدكتور فاروق حمادة: ((القراءة على الشيخ، ويسميها أكثر
المحدثين العرض، لأن الطالب يعرض على المحدث ما يقرؤه. ويشترط في
القارئ أن يكون ممن يعرف ويفهم، ويشترط في الشيخ أن يكون بحيث لو
وقع من القارئ تحريف أو تصحيف لرده، وإلا لا يصح التحمل عنه))(١) .
قال الإمام البخاري رحمه الله: ((القراءة والعرض على المحدث. ورأى
الحسن والثوري ومالك القراءة جائزة. واحتج بعضهم في القراءة على
العالم بحديث ضمام بن ثعلبة قال للنبي عَّه: الله أمرك أن تصلي الصلوات؟
قال: نعم. قال: فهذه قراءة على النبي ◌ّ أخبر ضمام قومه بذلك فأجازوه))
ثم أسند البخاري رحمه الله حديث ضمام بتمامه (٢) .
(١) ((المنهج الإسلامي في الجرح والتعديل)) للدكتور فاروق حمادة ص ٢٤٠ .
(٢) فتح الباري ١ / ١٤٨ ح ٦٣ كتاب العلم: باب ما جاء في العلم وقوله تعالى: ﴿وقل رب
زدني علماً ﴾ .