النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٨٢
التصحيف وأثره في الفقه
فهذا نموذج آخر من التصحيف في متن الحديث وما ترتب عليه من
خلاف بين جمهور أهل السنة - الذين تقرر عندهم أن الأنبياء لا يورثون وأن
ما تركوه فهو صدقة - وبين الشيعة الذين شذوا بهذا الرأي عن سواد الأمة.
ومهما يكن الأمر فقول الشيعة مهجور عند علماء الأمة، وليس هذا أول
خلاف ینفردون به عن جمهور الأمة.

٢٨٣
من كتاب الشركة
من كتاب الشركة
منع القُرْعَة
عن عبيد الله أخبرني عمر بن نافع عن أبيه عن ابن عمر أن رسول الله عَليه
نهى عن الفَزَع(١) .
قال: قلت: النافع وما القَزَع. قال: يُحْلَقُ بعض رأس الصبي ويُتْرَك
بعض (٢).
قال النووي: ((القَزَع بفتح القاف والزاي، وهذا الذي فسره به نافع أو
عبيد الله هو الأصح، وهو أن القزع حلق بعض الرأس مطلقاً، ومنهم من قال
هو حلق مواضع متفرقة منه، والصحيح الأول لأنه تفسير الراوي، وهو غير
مخالف للظاهر فوجب العمل به.
وأجمع العلماء على كراهة القزع إذا كان في مواضع متفرقة إلا أن يكون
لمداواة ونحوها، وهي كراهة تنزيه. وكرهه مالك في الجارية والغلام مطلقاً.
وقال بعض أصحابه: لا بأس به في القصة والقفا للغلام. ومذهبنا كراهته
مطلقاً للرجل والمرأة لعموم الحديث ... ))(٣).
(١) القَزَع بالقاف والزاي المفتوحتين والعين المهملة آخره.
(٢) الحديث أخرجه البخاري ١٠/ ٣٦٤ ح ٥٩٢١ كتاب اللباس: باب القزع. ومسلم ١٤ /
١٠٠ (واللفظ أعلاه لفظه) كتاب اللباس والزينة: باب كراهة القزع. وأبو داود ٤/ ٤١٠
ح ٤١٩٣ - ٤١٩٤ كتاب الترجل: باب الذؤابة. والنسائي في سننه الصغرى ٨/ ١٣٠
كتاب الزينة: النهي عن القزع.
(٣) شرح النووي على مسلم ١٤ / ١٠١.

٢٨٤
التصحيف وأثره في الفقه
هذه أقوال الفقهاء في معنى الحديث والحكم الذي أفاده، وقد وقع
لبعض الفقهاء من أهل الرأي في هذا الحديث تصحيف فأحال معناه وغيِّر
حکمه، فاستدل به في غير محله، وهو بشر بن یحیی بن حسان الذي ناظر
إسحاق بن راهويه في حكم القرعة، فاستدل على إسحاق بن راهويه على
عدم جوازها بهذا الحديث حينما صحفه وقرأه (القُرعَ) بضم القاف وفتح
الراء المهملة - جمع قرعة(١) .
والصواب أن النهي في هذا الحديث منصب على القَزَع بالقاف والزاي
المفتوحتين كما سبقت الإشارة إلى ذلك عن النووي .
وأعلم أن القول بعدم مشروعية القرعة من مذهب بعض الحنفية. قال
ابن حجر العسقلاني: ((ومشروعية القرعة مما اختلف فيه، والجمهور على
القول بها في الجملة، وأنكرها بعض الحنفية، وحكى ابن المنذر عن أبي حنيفة
القول بها))(٢).
ومن تلك الأدلة التي تفيد مشروعية القرعة :
١ - حديث النعمان بن بشير عن النبي عَّه قال: ((مثل القائم على حدود الله
والواقع فيها كمثل قوم استَهَموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم
أسفلها ... ) الحديث(٣). والاستهام: الاقتراع.
٢ - حديث أن عثمان بن مظعون طار له سهمه في السكنى حين اقترعت
الأنصار سكنى المهاجرين، قالت أم العلاء: فسكن عندنا عثمان بن مظعون،
(١) أخرج القصة الخطيب البغدادي في ((الكفاية)) ص ١٦٣ وقد تقدمت في ص ٥٧ -٥٨ .
(٢)
فتح الباري ٥/ ٢٩٣ - ٢٩٤.
(٣) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ٥/ ١٣٢ ح ٢٤٩٣ كتاب الشركة: باب هل يقرع
في القسمة؟ والاستهام فيه .

٢٨٥
من كتاب الشركة
فاشتكى فمرضناه ... الحديث(١).
٣ - حديث عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله عَّه إذا أراد سفراً
أفْرَع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه ... الحديث(٢).
٤ - حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله عَّه قال: ((لو يعلم الناس
ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يَسْتَهِموا عليه لاستهموا ... ) الحديث(٣).
وللعلماء ضوابط في العمل بالقرعة ليس هذا محل تفصيلها .
والمقصود هنا أن هذه الأدلة صالحة للدلالة على مشروعية القرعة في
الجملة كما سبق عن الحافظ ابن حجر العسقلاني.
أما ما استدل به بشر بن يحيى بن حسان على عدم مشروعيتها، فلا
يصلح لأنه لفظ مصحف. فلا يصح حجة تقوي مذهب القائلين بعدم
مشروعية القرعة .
فانظر إلى آفة التعصب المذهبي كيف أعمت بصر هذا العالم عن إبصار
الصواب وإدراك الحق. وانظر أيضاً إلى الاعتماد على الكتاب في التحمل
وقلة العناية بعلم الحديث كيف ترتب عليهما التصحيف في لفظ هذا الحديث
حتى استعمل في غير محله.
(١) أخرجه البخاري في الصحيح ٥/ ٢٩٣ ح ٢٦٨٧ كتاب الشهادات باب القرعة في
المشكلات .
(٢) أخرجه البخاري أيضاً في الصحيح ٥/ ١٩٣ ح ٢٦٨٨ كتاب الشهادات: باب القرعة في
المشكلات.
(٣) أخرجه البخاري في الصحيح ٥/ ٢٩٣ ح ٢٦٨٩ كتاب الشهادات: باب في القرعة في
المشكلات .

٢٨٦
التصحيف وأثره في الفقه
من كتاب الطب
تدمية رأس المولود
قال أبو داود: ((حدثنا حفص بن عمر النمري، حدثنا همام، حدثنا
قتادة، عن الحسن عن سَمُرَة عن رسول الله عَّهِ قال: ((كل غلام رهينة بعقيقته
تذبح عنه يوم السابع ويحلق رأسه ويدمّى))(١) .
فكان قتادة إذا سئل عن الدم كيف يصنع به؟ قال: إذا ذبحت العقيقة
أخذت منها صوفة واستقبلت به أوداجها، ثم توضع على يافوخ الصبي حتى
يسيل على رأسه مثل الخيط، ثم يغسل رأسه بعد ويحلق.
قال أبو داود: وهذا وهم من همام ((ويُدَمّى)).
[قال أبو داود: خولف همام في هذا الكلام، وهو وهم من همام، وإنما
قالوا: ((یسمی)) فقال همام ((یدمی)).
قال أبو داود: وليس يؤخذ بهذا]))
وقال أيضاً: حدثنا ابن المثنى حدثنا ابن أبي عدي عن سعيد عن قتادة
عن الحسن عن سمرة بن جندب أن رسول الله عَّه قال: ((كل غلام رهينة
.(٢)
بعقيقته، تذبح عنه يوم سابعه، ويحلق ويسمى))
٠
(١) سنن أبي داود ٣/ ٢٥٩ ح ٢٨٣٧ كتاب الأضاحي باب في العقيقة وأخرجه أيضاً الإمام
أحمد في مسنده ٥/ ١٧ و٢٢ من طريق همام به .
(٢) سنن أبي داود ٢/ ٢٦٠ ح ٢٨٣٨ (كتاب الأضاحي: باب في العقيقة). وأخرجه أيضاً
الترمذي ٤ / ١٠١ ح ١٥٢٢ (كتاب الأضاحي: باب من العقيقة) ذكر سنده وأحال على =

٢٨٧
من كتاب الطب
قال أبو داود: ((ويسمى أصح كذا قال سلام بن أبي مطيع، عن قتادة
وإياس بن دَغْفَل وأشعث، عن الحسن قال: ((ويسمى)) ورواه أشعث عن
الحسن عن النبي ◌َّه ((ويسمى)).
قال الحافظ ابن حجر رداً على قول أبي داود: ويدمى غلط من همام
(«قلت: يدل على أنه ضبطها أن في رواية بهز عنه ذكر الأمرين التدمية
والتسمية (١) ، وفيه أنهم سألوا قتادة عن هيئة التدمية(٢) فذكرها لهم، فكيف
يكون تحريفاً من التسمية، وهو يضبط أنه سأل عن كيفية التدمية ... ))(٣).
قلت: وقد تابع هماماً على التدمية حماد بن سلمة روى ذلك الطحاوي
قال: «حدثنا محمد بن خزيمة، ثنا حجاج بن منهال، حدثنا حماد بن سلمة
حدثنا قتادة عن الحسن، عن سمرة قال: قال رسول الله عَّه: ((كل غلام رهين
بعقيقة تذبح عنه يوم سابعه، ويحلق رأسه ويدمى)))) (٤)، قلت: فهذا يدل على أن
التدمية واردة عن قتادة .
قال ابن القيم: ((فإن كان لفظ التدمية هنا وهماً فهو من قتادة، أو من
الحسن، والذين أثبتوا لفظ التدمية قالوا إنه من سنة العقيقة، وهذا مروي عن
الحسن وقتادة))(٥) .
قلت: الحسن بريء من هذا فقد روى أبو بكر بن أبي شيبة من طريق
= لفظ سابق، والنسائي ٧/ ١٦٦ (كتاب العقيقة: باب متى يعق)، وابن ماجه ٢ / ١٠٥٦
(كتاب الذبائح: باب العقيقة)، وأحمد في المسند ٥/ ١٢ .
(١) أخرج ذلك أحمد في المسند ٥/ ٨.
(٢) في الأصل المطبوع ((من هية التدمية)) وهو تصحيف.
(٣) التلخيص الحبير ٤/ ١٤٦ ح: ١٩٨٢.
(٤) مشكل الآثار للطحاوي ١/ ٤٥٣ .
(٥) زاد المعاد ٢ / ٣٢٧.

٢٨٨
التصحيف وأثره في الفقه
عبد الأعلى، عن هشام عن الحسن ومحمد أنهما كانا يكرهان أن يطلى رأس
الصبي من دم العقيقة، وقال الحسن: رجس(١).
وروى الطحاوي بإسناد جيد عن الحسن التسمية كما سيأتي
لفظه قريباً (٢).
إذن فرواية لفظ التدمية ألصَقُ بقتادة منها بالحسن، خصوصاً إذا أضفنا
إلى ما سبق ما ورد عن قتادة من تفسير التدمية.
إذا عرفنا هذا فقد ورد عن جمهور العلماء كراهة التدمية. قال ابن
القيم: ((وأما قوله ((ويدمى)) فقد اختلف في هذه اللفظة، فرواها همام بن
يحيى(٣) عن قتادة، فقال: ويدمى. وفسرها قتادة بما تقدم حكايته، وخالفه
في ذلك أكثر أهل العلم وقالوا: هذا من فعل الجاهلية، وكرهه الزهري
ومالك والشافعي وإسحاق ... )) (٤) .
قلت: ويدل على أن لفظ ((ويدمى)) محرف عن ((ويسمى)) أمور :
أولها: تردد قتادة فيه: فقد ورد عنه بلفظ ((ويدمى)) كما سبق وبلفظ
((ويسمى)) وقد تقدم تخريجه أيضاً .
ثانيها : أن التدمية من عمل الجاهلية كما نطقت بذلك النصوص.
فعن بريدة بن الحُصَيْب(٥) قال: كنا في الجاهلية إذا ولد لأحدنا غلام ذبح
(١) المصنف لأبي بكر بن أبي شيبة ٥/ ٦١ ح ٢٣٦٩٩ (كتاب الطب: في دم العقيقة يطلى به
الرأس) وقد ذكر العلماء أن في رواية هشام بن حسان عن الحسن مقالا .
(٢) مشكل الآثار ١/ ٤٥٣ .
(٣) في تحفة المودود ص ٤٧ ((همام عن يحيى)) وهو تصحيف واضح.
(٤) تحفة المودود بأحكام المولود ص ٤٧ .
(٥) ابن الحصيب بضم المهملة مصغراً.

٢٨٩
من كتاب الطب
شاة ولطخ رأسه بدمها، فلما جاء الله بالإسلام كنا نذبح شاة ونحلق رأسه
ونلطخه بزعفران(١) .
وله شاهد من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: كانوا في الجاهلية إذا
عقوا عن الصبي خضبوا قطنة بدم العقيقة، فإذا حلقوا رأس الصبي وضعوها
على رأسه فقال النبي عَّهُ: ((اجعلوا مكان الدم خَلوقاً)(٢).
ثالثها: ((أن النبي ◌َّ عق عن الحسن والحسين كبشاً كبشاً))(٣) ولم
ور ◌ٌ
يُدَمِّهمَا .
ورابعها: عن يزيد بن عبد الله أن النبي عَّه قال: ((يعق عن الغلام ولا يمس
رأسه بدم» (٤) .
خامسها: أن التدمية أذى، فقد ثبت علمياً أن الدم وسط تتكون فيه
المكروبات بسرعة. والرسول عَّ يقول: (( ... وأميطوا عنه الأذى،(٥).
(١) أخرجه أبو داود في سننه ٣/ ٢٦٣ ح ٢٨٤٣ (كتاب الأضاحي: باب في العقيقة)،
والطحاوي في مشكل الآثار ١ / ٤٥٦ وفي إسناده الحسين بن واقد قال فيه ابن حجر : ثقة
له أوهام.
(٢) أخرجه ابن حبان في صحيحه بإسناد رجاله ثقات (الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان
٧/ ٣٥٥ ح ٥٢٨٤ كتاب الأطعمة باب العقيقة).
والخَلُوق: ما يتخلق به من الطيب. قال بعض الفقهاء: وهو مائع فيه صفرة. انظر المصباح
المنير ص ٦٩ .
(٣) أخرجه أبو داود ٣/ ٢٦١ ح ٢٨٤١ (كتاب الأضاحي: باب في العقيقة) عن ابن عباس
وإسناده صحيح.
(٤) أخرجه ابن ماجه ٢/ ١٠٥٧ ح ٣١٦٦ كتاب الذبائح باب العقيقة وقال البوصيري:
«إسناده حسن)) .
(٥) أخرجه البخاري تعليقاً (٩/ ٥٩٠ ح ٥٤٧٢ كتاب العقيقة: باب إماطة الأذى عن
الصبي) من حديث سلمان بن عامر الضبي، ووصله أبو داود ٣/ ٢٦١ ح ٢٨٣٩ (كتاب
الأضاحي: باب في العقيقة)، والترمذي ٤/ ٩٧ ح ١٥١٥ (كتاب الأضاحي: باب الأذان
في أذن المولود)، وأحمد في المسند ٤/ ١٧ - ١٨ والنسائي ٧ / ١٦٤ (كتاب العقيقة باب : =

٢٩٠
التصحيف وأثره في الفقه
قال ابن المنذر: ((ثبت أن النبي عَّه قال: ((أهريقوا عليه دماً وأميطوا عنه
الأذى))، والدم أذى، وهو من أكبر الأذى، فغير جائز أن ينجس رأس الصبي
بالدم)) (١) .
قلت: سبق النقل عن ابن أبي شيبة أنه أخرج عن الحسن ومحمد أنهما
كانا يكرهان أن يطلى رأس الصبي من دم العقيقة، وأن الحسن قال فيه:
((رجس)). وقد أخرج ذلك ابن أبي شيبة رحمه الله في كتاب الطب فدل ذلك
علی فقهه وقوة استنباطه رحمه الله.
ودونك الآن ما قاله أهل الطب عن كون الدم أذى. قال الدكتور محمد
ناظم النسيمي: «إنه من المقرر طبياً أن الدم أصلح الأوساط لنمو شتى
الجراثيم، وأنسب مكان لتكاثرها، وأحسن الأوساط لانتشارها، إذ يعتبر
أطيب غذاء لهذه الكائنات وأفضل تربة لنموها ...
وتستعمل المخابر الجرثومية الدم لهذا الغرض لتحصل على مستعمرات
من الجراثيم في بضع ساعات. أما كيف تصل الجراثيم القاتلة إلى الدم؟ فإن
الدم بمجرد نزوله من الحيوان سواء أكان ذلك بالذبح أو الفصد (٢) ، فإنه
ينعزل عن الأوعية الدموية التي تحفظه أثناء الحياة، وتفقد كريات الدم
البيضاء وظيفتها التي أشرنا إليها(٣) ، ويصبح الدم بعد ذلك عرضة للجراثيم
المنتشرة في اليد وفي السلاح المستعمل للذبح وفي الآنية التي يستقبل فيها،
بل توجد الجراثيم في الأرض وفي الهواء الذي يتعرض له الدم والذي يحمل
جراثيم التعفن وسائر الأحياء القاتلة .
= العقيقة عن الغلام) وابن ماجه ٢/ ١٠٥٦ ح ٣١٦٤ (كتاب الذبائح: باب العقيقة)
وإسناده صحيح.
(١) تحفة المودود لابن القيم ص ٤٩.
(٢) الفصد بفتح الفاء وسكون الصاد هو: شق العرق من أجل استخراج الدم.
(٣) وظيفة الكريات البيض هي الدفاع عن الجسم ضد الجراثيم أثناء الحياة.

٢٩١
من كتاب الطب
وبدهي أن الضرر البالغ الناشئ عن انتشار الجراثيم المذكورة ليس قاصراً
على العدوى فحسب؛ بل إن فيما تفرزه من السموم (توكسين) ما يعد من
أشد الأخطار لأن سموم الجراثيم هي في الغالب أشد مقاومة لحرارة الطبخ
من الجراثيم ذاتها))(١) .
وقال أيضاً: ((وإضافة إلى ذلك فإن الدم - كما سبق بيانه - يحمل
فضلات الجسم وهو وسط صالح لنمو شتى الجراثيم، يفسد بسرعة ويصبح
ضاراً مؤذياً ولذا حرمه الشارع الحكيم ... ))(٢).
سادسها: أن قتادة خولف في التدمية؛ خالفه أشعث بن عبد الملك.
أخرج ذلك الطحاوي بإسناد جيد من طريق أحمد بن محمد حدثنا بكار
ابن قتيبة حدثنا قريش بن أنس حدثنا أشعث عن الحسن أن رسول الله معتدلة
قال: ((الغلام مرتهن بعقيقته - أو قال بعقيقة - تذبح عنه يوم السابع ويحلق رأسه
ویسمی».
قال الطحاوي: قال قريش: وأنبأنا حبيب بن الشهيد أن ابن سيرين أمره
أن يسأل الحسن ممن سمع حديثه في العقيقة قال: فسأله فقال: سمعت من
سَمُرة(٣) .
وخلاصة القول هنا أن التصحيف الذي وقع في لفظ الحديث حيث
صار ((ويدمى)) كان من نتائجه أن قال بمقتضاه بعض العلماء، وجعل ذلك
من السنة أعني تدمية رأس المولود، وهي سنة جاهلية جاء الإسلام لمحوها
لأنها تخالف نصوص الشرع، ولأنها مضرة بالمولود كما أثبت ذلك العلم .
(١) عن كتاب ((الطب النبوي والعلم الحديث)) للدكتور ناظم النسيمي ٢/ ٢٦١ - ٢٦٢ .
(٢) عن كتاب ((الطب النبوي والعلم الحديث)) للدكتور ناظم النسيمي ٢/ ٢٦٣.
(٣) مشكل الآثار للطحاوي ١/ ٤٥٣ .

٢٩٢
التصحيف وأثره في الفقه
البَرْدُ أصل كل داء
قال العسكري: ((ومما يقع فيه الإشكال والتغيير ما حدثنا به عبد الله بن
أحمد بن موسى عبدان، حدثنا عبد الله بن الحسين الأنطاكي، حدثنا إبراهيم
ابن المبارك، حدثنا تمام بن نجيح، عن الحسن، عن أنس بن مالك رضي الله
عنه أن رسول الله عَّه قال: ((أصل كل داء البَرْدُ)) .
وهكذا رواه البرد ساكنة الراء، وإنما الصحيح: أصل كل داء البَرَدَة،
بفتح الراء وزيادة هاء، والبَرَدَةُ التُخَمَة، هكذا سمعته من أبي بكر بن دُرَيْد
وغيره، ورواه الأعمش عن خيثمة عن عبد الله أنه قال: أصل كل داء البَرَدَةَ.
[قال الأعمش: سألت أعرابياً من كلب عن البردة] فقال: هي التخمة،
وسميت التخمة بردة لأنها تُبْرد حرارة الجوف، وجاءت بردة على فعلة كما
قالوا: الشَّتَرَة، والصَّلَعَة والنزعة. والإبْرَدَةُ: برد يجده الرجل في أعضائه،
وليس لقولهم: أصل كل داء البَرْد ، معنى - إذا ذهبتَ به إلى البرد الذي هو
ضد الحرارة - لأن في الأدواء ما يعلم أنه ليس من برد الزمان ولا برد
الطباع.))(١) .
قال الحافظ السخاوي: ((حديث ((أصل كل داء البردة)) أبو نعيم
والمستغفري معاً في الطب النبوي، والدار قطني في العلل كلهم من طريق تمام
ابن نجيح، عن الحسن البصري عن أنس رفعه بهذا. وتمام: ضعفه الدار قطني
وغيره ووثقه ابن معين وغيره ... ))(٢).
(١) تصحيفات المحدثين للعسكري ١/ ١/ ١٥٥ - ١٥٧.
(٢) (المقاصد الحسنة)) للسخاوي ص ٦١.

٢٩٣
من كتاب الطب
وقال الذهبي في تمام بن نجيح: ((وثقه يحيى وقال البخاري: فيه نظر .
سمع عون بن عبد الله، وقال ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابعه عليه
الثقات، وهو غير ثقة، وقال أبو حاتم: ذاهب الحديث، وقال أبو زرعة:
ضعيف. وقال ابن حبان: روى أشياء موضوعة عن الثقات كأنه المتعمد
لها))(١) .
هذه أقوال النقاد من المحدثين في تضعيف هذا الحديث، ومع ذلك فقد
استدل بلفظه المصحف وهو ((أصل كل داء البَرْدُ» بعض العلماء وذهبوا إلى
أن أصل كل داء البَرْد الذي هو عكس الحر.
فأورده أبو نعيم، والمستغفري في الطب مستدلين به على هذا المعنى
المصحف. قال السخاوي: ((وقد أورد أبو نعيم مضموماً لهذه الأحاديث
حديث الحارث بن فضيل عن زياد بن مينا عن أبي هريرة رفعه: ((استدفنوا من
الحر والبَرْد»، وكذا أورد المستغفري - مع ما عنده منها - حديث إسحاق بن
نجيح عن أبان عن أنس رفعه: ((إن الملائكة لتفرح بارتفاع البرد عن أمتي، أصل
كل داء البَرْدُ، وهما ضعيفان. وذلك منهما شاهد لما حكي عن اللغويين في
كون المحدثین رووه بالسكون))(٢) .
فهذا الكلام الذي ذكره السخاوي يدل على أن أبا نعيم والمستغفري
يذهبان إلى المعنى المصحف الذي أفاده حديث أنس .
والخلاصة أن الرواية في هذا الحديث: ((أصل كل داء البَرَّدَة)، يعني
التخمة. وأن هذا الحكم الذي أفاده هذا الحديث غير صحيح لأن سنده
ضعيف لا يصلح للاستدلال. كما أنه لا يصح أن يستدل بالمعنى المصحف
(١) ((ميزان الاعتدال)) ١/ ٣٥٩.
(٢) ((المقاصد الحسنة)) ص ٦٢ .

٢٩٤
التصحيف وأثره في الفقه
الذي أفاده لفظ ((أصل كل داء البَرْد)) على أن أصل كل داء البَرْد لأنه بالإضافة
إلى ضعف إسناده فهو لفظ مصحف .

٢٩٥
من كتاب الأدب
من كتاب الأدب
النهي عن حلق الرأس قبل الجمعة
عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن رسول الله عَ﴾ ((أنه نهى
عن تناشد الأشعار في المسجد، وعن البيع والاشتراء فيه، وأن يتحلَّقَ الناس
يوم الجمعة قبل الصلاة))(١) .
قال الخطابي: ((نهيه عَِّ عن الحلق قبل الصلاة في [يوم] الجمعة وعن
التحلق أيضاً.
يرويه كثير من المحدثين: عن الحَلْق قبل الصلاة، ويتأولونه على حلاق
الشَّعر. وقال لي بعض مشايخنا: ((لم أحْلق رأسي قبل الصلاة نحواً من
أربعين سنة بعد ما سمعت هذا الحديث)).
قال أبو سليمان: ((وإنما هو الحلَق، مكسورة الحاء مفتوحة اللام، جمع
حَلْقَة. يقال: حَلْقة وحلَق مثل بَدْرَةَ وبدَرٌ وقصْعَةٌ وقصَعٌ.
نهاهم عن التحلق والاجتماع على المذاكرة والعلم قبل الصلاة،
واستحب لهم ذلك بعد الصلاة))(٢) .
(١) أخرجه الترمذي ٢/ ١٣٩ ح ٣٢٢ أبواب الصلاة: باب [ما جاء في ] كراهية البيع
والشراء وإنشاد [الضالة و] الشعر في المسجد وأبو داود ١/ ٦٥١ ح ١٠٧٩ كتاب الصلاة
باب التحلق يوم الجمعة قبل الصلاة. والنسائي ٢ / ٤٧ كتاب المساجد باب النهي عن البيع
والشراء في المسجد وعن التحلق قبل صلاة الجمعة (وفيه تقديم وتأخير). وأحمد في المسند
٢/ ١٧٩ بلفظ (وعن الحلَق يوم الجمعة قبل الصلاة).
(٢) (إصلاح غلط المحدثين)) للخطابي ص ٢٨ ح ١٨ .

٢٩٦
التصحيف وأثره في الفقه
وهكذا نرى أن هذا التصحيف نشأ عنه حكم فقهي وهو ((النهي عن حلق
الشعر قبل صلاة الجمعة)) وأن بعض الفقهاء عمل بمقتضى المعنى المصحف
مدة أربعين سنة وأنه أحد شيوخ الإمام الخطابي. وأقرب لفظ يتبادر عنه
المعنى المصحف هو لفظ الإمام أحمد في المسند ووقع فيه ((وعن الحلق يوم
الجمعة قبل الصلاة))، فإن رسم هذه الكلمة ((الحلق)) يحتمل القراءتين. ولكن
جمع الروايات وتتبع الألفاظ يقصر القراءة على معنى واحد هو الاجتماع
على المذاكرة قبل الصلاة .

٢٩٧
من كتاب الأدب
القيام للقادم
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: ((نزل أهل قُرَيْظَة على حكم
سعد بن معاذ، فأرسل النبي عَّ إلى سعد فأتى على حمار، فلما دنا من
المسجد قال للأنصار: قوموا إلى سيدكم - أو خيركم - فقال: هؤلاء نزلوا على
حكمك. فقال: تَقْتُلُ مقاتلتَهُم، وتَسْبي ذراريهم، قال: قَضَيْتَ بحكم الله،
وربما قال: بحكم الملك»(١) .
قال الحافظ محمد بن ناصر أبو الفضل في كتاب ((التنبيه على الألفاظ
التي وقع في نقلها وضبطها تصحيف وخطأ في تفسيرها ومعانيها وتحريف
في كتاب الغريبين عن أبي عبيد الهروي)): ((ومن ذلك ما ذكره في هذا الباب
من ذكر السيد، وقال كقوله لسعد حين قال له: ((قوموا لسيدكم)) أراد أفضلكم
رجلاً. قلت: والمعروف أنه قال: ((قوموا إلى سيدكم) قاله عَّه لجماعة من
الأنصار لما جاء سعد بن معاذ محمولاً على حمار وهو جريح ... أي أنزلوه
وحملوه، لا قوموا له، من القيام له فإنه أراد بالسيد: الرئيس والمتقدم
عليهم، وإن كان غيره أفضل منه))(٢) .
قلت: استدل بهذا اللفظ المحرف ((لسيدكم)) على مشروعية القيام للقادم
الأستاذ عزت دعاس في تعليقه على حديث أنس: ((لم يكن شخص أحب
إليهم من رسول الله عَّه وكانوا لا يقومون له لما يعلمون من كراهيته لذلك)).
(١) أخرجه البخاري في صحيحه ٧/ ٤١١ ح ٤١٢١ كتاب المغازي: باب مرجع النبي عَّه
من الأحزاب.
(٢) نقلاً عن سلسلة الأحاديث الصحيحة للشيخ الألباني ١ / ١٠٦ ح ٦٧.

٢٩٨
التصحيف وأثره في الفقه
فذكر الشيخ أن هذا الحديث الصحيح لا ينافي القيام لأهل الفضل من
٠٠
الصالحين والدليل :
أنه أمر أسرى بني قريظة فقال لهم: ((قوموا لسيدكم، يعني سعد بن
معاذ ... (١).
وهذا الذي ذهب إليه الشيخ عزت دعاس لا يصح؛ لأن اللفظ الذي
استدل به لفظ محرف لم يرد في شيء من طرق الحديث، وإن مما يعكر عليه
هذا الاستدلال ما ورد في بعض طرقه عند الإمام أحمد بزيادة: ((قوموا إلى
سید کمفأنز لوه».
قال ابن حجر: ((وهذه الزيادة تخدش في الاستدلال بقصة سعد على
مشروعية القيام المتنازع فيه))(٢) .
قلت: وهذه المسألة محل خلاف بين العلماء، ألف فيها النووي رسالة
((القيام)) وذهب إلى مشروعيته، استعرض فيها الأدلة التي تدل على جواز
ذلك وتعقب فيها أدلة المانعين، وقد تصدى للرد عليه صاحب ((المدخل)) أبو
عبد الله بن الحاج. ومن جملة ما استدل به النووي على مشروعية القيام
حديث سعد بن معاذ هذا وقول الرسول عَّه: ((قوموا إلى سيدكم).
وأجاب ابن الحاج عن هذا الدليل: ((أن بني قريظة كانوا نزلوا على حكم
سعد بن معاذ رضي الله عنه، وكان سعد بن معاذ إذ ذاك خلفه النبي
منّ الله
بالمدينة في المسجد مُثْقَلا بالجراح لم يملك نفسه أن يخرج، وترك له النبي
ـيع
عجوزاً تخدمه، فلما أن نزلت بنو قريظة على حكمه أرسل النبي عَّ خلفه،
فَأتِيَ به على دابة وهم يمسكونه يميناً وشمالاً لئلا يقع عن دابته، فلما أن أقبل
(١) ((سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة)) للشيخ الألباني ٣/ ٦٣٥ - ٦٣٧ ح ١٤٤٣.
(٢) فتح الباري ١١ / ٥١ .

. .

٢٩٩
من كتاب الأدب
عليهم قال النبي ◌َّه للأنصار إذ ذاك: ((قوموا إلى خير، أو إلى سيدكم)) أي
قوموا فأنزلوه عن الدابة. وقد ورد معنى ما ذكر في رواية أخرى: (( وهو
أن النبي عَِّ أمرهم بالقيام إليه لينزلوه عن الدابة لمرض به)) لأن عادة العرب
جرت أن القبيلة تخدم سيدها فخصهم النبي عَّه بتنزيله وخدمته على عادتهم
المستمرة بذلك))(١).
قلت: وفي الباب عدد كبير من الأدلة للمجيزين والمانعين أيضاً (٢)،
ولا يهمني هنا استعراضها وتوجيهها وترجيح الصواب منها، لأن ذلك
ليس على شرطي في هذه الرسالة، وإنما يهمني هنا أن أبين أن بعض ما استدل
به القائلون بمشروعية القيام للقادم وقع فيه تحريف، فلا يصح الاستدلال به
على هذه المسألة، وإن كانت هناك أدلة أخرى تمسك بها القوم.
(١) المدخل لابن الحاج ١ / ١٦٠١ .
(٢) إن شئت الوقوف عليها فراجع فتح الباري ١١/ ٤٩ والمدخل لابن الحاج ١/ ١٦٠.