النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
التصحيف وأثره في الفقه
فهذا يدل على أن ابن حجر وقف عليه في سنن ابن ماجه ((على راحلته))
على التصحيف، وأن الذي وقع في المطبوع من سنن ابن ماجه تصحيف على
تصحيف. فإما أن يكون من أحد النساخ أو من المحقق محمد فؤاد
عبد الباقي .
ومثل هذا التصرف الذي وقع في سنن ابن ماجه وقع في صحيح ابن
خزيمة(١) والدليل على ذلك:
١ - أن الحافظ ابن حجر لم ينسب حديث أبي سعيد في ((التلخيص
الحبير)) إلى ((صحيح ابن خزيمة)) فيما سبق مع وجوده فيه ووقوفه عليه ويدل
على ذلك :
٢ - قوله في ((فتح الباري)): ((ولابن خزيمة في رواية مختصرة ((خطب
يوم عيد على رجليه))(٢) .
٣ - أن ابن خزيمة أخرج الحديث تحت ((باب الخطبة قائماً على الأرض إذا
لم يكن بالمصلی منبر)) .
ثم قال رحمه الله: ((هذه اللفظة تحتمل معنيين :
أحدهما: أنه خطب قائماً لا جالساً .
والثاني: أنه خطب على الأرض، كإنكار أبي سعيد على مروان لما أخرج
المنبر، فقال: ((لم يكن يخرج المنبر)).
(١) اللفظ الذي وقع في المطبوع من صحيح ابن خزيمة هو الذي صدرنا به هذه المسألة، ولا
بأس بإعادته تذكيراً وهذا نصه عن أبي سعيد الخدري ((أن النبي عَّه خطب يوم عيد على
راحلته)» .
(٢) فتح الباري ٢/ ٤٤٩ .

٢٦٣
من كتاب العيدين
ألا يدل هذا على أن الصواب عند ابن خزيمة في الرواية ((على رجليه))،
وأن الذي وقع في المطبوع ((على راحلته)) تصرف من المحقق الدكتور محمد
مصطفى الأعظمي. والسبب في وقوعه في هذا التصحيف هو أنه لما أراد أن
يخرج الحديث رجع إلى ((التلخيص الحبير)) فوجد الرواية التي نقلناها عن
الحافظ ابن حجر وهي بلفظ ((على راحلته)) فتأثر بها، والدليل على ذلك أنه
أحال على التلخيص الحبير .
وهكذا نرى أن الصحيح في هذا الحديث هو أنه ((َّ خطب على رجليه))
وأن ذلك كان في خطبة عيد الفطر كما ذكر ابن القيم، وكما هو وارد عند ابن
خزيمة رحمه الله. وقد اشتهر ابن خزيمة وعرف عند المحدثين بتحقيقه وتتبعه
لألفاظ الروايات وتقصيها حتى ضرب به المثل في ذلك في علم المصطلح.
وقد ترتب على هذا التصحيف الذي سبق ذكره أن قال بمقتضاه - يعني
الخطبة على الراحلة -بعض العلماء کابن حبان رحمه الله.

٢٦٤
التصحيف وأثره في الفقه
من كتاب الجهاد
للفرس سهم واحد
روى البخاري بسنده المتصل، عن ابن عمر رضي الله عنهما أن
رسول الله عَّ جعل للفرس سهمين ولصاحبه سهماً (١) .
أفاد هذا الحديث وغيره أن للفارس ثلاثة أسهم، سهمان لفرسه، وسهم
له هو، وممن قال بهذا جمهور العلماء. قال النووي: ((واختلف العلماء في
سهم الفارس والراجل من الغنيمة، فقال الجمهور: يكون للراجل سهم
واحد، وللفارس ثلاثة أسهم، سهمان بسبب فرسه، وسهم بسبب نفسه،
ممن قال بهذا ابن عباس ومجاهد والحسن وابن سيرين وعمر بن عبد العزيز
ومالك والأوزاعي والثوري والليث والشافعي وأبو يوسف ومحمد وأحمد
وإسحاق وأبو عبيد وابن جرير وآخرون.
وقال أبو حنيفة: للفارس سهمان فقط: سهم لها وسهم له، قالوا: ولم
يقل بقوله هذا إلا ما روي عن علي وأبي موسى ... ))(٢) .
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: ((والثابت عن عمر وعلي
کالجمهور))(٣)
٠
(١) البخاري في صحيحه ٦ / ٦٧ ح ٢٨٦٣ (كتاب الجهاد: باب سهام الفرس)، ومسلم
١٢/ ٨٢ (كتاب الجهاد: باب كيفية قسمة الغنيمة بين الحاضرين).
(٢) شرح النووي على مسلم ١٢/ ٨٣.
(٣) فتح الباري ٦ / ٦٨ .

٢٦٥
من كتاب الجهاد
قلت: أما أبو موسى الأشعري فسيأتي بيان أن رأيه كان خاصاً بما إذا
كانت الوقعة قتال حصن.
وقال محمد بن سحنون: ((انفرد أبو حنيفة بذلك دون فقهاء
الأمصار ... ))(١) وقد علل أبو حنيفة رحمه الله رأيه قائلاً: ((أنا لا أجعل سهم
بهيمة أكثر من سهم المؤمن))(٢) .
قال الشيخ محمد بن زاهد الكوثري في كتابه «تأنيب الخطيب)»:
((فقوله: (للفرس سهمان وللرجل سهم) هكذا في بعض الروايات، وفي
بعضها (للفارس سهمان وللراجل سهم) وهو الذي اختاره أبو حنيفة، وهو
الذي وقع في لفظ مُجَمِّع بن جارية)»(٣) المخرج في سنن أبي داود، فترجيح
المجتهد لإحدى الروايات عند اختلاف الرواة في الحديث بوجوه ترجيح
تلوح له، ليس من المخالفة في شيء(٤) .
فأبو حنيفة لما رأى اختلاف ألفاظ الرواة في ذلك، مع توهيم هذا لذاك،
وذاك لهذا، نظر فوجد أن الشرع لا يرى تمليك البهائم، فحكم على رواية
(للفرس سهمان) - المفيدة بظاهرها تمليك البهيمة ضعف ما يملك الرجل - من
غلط الراوي، حيث كانت الألف تحذف من الوسط في خط الأقدمين في غير
الأعلام أيضاً. فقرأ هذا الغالط (فرساً ورجلاً) ما يجب قراءته (فارساً
وراجلاً) فتتابعت رواة على هذا الغلط قاصدين باللفظين المذكورين الخيل
والإنسان، مع إمكان إرادتهم الفارس من الفرس - كما يراد بالخيل الخيالة
عند قيام القرينة - جمعاً بين الروايتين. ومضى آخرون على رواية الحديث
(١) فتح الباري ٦/ ٦٨ .
(٢) تاريخ بغداد للخطيب البغدادي ١٣/ ٣٩٠.
مجمع بضم أوله وفتح الجيم وتشديد الميم المكسورة ابن جارية بالجيم.
(٣)
(٤) يقصد الكوثري بالمخالفة هنا ما رمي به أبو حنيفة من مخالفته لأحاديث النبي
.

٢٦٦
التصحيف وأثره في الفقه
على الصحة، فرد أبو حنيفة على الغالطين بقوله: (إني لا أفضل بهيمة على
مؤمن) ليفهمهم أنه لا تمليك في الشرع للبهائم، والمجاز خلاف الأصل - وإنما
تكلم عن التفضيل مع أنه أيضاً لا يقول بمساواة البهيمة لمؤمن، لأن الكلام
في الحديث المغلوط فيه في التفضيل، فاقتصر على مورد النظر، ولا يستلزم
هذا أن يكون قائلاً بالمساواة، لأن القول بالمفهوم ليس من مذهبه .
وقول أبي يوسف في ((الخراج)) بعد وفاة أبي حنيفة، ومتابعة الشافعي له
في ((الأم)) مع زيادة تشنيع بعيدان عن مغزى فقيه الملة كما يظهر لمن أحسن
التدبر فيما ذكرناه هنا ... ))(١) .
كذا قال الكوثري راداً للرواية التي وردت في صحيح البخاري ومسلم
متمسكاً برواية ضعيفة ردها علماء الحديث لضعف إسنادها، وإليك الدليل
على ذلك :
حديث: مُجَمِّع بن جارية :
رواه أبو داود والدار قطني في سننيهما، من طريق مجمع بن يعقوب بن
مجمع بن يزيد الأنصاري قال: سمعت أبي يعقوب بن مجمع يذكر عن عمه
عبد الرحمن بن يزيد الأنصاري، عن عمه مجمع بن جارية الأنصاري - وكان
أحد القراء الذين قرأوا القرآن - قال: شهدنا الحديبية مع رسول الله عَّه، فلما
انصرفنا عنها إذا الناس يهُزُّون الأباعر. فقال بعض الناس لبعض: ما
للناس؟ قالوا: أوحي إلى رسول الله عزَّة، فخرجنا مع الناس نوجف،
فوجدنا النبي ◌َّه واقفاً على راحلته عند كُراع الغَميم، فلما اجتمع عليه
الناس قرأ عليهم ﴿ إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً﴾(٢) فقال رجل: يا رسول الله أفتح
(١) محمد بن زاهد الكوثري في كتابه «تأنيب الخطيب على ما ساقه في ترجمة أبي حنيفة من
الأکاذیب)) ص ١٢٦ .
(٢) سورة الفتح الآية: ١ في رواية ورش عن نافع ورواية حفص عن عاصم.

٢٦٧
من كتاب الجهاد
هو؟ قال: ((نعم، والذي نفس محمد بيده إنه لفتح)، فقسمت خيبر على أهل
الحديبية، فقسمها رسول الله عَّه على ثمانية عشر سهماً، وكان الجيش ألفاً
وخمسمائة، فيهم ثلثمائة فارس، فأعطى الفارس سهمين، وأعطى الراجل
سهماً))(١) .
قال الزيلعي: قال أبو داود: ((هذا وهم إنما كانوا مائتي فارس، فأعطى
الفرس سهمين وأعطى صاحبه سهماً))(٢).
قلت: والحديث سنده ضعيف، قال ابن القطان: ((علة هذا الحديث
الجهل بحال يعقوب بن مجمع، ولا يعرف روى عنه غير ابنه)) (٣) .
ويعقوب هذا لم يوثقه أحد غير ابن حبان على قاعدته في توثيق
المجاهيل.
وقد وردت نصوص أخرى عن بعض الصحابة تؤيد ما ذهب إليه الحنفية
لابد من الوقوف عليها ونقدها نقداً علمياً وفق قواعد المحدثين :
أولها : حديث عبد الله بن عمر - بن حفص بن عاصم العُمَري - عن نافع
عن ابن عمر أن رسول الله عَّه كان يُسهم للخيل، للفارس سهمين وللراجل
سهماً. أخرجه الدار قطني وقال: ((ورواه القعنبي عن العمري بالشك في
الفارس أو الفرس)» (٤) .
قلت: وعبد الله بن عمر العمري، ضعيف .
(١) أخرجه أبو داود ٣/ ١٧٤ ح ٢٧٣٦ كتاب الجهاد باب فيمن أسهم له سهماً. والدار قطني
في السنن ٤ / ١١٥ ح ١٨ كتاب السير .
(٢) نصب الراية للحافظ الزيلعي ٣ / ٤١٦.
(٣) نصب الراية ٣ / ٤١٧ .
(٤) سنن الدار قطني ٤ / ١٠٦ كتاب السير.

٢٦٨
التصحيف وأثره في الفقه
ثانيها : ما رواه أبو بكر بن أبي شيبة من طريق غندر عن شعبة عن أبي
إسحاق عن هانئ(١) عن علي قال: للفارس سهمان.
قال شعبة: وجدته مكتوباً عند (بياض)(٢).
قلت: فقول شعبة وجدته مكتوباً عند (بياض) يدل على أن تصرفاً طرأ
على الأصل ويدل على ذلك ما ذكره البيهقي عن كتاب القديم رواية أبي
عبد الرحمن عن الشافعي من طريق شاذان عن زهير عن أبي إسحاق قال:
غزوت مع سعيد بن عثمان فأسهم لفرسي سهمين ولي سهماً. قال أبو
إسحاق: وبذلك حدثني هانئ بن هانئ عن علي رضي الله عنه، وكذلك
حدثني حارثة بن مضرب عن عمر رضي الله عنه (٣) .
ومع هذا فهانئ بن هانئ قد جَهَّله علي بن المديني.
ثالثها : ما أخرجه ابن أبي شيبة أيضاً، قال: ((ثنا حبيب بن شهاب عن
أبيه عن أبي موسى أنه أسهم للفارس سهمين وللراجل سهماً) (٤).
قال ابن التركماني : ((وفي التهذيب لابن جرير الطبري عن أبي موسى أنه
لما أخذ تُسْتَر وقتل مقاتلهم جعل للفارس سهمين وللراجل سهماً))(٥).
قال الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي: (( ... فكان هذا رأي لأبي
موسى فيما إذا كانت الوقعة قتال حصن(٦) يضعف غناء الخيل فيه، وقد جاء
(١) في الأصل المطبوع (عن أبي إسحاق بن هانئ) وهو تصحيف صوابه عن أبي إسحاق عن
هانئ.
(٢) أشار المصحح إلى أن بياضاً بالأصل، والحديث عند ابن أبي شيبة في المصنف ٦/ ٤٨٩
حديث ٣٣١٨٥ (كتاب الجهاد من قال للفارس سهمان).
(٣)
السنن الكبرى للبيهقي ٦/ ٣٢٧ .
المصنف لابن أبي شيبة ٦/ ٤٨٩ ح ٣٣١٨٣ (كتاب الجهاد: من قال للفارس سهمان).
(٤)
(٥) ((الجوهر النقي)) لابن التركماني (حاشية السنن الكبرى للبيهقي ٦/ ٣٢٧).
(٦) ((الحصن هو المكان الذي لا يقدر عليه لارتفاعه)) المصباح المنير للفيومي ص ٥٤ .

٢٦٩
من كتاب الجهاد
عن جماعة من التابعين أنهم كانوا ينقصون سهام الخيل في قتال الحصون،
ولا يسهمون لها شيئاً، ذكر ذلك ابن أبي شيبة وغيره، وذكر إنكار عمر بن
عبد العزيز ذلك، وإنكار مكحول له واحتجاجه بأن النبي علّ أسهم في
غنائم خيبر للفرس سهمين ولصاحبه سهماً مع أن خيبر كانت حصناً، ولعل
أبا موسى اعتذر عن هذا بأن مغانم خيبر قسمت على أصحاب الحديبية ولم
تكن الحديبية حصناً)) (١) .
وهاك نص إنكار عمر بن عبد العزيز:
قال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا عمرو بن
ميمون قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى أهل الجزيرة: ((أما بعد، فإن
السهام كانت على عهد رسول الله عَّه سهمين للفرس وسهماً للرجل، فلم
أظن أن أحداً هم بانتقاص فريضة منها حتى فعل ذلك رجال ممن يقاتل في
هذه الحصون، فأعيدوا سهمانها على ما كانت عليه على عهد رسول الله عليه :
سهمين للفرس وسهماً للرجل، وكيف توضع سهمان الخيل وهي بإذن الله
المسرحهم بالليل ولمسالحهم بالنهار ولطلب ما يطلبون))(٢).
رابعها : ما أخرجه الدار قطني من طريق («أبي بكر النيسابوري، نا أحمد
ابن منصور،نا أبو بكر بن أبي شيبة، نا أبو أسامة وابن نمير قالا: نا عبيد الله عن
نافع عن ابن عمر أن رسول الله عَّ جعل للفارس سهمين، وللراجل سهماً.
قال الرمادى: كذا يقول ابن نمير .
قال لنا النيسابوري: هذا عندي وهم من ابن أبي شيبة، أو من
(١) ((التنكيل)) لعبد الرحمن بن يحيى المعلمي ٢/ ٦٩ .
(٢) مصنف ابن أبي شيبة ٦/ ٤٨٩ ح ٣٣١٨٠ (كتاب الجهاد: في الفارس كم يقسم له؟ من
قال ثلاثة أسهم) .

٢٧٠
التصحيف وأثره في الفقه
الرمادي(١)، لأن أحمد بن حنبل وعبد الرحمن بن بشر وغيرهما رووه عن
ابن نمير خلاف هذا. وقد تقدم ذكره عنهما ورواه ابن كرامة وغيره عن أبي
أسامة خلاف هذا أيضاً وقد تقدم))(٢) .
قلت: الظاهر أن الوهم من الرمادي (أحمد بن منصور) لأن ابن أبي
شيبة رواه من طريق أبي أسامة وعبد الله بن نمير قالا: ثنا عبيد الله بن عمر عن
نافع عن ابن عمر أن رسول الله عزّه جعل للفرس سهمين وللرجل سهماً (٣) .
وكذلك أخرجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، ابن أبي عاصم في كتاب
الجهاد كما ذكر ذلك ابن حجر العسقلاني في الفتح (٤).
ويؤكد ذلك أيضاً أن ابن أبي شيبة ذكر الحديث في باب ((في الفارس كم
يقسم له؟ من قال ثلاثة أسهم)) ثم ذكر باباً آخر عنوانه ((من قال للفارس
سهمان)) فذكر فيه حديث مجمع، وأثري علي وأبي موسى، فلو كان عنده أن
لفظ ابن نمير كما زعم الرمادي، أو لفظ أبي أسامة أو كليهما: ((للفارس،
للراجل)) لوضع الحديث في الباب الثاني (٥) .
وروى الدار قطني قال: ((حدثنا أبو بكر النيسابوري، نا أحمد بن
منصور، نا نعيم بن حماد، نا ابن المبارك، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع
عن ابن عمر، عن النبي عَّ أنه أسهم للفارس سهمين، وللراجل سهماً.
(١) الرمادي يعني أحمد بن منصور.
(٢) سنن الدار قطني ٤ / ١٠٦ .
(٣) المصنف لابن أبي شيبة ٧ / ٦٦١ (بتحقيق سعيد اللحام) كتاب الجهاد باب في الفارس كم
يقسم له؟ من قال ثلاثة أسهم.
(٤)
فتح الباري ٦ / ٦٨ .
(٥) عن التنكيل للمعلمي بشيء من التصرف ٢/ ٧١ -٧٢.

٢٧١
من كتاب الجهاد
قال أحمد: كذا لفظ نعيم عن ابن المبارك، والناس يخالفونه.
قال النيسابوري: ولعل الوهم من نعيم لأن ابن المبارك من أثبت
الناس)) (١).
قلت: وقد خالف الذين رووه على التصحيف جماعة من الحفاظ نذكر
منهم :
أولاً : سفيان الثوري
أخرج أحمد والدار قطني والبيهقي من طرق عن سفيان، عن عبيد الله،
عن نافع، عن ابن عمر أن النبي ◌َّه جعل للفرس سهمين وللرجل سهماً (٢).
ثانياً: هُشَيْم بن بَشِير الواسطي
عند الإمام أحمد في المسند قال: ثنا هُشَيْم بن بشير عن عبد الله، وأبو
معاوية أنا عبيد الله ... ولفظه: أن رسول الله عَّه جعل يوم خيبر للفرس
سهمين وللرجل سهماً (٣).
ثالثاً : أبو معاوية الضرير محمد بن خازم
رواه أحمد ومن طريقه أبو داود بلفظ: ((أن رسول الله عَّه أسهم للرجل
ولفرسه ثلاثة أسهم، سهماً له وسهمين لفرسه)) (٤) .
(١) سنن الدار قطني ٤ / ١٠٦ .
(٢) أخرجه أحمد في المسند ٢/ ١٥٢، والدار قطني في السنن ٤ / ١٠٢ (كتاب السير) ووقع
عنده (عن عبد الله عن نافع) وهو خطأ مطبعي والصواب عبيد الله. والبيهقي في السنن
الکبری ٦/ ٣٢٥ .
(٣) المسند ٢ / ٢.
(٤) المسند ٢/ ٢ وأبو داود في السنن ٣/ ١٧٢ ح ٢٧٣٣ كتاب الجهاد: باب في سهمان الخيل .

٢٧٢
التصحيف وأثره في الفقه
رابعاً : سليم بن أخضر
رواه مسلم من طريق يحيى بن يحيى، وأبي كامل فضيل بن حسين
عنه . ..
بلفظ: ((أن رسول الله ◌ّ قسم في النفل للفرس سهمين، وللرجل
سهماً))(١).
خامساً : أبو أسامة
عند البخاري في الصحيح ولفظه: ((أن رسول الله عبي جعل للفرس
سهمين ولصاحبه سهماً))(٢) .
سادساً: عبد الله بن نُمَيْر
عند مسلم وأحمد .. ولفظه: ((أن رسول الله عَّ قسم للفرس سهمين
وللرجل سهماً))(٣).
سابعاً : زائدة بن قدامة
عند البخاري ... بلفظ: ((قسم رسول الله عَّه يوم خيبر للفرس سهمين
وللراجل سهماً.
قال - يعني عبيد الله بن عمر - فسره نافع، فقال: إذا كان مع الرجل فرس
فله ثلاثة أسهم، فإن لم یکن له فرس فله سهم(٤) .
(١) شرح النووي على صحيح مسلم ١٢ / ٨٢ (كتاب الجهاد: باب كيفية قسمة الغنيمة بين
الحاضرين).
(٢) فتح الباري ٦ / ٦٧ ح ٢٨٦٣ (كتاب الجهاد: باب سهام الفرس).
(٣) مسلم ١٢ / ٨٣: (كتاب الجهاد: باب كيفية قسمة الغنيمة) ساق إسناده وأحال على لفظ
سُلَيْم بن أخضر السابق، وأخرجه أحمد في المسند ٢/ ١٤٣ واللفظ المذكور أعلاه لفظه .
(٤) صحيح البخاري ٧/ ٤٨٤ ح ٤٢٢٨ (كتاب المغازي باب غزوة خيبر).

٢٧٣
من كتاب الجهاد
قال عبد الرحمن المعلمي: ((وهذا التفسير يدل على أن الصواب في المتن
((للرجل)) لكن وقع في نسخ (الصحيح) كما رأيت، وزائدة متقن، لكن شيخ
البخاري ليس بالمشهور، ومحمد بن سابق(١) ، قال ابن حجر في ترجمته من
الفصل التاسع من (مقدمة الفتح): ((وثقة العجلي وقواه أحمد بن حنبل،
وقال يعقوب بن شيبة: كان ثقة وليس ممن يوصف بالضبط، وقال النسائي :
لا بأس به. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ضعيف. قلت: ليس له في
البخاري سوى حديث واحد في ((الوصايا)) ... وقد تابعه عليه عبيد الله بن
موسى)) (٢) كذا قال. وفاته هذا الحديث، وعذر البخاري أنه رأى أن الوهم في
الحديث يسير يجبره التفسير، ومع ذلك فلم يذكره في ((باب سهمان الخيل))
وإنما ذكره في ((غزوة خيبر))))(٣) .
ثامناً : إسحاق الأزرق
عند الشافعي في المسند ... ولفظه: ((أن رسول الله عَّه ضرب للفرس
بسهمين وللفارس بسهم)) (٤) .
وأما بقية الأدلة التي تعلق بها الأستاذ الكوثري فقد أجاب عنها الشيخ
عبد الرحمن المعلمي في كتابه ((التنكيل)) وأُوردُ كلامه فيها لنفاسته :
قال رحمه الله: ((وأما حذف الألف في كتابة المتقدمين فيقع في ثلاثة
مواضع :
(١) شيخ البخاري فيه هو الحسن بن إسحاق، أخذه عن محمد بن سابق.
(٢) هدي الساري ص ٤٣٩ .
(٣) التنكيل ٢/ ٧٣، ويقصد المعلمي بقوله: في ((باب سهمان الخيل))، ((باب سهام الفرس))
وإلا فليس عند البخاري ترجمة بهذا اللفظ .
(٤) هامش الأم ٦ / ٢٥٠.

٢٧٤
التصحيف وأثره في الفقه
الأول: حيث يؤمن اللبس، إما لعدم ما يلتبس به مثل: القاسم بن
فلان، سليمان بن فلان، إسحاق بن فلان، فإن هذه الأعلام إذا كتبت بلا
ألف لا يوجد ما يلتبس بها .
[الثاني]: وإما في كتابة القرآن الذي من شأنه أن يؤخذ بالتلقي والتلقين
وتعم معرفته إذا أخطأ مخطئ لم يلبث أن ينبه.
[ثالثاً]: وإما فيما يصح على الوجهين، مثل جبريل و[مالك يوم
الدين]، وليس قوله في الحديث ((للفرس، للرجل)) في شيء من هذا. اللهم
إلا أن يخطئ الكاتب يسمع ((للفارس، للراجل)) فيحسب ذلك مما يجوز
تخفيفه في الكتابة فيكتب ((للفرس، للرجل)) لكنه كما قد يحتمل هذا،
فكذلك قد يحتمل أن يخطئ القارئ بأن يكون الكاتب سمع ((للفرس،
للرجل)) فكتبها كذلك، ثم توهم القارئ أن الأصل ((للفارس، للراجل)) وإنما
حذف الألف تخفيفاً في الكتابة فيقرؤها ((للفارس، للراجل)) ويرويها
كذلك.
وأما تقديم الحقيقة على المجاز، فالذي في الرواية ((جعل للفرس سهمين
وللرجل سهماً)) ولا يتجه في قوله ((للفرس)) مجاز، بل اللام لام التعليل، أي
جعل لأجل الفرس. فإن قيل: بل اللام لشبه التمليك، قلنا فما الحجة على
أن لام شبه التمليك مجاز؟، فإن كانت هناك حجة فجعلها للتعليل أولى
تقديماً للحقيقة على المجاز، وكذلك لو ساغ أن يطلق ((الفرس)) ويراد به
(الفارس)) كما زعم الأستاذ - على أن سواغ ذلك غير مسلم - فإنه غير
معروف ولا قرينة عليه، فأما إطلاق ((الخيل)) وإرادة ((الفرسان)) فمستفيض،
وإنما يسوغ بقرينة، وإنما جاء حيث يكون المقام ذكر الجيش حيث لا تكون
الخيل إلا مع فرسانها فيكون بينهما ضرب من التلازم.

٢٧٥
من كتاب الجهاد
هب أنه اتجه المجاز، فتقديم الحقيقة على المجاز محله في الكلمة الواحدة
يجب حملها على معناها الحقيقي ولا يجوز حملها على معنى مجازي بلا
حجة كما ارتكبه الأستاذ في غير موضع. فأما روايتان متنافيتان والكلام في
إحداهما حقيقة، وفي الأخرى مجاز صحيح بقرينته فلا يتجه تقديم الأولى
لأن المتكلم كما يتكلم بالحقيقة فكذلك يتكلم بالمجاز، والمخطئ كما يخطئ
من الحقيقة إلى المجاز، فكذلك عكسه، بل احتماله أقرب، لأن أغلب ما
يكون الخطأ بالحمل على المألوف، وغالب ما يقع من التصحيف
كذلك ... ))(١) .
ومن خلال هذا العرض وهذه المناقشة نتبين أن الصواب في الرواية
((للفرس سهمان وللرجُل سهم)).
وأن ما ذهب إليه أبو حنيفة رحمه الله تصحيف أحال المعنى، وحرفه عن
وجهه، وأن ما روي عن علي وأبي موسى خلاف ما ذهب إليه الإمام أبو
حنيفة .
ولا شك أن الصواب هو ما ذهب إليه الجمهور أن للراجل سهماً واحداً
وللفارس ثلاثة أسهم، سهمان بسبب فرسه وسهم بسبب نفسه .
وهكذا يبقى للتصحيف دور بارز في توسيع دائرة الخُلْف بين فقهاء
الإسلام.
(١) ((التنكيل)) للشيخ عبد الرحمن المعلمي ٢ / ٦٦ - ٦٧ .

٢٧٦
التصحيف وأثره في الفقه
من كتاب الديات
أعقُّ الناس قَتْلَةً أهل الإيمان
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله عٍَّ: (أَعَفُّ
الناس قِتْلَة أهل الإيمان»(١).
هذا الحديث أورده الحافظ نور الدين الهيثمي في مجمع الزوائد من
رواية الطبراني موقوفاً على عبد الله بن مسعود(٢). وقد وقع فيه تصحيفان
من طرف المعلق على كتاب ((مجمع الزوائد»:
الأول: في الترجمة فقد جعله المعلق ((باب أعق القتل)) بالقاف من
العقوق وعلق في الهامش بقوله: ((في الأصل (حُسْن)))).
والثاني: أنه صحف المتن أيضاً فقال فيه: ((أعق الناس)) بالقاف، وعلق
عليه في الهامش بقوله: ((في الأصل ((أعف))))(٣).
(١) الحديث أخرجه أبو داود ٣/ ١٢٠ ح ٢٦٦٦ كتاب الجهاد: باب في النهي عن المثلة،
وأحمد في المسند ١/ ٣٩٣، وابن حبان في صحيحه (الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان
٧/ ٥٩٣ ح ٥٩٦٢ كتاب الجنايات باب القصاص)، وابن ماجه في سننه ٢ / ٨٩٤ ح
٢٦٨١ كتاب الديات: باب أعف الناس قتلة أهل الإيمان، وابن الجارود في المنتقى ص
٢٨٥ ح ٨٤٠، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٣/ ١٨٣، والبيهقي في السنن الكبرى
٨/ ٦١.
(٢) كونه موقوفاً على ابن مسعود هو الذي سوغ للهيثمي إيراده في («مجمع الزوائد»، وإلا
فالحديث مرفوعاً موجود في بعض الكتب الستة كما تقدم.
(٣) مجمع الزوائد ومنبع الفوائد ٦/ ٢٩١.

٢٧٧
من كتاب الديات
والذي حمل هذا المعلق على الوقوع في مثل هذا التصحيف أنه رأى
الهيثمي أورد هذه الترجمة في ((كتاب الديات)) مباشرة بعد ((باب لا قَوَدَ إلا
بالسيف)) فسبق إلى فهمه أن القود بالسيف يعتبر مثلة، فتصرف في الترجمة
والنص باجتهاد منه .
وقد يساعده على هذا الفهم أن عبد الرزاق أورد هذا النص في
((مصنفه)) (١) موقوفاً على ابن مسعود تحت عنوان ((باب الرجل يمثل بالرجل ثم
يقتله)). أورد فيه فتاوى عن السلف في حكم من مثَّل ثم قتل، أنه يقتص منه
بذلك، ثم ذكر أثراً عن علقمة في عدم جواز المثلة، ثم ذكر بعده أثر ابن
مسعود. لكن النص وقع عند عبد الرزاق بلفظ الجماعة ((أعف)) ولا يبعد أن
يكون المعلق على مجمع الزوائد وقف على هذه الترجمة عند عبد الرزاق
فتأثر بها .
وكل هذا الذي تقدم لا يكون مسوغاً للتصرف في الترجمة ولا في
النص، والذي نعتقده أن هذا التصرف يتنافى ومناهج التحقيق العلمي في
التعليق على النص، ومما يدل على أن ما وقع في المطبوع من ((مجمع
الزوائد» يعتبر تصحيفاً أمور:
أولاً: مجيء ذلك أي ((أعف)) في الأصل المخطوط، فقد أفاد الشيخ
الألباني أنه وقف عليه كذلك في الأصل المخطوط(٢) (بالفاء).
ثانياً: وقوعه كذلك في معجم الطبراني الكبير (٣) وعنه نقل الحافظ
الهيثمي، وكذلك وقع عند عبد الرزاق في المصنف .
(١) المصنف لعبد الرزاق ١٠/ ٢٢ ح ١٨٢٣٢.
(٢) سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة ٣/ ٣٧٨ .
(٣) المعجم الكبير للطبراني ٩ / ٤٠٨ ح ٩٧٣٧.

٢٧٨
التصحيف وأثره في الفقه
ثالثاً: اتفاق المصادر الحديثية التي أوردت الحديث على لفظ ((أعف)).
وابعاً: مناسبة اللفظ أي ((أعف)) للتراجم التي ترجم بها المحدثون
للحديث، وتناسق الحديث مع ما سبقه من النصوص وهاك تفصيل ذلك :
إن أبا داود أورده في ((باب في النهي عن المثلة)) وأورد بعده حديث
الهيَّاج بن عمران، أن عمران أبَقَ له غلام، فجعل الله عليه، لئن قدر عليه
ليقطعن يده، فأرسلني لأسأل [له] فأتيت سَمرة بن جندب فسألته فقال: كان
نبي الله عَّ يحثنا على الصدقة وينهانا عن المثلة ... الحديث.
وأورده ابن ماجه تحت عنوان ((باب أعف الناس قتلة أهل الإيمان))
وأورده ابن الجارود بعد حديث: ((إذا قتلتم فأحسنوا القتلة)).
وأما الطحاوي فقد أورده بعد حديث أنس في قصة رَضِّ رأس اليهودي
الذي رَضَّ رأس الجارية وهو يقصد - أي الطحاوي - نسخ هذا الحكم أي
القصاص بالُثَقَّل على مذهب الأحناف ولهذا أورد حديث ابن مسعود هذا
بعده .
وأورده البيهقي تحت: ((باب يحفظ الإمام سيفه ليأخذ سيفاً صارماً لا
يعذبه ولا يمثل به)) ذكر في هذا الباب البيهقي حديث: ((إن الله كتب الإحسان
على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة.، الحديث ثم أردفه بحديث ابن مسعود
ومناسبته للترجمة واضحة لا تحتاج إلى بيان وتكلف.
فهؤلاء المحدثون والفقهاء على اختلاف مذاهبهم الفقهية لم يعدلوا
بالنص عن ظاهره، ولم يغيروا في لفظه ولا معناه، مع اختلاف استنباطاتهم
منه .
خامساً: أن الحافظ الهيثمي صاحب («مجمع الزوائد» أدرى بما قصده

٢٧٩
من كتاب الديات
من الحديث ومن الترجمة لذلك فالرجوع إليه في هذه المسألة أولى من
الرجوع والتحاكم إلى غيره، وقد رجعنا إليه فأفادنا جيداً في هذه المسألة،
فقد أورد الحديث(١) في ((موارد الظمآن)) تحت عنوان ((باب أعف الناس قتلة
أهل الإسلام)) .
وتراجم ((موارد الظمآن)) هي من وضع الحافظ الهيثمي حيث استخرج
زوائد ابن حبان على الصحيحين ورتبها حسب الأبواب الفقهية في كتاب
سماه «موارد الظمآن إلی زوائد ابن حبان)) .
سادساً: أن لفظ ((أعف)) كما تواردت عليه المصادر هو المناسب لما تقرر
في الشريعة الإسلامية من وجوب الإحسان في القتل والذبح كما جاء في
الحديث ((إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم
(٢) الحديث .
فأحسنوا الذبحة ... )) (٢
(١) المقصود هنا حديث ابن مسعود مرفوعاً (موارد الظمآن للهيثمي ص ٣٦٦ ح ١٥٢٣).
(٢) رواه مسلم في الصحيح ١٣/ ١٠٦ كتاب الصيد والذبائح باب الأمر بإحسان الذبح
وتحديد الشفرة .

٢٨٠
التصحيف وأثره في الفقه
من كتاب الفرائض
ورائَة الأنبياء
عن عائشة رضي الله عنها أن النبي عَّه قال: (لا نُورَثُ ما تركنا صدَقَةٌ)(١).
أفاد هذا الحديث، وغيره من الأحاديث الصحيحة أن الأنبياء لا يورثون
وأن ما تركوه فهو صدقة، وقد أخذ بظاهر هذا الحديث جمهور العلماء،
وخالف في ذلك الشيعة بسبب تصحيف ألحقوه بمتن هذا الحديث فقالوا إن
الأنبياء یورثون.
قال الإمام النووي: ((هو برفع ((صدقةٌ))، و((ما)) بمعنى الذي، أي الذي
تركناه فهو صدقة، وقد ذكر مسلم بعد حديث يحيى بن يحيى عن مالك من
حديث عائشة رفعته ((لا نورثُ، ما تركناه فهو صدقة))، وإنما نبهت على هذا لأن
بعض جهلة الشيعة يصحفه))(٢) .
وقال الشوكاني: ((وما ذلك بأول تحريف من أهل تلك النحلة))(٣).
قلت: المقصود بالتصحيف الذي أشار إليه النووي والشوكاني شيئان :
الأول: في قوله عَّ: ((لا نورث)) جعلوه بضم التحتانية المثناة أوله
(١) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ١٢ / ٦ ح ٦٧٢٧ (كتاب الفرائض: باب قول
النبي عَّ: (لا نورث، ما تركنا صدقة)). ومسلم في صحيحه ١٢ / ٧٦ (كتاب الجهاد: باب
حكم الفيء).
(٢) شرح النووي على مسلم ١٢ / ٧٤.
(٣) نيل الأوطار ٦/ ١٩٧ .

٢٨١
من كتاب الفرائض
بدل النون .
الثاني: في قوله عَّ: ((صدقة)) جعلوها بالنصب على الحال.
وقد أجاب المحدثون عما تمسك به الشيعة، وبينوا أن الروايات اتفقت
على ضم النون في قوله تعَّ: (لا نُورث) وعلى رفع ((صدقةٌ)، وأن هذا هو الذي
جرى عليه عمل أهل الحديث في القديم والحديث.
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني عند كلامه على قصة مجيء («فاطمة ابنة
رسول الله عَّه إلى أبي بكر تسأله بعد وفاة رسول الله عَّه أن يقسم لها ميراثها
مما ترك رسول الله عَّه مما أفاء الله عليه. فقال لها أبو بكر: إن رسول الله عَفي
قال: ((لا نورث، ما تركناه صدقة) ... )(١): (وفي هذه القصة رد على من قرأ:
(يورث)) بالتحتانية أوله، و((صدقة)) بالنصب على الحال، وهي دعوى من
بعض الرافضة، فادعى أن الصواب في قراءة هذا الحديث هكذا، والذي
توارد عليه أهل الحديث في القديم والحديث، ((لا نورث)) بالنون و((صدقة))
بالرفع، وأن الكلام جملتان، و ((ما تركنا)) في موضع الرفع بالابتداء و((صدقة))
خبره. ويؤيده وروده في بعض طرق الصحيح: ((ما تركنا فهو صدقة)(٢).
وقد احتج بعض المحدثين على بعض الإمامية بأن أبا بكر احتج بهذا
الكلام على فاطمة - رضي الله عنها - فيما التمست منه من الذي خلفه
رسول الله عَّه من الأراضي، وهما من أفصح الفصحاء، وأعلمهم بمدلولات
الألفاظ، ولو كان الأمر كما يقرؤه الرافضي لم يكن فيما احتج به أبو بكر
حجة، ولا كان جوابه مطابقاً لسؤالها، وهذا واضح لمن أنصف)(٣).
(١) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ٦/ ١٩٦ ح ٣٠٩٢ - ٣٠٩٣ (كتاب فرض الخمس:
باب فرض الخمس).
(٢) ورد ذلك عند مسلم ١٢ / ٧٦ (كتاب الجهاد باب حكم الفيء).
(٣) فتح الباري شرح صحيح البخاري ٦/ ٢٠٢ .