النص المفهرس
صفحات 201-220
٢٠٢ التصحيف وأثره في الحديث وقد سبق النقل عن ابن حجر أن الصواب في ((طارق بن زياد)) أنه ((ابن سويد)) وأما ((طارق بن شمر الجعفي)) فقد سبق النقل عن أبي نعيم أن الوليد ابن أبي ثور صحفه فقال: ((بن شمر)) وإنما هو ((بن سويد)). النموذج الرابع : روى أبو داود الطيالسي من طريق أبي إسحاق قال: سمعت عامر بن سعد البجلي يقول: شهدت ثابت بن وديعة، وقرظة بن كعب الأنصاري في عرس وإذا غناء فقلت لهم في ذلك فقالا: إنه رخص في الغناء في العرس والبكاء على الميت في غير نياحة(١). الحديث أورده الحافظ ابن حجر في ترجمة ثابت بن يزيد الأنصاري من الصحابة حيث قال: ((ثابت بن يزيد الأنصاري، ذكره الباوردي وأبو نعيم في الصحابة، وأخرجا من طريق شريك عن أبي إسحاق عن عامر بن سعد قال: دخلت على قرظة بن سعد وثابت بن يزيد وابن مسعود (٢) وعندهم جوار وأشياء فقلت: تفعلون هذا وأنتم من الصحابة؟ فقالوا: إنه رخص لنا في اللهو عند العرس)) قال ابن حجر: ((وثابت بن يزيد هذا هو ابن وديعة، وَهمَ من جعله اثنين فقد روى أبو داود الطيالسي)» فذكر الحديث ثم قال: ((وأعجب من ذلك أن ابن أبي حاتم تحرف عليه اسم ((وديعة)) فصار ((وداعة)) وقال: ما نصه: «ثابت بن يزيد بن وداعة كوفي له صحبة، روى عنه البراء وزيد بن وهب وعامر بن سعد))(٣) وكان قال قبل ذلك: ((ثابت بن يزيد بن (١) مسند أبي داود الطيالسي ص ١٦٩ . (٢) هكذا في الإصابة (ابن مسعود) ووقع عند النسائي في السنن الصغرى (٦/ ١٣٥) (وأبي مسعود الأنصاري) ولکن لیس فیه ذکر ثابت بن یزید. (٣) لم أقف على هذه الترجمة في الجرح والتعديل لابن أبي حاتم فربما ذكر ذلك في كتاب آخر غير أن سياق كلام ابن حجر الآتي يفيد أن ذلك في ((الجرح والتعديل)) فربما كان ذلك = ٢٠٣ التصحيف وأثره في علم الرجال وديعة)) (١) فذكر نحو ذلك. وقال قبل ذلك: ((ثابت بن زيد له صحبة وروى عنه عامر بن سعد))(٢) فصير الواحد ثلاثة))(٣). قلت: وثابت بن يزيد هذا يذكرون له حديثاً آخر في الضب الذي قدم للنبي ◌َّ فامتنع عن أكله وقال: ((أُمَّةٌ مسخت». أخرجه الإمام أحمد من طرق لكن وقع عنده ((ثابت بن يزيد بن وداعة)) (٤) . وروى هذا الحديث أيضاً الفسوي في ((المعرفة والتاريخ)) في ترجمة (ثابت بن وديعة)) فقال فيه: ((ثابت بن وديعة))(٥). وقد ذكر الترمذي في تاريخ الصحابة ((أنه ثابت بن يزيد وأن وديعة أمه))(٦) . وقد تبع ابن أبي حاتم ابن عبد البر في جعله ((ثابت بن زيد)) صحابياً آخر؛ فقد قال في ((الاستيعاب)): ((وأما ثابت بن زيد، فله صحبة، روى عنه عامر بن سعد))(٧) . غیر أنه لم یذکر دليلاً على التفريق، ولم یذکر لنا ما روي عنه حتی یمکن التفريق بينهما. وذکر بعد ذلك «ثابت بن ودیعة)) وذکر ممن روی عنه عامر = داخل ترجمة أخرى أما مظنة ذلك في الكتاب المذكور فلم أظفر به فيها . (١) ((الجرح والتعديل)) لابن أبي حاتم ٢/ ٤٥٩. ((الجرح والتعديل)) لابن أبي حاتم ٢ / ٤٥١ . (٢) (٣) الإصابة ١/ ٢٠٩. (٤) المسند ٤/ ٢٢٠. (٥) المعرفة والتاريخ ليعقوب بن سفيان الفسوي ١/ ٣٢٣. (٦) تهذيب التهذيب ٢ / ١٧ . (٧) الاستيعاب (هامش الإصابة ١/ ١٩٢). ٢٠٤ التصحيف وأثره في الحديث ابن سعد(١) . من فقه هذا الفصل وفوائده أن التصحيف في أسماء الرواة - والصحابة على الخصوص - نتج عنه ما سماه العلماء بـ ((الجمع والتفريق)). وأن الجمع والتفريق في أسماء الصحابة نتج عنه الخلاف في عددهم عند المصنفين في تراجم الصحابة، فالذي يجعل الواحد اثنين - بسبب التصحيف - يزيد عددهم عنده، والذي يوحد بين الاثنين والثلاثة - بسبب التصحيف - یکون عددهم عنده أقل . ويمكن أن يترتب على هذا أيضاً تعدد شواهد الحديث، عند من يعدد الصحابي الواحد، والخلاف في عدد الأحاديث عند من يعتبر الشاهد حديثاً مستقلاً . أما التفريق في أسماء الرواة - غير الصحابة - فيمكن أن يترتب عليه اعتبار الراوي الذي تصحف اسمه متابعاً لنفسه، واعتبار طريقه طريقاً آخر. (١) الاستيعاب (هامش الإصابة ١ / ١٩٧). المبحث الثاني: الزوائد في علم الرجال ٢٠٧ التصحيف وأثره في علم الرجال الزوائد في علم الرجال اشتهر عند المحدثين التأليف في علم الزوائد، سواء في الأحاديث أو في الرجال. والزوائد أن يفرد محدث بالتأليف ما وقع لديه من أحاديث زائدة على كتاب أو كتب معينة، أو يتعقب من سبقه في إيراد تراجم رواة أغفلها صاحب تأليف خاص في علم الرجال. وهذا النوع الثاني، وهو الزوائد في علم الرجال، نهض للتأليف فيه جماعة من المحدثين الحفاظ المتقنين، إذ إفراد هذا النوع لا يتأتى إلا لمن أتى على استيعاب، ومعرفة جميع الرواة المترجمين لدى من سبقه بالتأليف، ثم وقف من خلال تتبعه ومطالعاته في كتب أخرى على رواة آخرين لم يتم ذكرهم وترجمتهم في تلك التآليف السابقة . ومن الحفاظ الذين اشتهروا بالتأليف في الزوائد في علم الرجال: أبو عبد الله محمد بن علي بن حمزة الحسيني، والحافظ نور الدين الهيثمي، والإمام أبو زرعة ابن الحافظ العراقي. وللحافظ ابن حجر العسقلاني في الزوائد في علم الرجال، جهود هامة منثورة في كتبه في علم الرجال وفي شرحه على صحيح البخاري. وقصدي هنا أن بعض تلك الزوائد في علم الرجال ناتجة عن تصحيفات وقعت لبعض من ألف في الزوائد في أسماء رواة معينين فاعتقد - بعد التغيير الذي حصل في تلك الأسماء - إغفالها من طرف من سبقه، فاستدركها وجعلها من الزوائد. وهي في حقيقة أمرها إما أنها مترجمة على الصواب لدى من سبقه، أولا حقيقة لها على الوجه المستدرك. وهذه بعض النماذج التي وقفنا عليها في كتب الرجال، نبه عليها بعض الأئمة: ٢٠٨ التصحيف وأثره في الحديث النموذج الأول : روى الإمام الشافعي من طريق ابن عيينة عن إبراهيم بن أبي خداش بن عتبة بن أبي لهب أنه سمع ابن عباس يقول للمملوكين: أطعموهم مما تطعمون وألبسوهم مما تلبسون(١) . وقع تصحيف في سند هذا الحديث في إحدى نسخ مسند الشافعي حيث وقع هكذا ((عن إبراهيم بن أبي خداش عن عتبة بن أبي لهب عن ابن عباس)) فتصحفت ((ابن عتبة)) فصارت ((عن عتبة)). فأورد الحديث الحافظ محمد بن علي بن حمزة الحسيني في كتابه ((التذكرة برجال العشرة)) في ترجمة ((عتبة بن أبي لهب)) وأشار في ترجمة المذكور أنه من زوائد الشافعي. والصواب أن الحديث من رواية إبراهيم بن أبي خداش بن عتبة بن أبي لهب عن ابن عباس. أما عتبة بن أبي لهب فلا رواية له، والدليل على ذلك ما يلي: ١ - قول البخاري في ترجمته: ((إبراهيم بن أبي خداش الهاشمي اللهبي المكي سمع ابن عباس روى عنه ابن عيينة ... )) (٢). ٢ - قول ابن أبي حاتم: ((إبراهيم بن أبي خداش بن عتبة بن أبي لهب الهاشمي اللهبي، روى عن ابن عباس، روى عنه ابن جريج وابن عيينة))(٣). فلم يذكر البخاري، ولا ابن أبي حاتم، ولا غيرهما في شيوخ إبراهيم بن أبي خداش غير ابن عباس. (١) ((كتاب الأم)) للشافعي: كتاب القرعة والنفقة على الأقارب ١٠٩/٥ (وقع في المطبوع على التصحيف). (٢) ((التاريخ الكبير)) ١/ ٢٨٤. (٣) ((الجرح والتعديل)) ٢ / ٩٨. ٢٠٩ التصحيف وأثره في علم الرجال ٣ - قول الحافظ ابن حجر تعقيباً على الحافظ الحسيني: ((وقد وقع له تصحيف، فإن إبراهيم سمع من ابن عباس، ليس بينهما واسطة، وعتبة جده لأبيه، فكأنه كان فيه («إبراهيم بن أبي خداش بن عتبة بن أبي لهب عن ابن عباس)) فتصحف ((ابن)) فصارت ((عن)) فنشأ عن ذلك خطأ آخر بينته في ترجمة عتبة بن أبي لهب))(١) . وقال أيضاً في ترجمة عتبة بن أبي لهب تعقيباً على قول الحسيني: ((روى عتبة عن ابن عباس أنه قال في المملوكين: ((أطعموهم مما تأكلون واكسوهم مما تکتسون» رواه عنه إبراهیم بن أبي خداش» . قال ابن حجر: «قلت: وقع كما قال في نسخة من مسند الشافعي، والحديث المذكور مخرج من (كتاب الأم) للإمام الشافعي في كتاب القرعة والنفقة على الأقارب ولفظه ((أخبرنا ابن عيينة عن إبراهيم بن أبي خداش بن عتبة بن أبي لهب أنه سمع ابن عباس يقول للمملوكين: ((أطعموهم مما تطعمون وألبسوهم مما تلبسون)» . هكذا في النسخ المعتمدة ((ابن أبي خداش بن عتبة بن أبي لهب)) فالحديث من رواية إبراهيم عن ابن عباس)) (٢) . وبعد أن عرفنا أن تصحيفاً وقع للحافظ الحسيني في سند هذا الحديث حيث تصحفت ((ابن عتبة)) فصارت ((عن عتبة)) نقول: إن عتبة بن أبي لهب لا رواية له، ولهذا لا يصح أن يكون من زوائد مسند الشافعي كما ذهب الحافظ الحسيني. (١) تعجيل المنفعة ص ١٥ - ١٦ . (٢) تعجيل المنفعة ص ٢٨٠. ٢١٠ التصحيف وأثره في الحديث النموذج الثاني : قال الإمام أحمد رحمه الله: ((ثنا حسين ثنا أبو أويس ثنا كثير بن عبد الله ابن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده أن رسول الله عَّهُ أَقْطَعَ (١) بلال بن الحارث المزني من معادن القَبَليَّةِ(٢)، جَلْسيَّهَا وغَوْريَّهَا(٣) ، وحيث يصلح للزرع من قُدْس(٤) ولم يعطه حق مسلم وكتب له النبي عَّه: ((بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أعطى محمد عَّ رسول الله عَّه بلال بن الحارث المزني أعطاه (١) قال ابن الأثير: ((وفي حديث أبيض بن حَمَّال ((أنه استقطعه الملح الذي بمأرب)) أي سأله أن يجعله له قطاعاً يتملكه ويستبد به وينفرد. والإقطاع يكون تمليكاً وغير تمليك. ومنه الحديث ((لما قدم المدينة أقطع الناس الدور)) أي أنزلهم في دور الأنصار)). ((النهاية في غريب الحديث)) ٤ / ٨٢. وقال الفيومي: ((وأقطع الإمام الجند البلد إقطاعاً: جعل لهم غلتها رزقاً)). ((المصباح المنير)) ص ١٩٤ . (٢) قال ابن الأثير: ((وفيه أنه أقطع بلال بن الحارث معادن القبلية، جلسيها، وغوريها)) القبلية منسوبة إلى قَبَل - بفتح القاف والباء - وهي ناحية من ساحل البحر، بينها وبين المدينة خمسة أيام. وقيل: هي من ناحية الفرع، وهو موضع بين نخلة والمدينة. هذا هو المحفوظ في الحديث)) ((النهاية في غريب الحديث)) ٤ / ١٠ . (٣) قال ابن الأثير: ((فيه ((أنه أقطع بلال بن الحارث معادن الجبيلية غوريها وجلسيها)) الجلس: كل مرتفع من الأرض، ويقال لنجد جلس أيضاً. وجلس يجلس فهو جالس: إذا أتى نجداً، وفي كتاب الهروي: معادن الجبلية، والمشهور معادن القبلية بالقاف، وهي ناحية قرب المدينة)))) النهاية ١ / ٢٨٦. وقال ابن الأثير في موضع آخر: «فيه «أنه أقطع بلال بن الحارث معادن القبلية، جلسيها وغوريها)» الغور: ما انخفض من الأرض، والجلس: ما ارتفع منها. تقول: غار إذا أتى الغور، وأغار أيضاً، وهي لغة قليلة)) النهاية ٣/ ٣٩٣. (٤) قُدْس: قال ابن الأثير: ((هو بضم القاف وسكون الدال: جبل معروف. وقيل هو الموضع المرتفع الذي يصلح للزراعة)) ((النهاية في غريب الحديث)) ٤/ ٢٤. ٢١١ التصحيف وأثره في علم الرجال معادن القبلية جلسيها وغوريها وحيث يصلح للزرع من قُدْسٍ، ولم يعطه حق مسلم)))). وقال الإمام أحمد أيضاً: ((ثنا حسين ثنا أبو أويس قال حدثني ثور بن زيد مولى بني الديل بن بكر بن كنانة(١) عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي ◌َّ مثله))(٢). هذا السند الثاني لهذا الحديث وقع فيه تصحيف للحافظ الحسيني، حيث أورده في ((التذكرة برجال العشرة)) فقال: ((بكر بن كنانة، عن عكرمة، وعنه ثور بن زيد، لا يُدرى من هو))(٣) . فتصحفت عليه ((بن بكر)) إلى ((عن بكر)) ومن ثم أورد ((بكر بن كنانة)) على أنه من زوائد الإمام أحمد بن حنبل، وقد تابعه على هذا الخطأ الإمام أبو زرعة ابن الحافظ العراقي في كتابه (ذيل الكاشف). والحق أن هذا الرجل ليست له رواية، بل لم يدرك الإسلام، فهو جد القبيلة التي تنتهي إليها بطون كثيرة . قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: ((بكر بن كنانة عن عكرمة وعنه ثور بن زيد لا يُدرى من هو. قلت: تبعه ابن شيخنا ولكن قال: ((لا أعرفه)) فأنصف في هذه اللفظة مع أن ذكره خطأ فاحش نشأ عن تصحيف، فإن هذا الرجل ليست له رواية، بل هو جاهلي، وهو جد القبيلة المشهورة التي تنتهي إليها بطون كثيرة، مثل بني ضمرة وبني الدئل. وبينه وبين من أسلم من أحفاده (١) في مطبوع المسند (ابن كنان) وهو تصحيف مطبعي. (٢) مسند الإمام أحمد ١/ ٣٠٦. (٣) راجع ((تعجيل المنفعة بزوائد الأئمة الأربعة)) للحافظ ابن حجر ص ٥٥. ٢١٢ التصحيف وأثره في الحديث عدة آباء))(١) . وقد بينت رواية أبي داود الصواب في هذا السند الذي تصحف على الحسيني، فقد أخرج الحديث في سننه من طريق الحسين بن محمد به. ثم قال رحمه الله: ((قال أبو أويس: وحدثني ثور بن زيد مولى بني الديل بن بكر ابن كنانة عن عكرمة عن ابن عباس مثله»(٢) . فراوية أبي داود هذه تبين أن شيخ ثور بن زيد في هذا الحديث هو عكرمة. ولهذا قال الحافظ ابن حجر: ((وثور بن زيد معروف بالرواية عن عكرمة بغير واسطة والله أعلم))(٣) . والخلاصة هنا أن بكر بن كنانة ليست له رواية في هذا الحديث وأنه ليس من رجال أحمد حتى يجعل من زوائده، كما فعل الحافظ الحسيني وتبعه على ذلك الحافظ أبو زرعة ابن الحافظ العراقي رحمه الله. النموذج الثالث : قال الإمام أحمد رحمه الله: ((حدثنا أبو معاوية، ثنا الحجاج، عن حماد، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله أن رسول الله عَّه كان ينام مستلقياً حتى ينفخ ثم يقوم فيصلي ولا يتوضأ)). ثم قال الإمام أحمد: حدثناه إسماعيل بن محمد قال: ثنا يحيى بن زكريا، ثنا حجاج عن فضيل، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله عن النبي عَّه فذكره(٤). (١) ((تعجيل المنفعة)) ص ٥٥ . (٢) سنن أبي داود ٣/ ٤٤٤ -٤٤٥ ح ٣٠٦٢ كتاب الخراج والإمارة والفيء: باب [في] إقطاع الأرضين . (٣) ((تعجيل المنفعة)) ص ٥٥ . (٤) المسند ١/ ٤٢٦. ٢١٣ التصحيف وأثره في علم الرجال هذا الحديث وقع في سنده تصحيف للحافظ الحسيني في طريقه الثاني، حيث صار عنده ((حجاج بن فضيل)) بدل ((حجاج عن فضيل)) فأفرد ترجمة للحجاج بن فضيل على أنه من زوائد الإمام أحمد رحمه الله قال: ((حجاج بن فضيل عن إبراهيم وعنه يحيى بن زكريا. لا يعرف)). قال ابن حجر: ((هذا خطأ نشأ عن تصحيف)) (١) والصواب أن الحديث من رواية الحجاج، وهو ابن أرطاة عن فضيل بن عمرو الفُقَّيْمي . وقد روى ابن ماجه الحديث على الصواب قال رحمه الله: ((حدثنا عبد الله بن عامر بن زرارة، ثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن حجاج، عن فضيل بن عمرو، عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله أن رسول الله ◌َّ نام حتى نفخ ثم قام فصلى)»(٢) . والمقصود هنا أن هذا التصحيف الذي وقع فيه الحافظ الحسيني ترتب عليه اعتبار ((حجاج بن فضيل)) من زوائد الإمام أحمد، في حين أن هذا الراوي بهذا الاسم لا حقيقة له، فالصواب في اسمه أنه ((حجاج بن أرطاة)» وقد روى له الأربعة ومسلم وهو مترجم في تهذيب الكمال فلا يصح جعله من الزوائد . النموذج الرابع : قال الإمام أحمد رحمه الله: ((ثنا سليمان بن داود قال: أخبرنا حسين قال: ثنا إسماعيل بن جعفر. قال: أخبرني عمرو عن حبيب بن هند الأسلمي عن عروة عن عائشة أن النبي عَّه قال: ((من أخذ السبع الأول فهو حَبْرُ)))(٣) . (١) راجع ((تعجيل المنفعة)) للحافظ ابن حجر ص ٨٧ . (٢) سنن ابن ماجه ١/ ١٦٠ ح ٤٧٥ كتاب الطهارة وسننها: باب الوضوء من النوم. (٣) المسند ٦ / ٧٣ وقد حصل في المطبوع تصحيف حيث وقع (أخبرني عمرو بن حبيب) = ٢١٤ التصحيف وأثره في الحديث هذا الحديث حصل في سنده تصحيف للحافظ الحسيني، حيث وقع عنده هكذا (عمرو بن حبيب بن هند الأسلمي) فأورده في ((التذكرة)) على أنه من زوائد أحمد بن حنبل . قال رحمه الله: ((عمرو بن حبيب بن هند الأسلمي. عن عروة عن عائشة رضي الله عنها، وعنه إسماعيل بن جعفر ليس بمشهور)) فتعقبه الحافظ ابن حجر بقوله: ((قلت: بل لا وجود له، ولا رواية في مسند أحمد، ولا في غيره، وإنما هو خطأ نشأ عن تصحيف. ثم قال: فكأن النسخة التي وقعت له وقع فيها ((أخبرني عمرو بن حبيب)) فتصحفت ((عن)) فصارت ((بن)) فتركب من ذلك اسم وهو عمرو بن حبيب ولا وجود له والله أعلم))(١) . والدليل على صحة ما ذهب إليه ابن حجر من وقوع التصحيف في هذا السند أمور : ١ - ورود الحديث عند الإمام أحمد نفسه في موضع آخر على الصواب. فقد أخرجه من طريق أبي سعيد قال: ثنا سليمان بن بلال قال: ثنا عمرو بن أبي عمرو عن حبيب بن هند به (٢) . فقد بين هذا الطريق أن المقصود بعمرو ((عمرو بن أبي عمرو)) وهو مولى المطلب . ٢ - أخرج الحديث على الصواب الحاكم في ((المستدرك)) والخطيب = والصواب (عمرو عن حبيب) وقد أخرجه الإمام أحمد من طريق أبي سعيد قال: ثنا سليمان بن بلال قال: ثنا عمرو بن أبي عمرو عن حبيب بن هند عن عروة به. فوقع في هذا الموضع على الصواب. فراجعه ٦/ ٨٢. (١) راجع ((تعجيل المنفعة)) لابن حجر ٣٠٨ -٣٠٩. (٢) المسند ٦ / ٨٢. ٢١٥ التصحيف وأثره في علم الرجال البغدادي في ((تاريخ بغداد)) وابن الجوزي في ((العلل المتناهية في الأحاديث الواهية))(١) من طريق عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب عن حبيب بن هند الأسلمي به. وقال الحاكم: ((صحيح الإسناد)) ووافقه الذهبي، وقال ابن الجوزي: ((هذا حديث لا يصح عن رسول الله عَّه، وفيه عمرو بن أبي عمرو، قال يحيى: ((لا يحتج بحديثه))))(٢) . ٣ - قال ابن أبي حاتم: ((حبيب بن هند بن أسماء بن هند بن حارثة الأسلمي ... روى عنه عبد الله بن أبي بكر وعمرو بن أبي عمرو وابن حرملة، سمعت أبي يقول ذلك. قال أبو محمد(٣): روى عن عروة بن الزبير))(٤) . ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعدیلاً. ونقل عن البخاري مثل قول أبي حاتم في ترجمة حبيب بن هند. وكل هذا يدل على أن قول الحسيني في تذكرته ((عمرو بن حبيب)) تصحيف، وأن هذا الراوي بهذا الاسم لا حقيقة له، ولا رواية، لا في المسند ولا خارجه. فلا يصح أن يكون من الزوائد. كما أن عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب، ليس من زوائد أحمد، بل هو مترجم في ((تهذيب الكمال)) وروايته عند الجماعة(٥) . (١) الحاكم في المستدرك ١ / ٥٦٤. والخطيب البغدادي في ((تاريخ بغداد)) ١٠ / ١٠٨. وابن الجوزي في ((العلل المتناهية في الأحاديث الواهية)) ١/ ١١١ ح ١٤٩. أبواب في ذكر القرآن باب فضل السبع الأول. (٢) ((العلل المتناهية)) ١/ ١١٢. يعني ابن أبي حاتم . (٣) ((الجرح والتعديل)) لابن أبي حاتم ٣/ ١١٠. (٤) (٥) راجع ((تهذيب التهذيب)) لابن حجر ٨/ ٨٢ و ((تقريب التهذيب)) ٢/ ٧٥. ٢١٦ التصحيف وأثره في الحديث قوله عَّه في الحديث ((فهو حَبْرٌ)) بكسر الحاء المهملة، وفتحها وسكون الباء الموحدة. كذا وقع في المسند و(تاريخ بغداد)) و((العلل المتناهية)) ومعنى حبر أي عالم. ووقع في ((المستدرك)) و (( الجامع الصغير)) للسيوطي وشرحه ((فيض القدير)) للمناوي(١) ((فهو خير)) بالخاء المعجمة والياء المثناة - من تحت - الساكنة. وكذا في نسخة من ((العلل المتناهية)) كما أشار محققه. والمقصود بـ ((السبع الأول)) السبع الطُّوَّل وهي: سورة البقرة - سورة آل عمران - سورة النساء - سورة المائدة - سورة الأنعام - سورة الأعراف - سورة التوبة . النموذج الخامس : قال الإمام أحمد بن حنبل: ((ثنا إسماعيل بن إبراهيم ثنا محمد بن إسحاق قال: حدثني عبد الله بن المغيرة بن معيقيب عن سليمان بن عمرو بن عبد العُتْواري حدثني ليث : وكان يتيماً في حجر أبي سعيد - قال أبو عبد الرحمن: قال أبي: ((سليمان بن عمرو هو أبو الهيثم الذي يروي عن أبي سعيد)) - قال: سمعت أبا سعيد يقول: سمعت رسول الله عليه يقول: (يوضع الصراط بين ظهري جهنم عليه حَسَنٌ كحسك السَّعْدَان ثم يستجيز الناس فَنَاجٍ مُسَلَّمُ ومخدوج (٢) به، ثم ناج ومحتبس به منكوس فيها، فإذا فرغ الله عز وجل من القضاء بين العباد يفقد المؤمنون رجالاً كانوا معهم في الدنيا يصلون بصلاتهم، (١) ((فيض القدير)) للمناوي ٦/ ٤١. (٢) في المطبوع من المسند (مجدوح) بالجيم ثم دال ممدودة وآخرها حاء مهملة، والتصويب من رواية ابن ماجه في سننه وابن خزيمة في ((التوحيد)). ٢١٧ التصحيف وأثره في علم الرجال ويزكون بزكاتهم، ويصومون صيامهم، ويحجون حجهم ويغزون(١) غزوهم. فيقولون: أي ربنا عباد من عبادك، كانوا معنا في الدنيا يصلون صلاتنا ويزكون زكاتنا ويصومون صيامنا ويحجون حجنا ويغزون غزونا لا نراهم. فيقول: اذهبوا إلى النار فمن وجدتم فيها منهم فأخرجوه. قال: فيجدونهم قد أخذتهم النار على قدر أعمالهم فمنهم من أخذته إلى قدميه، ومنهم من أخذته إلى نصف ساقيه، ومنهم من أخذته إلى ركبتيه، ومنهم من أزرته، ومنهم من أخذته إلى ثدييه، ومنهم من أخذته إلى عنقه - ولم تغش الوجوه - فيستخرجونهم منها فيطرحون في ماء الحياة. قيل: يا رسول الله وما الحياة؟ قال: غسل أهل الجنة فينبتون نبات الزرعة،- وقال مرة فيه: كما تنبت الزرعة في غثاء السيل - ثم يشفع الأنبياء في كل من كان يشهد أن لا إله إلا الله مخلصاً فيخرجونهم منها. قال: ثم يتحنن الله برحمته على من فيها فما يترك فيها عبداً في قلبه مثقال حبة من إيمان إلا أخرجه منها، (٢). سند هذا الحديث كما ورد في ((المسند)) - المطبوع - وقع فيه تصحيف في قوله: ((عن سليمان بن عمرو بن عبد العُتْوَاري حدثني ليث)) وصوابه ((عن سليمان بن عمرو بن عبد العتواري أحد بني ليث)) سقطت الألف من قوله ((أحد بني ليث)) وصحفت (بني)) بـ ((ثني)) فقرئت حينئذ ((حدثني ليث)) للتشابه الحاصل بين رسم الكلمتين . وهذا التصحيف في قراءة الكلمتين وقع لابن المحب الطبري في ترتيبه للمسند، فذهب إلى أن راوي هذا الحديث عن أبي سعيد الخدري هو ليث. (١) في المطبوع من المسند (ويغزونا) بالألف آخره وهو تصحيف. والصواب أنه بحذف الألف كما وقع عند ابن خزيمة في ((التوحيد)). (٢) مسند الإمام أحمد ٣/ ١١ -١٢. ٢١٨ التصحيف وأثره في الحديث وقد تبعه على ذلك كثير من المحدثين. قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: ((ليث عن أبي سعيد: وعنه أبو الهيثم العتواري هكذا ترجم له ابن المحب في ترتيب المسند، وتبعه كثير ، وهو غلط نشأ عن تصحيف، وقد سلم منه الحسيني ومنه تبعه))(١) . والدليل على أن ما ذهب إليه ابن المحب تصحيف ما يلي: ١ - جاء في هذا الحديث في المسند قول عبد الله أبي عبد الرحمن ابن الإمام أحمد (قال أبو عبد الرحمن: قال أبي: سليمان بن عمرو هو أبو الهيثم الذي يروي عن أبي سعيد)(٢) . ٢ - قال ابن أبي حاتم: ((سليمان بن عمرو بن عبد العتواري، مصري، أبو الهيثم، صاحب(٣) أبي سعيد الخدري، روى عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة وأبي بصرة الغفاري، روى عنه دراج أبو السمح، وعبيد الله بن المغيرة، سمعت أبي يقول ذلك. حدثنا عبد الرحمن أنا أبو بكر بن أبي خيثمة فيما كتب إلى قال : سمعت يحيى بن معين يقول: ((أبو الهيثم، صاحب أبي سعيد اسمه سليمان بن عمرو العتواري وهو مصري، ثقة)) (٤) . ٣ - قال الحافظ أبو الحجاج المزي: ((سليمان بن عمرو بن عبدة(٥) ويقال (١) راجع ((تعجيل المنفعة)) ص ٣٥٦. (٢) المسند ٣/ ١١. (٣) مصطلح ((صاحب)) عند المحدثين يعني تلميذ. ((الجرح والتعديل)) لابن أبي حاتم ٤ / ١٣١ - ١٣٢. (٤) (٥) كذا في المطبوع من التهذيب ((عبدة)) بالهاء آخره، ولم أره كذلك في سائر المصادر، فلعله تصحيف مطبعي . ٢١٩ التصحيف وأثره في علم الرجال عبيد الليثي العتواري، أبو الهيثم المصري. روى عن أبي سعيد الخدري - وكان في حجره - وأبي هريرة وأبي نضرة (١) . وعنه دراج أبو السمح، وكعب ابن علقمة، وعبيد الله بن زَحْر، وعبيد الله بن المغيرة بن معيقيب، وغيرهم))(٢). ٤ - قال الحافظ ابن حجر: ((سليمان بن عمرو بن عبد أو عبيد الليثي أبو الهيثم المصري، ثقة من الرابعة))(٣). ٥ - وقال ابن حجر أيضاً: ((وسبب الغلط أن قوله ((حدثني ليث)) سقط من أوله ألف، وإنما هو أحد بني ليث، فتصحفت وظنها ابن المحب حدثني بصيغة التحديث، وليس كذلك وإنما هو ((أحد)) بفتح الألف والحاء، وبني بموحدة مفتوحة ونون مكسورة من البنوة، وإنما قال ذلك لأن العتواري من بني عتوارة بطن من بني ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، وسليمان أبو الهيثم هو الذي كان في حجر أبي سعيد)) (٤). فهذه النقول عن هؤلاء الأئمة تدل على أن الصواب في هذا الإسناد (سليمان بن عمرو بن عبد العتواري أحد بني ليث)) لأن سليمان هذا تلميذ أبي سعيد الخدري كما توارد على ذلك المترجمون؛ ولأنه من بني ليث فعلاً؛ ولأنه هو الذي كان في حجر أبي سعيد الخدري. والدليل على هذا: (١) كذا في التهذيب ((نضرة)) بالنون والضاد المعجمتين، وهو تصحيف مطبعي صوابه («أبي بصرة)» بالباء الموحدة والصاد المهملة، وهو الغفاري كما تقدم عن ابن أبي حاتم في الصفحة السابقة. ورواية سليمان بن عمرو العتواري عن أبي بصرة الغفاري ثابتة في ((المعرفة والتاريخ)) للفسوي ٢/ ٤٩٣ . (٢) تهذيب التهذيب ٤/ ٢١٢ - ٢١٣. (٣) ((تقريب التهذيب)) ١/ ٣٢٩. (٤) ((تعجيل المنفعة)) ص ٣٥٦. ٢٢٠ التصحيف وأثره في الحديث ٦ - قال ابن خزيمة: ((حدثنا مؤمل بن هشام اليشكري قال: ثنا إسماعيل ابن إبراهيم الأسدي قال: أخبرنا محمد بن إسحاق قال: حدثني عبيد الله بن المغيرة بن معيقيب عن سليمان بن عمرو بن عبيد العتواري أحد بني ليث - وكان في حجر أبي سعيد - قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: سمعت رسول الله عَّ يقول :... )) فذكره(١) بتمامه. ٧ - قال ابن ماجه: ((حدثنا أبو بكر، ثنا عبد الأعلى عن محمد بن إسحاق. حدثني عبيد الله بن المغيرة، عن سليمان بن عمرو بن عبد العتواري، أحد بني ليث، قال (وكان في حجر أبي سعيد) قال: سمعته (يعني أبا سعيد) يقول: قال رسول الله عَّه يقول(٢): ((يوضع الصراط بين ظهراني جهنم على حسك كحسك السعدان. ثم يستجيز الناس فناج مسلم ومخدوج. ثم ناج ومحتبس به ومنكوس فيها،(٣). هكذا ذكره ابن ماجه مختصراً. والخلاصة أن هذا التصحيف الذي وقع في هذا السند ترتب عليه اعتبار هذا الحديث من رواية ((ليث عن أبي سعيد الخدري)) في حين أن هذا الراوي لا حقيقة له، وبالتالي لا ينبغي أن يترجم له على أنه من زوائد الإمام أحمد في المسند ولا أن يُعْتَبَر من أصحاب أبي سعيد الخدري . غريب الحديث : قوله عَّة: ((حَسَك)) جمع حَسكَة نبات تعلق ثمرته بصوف الغنم، ورقه كورق الرجلة وأدق . (١) ((كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب)) لابن خزيمة ٣٢٥ -٣٢٦. (٢) كذا في سنن ابن ماجه. (٣) ((سنن ابن ماجه)) ٢/ ١٤٣٠ ح ٤٢٨٠ كتاب الزهد: باب ذكر البعث. ٢٢١ التصحيف وأثره في علم الرجال قوله تعَّ: ((السَّعْدَان) نبت ذو شوك وهو من جيد مراعي الإبل تسمن عليه(١). وقوله: ((منكوس فيه)، أي منقلب وواقع فيها . قبل أن أغلق ((باب التصحيف وأثره في الحديث)) أذكر القارئ الكريم بأن البحث في أثر التصحيف في الحديث أغنى منه في الفقه وغيره، وذلك لطبيعة خصوبة علم الحديث وغنائه وتشعب أطرافه، وخطورة الخوض فيه بدون خطم ولا أزمة .. . ولعلك أخي القارئ لمست خلال هذا الباب بعض ما يصّدق ذلك، وبه تعلم أن قول من يقول إن علم الحديث علم نضج واحترق لا أساس له من الصحة بل هو البحر الذي لا يظمأ وارده ولا ینضب معينه. (١) ((النهاية)) لابن الأثير ٢/ ٣٦٧.