النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠٢
التصحيف وأثره في الحديث
ولو مشينا على هذا التصحيف الذي وقع في هذا اللفظ ((وَضَّاح))
واعتبرنا أبا عوانة من الكذّابين، للزم أن نرد الأحاديث التي رواها، وأن
نعتبرها في عداد الأحاديث الموضوعة، ونكون بذلك قد رددنا جانباً من
السنة، وهو مرويات أبي عوانة، وهو إمام حافظ متفق على توثيقه وجلالته.
النموذج الثالث
((كَادَتْ واللَّه)) ﴾ ((كَاذبٌ والله))
قال العقيلي : ((حدثنا أحمد بن علي الأبار، قال: سمعت مجاهد بن
موسى المخرمي يقول: دخلنا على عبد الرحمن بن مهدي في بيته فرفع إليه
حارث النقال رقعة حديث مقلوب، فجعل يحدثه حتى كاد أن يفرغ، ثم
فطن فنقده ورمى به. قال: ((كَاذبٌ والله، كَاذبٌ والله))) (١) .
أورد الإمام الذهبي هذه القصة في ((الميزان))(٢) على أنها مما ثلب به
الحارث بن سُرَيْج النقال، غير أن هذه القصة وقع فيها تصحيف وحذف،
فقد أوردها الخطيب البغدادي في ((الجامع)) على الصواب والتمام، قال
رحمه الله: ((قرأت على محمد بن أبي القاسم الأزرق عن دعلج بن أحمد، أنا
أحمد بن علي الأبار قال: سمعت مجاهداً وهو ابن موسى يقول: دخلنا على
عبد الرحمن بن مهدي في بيته فدفع إليه - يعني حارثاً النقال - رقعة فيها
حدیث مقلوب فجعل يحدثه حتی کاد أن يفرغ ثم فطن فنقده فرمی به وقال :
((كَادَتْ والله تمضي، كَادَتْ والله تمضي))))(٣) .
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: ((وهذه الحكاية التي عن ابن مهدي
(١) الضعفاء الكبير للعقيلي ١/ ٢٢٠.
(٢) ميزان الاعتدال ١/ ٤٣٣ - ٤٣٤ .
(٣) كتاب ((الجامع لآداب الراوي وأخلاق السامع)) للخطيب البغدادي ١ / ٧١ .

١٠٣
التصحيف وأثره في ألفاظ الجرح والتعديل
وقع فيها تصحيف أدى إلى ثلب الحارث، فقد حكى هذا الحافظ أبو بكر
الخطيب في الجزء الثاني من الجامع في (باب امتحان الراوي بقلب
الأحاديث)))). فذكر القصة المتقدمة عن الخطيب ... ثم قال ابن حجر:
((فحذف المؤلف(١) قوله ((تمضي)) وصحف ((كَادَتْ)) بـ ((كاذب)) وما مراد ابن
مهدي إلا كادت تمضي عليّ زلة، وهذا يدل على جودة امتحان الحارث
وحفظه، وعلى حفظ ابن مهدي وتثبته والله أعلم))(٢).
قلت: وقد حدا بالذهبي وغيره إلى حمل كلام ابن مهدي في الحارث
على الكذب ما رواه العقيلي وابن عدي في ((الكامل)) عن عبد الله بن أحمد بن
حنبل قال: قلت ليحيى بن معين: ((إن حارثاً النقال يحدث عن ابن عيينة عن
عاصم بن كليب حديث وائل بن حجر ((أتيت النبي - عليه السلام ولي
شَعَرٌ ... )).
قال: كل من حدث بحديث عاصم بن كليب عن ابن عيينة فهو كذاب
خبيث، ليس حارث بشيء)) (٣) .
وانطلاقاً من قولة ابن معين هذه حكم ابن عدي على الحارث بن سريج
بأنه «ضعیف یسرق الحدیث)).
والمقصود من كلام ابن معين أن الحارث بن سريج لا يعرف له سماع من
سفيان بن عيينة فكيف يروي حديث وائل عنه؟ فإما أنه كذب، وإما أنه
سرقه ! .
(١) يقصد ابن حجر بالمؤلف هنا الذهبي مؤلف ((الميزان)) وقد قدمنا القصة عن العقيلي،
والذهبي إنما نقل عنه، فالتصحيف في هذه القصة ألصق بالعقيلي منه بالذهبي .
(٢) ((لسان الميزان)) لابن حجر ٢/ ١٤٩ - ١٥٠ .
(٣) الضعفاء الكبير للعقيلي ١/ ٢١٩ - ٢٢٠ والكامل لابن عدي ٢/ ٦١٥.

١٠٤
التصحيف وأثره في الحديث
والجواب: أن الحديث إنما هو من رواية الثوري أخذه عنه سفيان بن
عقبة(١) ، وعنه أخذه الحارث بن سريج، فتصحف عليه ((سفيان بن عقبة)) بـ
((سفيان بن عيينة)) وأسقط منه الثوري.
قال العقيلي: ((وهذا الحديث ليس من رواية ابن عيينة، وإنما هو من
حديث الثوري، وهو من حديثه أيضاً، ليس بالمشهور أيضاً، رواه عنه يحيى
ابن سعيد القطان، ومعاوية بن هشام، وسفيان بن عقبة، أخو قبيصة بن
عقبة، وأبو حذيفة، ولعل الحارث إنما رواه من حديث سفيان بن عقبة، فظنه
سفيان بن عيينة فحدث به عن سفيان بن عيينة))(٢) .
قلت: ومما ينزه الحارث عن الكذب ما ورد في حقه من توثيق. قال
إبراهيم بن عبد الله بن الجنيد: ((سُئل يحيى بن معين وأنا أسمع عن حارث
النقال وأحمد بن إبراهيم الموصلي فقال: ((ثقتين، صدوقين))(٣) .
وقال فيه ابن معين أيضاً : ((حارث النقال، قد سمع، ما هو من أهل
الكذب ... ))(٤).
وأورده ابن حبان في ((الثقات)) وقال: ((أصله من خوارزم، سكن بغداد،
يروي عن المعتمر وأهل العراق، سمعت الحسن بن سفيان يقول: سمعت
الحارث بن سريج النقال يقول: ((أنا حملت رسالة الشافعي إلى عبد الرحمن
ابن مهدي، فجعل يتعجب ويقول: لو كان أقل ليفهم، لو كان أقل
(١) سفيان بن عقبة - بعين مهملة وباء موحدة بينهما قاف ساكنة - السوائي الكوفي أخو
قبيصة، صدوق من التاسعة روى عن الثوري والجراح بن مليح وحسين المعلم وغيرهم.
راجع ((تهذيب التهذيب)) ٤/ ١١٦ و((تقريب التهذيب)) لابن حجر ١ / ٣١١.
(٢) الضعفاء الكبير للعقيلي ١/ ٢٢٠.
تاريخ بغداد للخطيب البغدادي ٨ / ٢١٠.
(٣)
(٤) تاريخ بغداد للخطيب البغدادي ٨/ ٢١٠.

١٠٥
التصحيف وأثره في ألفاظ الجرح والتعديل
لیفهم))(١) .
فالحاصل هنا أن التصحيف والسقط - في النص الأول - اللذين وقعا
للعقيلي، والتصحيف والسقط اللذين وقعا للحارث في حديث وائل بن
حجر كان من نتائجهما رمي الحارث بن سريج بالكذب وسرقة الحديث وهو
براء من ذلك کله .
ولا شك أنه ليس هناك قدح أعظم من القدح بالكذب، ألا يدل ذلك
على خطر التصحيف وأثره البليغ في ألفاظ الجرح والتعديل!؟ .
ثم إن خطأ الحارث بن سريج وتصحيفه في حديث وائل بن حجر لا
يعدل به عن مرتبة العدالة إلى مرتبة الكذب وسرقة الحديث، خصوصاً أن
التصحيف لم يصدر منه إلا مرة واحدة، فالخطأ والتصحيف جائزان على
كبار الحفاظ، وإنما يعاب الثقة بالتصحيف إذا كثر منه وفحش .
النموذج الرابع
((إنَّ شَهْراً نَزَكُوهُ)) ﴾ ((إن شَهْراً تَرَكُوهُ))
قال العقيلي : ((حدثنا محمد بن حفص الجوز جاني، قال حدثنا أبو قدامة
قال سمعت النضر بن شميل يقول: سئل ابن عون عن حديث شهر(٢) وهو
قائم على أُسْكُفَّةٍ(٣) الباب، فقال: ((إن شَهْراً تَركُوهُ(٤)، إن شَهْراً تَرَكُوهُ))))(٥).
(١) الثقات لابن حبان ٨/ ١٨٣، ولسان الميزان لابن حجر ٢/ ١٤٩ - ١٥٠.
(٢) شهر هو ابن حَوْشَب .
(٣) الأُسْكُفّة بضم الهمزة والكاف، وتشديد الفاء، والسين المهملة هي العتبة السفلى التي
توطأ. شرح النووي على مسلم ١ / ٩٢. وراجع المصباح المنير ص ١٠٧ .
(٤) تركوه بفتح التاء المثناة من فوق والراء المهملة، من الترك.
(٥) الضعفاء الكبير للعقيلي ٢/ ١٩١ .

١٠٦
التصحيف وأثره في الحديث
قلت: روى قولة ابن عون هذه في شهر بن حَوْشَب الإمام مسلم في
مقدمة صحيحه من طريق عبيد الله بن سعيد - أبي قدامة - قال: سمعت
النضر يقول: سئل ابن عون عن حديث لشهر وهو قائم على أُسْكُفَّة الباب
فقال: ((إنَّ شَهْراً نَزَكُوهُ(١)، إنَّ شَهْراً نَزَكُوهُ)) قال مسلم رحمه الله: ((يقول
أخذته ألسنة الناس، تكلموا فيه))(٢) .
قال أبو أحمد العسكري: ((أخبرنا ابن دريد، أنبأنا أبو حاتم قال: ذكر
شهر بن حوشب عند ابن عون، فقال: ذاك رجل نَزَكُوه(٣) .
يعني طعنوا فيه، كأنهم ضربوه بالنيازك.
قال: فصحف أصحاب الحديث وقالوا: ذاك رجل تركوه (٤) .
قلت [أنا]: وإنما تكلم فيه ابن عون. ويقال: رجل نُزَكٌ(٥) طعان في
الناس، كأنه يطعن بنيزك وهو دون الرمح له سنان وزُجّ، قال الراجز :
هَزَّ الغلامُ الدَّيْلَمِيُّ النَّيْزَكَا
وقال أبو الدرداء رضي الله عنه، وذكر الأبدال: ليسوا بنَزَّاكين.
والنازكون العيابون للناس)) (٦) .
وقال ابن الأثير: «ومنه حديث ابن عون: ((وذكر عنده شهر بن حوشب
فقال: إن شهراً نَزَكُوه)) أي طعنوا عليه وعابوه))(٧).
(١) نزكوه بالنون والزاي المفتوحتين.
(٢) مقدمة صحيح مسلم ١ / ٩٢ .
بالنون والزاي المفتوحتين .
(٣)
يعني بالتاء المثناة والراء المفتوحتين.
(٤)
بضم النون وفتح الزاي.
(٥)
(٦) تصحيفات المحدثين لأبي أحمد الحسن بن عبد الله العسكري ١/ ١/ ٣٩ -٤١.
(٧) النهاية في غريب الحديث لأبي السعادات ابن الأثير ٥/ ٤٢ مادة (نزك).

١٠٧
التصحيف وأثره في ألفاظ الجرح والتعديل
قال ابن الصلاح رحمه الله: ((ذكر مسلم بإسناده عن ابن عون قوله في
شهر بن حوشب ((إن شهراً نَزَكُوه)) .
فقوله (نَزَكُوه)) أوله نون، ثم زاي مفتوحتان، أي طعنوا فيه، مأخوذ من
((النَّيْزَك)) بنون مفتوحة، بعدها ياء مثنّاة من تحت ساكنة، ثم زاي مفتوحة،
وهو الرمح القصير. ورواه كثير من رواة مسلم ((تركوه)) بالتاء والراء وهو
تصحيف .
وتفسير مسلم له ينفيه، وشهر قد وثقه أحمد بن حنبل(١) ويحيى بن
معين، وغيرهما، والذي ذكره فيه ابن أبي خيثمة: أنه ثقة، حكاه عن يحيى
ابن معين، واقتصر عليه، والقلب إلى هذا أميل، وإن ذكره جماعة في كتبهم
في الضعفاء، وقد ذكره أبو نعيم الحافظ فيمن ذكرهم في ((حلية الأولياء))(٢)
وما ذكر في جرحه من أخذه خريطة(٣) من بيت المال على جهة الخيانة، له
محمل يدرأ عنه القدح المسقط، وقول ابن حبان: إنه سرق عَيْبَةٌ (٤) من عديله
في الحج غير مقبول والله أعلم)) (٥) .
وقال الإمام النووي رحمه الله في شرحه لمسلم: ((وقوله ((نَزَكُوهَ)) هو
بالنون والزاي المفتوحتين، معناه طعنوا فيه، وتكلموا بجرحه فكأنه يقول :
طعنوه بالنَّيْزَك بفتح النون وإسكان المثناة من تحت وفتح الزاي، وهو رمح
الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٤/ ٣٨٣.
(١)
(٢) حلية الأولياء ٦/ ٥٩.
(٣) الخريطة مثل الكيس تكون من الخرَق والأدم تُشْرَجُ على ما فيها. انظر لسان العرب ٧/
٢٧٦ . وقد أجاب الذهبي عن أمَر الخريطة بقوله: ((قلت: إسناده منقطع ولعلها وقعت
وتاب منها، أو أخذها متأولاً أن له في بيت مال المسلمين حقاً)) سير أعلام النبلاء ٤/
٣٧٥.
(٤) العيبة وعاء من أدم، يكون فيها المتاع. لسان العرب ١/ ٦٣٤ .
(٥) عن كتاب (صيانة صحيح مسلم من الإخلال والغلط وحمايته من الإسقاط والسقط)
للحافظ أبي عمرو بن الصلاح ص ١٢٤ - ١٢٥ .

١٠٨
التصحيف وأثره في الحديث
قصير. وهذا الذي ذكرته هو الرواية الصحيحة المشهورة، وكذا ذكرها من
أهل الأدب واللغة والغريب الهروي في غريبه، وحكى القاضي عياض عن
كثيرين من رواة مسلم أنهم رووه ((تركوه)) بالتاء والراء وضعفه القاضي
وقال: الصحيح بالنون والزاي، قال: وهو الأشبه بسياق الكلام. وقال غير
القاضي: رواية التاء تصحيف، وتفسير مسلم يردها، ويدل عليه أيضاً أن
شهراً ليس متروكاً، بل وثقه كثيرون من كبار أئمة السلف أو أكثرهم، فممن
وثقه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وآخرون، وقال أحمد: «ما أحسن
حديثه)) ووثقه .
وقال أحمد بن عبد الله العجلي : هو تابعي ثقة. وقال ابن أبي خيثمة عن
يحيى بن معين: هو ثقة. ولم يذكر ابن أبي خيثمة غير هذا، وقال أبو زرعة:
لا بأس به، وقال الترمذي: قال محمد - يعني البخاري -: شهر حسن
الحديث، وقوى أمره وقال: إنما تكلم فيه ابن عون، ثم روى عن هلال بن
أبي زینب عن شهر .
وقال يعقوب بن شيبة: «شهر ثقة»، وقال صالح بن محمد : شھر روی
عنه الناس من أهل الكوفة وأهل البصرة وأهل الشام، ولم يوقف منه على
كذب، وكان رجلاً ينسك: أي يتعبد إلا أنه روی أحاديث لم يشركه فيها
أحد .
فهذا كلام هؤلاء الأئمة في الثناء عليه ... )) (١) .
قلت: وقد لخص الذهبي - وهو من الاستقراء التام في نقد الرجال -
أقوال العلماء فيه في قوله: ((مختلف فيه، وحديثه حسن))(٢)، وإن كان
الذهبي لم يفطن إلى ما وقع من تصحيف فيما نقل عن ابن عون.
(١) شرح النووي على صحيح مسلم ١/ ٩٢ -٩٣ (المقدمة).
(٢) ديوان الضعفاء والمتروكين للذهبي ص ١٤٥ .

١٠٩
التصحيف وأثره في ألفاظ الجرح والتعديل
وقال الحافظ ابن حجر: ((صدوق كثير الإرسال والأوهام))(١) .
قلت: فكل هذه الأقوال عن هؤلاء الأئمة - ويضاف إليها إخراج مسلم
الشهر مقروناً - تدل على أن شهر بن حوشب أعلى منزلة من كونه متروكاً.
وإذا تبين لنا أن تصحيفاً وقع فعلاً في قول ابن عون علمنا أن كلا
العبارتين - نزكوه وتركوه - تفيد الجرح، غير أن الجرح بعبارة ((تركوه)) بالتاء
المثناة والراء المهملة، المفتوحتين، أشد ضعفاً وأوهى منزلة من عموم الطعن
الذي تفيده عبارة ((نزكوه)) بالنون والزاي المفتوحتين. فكلمة متروك تستعمل
في حق من اتهم بالكذب، وقد صنف المحدثون هذه العبارة ((متروك)) في
المرتبة الثالثة من مراتب الجرح، وحديث أصحابها لا يحتج به كما لا يعتبر
به، فحديث شهر ليس من هذه الدرجة، بل هو من قبيل الحسن إن شاء الله.
وقد كان من أثر هذا التصحيف الواقع في هذه الصيغة الواردة عن ابن
عون في حق شهر بن حوشب أن أورده الصغاني في موضوعاته وعده من
الوضاعين. قال رحمه الله: ((والأحاديث المنسوبة إلى محمد بن سرور
البلخي كلها موضوعة وأحاديث شهر بن حوشب كذلك)»(٢) .
النموذج الخامس
(فِي خُلُقُه زَعَارَةٌ) ﴾ ((في خلقه دَعَارَةٌ)
٠٠
ورد في ترجمة أيوب بن إسحاق بن إبراهيم بن سافري في تهذيب تاریخ
ابن عساكر قول ابن يونس: (( ... وكان في خلقه زَعَارَةَ(٣)، وسأله
(١) تقريب التهذيب لابن حجر العسقلاني ١/ ٣٥٥.
(٢) موضوعات الصغاني ص ٣٤ .
(٣) الزعارة: بالزاي والعين المفتوحتين والراء المهملة.

١١٠
التصحيف وأثره في الحديث
أبو حميد في شيء يكتبه عنه فمطله ... ))(١) .
ووردت هذه القولة في تاريخ بغداد للخطيب البغدادي ووقع فيها
تصحيف، حيث وردت هكذا: ((وكان في خلقه دَعَارَةٌ)) بفتح الدال المهملة
والعين والراء المهملتين المخففتين .
وقد ترتب على هذا التصحيف في هذه العبارة الطعن في عدالة أيوب
من طرف الكوثري حيث قال فيه: ((ذاك الدَّاعر، أيوب بن إسحاق
السافري، تكلم فيه ابن يونس))(٢) .
ولا شك أن هذا الذي ورد في تاريخ الخطيب يعتبر تصحيفاً. ويدل
على ذلك أمور هي :
١ - ما ورد في تهذيب تاريخ ابن عساكر بلفظ: (( ... كان في خلقه
زَعَارَة)) بالزاي المعجمة .
٢ - من المعلوم عند أهل اللغة أن يقال: ((فلان فيه دَعَارَة)) أو ((فلان دَاعر))
أي فاجر، ولا يقال: ((في خلقه دَعَارَة)».
٣ - أن المقصود من قول ابن يونس: ((في خلقه زَعَارَة)) - بالزاي - شراسة
خلق. قال ابن منظور: ((وزعارة بالتخفيف، عن اللحياني، أي شراسة
وسوء خلق))(٣) .
٤ - مما يدل على أن المقصود والصواب في هذه العبارة ((زَعَارَة)) بالزاي
ما ورد في سياق الكلام من تتمة كلام ابن يونس، فقد جاء فيه: (( ... وسأله
(١) تهذيب تاريخ ابن عساكر ٣/ ٢٠٠. (نقلاً عن المعلمي في طليعة التنكيل ١ / ٤٤).
(٢) تأنيب الخطيب لمحمد الكوثري ص ١٩٩.
(٣) لسان العرب لابن منظور ٤/ ٣٢٣.

١١١
التصحيف وأثره في ألفاظ الجرح والتعديل
أبو حميد في شيء يكتبه عنه من الأخبار فمطله)) (١) .
إذن فقد وقع في النص ما يفسر ((الزعارة)) بالمماطلة، والمماطلة من
شراسة الخلق، لذلك فقد عاتبه أبو حميد عن هذه الشراسة ((الزعارة)) فكتب
إلیه قائلاً:
الحمد لله لا نحصي له عددا مازال إحسانه فينا له مددا
إذ لم أخط حديثا عنك أعلمه ولا كتبت لغيري عنك مجتهدا
عن البعير ولما قال قد شردا
إلا أحاديث خوات ( وقصته
فسوف أخرجها إن شئت من كتبي ولا أعود لشيء بعدها أبدا
وله أيضاً:
أبا سليمان(٣) لا عريت من نعم ما أصبح الناس في خصب وفي جدب
لا تجعلنّي كمن بانت إساءته ليس المسيء كمن لم يأت بالذنب
فابعث إلينا بذاك الجزء ننسخه كيما نجدُّلا يبقى من الكتب (٤)
(١) تاريخ بغداد ٧ / ١٠ .
(٢) هو خَوَّات بن جبير بن النعمان بن أمية بن امرئ القيس بن ثعلبة بن عمرو بن عوف بن
مالك بن الأوس الأنصاري، أبو عبد الله وأبو صالح، صحابي كبير. وحديثه الذي أشار
إليه أبو حميد في البيت أعلاه رواه البغوي والطبراني من طريق جرير بن حازم عن زيد
ابن أسلم أن خوات بن جبير قال: نزلت مع النبي عَّ بمر الظهران. قال: فخرجت من
خبائي فإذا نسوة يتحدثن فأعجبني فرجعت فأخذت حلتي فلبستها وجلست إليهن
وخرج رسول الله عَّه من قبته، فلما رأيته هبته فقلت: يا رسول الله جمل لي شرد فأنا
أبتغي له قيداً .. الحديث بطوله في قوله: ((ما فعل شراد جملك)) راجع في ذلك الإصابة
٤٥٧/١.
(٣) أبو سليمان هي كنية أيوب بن إسحاق بن سافري.
(٤) تاريخ بغداد ٧ / ١٠ .

١١٢
٠
التصحيف وأثره في الحديث
٥ - لو كان الصواب ما ذهب إليه الكوثري لأورد المؤلفون في الضعفاء
والمجروحين أيوب بن إسحاق ضمن المجروحين، وإذ لم يقع ذلك منهم دل
على أن الصواب في هذه العبارة: ((زَعَارة)) بالزاي.
٦ - يُبعد احتمال ما أراده الكوثري من عبارة ابن يونس ما أورده ابن أبي
حاتم في كتابه ((الجرح والتعديل)) في ترجمة أيوب حيث قال: ((كتبت عنه
بالرملة وذكرته لأبي فعرفه، وقال: كان صدوقاً))(١) .
والحاصل هنا أن هذا التصحيف الذي وقع في عبارة ابن يونس كان من
نتائجه الطعن في عدالة أيوب واعتباره في عداد المجروحين من طرف
الكوثري، ومن ثم رد روايته، وقد دلتنا أقوال النقاد على عدالته وصدقه
وقبول روايته .
تلك بعض النماذج من ألفاظ الجرح والتعديل الواردة عن النقاد وما
وقع فيها من تصحیف أحال معناها عن وجهه إلى معنى آخر غير مراد.
ولا شك أن أقوال النقاد في الرجال هي المقياس الوحيد الذي يرجع إليه
في معرفة عدالة الرواة ودرجات ضبطهم وإتقانهم. فإذا تغيرت وتحرفت
تلك الصيغ الواردة عنهم، اختلت الموازين واضطربت المعايير فصار
الصحيح ضعيفاً والضعيف صحيحاً، والمقبول مردوداً والمردود مقبولاً .
ولهذا فإن التتبع والاستقراء من أهم السيّم التي بُنيت عليها قواعد علم
الحدیث ورست عليها دعائمه .
(١) الجرح والتعديل لابن أبي حاتم الرازي ٢/ ٢٤١.

الفصل الثاني
التصحيف
وأثره في تعليل الأحاديث
-

إن البحث في التصحيف وأثره في أسماء الرجال لا يقل أهمية عن
البحث في التصحيف وأثره في ألفاظ الجرح والتعديل. وذلك لأن
التصحيف إذا وقع في اسم الراوي قد يصيره - بعد التغيير والتبديل - راوياً
آخر قد يكون ثقة أو ضعيفاً، فيعدل المحدث بذلك الراوي عن مرتبته إلى
مرتبة راو آخر التبس به، فينزله منزلته، ثم يحكم على الحديث بناء على
أقوال النقاد في راو آخر لا علاقة له بالحديث المعين .
وقد يؤدي التصحيف في اسم الراوي إلى التوقف في الحكم على
الحديث، نظراً لانعدام وجود أقوال للنقاد في ذلك الرجل الذي تصحف
اسمه فصار مجهولاً .
والتصحيف في اسم الراوي قد يؤدي إلى اعتباره شخصين أو ثلاثة
باعتبار اسمه الحقيقي والاسم المصحف. وهذا إذا وقع في الصحابة أدى إلى
الخلاف في تعدادهم.
كما يمكن أن ينتج عنه اعتبار حديث الراوي الذي وقع تصحيف في
اسمه شاهداً لنفسه أو متابعاً له.

المبحث الأول:
تصحيح الضعيف
ز

في هذا المبحث أوردنا نماذج من الأحاديث التي وقع التصحيف في
أسماء رواتها، فنتج عن ذلك اعتبار تلك الأحاديث صحيحة، وهي في
حقيقة أمرها ضعيفة .
ونقصد بالصحيح هنا وفيما سيأتي جميع أنواع الحديث المقبول، فيدخل
في ذلك الصحيح لذاته، ولغيره، والحسن أيضاً ... على ما هو معلوم في
اصطلاح جمهور المحدثين كما أننا نقصد بالضعيف جميع أنواع الحديث
المردود ابتداء بالضعيف وانتهاء بالموضوع الذي هو شر أنواع الضعيف .
وسنبدأ هذا المبحث بما هو أكثر فائدة وأشد أثراً في تعليل الأحاديث
فنقول :

١٢٠
التصحيف وأثره في الحديث
المطلب الأول
توثيق الكذابين:
الحديث الذي في إسناده راو كذاب يسمى - في اصطلاح المحدثين -
حديثاً موضوعاً.
والحديث الموضوع هو الحديث المكذوب المختلق الملصق برسول الله
عيّة، وهو شر أنواع الحديث المردود، لا تجوز روايته مع العلم به، إلا على
سبيل البيان والتحذير، لا يحتج به لا في الأحكام ولا في القصص ولا في
الفضائل ولا في الترغيب والترهيب.
كما لا يعتبر به في الشواهد والمتابعات، فالحديث الموضوع لا يشهد لا
لنفسه، ولا لغيره بالصحة.
والمقصود هنا في هذا المطلب أن التصحيف في أسماء الرواة نشأ عنه
وترتب عليه اعتبار الكذاب ثقة - والعكس صحيح أيضاً -، ومن ثم إيراد
حديث الكذاب وإقحامه ضمن الأحاديث الصحيحة ثم الاستدلال به،
وهذا من أعظم الآثار التي ترتبت على التصحيف في أسماء الرواة، فانظر
كم بين الحديث الصحيح وبين الحديث الموضوع، فالأول يوجب العمل
بخلاف الثاني .
ومن الأمثلة على ذلك :
النموذج الأول:
قال ابن عدي: ((حدثنا جعفر بن أحمد بن بهمرد، ثنا أبو الأشعث، ثنا
عبيد بن القاسم، ثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن ابن أبي أوفى قال: قال

١٢١
التصحيف وأثره في تعليل الأحاديث
رسول الله بي: ((الولاء لحمة كلحمة النسب لا يباع ولا يوهب».
وبالإسناد قال: [كان أحب الصبغ إلى رسول الله عَّه الصفرة].
وهذان الحديثان لا يرويهما عن ابن أبي خالد غير عبيد ... ))(١).
قلت: وعُبَيْد بن القاسم هو الأسدي الكوفي، ((متروك، كذبه ابن
معین، واتهمه أبو داود بالوضع))(٢) .
قال ابن التركماني تعقيباً على البيهقي في تضعيفه حديث ((الولاء لحمة
كلحمة النسب)): ((وقد روي الحديث من وجه آخر بسند رجاله ثقات. قال ابن
جرير الطبري في ((تهذيب الآثار)): حدثني موسى بن سهل الرملي ثنا محمد
ابن عيسى - يعني الطباع - ثنا عَبْثَر بن القاسم عن إسماعيل بن أبي خالد عن
عبد الله بن أبي أوفى قال: قال رسول الله عَّة: ((الولاء لحمة كلحمة النسب لا
يباع ولا يوهب)».
وهذا كله يرد قول النيسابوري والبيهقي إنما روي مرسلاً، وقول
البيهقي: ((روي من أوجه أخر كلها ضعيفة))))(٣) انتهى كلام ابن التركماني.
قلت: وهذا الذي ذهب إليه ابن التركماني من تصحيحه الحديث خطأ
نشأ عن تصحيف، فقد تصحف ((عبيد بن القاسم)) بـ ((عَبْتَر بن القاسم))،
وهو ثقة، فنشأ عن ذلك تصحيح الحديث. والصواب أنه من رواية ((عبيد
ابن القاسم)) وأن الحديث ضعيف جداً - من هذا الطريق - إن لم يكن
موضوعاً، ويدل على وقوع التصحيف في هذا الإسناد ما يلي :
أولاً: عبثر بن القاسم، وإن كان من طبقة عبيد بن القاسم وشاركه في
(١) ((الكامل في ضعفاء الرجال)) لابن عدي ٥/ ١٩٨٨ .
(٢) تقريب التهذيب ١/ ٥٤٤ .
(٣) ((الجوهر النقي)) لابن التركماني (حاشية السنن الكبرى للبيهقي ٤/ ٢٩٤).