النص المفهرس
صفحات 81-100
٨٢ أحكام التصحيف علي الأبار، حدثنا مجاهد بن موسى قال: أتيت خالد بن القاسم المدائني فحدث، فقال: حدثني ليث بن سعد عن محمد بن يحيى بن حبَّان فقلت: حَبَّان. فقال: حَبَّان وحبّان واحد. فقمت وتركته. قال أحمد: وسألت مجاهد بن موسى عن حماد بن عمرو. فقال: ذهبت إليه، وكان يروي عن زيد بن رفيع عن عبد الله في بيض النعام رفعه إلى النبي، فقلت: إنما هو عن عبد الله وقلت له: أخرج إليّ كتاب خُصَيْف، فأخرج إليّ كتاب حُصَيْن، وإذا هو ليس يفصل بين خُصَيْف وحُصَيْن فتركته . قال العسكري: ألا ترى أن مجاهد بن موسى وهو فاضل عالم، ترك حديث هذا الرجل، ولم يره أهلاً للحمل عنه لما صحف في هذا الاسم وأظهر التهاون به))(١) . وقال العسكري: ((أخبرني أبو عبيد الآجري - هو محمد بن علي بن عثمان - سمعت سليمان بن الأشعث يقول: قال لي أحمد بن صالح المصري: حدثنا سلامة بن روح في حديث السقيفة (٢): بَعْرة أن يَفيلا(٣). تصحيف: تَغرَّةَ أن يُقْتَلا . (١) ((تصحيفات المحدثين)) للعسكري ١/ ٩/١ -١٠. (٢) هكذا لفظ حديث السقيفة كما ورد في الصحيح على الصواب (( ... فمن بايع رجلاً على غير مشورة من المسلمين فلا يُتَابَعُ هو ولا الذي بايعه تَغرَّةً أن يُقْتَلا)) والمعنى أن من فعل ذلك فقد غرر بنفسه وبصاحبه وعرضهما للقتل. فتح الباري ١٢ / ١٤٤ - ١٥٠. (٣) هكذا وقع عند العسكري في تصحيفات المحدثين ١/ ١/ ١٨ ووقع في ((شرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف)) ص ١٧ ((بعده أن يُقْتَلا)) وقال الذهبي: «قال أحمد بن صالح: سمعت سلامة يحدث عن عقيل بحديث السقيفة فقال: ولا الذي بايع بعرة أن تفتلا، قلت: هو تغرة أن يقتلا قال: لا قلت: فما معناه؟ قال: البعرة تفتلها بيدك فتنتثر)) ميزان الاعتدال ٢ / ١٨٣ . ٨٣ حكم رواية المصحف وكان أحمد بن صالح کتب عنه خمسين ألف حدیث فتركه. قلت أنا: التَّغرة: التغرير: يقال: غَرَّرت بالقوم تغريراً وتغرَّةً، كما قيل: حللته تحليلاً وتحلة، وعللته تعليلاً وتعلَّة، وإنما يقال في المضاعف خاصة))(١). وهذا الموقف من أحمد بن صالح موقف متشدد أن ترد رواية الرجل بالغلطة أو الغلطتين، وهل يسلم من الخطأ والتصحيف أحد مهما بلغ من الضبط والإتقان؟! قال الإمام مسلم: ((فليس من ناقل خبر وحامل أثر من السلف الماضين إلى زماننا - وإن كان من أحفظ الناس، وأشدهم توقياً وإتقاناً لما يحفظ وينقل - إلا والغلط والسهو ممكن في حفظه ونقله ... ))(٢) . وقال الإمام أحمد بن حنبل: ((ومن يعرى من الخطأ والتصحيف؟))(٣). وقد جاز التصحيف على كبار الحفاظ من المحدثين أمثال مالك وسفيان الثوري وعبد الرحمن بن مهدي ووكيع وشعبة وعلي بن المديني. أفيعني ذلك رد روایتهم؟! إنما ترد رواية من كثر منه التصحيف وأفحش فيه. ولهذا قال السخاوي: ((وقول العسكري إنه قد عيب بالتصحيف جماعة من العلماء وفضح به كثير من الأدباء وسُمُّوا الصحفية، ونَهْيُ العلماء عن الحمل عنهم محمول على المتكرر منه ذلك، وإلا فما يسلم من زلة وخطأ إلا من عصمه الله، والسعيد من عدت غلطاته)) (٤) . (١) ((تصحيفات المحدثين)) ١/ ١/ ١٧ -١٩. (٢) ((التمييز)) لمسلم بن الحجاج ص ١٧٠ . (٣) ((فتح المغيث)) للحافظ السخاوي ٣/ ٧٣. (٤) (فتح المغيث)) للحافظ السخاوي ٣/ ٧٣ . ٨٤ أحكام التصحيف ثم إن التصحيف في الأسماء أهون منه في المتون، وإن كان الكل يشعر بقلة الضبط، فليس من الإنصاف أن ترد رواية من صحف اسماً، وإنما يجنب ما صحف فيه ويقبل ما أصاب فيه ووافق فيه الثقات . قال ابن حبان: ((الجنس الأول: وهو الذي كثر في المحدثين، فمنهم من كان يخطئ الخطأ اليسير، إما في الكتابة حيث كتب، ولم يعلم به حتى بقي الخطأ في كتابه إلى أن كبر، واحتيج إليه، مثل تصحيف اسم يشبه اسماً، ومثل رفع مرسل أو إيقاف مسند، أو إدخال حديث في حديث، أو ما يشبه هذا، فلما رأى أئمتنا: مثل يحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي، وبعدهما أحمد بن حنبل ويحيى بن معين ومن كان من أقرانهما من أهل هذه الصناعة ما تفردوا من الأشياء التي ذكرتها أطلقوا عليهم الجرح وضعفوهم في الأخبار. وهذا الجنس ليسوا عندي بالضعفاء على الإطلاق حتى لا يحتج بشيء من أخبارهم، بل الذي عندي أن لا يحتج بأخبارهم إذا انفردوا، فأما ما وافقوا الثقات في الروايات، فلا يجب إسقاط أخبارهم، فكل من يجيء من هذا الجنس في هذا الكتاب فإني أقول بعقب ذكره: لا يعجبني الاحتجاج بخبره إذا انفرد)»(١) وأما التصحيف في المتون فإنه غالباً ما يحيل المعاني، وضرره أشد من ضرر التصحيف في الإسناد. فوقوع التصحيف في المتن يشعر بغفلة الراوي وقلة ضبطه، وعدم معرفته بما يحيل المعاني. (١) ((المجروحين)) لابن حبان ١ / ٩٠. ٨٥ حكم رواية المصحف قال الخطيب البغدادي: ((أخبرنا أبو نعيم الحافظ، ثنا محمد بن أحمد بن الحسن قال: ثنا بشر بن موسى قال: قال عبد الله بن الزبير الحميدي قال: فما الغفلة التي يرد بها حديث الرضا الذي لا يعرف الكذب؟ قلت: هو أن يكون في كتابه غلط فيقال له (في ذلك) فيترك ما في كتابه ويحدث بما قالوا، أو يغيره في كتابه بقولهم لا يعقل فرق ما بين ذلك، أو يصحف ذلك تصحيفاً فاحشاً يقلب المعنى لا يعقل ذلك فَيُكَفُّ عنه))(١) . والخلاصة أن التصحيف يعتبر جرحاً من أنواع الجرح الذي يطعن في ضبط الراوي خصوصاً إذا كثر وفحش. أما وقوع التصحيف مرة واحدة من الراوي فلا ترد روايته من أجله ما دام ذلك ممكناً وجائزاً وواقعاً من كبار الحفاظ . وكما أن المحدثين ردوا رواية المصحف - حسب ما سبق - فإن الفقهاء أيضاً لهم موقف خاص من فتوى المُصَحِّف، حيث نهوا عن أخذ الفتوى عن المصحف . قال الخطيب البغدادي وهو في معرض الحديث عن الفقيه الذي يؤخذ عنه الفقه: ((فيكون قد أخذ فقهه من أفواه العلماء لا من الصحف)» (٢). وقال ثور بن يزيد: ((لا يفتي الناس الصحفيون))(٣). وقال أبو زرعة: ((لا يفتي الناس صحفي ولا يقرئهم مصحفي))(٤). (١) ((الكفاية في علم الرواية)) ص ١٤٨، ورواه العسكري في ((تصحيفات المحدثين)) ١١/١/١-١٢ . وابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) ٢/ ٣٣ - ٣٤ بلفظ أتم. (٢) ((الفقيه والمتفقه)) للخطيب البغدادي ٢ / ٩٧ . (٣) رواه البغدادي في ((الفقيه والمتفقه)) ٢/ ٩٧. (٤) رواه البغدادي في ((الفقيه والمتفقه)) ٢/ ٩٧. ٨٦ أحكام التصحيف والسبب في تحذير السلف من طلب الفتوى من المصحف أن هذا الأخير إذا صحف اللفظ قد يحيل المعاني ويغير الأحكام الشرعية . ومن الأمثلة التي تدل على أن المصحف إذا أفتى أحال المعنى ما ورد في قصة بشر بن يحيى بن حسان الخراساني - من أصحاب الرأي - في مناظرته لإسحاق بن راهويه(١) . فانظر إلى حديث رسول الله عَّةٍ في نهيه عن القزع لما تصحف كيف بنى عليه ذلك الرجل حكماً فقهياً وهو النهي عن القرعة، وكاد أن ينتصر لهذا الحكم هو وأصحابه لولا مكانة إسحاق بن راهويه في معرفة حديث رسول الله عم﴾ و حدسه النقدي. إن طعن المحدثين في ضبط الراوي الذي يكثر منه التصحيف، ورد روايته، يدخل في إطار الجهود التي واجهوا بها ظاهرة التصحيف للحد من تفشيها، ولحمل الرواة على التحري والدقة في ضبط الحديث وعلى التزام شروط التحمل والأداء التي يباشر من خلالها طالب الحديث مصدر العلم والمعرفة . كما أن موقفهم هذا يؤكد لنا سلامة الشريعة الإسلامية من التغيير والتبديل، ويطمئننا على ما بين أيدينا من سنة رسول الله لعلّه، ولهذا فإنهم ترصدوا الرواة وراقبوا أحوالهم وسيرهم، وخبروا حفظهم وضبطهم وعدالتهم، ونبهوا على أخطائهم وأوهامهم وتصحيفاتهم وحذروا منها. وفي كل عصر قيض الله لهذا الدين من يقوم بمهمة الذب عن سنة رسول الله ئه . (١) أخرج القصة الخطيب البغدادي في ((الكفاية)) ص ١٦٣ - ١٦٤ وقد تقدمت بتمامها في ص ٥٨، ٠٧٤ ٨٧ حكم رواية المصحف وفي البابين الآتيين من هذا البحث ألخص للقارئ الكريم ثمرة جهودهم من خلال استعراض التصحيفات الواقعة في أسماء الرواة، وفي متون الأحاديث، وفي ألفاظ الجرح والتعديل مبرزاً الآثار المترتبة على ذلك عملياً من الناحية الحديثية ومن الناحية الفقهية. الباب الثاني التصحيف وأثره في الحديث - إن البحث في أثر التصحيف في الحديث يعتبر من أطرف البحوث وألطفها وأعزها، وذلك لما يترتب على التصحيف في ألفاظ الجرح والتعديل من أحكام قد تخرج تلك الصيغ عن هدفها الذي أراده منها ذلك الناقد. كما أن التصحيف في أسماء الرواة ينتج عنه كثير من الأحكام الحديثية التي لها علاقة بالقبول أو الرد أو التوقف في معرفة حكم ودرجة الحديث من الصحة أو الضعف. وهكذا يبقى التصحيف في أسماء الرواة ظاهرة لها أثرها الخطير بين صفوف المحدثين، وذلك لأن أسماء الرجال ليس لها مقياس يرجع إليه في ضبطها إلا السماع والتلقي عن الشيوخ المتقنين الذين مارسوا هذا الفن وسبروا غوره. ولا شك أن الطعن في سند الحديث له علاقة وارتباط وتأثير على معنى الحديث، وذلك لأن الأسانيد هي الوسيلة الوحيدة لمعرفة صحة نسبة المتن إلى رسول الله عګ أو عدم ثبوت ذلك عنه. وفي هذا الباب سنقف على عدة آثار ترتبت على التصحيف في ألفاظ الجرح والتعديل وفي أسماء الرواة وفي بعض صيغ التحديث ودونك البيان : الفصل الأول التصحيف وأثره في ألفاظ الجرح والتعديل - ٩٥ التصحيف وأثره في ألفاظ الجرح والتعديل التصحيف وأثره في ألفاظ الجرح والتعديل ينبغي لطالب علم الحديث، المشتغل بمعرفة صحيحه وضعيفه، أن يُعنى بمعرفة ألفاظ الجرح والتعديل الصادرة عن النقاد الذين خبروا وعاينوا أحوال الرواة، وتتبعوا سيرهم؛ فألفاظ الجرح والتعديل هي المعيار الوحيد الذي يعرف به صدق الرواة أو كذبهم، وضبطهم أو غفلتهم، وعدالتهم أو جهالتهم ... كما ينبغي معرفة مناهج النقاد وطرائقهم في نقد الرواة، فمن النقاد المتشدد والمتساهل، ومنهم من هو بین ذلك. ومعرفة الأحوال والمناسبات التي صدرت فيها تلك الألفاظ، تساعد طالب الحديث على معرفة المقصود بتلك العبارة، وعلى معرفة الحق والصواب في حال الراوي، فمن النقاد من يجرح حمية، كما وقع من مالك في ابن إسحاق، ومنهم من يجرح منافسة كما وقع من الذهلي في البخاري، ومنهم من يجرح تعصباً لمذهب معين - وإن كان ذلك على ندرة - لذلك يجب مقارنة تلك الأقوال بأقوال نقاد آخرين . وينبغي أيضاً فهم تلك الأقوال في إطارها العام، وعدم بترها عن السياق الذي وردت فيه؛ فكم أدى بتر النصوص إلى تغيير معناها وصرفها عن وجهها إلى معنى معاكس . ((وكذا ينبغي تأمل الصيغ، فرب صيغة يختلف الأمر فيها بالنظر إلى اختلاف ضبطها، كقولهم: ((فلان مُود)) فإنها اختلف في ضبطها، فمنهم من يخففها أي هالك. قال في الصحاح: ((أودى فلان أي هلك فهو مود)) ومنهم ٩٦ التصحيف وأثره في الحديث من يشددها مع الهمزة أي حسن الأداء))(١) . قال الحافظ الذهبي: ((ثم نحن نفتقر إلى تحرير عبارات التعديل والجرح وما بين ذلك من العبارات المتجاذبة. ثم أهم من ذلك أن نعلم بالاستقراء التام عرف ذلك الإمام الجهبذ، واصطلاحه، ومقاصده بعباراته الكثيرة ... ))(٢). ولهذا كان علم الجرح والتعديل من أخطر علوم الحديث نظراً لما يترتب على الخطأ والتصحيف فيه من نتائج بالغة الخطورة، فقد وقع التصحيف فيه لكبار النقاد من المحدثين أمثال العقيلي والذهبي والعراقي وغيرهم. وسنقف على بعض النماذج من تلك التصحيفات في ألفاظ الجرح والتعديل. النموذج الأول (هو على يَدَيْ عَدْل)) ﴾ ((هو على يَدِي عَدْلٌ) من العبارات المستعملة على ندرة في علم الجرح والتعديل، ما انفرد به الإمام أبو حاتم الرازي من قوله في بعض الرواة ((هو على يَدَيْ عَدْل)) بفتح الدال المهملة وسكون الياء تثنية ((يد)) وإضافتها إلى كلمة ((عَدْل)) بفتح العين المهملة والدال الساكنة . وهذه العبارة مع انفراد أبي حاتم باستعمالها، فإنها لم تصدر عنه إلا في حق ثلاثة من الرواة هم : ١ - جُبَارَةَ بن الْمُغَلِّس الحمَّاني، أبو محمد الكوفي (ت ٢٤١ هـ). ٢ - عمر بن حفص، أبو حفص العبدي البصري (ت ١٩٨ هـ). (١) ((فتح المغيث)) لشمس الدين السخاوي ١/ ٣٧٥. (٢) ((الموقظة في علم مصطلح الحديث)) للذهبي ص ٨٢ . ٩٧ التصحيف وأثره في ألفاظ الجرح والتعديل ٣ - محمد بن خالد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن يزيد الواسطي الطحان، مولى النعمان بن مقرن (ت ٢٤٠ هـ). وقد اقتبس أبو حاتم هذا المصطلح من المثل السائر عند العرب، فقد عرفت العرب استعمال هذه العبارة ((هو على يدي عدل)) في حق الشخص الذي أريد قتله. قال ابن منظور: ((وقولهم للشيء إذا يُتْس منه: ((وضع على يَدَيْ عَدْل)) وهو العدل بن جزء بن سعد العشيرة، وكان ولي شرط تبع، فكان تبع إذا أراد قتل رجل دفعه إليه، فقال الناس ((وضع على يَدَيْ عَدْل))، ثم قيل ذلك لكل شيء يُئْس منه))(١) . ومع ذلك فقد خفي معنى هذه العبارة على بعض النقاد من كبار المحدثين مثل الحافظ العراقي فقد تصحفت عليه وقرأها ((هو على يَدِي عَدْلٌ)) بكسر الدال في (يدي)) بحيث تكون اللفظة لواحدة «الأيدي)) وبرفع اللام وتنوينها في ((عَدْل)) يعني من العدالة وفهمها العراقي على أنها من ألفاظ التوثيق . وقد أورد الحافظ ابن حجر في ((تهذيب التهذيب)) في ترجمة محمد بن خالد الواسطي قول ابن أبي حاتم: ((سئل أبي عنه(٢) فقال: ((هو على يَدَيْ عَدْل)) قال ابن حجر: وقوله على يدي عدل معناه قرب من الهلاك. وهذا مثلٌّ للعرب؛ كان لبعض الملوك شرطي اسمه عدل، فإذا دفع إليه من جنى جناية جزموا بهلاكه غالباً. ذكره ابن قتيبة وغيره. وظن بعضهم أنها من ألفاظ التوثيق فلم يصب))(٣). (١) لسان العرب لابن منظور ١١/ ٤٣٦ . (٢) يعني عن محمد بن خالد الواسطي . (٣) تهذيب التهذيب ٩/ ١٤٢. ٩٨ التصحيف وأثره في الحديث وقال الإمام شمس الدين السخاوي: ((وأفاد شيخنا أيضاً أن شيخه الشارح - أي الحافظ العراقي - كان يقول في قول أبي حاتم ((هو على يَدَيْ عَدْل)) أنها من ألفاظ التوثيق، وكان ينطق بها هكذا بكسر الدال الأولى بحيث تكون اللفظة للواحد وبرفع اللام وتنوينها . قال شيخنا - يعني ابن حجر -: ((كنت أظن ذلك كذلك إلى أن ظهر لي أنها عند أبي حاتم من ألفاظ التجريح، وذلك أن ابنه قال في ترجمة جبارة بن المغلس: ((سمعت أبي يقول: هو ضعيف الحديث)) ثم قال: سألت أبي عنه فقال: ((هو على يَدَيْ عَدْل)) ثم حكى أقوال الحفاظ فيه بالتضعيف ولم ينقل عن أحد فيه توثيقاً (١) ، ومع ذلك فما فهمت معناها، ولا اتجه لي ضبطها . ثم بان لي أنها كناية عن الهالك، وهو تضعيف شديد. ففي كتاب (إصلاح المنطق)) ليعقوب بن السِّكِّيت عن ابن الكلبي قال: جزء بن سعد العشيرة بن مالك من ولده العدل، وكان ولي شرط تبع، فكان تبع إذا أراد قتل رجل دفعه إليه، فمن ذلك قال الناس : ((وضع على يَدَيْ عَدْل)) ومعناه هلك . قلت: ونحوه عند ابن قتيبة في أوائل ((أدب الكاتب)) وزاد ثم قيل ذلك لكل شيء قد يئس منه)). انتهى. (٢) وإذا نحن قارنا بين قول أبي حاتم ((هو على يَدَيْ عَدْل)) في كل واحد من أولئك الرواة الثلاثة الذين صدرت في حقهم هذه العبارة من أبي حاتم، وبين أقوال النقاد الآخرين فإننا سنجدها تهدف إلى الطعن الشديد، أفلا يدل ذلك على أن أبا حاتم قصد بهذه العبارة استعمالها العرفي السائد عند العرب، (١) راجع كتاب الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٢/ ٥٥٠ . (٢) ((فتح المغيث شرح ألفية الحديث)) لشمس الدين السخاوي ١/ ٣٧٥ -٣٧٦. ٩٩ التصحيف وأثره في ألفاظ الجرح والتعديل وهو الهلاك . وهكذا نرى الأثر الذي ترتب على التصحيف في هذه العبارة من هذا الحافظ الجبل - العراقي - حيث حملها على التوثيق، وانخدع بقوله هذا تلميذه وحافظ عصره ابن حجر العسقلاني مدة من الزمن، ثم تبين الحق والصواب فيها، فحذر من الأثر الخطير الذي يترتب على التصحيف في هذه العبارة. ومن خلال هذا النموذج من التصحيف الواقع في ألفاظ الجرح والتعديل، نتبين الخطر الذي يمكن أن يترتب على التصحيف في صيغ التعديل والتجريح ألا وهو توثيق من هو ضعيف وبالتالي تصحيح حديثه والعمل بمقتضاه أو العكس . النموذج الثاني ((وَضَّاحٌ ذاك العبد)) ﴾ ((وضَّاعٌ ذاك العبد)) جاء في ترجمة علي بن عاصم أنه كان مما أنكر عليه، كثرة الخطأ والغلط وتماديه في ذلك ولجاجته فيه، وأنه كان يغلط فيخالف الحفاظ فينبه على ذلك فلا يرجع، بل ينتقص أولئك الحفاظ، وقد دارت بينه وبين علي بن المديني مراجعة علمية ورد فيها قول ابن المديني: (( ... فقلت له: إنما هذا عن مغيرة رأي حماد. قال: فقال: من حدثكم؟ قلت: جرير. قال: ذلك الصَّبي، لقد رأيت ذاك ناعساً ما يعقل ما يقال له. قال: مر شيء آخر، فقلت: يخالفونك في هذا. فقال: من؟ قلت: أبو عوانة. قال ((وَضَّاحٌ ذاك العبد)) !... قال: وقال لشعبة: ذاك المسكين))(١) . (١) تاريخ بغداد للخطيب البغدادي ١١ / ٤٥٠ . ١٠٠ التصحيف وأثره في الحديث وردت هذه الحكاية أيضاً في ترجمة علي بن عاصم من ((تهذيب التهذيب))، ووقع فيها تصحيف أدى إلى تكذيب أبي عوانة، وذلك أنها وردت بلفظ ((وَضَّاعٌ)) (١) بالضاد المعجمة المشددة والعين المهملة من الوضع يعني كذاب، فتلقف هذه العبارة الشيخ محمد بن زاهد الكوثري على أنها مما جرح به أبو عوانة فقال: (( ... وبلغ به الأمر - يعني أبا عوانة - أن كذبه علي ابن عاصم))(٢). وقال أيضاً: (( ... لكن يقول عنه علي بن عاصم: وَضَّاعٌ ذلك العبد. وفيه إسراف))(٣) وقد انفرد الكوثري في هذا العصر بإصراره على أن المقصود من كلام علي بن عاصم في أبي عوانة جرحه ورميه بالوضع، وهو الحافظ الجبل. وإن مما يدل على أن تصحيفاً وقع في هذه العبارة أموراً نذكر منها: ١ - أنها لم تذكر كذلك أعني ((وَضَّاع)) في أوثق المصادر التي ترجمت لعلي بن عاصم ومن أهمها ((تاريخ بغداد)) للخطيب البغدادي. وإنما ورد فيه ((وَضَّاح)) بالحاء المهملة. ٢ - أبو عوانة اسمه الوَضَّاحِ بن عبد الله اليَشْكُري. ٣ - ورد في النسخة الخطية المحفوظة بدار الكتب المصرية من ((تهذيب الكمال)) للحافظ المزي ما لفظه ((وَصَاحَ ذاك العبد)) (٤) وضبطت بفتح الصاد والحاء المهملتين. (١) راجع تهذيب التهذيب لابن حجر ٧/ ٣٤٥. (٢) ((تأنيب الخطيب على ما ساقه في ترجمة أبي حنيفة من الأكاذيب)) ص: ١٠٥ للشيخ محمد زاهد الکوثري . (٣) تأنيب الخطيب ص ١٣٥ . (٤) النسخة المصورة عن النسخة الخطية المحفوظة بدار الكتب المصرية من تهذيب الكمال ٢ / ٩٧٧. ١٠١ التصحيف وأثره في ألفاظ الجرح والتعديل ٤ - سياق القصة يدل على أن المقصود التقليل من شأن أبي عوانة، فقد ورد في المصدر الذي نقل عنه الكوثري وهو ((تهذيب التهذيب)) لابن حجر قول عفان: ((قدمت أنا وبهز واسط فدخلنا على علي بن عاصم، فقال: من بقي من أهل البصرة؟، فلم نذكر له إنساناً إلا استصغره. فقال بهز: ما أرى هذا يفلح))(١) . ٥ - استصغار أبي عوانة يتم لعلي بن عاصم بكلمة ((وَضَّاح)) ((فمن المعروف أن ذكر الرجل بكنيته إكرام له، وكان أبو عوانة مشهوراً بكنيته لا يكاد يذكر إلا بها، فنص علي بن عاصم على اسمه تأكيداً لاحتقاره، رداً على مخاطبه الذي ذكره بلفظ ((أبي عوانة)) كأنه قال: ((ليس بأهل أن يذكر بكنيته، وإنما ينبغي أن يذكر اسمه)) ولهذا الغرض نفسه قال: ((وَضَّاح)) بترك اللام(٢)، لأن في الإتيان باللام تفخيماً للاسم ينافي غرضه، ولم يتفق له مثل هذا في شعبة وجرير لأنهما معروفان باسميهما ولا تدخل عليهما اللام فاعتاض عن ذلك بأن ترك التلفظ باسميهما ... )) (٣) . ٦ - أن الذين ألفوا في المجروحين، لم يذكر أحد منهم أبا عوانة ضمن المجروحين أو الكذّابين. ٧ - أن الذين ترجموا لأبي عوانة من المحدثين لم يذكروا قولة علي بن عاصم في أبي عوانة وهو محل ذكرها لو كانت جرحاً، بل اتفق الأئمة النقاد على توثيقه والثناء عليه، وأحاديثه مخرجة في الصحيحين بكثرة، بل في تلخيص تهذيب التهذيب - أي التقريب - قول ابن حجر في أبي عوانة: ((ثقة ثبت)) (٤) وهذه هي المرتبة الثانية من مراتب التعديل عند الحافظ ابن حجر. (١) تهذيب التهذيب لابن حجر ٧/ ٣٤٥. (٢) المقصود باللام هنا وفيما يأتي من كلام المعلمي (الـ) التعريف. (٣) التنكيل لعبد الرحمن المعلمي ١ / ٥٠١ . (٤) تقريب التهذيب لابن حجر ٢/ ٣٣١.