النص المفهرس

صفحات 181-200

منالفين، تم اصحاب المتين، يعنى من روى عنه اكثر من مائة واقل من الف . وهكذا الى ان
ذكر من روى عنه حدينان ، ثم من روى عنه حديث واحد .
ومسند بقي بن مخلد من أهم مصادر السنة، وقد قال فيه ابن حزم: ((مسند بقى روى
فيه عن ألف وتلثمائة صاحب ونيف ، ورتب حديث كل صاحب على أبواب الفقه ، فهو مسند
ومصنف ، وما أعلم هذه الرتبة لأحد قبله ، مع ثقته وضبطه وإتقانه واحتفاله في الحديث».
أنظر نفح الطيب : ج ١ ص ٥٨١ وج ٢ ص ١٣١) ولكن هذا الكتاب الجليل لم نسمع بوجوده في
مكتبة من مكاتب الاسلام ، وما ندري : أفقد كله ؟ ولعله وجد في بعض البقايا التي نجت من
التدمير في الأندلس .
وأكثر الكتب التي بين أيدينا جمعا للأحاديث - : مسند الإمام أحمد بن حنبل ، وقد
يكون الفرق كبيرا جدا بين ما ذكره ابن الجوزي عن مسند بقي، وبين ما في مسند أحمد -
كما سترى فى أحاديث أبى هريرة - ولا يمكن أن تكون كل هذا الفرق أحاديث فانت الإمام
احمد ، بل هو في اعتقادي ناشئ عن كثرة الطرق والروايات للحديث الواحد .
فقد قال الامام "حمد فى شأن منده: «هذا الكتاب جمعته وانتقيته من اكثر من
سبعمائة ألف حديث وخمسين ألفا ، فما اختلف فيه المسلمون من حديث رسول الله صلى الله
عليه وسلم فارجعوا اليه، فان كان فيه، والا غليس بحجة)).
وقال أيضا : « عملت هذا الكتاب اماما ، اذا اختلف الناس في سنة رسول الله صلى
الله عليه وسلم رجع اليه " .
وقال الحافظ الذهبي: ((هذا القول منه على غالب الأمر، والا فتنا أحاديث قوبة في
الصحيحين والسنن والأجزاء ما هى فى المسند)) .
وقال ابن الجزري : «بريد أصول الأحاديث، وهو صحيح: فانه ما من حديث غالبا -
الا وله أصل في هذا المسند» .انظر خصائص المسند للحافظ أبي موسى المدينى، والمصعد
الأحمد لأبن الجزري، المطبوعين فى مقدمة المسند بتحقيقنا! ج ١ ص ٢١، ٢٢ وص ٣١).
نعم ان مسند أحمد فانته أحاديث كثيرة ، ولكنها ليست بالكثرة التى تصل الى الفرق
بينه وبين مسند بقى في مثل احاديث أبي هريرة . والمتتبع لكتب السنة يجد ذلك واضحا
مستبينا.
١٨١

٠
ومع هذا فان في مسند أحمد أحاديث مكررة مرارا ، ولم يسبق للمتقدمين ان ذكروا عدد
ما فيه بالضبط ، الا انهم قدروه بنحو ثلاثين ألف حديث الى أربعين الفاء وأنا أظن انه لا يقل
عن خمسة وثلاثين ألفا، ولا يزيد على الأربعين . وسيتبين عدده بالضبط عند ما أكمل الفهارس
التي أعملها له ان شاء الله تعالى .
وسأذكر هنا عدد الأحاديث التي ذكرها ابن الجوزي لهؤلاء التسعة المكثرين من الصحابة،
وأذكر عدد أحاديتهم في مسند أحمد ، ما عدا عائشة ، فاني ثم ابدأ في مسندها بعد .
أبو هريرة : ذكر ابن الجوزي ان عدد أحادية ٥٣٧٤، وفي مسند أحمد ٣٨٤٨ حدما
( ج ٢ ص ٢٢٨ - ٥٤١ ).
عائشة : ذكر ابن الجوزي ان عقد أحاديلها ٢٢١٠، وحدثها في المسند : = ٦ ص ٢٩ -
٢٨٢ ) .
أنس بن مالك : عند ابن الجوزي ٢٢٨٦ حدبتا، وفي مسند أحمد ٢١٧٨ حديثا (ج ٣
ص ٩٨ - ٢٩٢ ١ ٠
عبد الله بن عباس: عند ابن الجوزي ١٦٦٠ حدينا، وفي مسند أحمد ١٦٩٦ حديثا
( ج ١ ص ٢١٤ - ٣٧٤ من طبعة الحالبي. وج ٣ ص ٢٥٢ - ج ٥ ص ١٨٣ من طبعننا بشرحنا).
عبد الله بن عمر : عند ابن الجوزي ٢٦٣٠ حديثا، وفي مسند أحمد ٢٠١٩ حديثا ١ج ٢
ص ٢ - ١٥٨ من طبعة الحلبى. وج ٦ ص ٢٠٩ - ج ٩ ص ٢٢٩ من طبعتها).
جابر بن عبد الله : عند ابن الجوزي ١٥٤٠ حديثا، وفي مسند أحمد ١٢٠٦ (ج ٣ ص ٢٩٢
- ٤٠٠)٠
أبو سعيد الخدري. عند ابن الجوزي ١١٧٠ حديثا ، وفي مسند أحمد ٩٥٨ حدينا
١ ج ٣ ص ٢ - ٩٨) .
عبد الله بن مسعود: عند ابن الجوزي ٨٤٨ حديثا، وفي مند أحمد ٨٩٢ حديثا (ج ١
ص ٣٧٤ - ٤٦٦ من طبعة الحلبي . وج ٥ ص ١٨٤ - ج ٦ ص ٢٠٥ من طبعتنا).
١٨٢

( قلت ): وعبد الله بن عمرو، وأبو سعيد ، وابن مسعود، ولكنه
توفي قديماً، ولهذا لم يعدَّه أحمد بن حنبل في العبادلةَ، بل قال: العبادلةُ
عبدالله بن عمرو بن العاص : عند ابن الجوزي ٧٠٠ حديث وفي مسند أحمد ٧٢٢ جديا
١ ج ٢ ص ١٥٨ - ٢٢٦ ) .
واعلم أن هذه الأعداد في مسند أحمد يدخل فيها المكرر ، أي أن الحديث الواحد بعد
أحاديث بعدد طرقه التي رواه بها .
ومن المهم معرفة العدد الحقيقى بحذف المكرر واعتبار كل الطرق لتحديث حدينا واحدا .
ولم أتمكن من تحقيق ذلك الا في مسند أبي هريرة فظهر أي ان عدد أحاديثه في مسند أحمد
بعد حذف المكرر منها هو ١٥٧٩ حديثا فقط .
فأين هذا من العدد الضخم الذي ذكره ابن الجوزى وهو ٥٣٧٤ ؟ . وعل فات أحمد هذا
كله ؟ ! ما أظن ذلك .
وانما الذي أرجحه : أن ابن الجوزي عد ما رواه بقي لأبي هريرة مطلقا . وادخل فيه
المكرر ، فتعدد الحديث الواحد مرارا بتعدد طرقه . وقد يكون بقي ايضا روى الحديث الواحد
مقطعا اجزاء ، باعتبار الأبواب والمعاني . كما يفعل البخارى ، وؤيده أن ابن حزم يصفه بأنه
رتب أحاديث كل صحابي على أبواب الفقه .
وأيضًا فإن في مسند أحمد أحاديث كثيرة بذكرها استطرادا في غير مسند الصحابي الذي
رواها ، وبعضها يكون مرويا عن اثنين او اكثر من الصحابة ، فتارة بذكر الحديث في مسند
كل واحد منهما ، وتارة يذكره في مسند أحدهما دون الآخر .
وقد وجدت فيه أحاديث لبعض الصحابة ذكرها أثناء مسند لغير راويها ، ولم يذكرها
في مسند راويها اصلا .
ولكن هذا كله لا ينتج منه هذا الفرق الكبير بين العددين في مثل مسند أبي هريرة .
ولعلنا نوفق لتحقيق عدد الأحاديث التي رواها عن كل صحابي، كما صنعنا في رواية أبي هريرة،
ان شاء الله .
وقد جمعت عدد الأحاديث التي نسبها ابن الجوزي للصحابة في مسند بقى ، فكانت
٣١٠٦٤ حديثا، وهذا يقل عن مسند أحمد أو يقاربه.
١٨٣

أربعة : عبد الله بن الزبير، وابن عباس ، وابن عمر ، وعبدالله بن عمرو
ابن العاص (١).
( فرع ) : وأولُ من أسلم من الرجال الأحرار: أبو بكر الصديق
وقيل: إنه أول من أسلم مطلقاً، ومن الولدان: علي . وقيل: إنه أول
من أسلم مطلقاً، ولا دليل عليه من وجه يصحٌ"(٢). ومن الموالي: زيد
ابن حارثة . ومن الأرقّاء : بلال . ومن النساء خديجة ، وقيل : إنها أول
من أسلم مطلقاً . وهو ظاهر السياقات في أول البعثة ، وهو محكي عن
ابن عباس والزهري وقتادة ومحمد بن إسحق بن يَسار صاحب المغازي
وجماعة ، وادعى التّعْلبي المفسّرُ على ذلك الإجماعَ، قال: وإنما الخلاف
فيمن أسلم بعدها .
(فرع) وآخر الصحابة موتاً أنس بن مالك (٣). ثم أبو العطفَّيْل عامر
: ١) قال البيهقي: ((هؤلاء عاشوا حتى احتيج لى عنمهم، فاذا اجتمعوا على شىء قيل:
هذا قول العبادلة)» .
وابن مسعود ليس منهم ، لانه تقدم مونه عنهم ، والقصر الجوهري في الصحاح على ثلاثة
منهم ، فحذف ابن الزبير .
وذكر الرافعي والزمخشري ان العبادلة هم: ابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر وهذا
غلط من حيث الاصطلاح .
وذكر ابن الصلاح ان من يسمى ((عبد الله )) من الصحابة نحو ٢٢٠ نفساً، وقال العراقى
( ص ٢٦٢ ): ((يجتمع من المجموع نحو ٣٠٠ رجل)).
(٢) وقال الحاكم: ((لا أعلم خلافا بين الصحاب التواريخ ان على بن أبى طالب أو لهم
اسلاما)). واستنكر ابن الصلاح دعوى الحاكم الإجماع، فقال ( ص ٢٢٦): (والأورع ان
يقال: أول من أسلم من الرجال ابو بكر، ومن الصبيان او الأحداث على، ومن الدماء خديجة،
ومن الموالي زيد بن حارثة، ومن العبيد بلال)) .
(٣) الذي جزم به ابن الصلاح، وصوبه شارحة العراقي، ونقله عن مسلم بن الحجاج
ومصعب بن عبد الله وأبي زكريا بن مندة وغبرعم : ان خر الصحابة موتا على الإطلاق هو ابو
الطفيل عامر بن وائلة .
١٨٤

ابن واثلة الليثي ، قال علي بن المديني : وكانت وفاته بمكة ، فعلى هذا هو
آخر من مات بها(١). ويقال: آخر من مات بمكة ابنُ عمر. وقيل :
جابر، والصحيح أن جابراً مات بالمدينة، وكان آخرَ من مات بها . وقيل:
سهل بن سعد. وقيل : السائب بن يزيد . وبالبصرة : أنس. وبالكوفة
عبدُ اللّه بن أبي أوْفَى. وبالشام عبد الله ابن بُشْر (١) بحمص وبدمشق واثلة
ابن الأسْتمَعَ (٣). وبمصر عبد الله بن الحارث بن جَزْء(٤). وباليمامة
الهِرْماس بن زياد(٥). وبالجزيرة العُرْس بن عميرة(٦). وبإفريقيّةُ
رُوِيْفعُ بن ثابت(٧). وبالبادية سلمة بن الأكوع. رضي الله عنهم.
( فرع ): وتعرف صحبة الصحابة تارةً بالتواتر، وتارةً بأخبار
مستفيضة ، وتارةً بشهادة غيره من الصحابة له، وتارةً بروايته عن النبي
صلى الله عليه وسلم سماعاً أو مشاهدةً مع المعاصرة.
فأما إذا قال المعاصرُ(٨) العدل": ((أنا صحابي)): فقد قال ابن الحاجب
في مختصره : احتمل الخلاف ، يعني لأنه يخبر عن حكم شرعي ، كما لو
قال في الناسخ : ((هذا ناسخ هذا))، لاحتمال خطئه في ذلك .
(١) مات عامر سنة ١٠٠، وقيل سنة ١٠٢، وقيل سنة ١٠٧، وقل سنة ١١٠، والأخير
صححه الذهبي .
(٢) (بسر )) بضم الياء الموحدة وإسكان السين المهملة .
:٣) ((وائلة)» بالماء المثلثة، ((والأسقع)) باسكان المين المجملة وفتح القاف.
٤) ( جزء» بفتح الجيم واسكان الزاي .
(٥) ((الهرماس) بكسر الهاء واسكان الراء وآخره سين مهملة .
٦٠) ((الجزيرة» هى ما بين الدجنة والفرات من العراق: ((والعروس)) بضم العين المهملة
وإسكان الراء واخره سين مهملة، و« عميرة)) بفتح العين المهملة وكسر الميم .
(٧) "رويتع " تصفير ((رافع ».
: ٨) قوله (المعاصر» أى للنبى صلى الله عليه وسلم، بأن كان موجودا قبل السنة العاشرة
من الهجرة .
١٨٥

أما لو قال: ((سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كذا"
أو: ((رأيته فعل كذا))، أو: ((كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم))
ونحو هذا -: فهذا مقبول لا محالةَ ، إذا صح السند إليه ، وهو ممن عاصره
عليه السلام(١).
النوع الموفى أربعين
معرفة التابعين :
قال الخطيب البغدادي : التابعي : من صَحِب الصّحابي . وفي كلام
الحاكم ما يقتضي إطلاقَ التابعي على من لقي الصحابي وروى عنه وإن لم
يَصْحَبْه .
( قلت ) : لم يكتفوا بمجرد رؤيته الصحابيَّ، كما اكْتفوا في إطلاق
إسم الصحابي على من رآه عليه السلام، والفرق : عظمةُ وشرفُ رؤيته
عليه السلام
.
وقد قسّم الحاكم طبقات التابعين إلى خمس عشرة طبقةً . فذكر
أن أعلاهم من رَوَى عن العشرة ، وذكر منهم : سعيد بن المسيّب ،
(١) تعرف الصحبة بالتواتر، كالعشرة المبشرين بالجنة وغيرهم من الصحابة المعروفين ،
أو بالاستفاضة ، كضمام بن ثعلبة وعكاشة بن محصن ، أو بقول صحابي : ما يدل على أن فلانا
- مثلا - له صحبة ، كما شهد أبو موسى لحممة بن أبي حممة الدوسي ، بذلك وبقول تابعي ،
بناء على قبول التزكية من واحد ، وهو الراجح ، او بقوله هو : انه صحابي ، اذا كان معروف
العدالة وثابت المعاصرة للنبي صلى الله عليه وسلم .
أما شرط العدالة فواضح ، لأنه لم تثبت له الصحبة من طريق غيره حتى يكون عدلا
بذلك ، فلا بد من ثبوت عدالته أولا .
وأما شرط المعاصرة فقد قال ابن حجر في الإصابة (ج١ ص ٦): (فيعتبر بمضى مائة
سنة وعشر سنين من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، لقوله صلى الله عليه وسلم في آخر
عمره لأصحابه : ، أريتكم ليلتكم هذه ؟ فان على رأس مائة سنة منها لا يبقى على وجه الأرض ممن
هو اليوم عليها أحد ) رواه البخاري ومسلم من حديث ابن عمر، زاد مسلم من حديث جابر :
أن ذلك كان قبل موته صلى الله عليه وسلم بشهر)) .
١٨٦

وقيسَ بن أبي حازم ، وقيس بن عبّاد، وأبا عثمان النّهْدي ، وأبا
وائلٍ، وأبا رَجَاءِ العُطَارِدِي، وأبا سَاسان حُضَيْن بن المُنذِرِ (١)،
وغيرهم . وعليه في هذا الكلام دخل كثير ، فقد قيل : إنه لم يرو عن
العشرة من التابعين سوى قيس بن أبي حازم: قاله ابن خِرَاش. وقال أبو
بكر بن أبي داود: لم يسمع (٢) من عبد الرحمن بن عوف. والله أعلم.
وأما سعيد بن المسيّب فام يدرك الصَّدِّيق، قولاً واحداً، لأنه واد
في خلافة عمر لسنتين مضتا أو بقيتا، ولذا اختلف في سماعه من عمر،
قال الحاكم : أدرك عمر فمَنْ بعده من العشرة، وقيل: إنه لم يسمع
من أحد من العشرة سوى سعد بن أبي وقاص ، وكان آخرهم وفاة (٣)
والله أعلم.
قال الحاكم : وبين هؤلاء التابعين الذين وُلدوا في حياة النبي صلى
الله عليه وسلم من أبناء الصحابة، كعبد الله بن أبي طاحة، وأبي أسامة
أسعد بن سهل بن حُنَيْف ، وأبي إدريس الخَوْلاني .
( قلت ): أما عبد اللّه بن أبي طلحة فلما وُلد ذهب به أخوهُ لأمه
أنسُ بن مالك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحنّكه وبَرَّكَ عليه
وسمّاه ( عبد الله))، ومثل هذا ينبغي أن يعد من صغار الصحابة، لمجرد
الرؤية ، ولقد عَدّوا فيهم محمد بن أبي بكر الصديق ، وإنما وُلد عند
الشجرة(٤) وقت الإحرام بحجة الوداع ، فلم يدرك من حياته صلى الله عليه
وسلم إلا نحواً من مائه يوم)) ولم يذكروا أنه أحْضِير عند النبي صلى اللّه
(١) ((حضين)) بضم الحاء المهملة وفتح الضاد المعجمة .
(٢) يعني فيسا .
(٣) الكلام كله في شأن سعيد بن المسيب، عل ادرك عمر أولا؟ نفاعل ((الدرك عمر))
وفاعل ((لم يسمع من أحد من العشرة))الخ يعود على سعيد بن المسيب، واسم ((كان آخرهم
وفاة)» يعود على سعد بن أبي وقاص .
(٤) يعني التي بذي الحليفة ميقات أهل المدينة للحج والعمرة، وتسمى الآن ((أبيار على))
ويسميها أهل المدينة ((الحسا)).
١٨٧
٠

عليه وسلم ولا رآه ، فعبد الله بن أبي طلحة أولى أن يُعَدَّ في صغار الصحابة
من محمد بن أبي بكر . والله أعلم .
قد ذكر الحاكم : النعمان ، وسُويداً، ابْتَي مُقَرَّن(١) من التابعين
وهما صحابيان .
وأما المُخَضْرَمُون، ( فهم: الذين ) أسلموا في حياة رسول الله
صلى الله عليه وسلم ولم يَرَوْه :
و ((الخَضْرَمَةُ)): القَطْع، فكأنهم قُطِعوا عن نُظَرائهم من
الصحابة .
وقد عدَّ منهم مسلم نحواً من عشرين نفساً ، منهم : أبو عمرو
الشّيْباني . وسُوَيْد بن غَفَلة(٢)، وعمرو بن ميمون، وأبو عثمانَ
النّهْدي، وأبو الحَلال العَتّكي(٣)، وعبدُ خيْر بن يزيد الحَيْوَاني (٤)
وربيعة بن زرارة (٥) . قال ابن الصلاح: وممن لم يذكره مسلم : أبو
مسلم الحَوْلاني عبدالله بن ثُوَب (٦) .
(١) ((سويد)) بالتصغير، و((مقرن)) بضم الميم وفتح القاف وتشديد الراء المكسور.
(٢) ((غفلة)) بغين معجمة وفاء ولام مفتوحات .
(٣) ((الحلال)) بفتح الحاء المهمئة وتخفيف اللام، ((والعتكي)) بعين مهملة وتاء مثناة
مفتوحتين .
(٤) ((الخيواني)) بفتح الخاء المعجمة والسكان الياء .
(٥) ((زرارة)) بضم الزاي فى أوله. وربيعة هذا هو ((أبو الحلال العتكي)) السابق
ذكره، كما نص عليه لالدولابي في الكنى (ج ١ ص ١٥٦)، والذهبي في المشتبه ( ص ١٩٢ )
وقد ظهر المؤلف أن الاسم والكنية لشخصين مختلفين ، وهو وهم منه .
(٦) ((ثوب)) بضم الناء المملكة وفتح الواو، كما نص عليه الذهبي في المشتبه ( ص ٨٠)
وابن حجر في التقريب ، ص ٩٩ ).
١٨٨

( قلت ): وعبدالله بن عُكيم(١)، والأحنف بن قيس (٢).
وقد اختلفوا في أفضل التابعين من هو ؟
فالمشهور : أنه سعيد بن المسيّب ، قاله أحمد بن حنبل وغيره . وقال
أهل البصرة : الحسن . وقال أهل الكوفة : عَلْقَمة، والأسود . وقال
بعضهم : أوَيْسُ القَرَني. وقال أهل مكة. عطاء بن أبي ريّاح.
وسيدات النساء من التابعين : حَقصّةُ بنت سيرين. وعَمْرَةُ بنت
عبد الرحمن ، وأم الدَّرْدَاء الصغرى . رضي الله عنهم أجمعين.
ومن سادات التابعين : الفقهاءُ السبعة بالحجاز ، وهم : سعيد بن
المسيب ، والقاسم بن محمد ، وخارجة بن زيد ، وعروة بن الزبير ،
وسليمان بن يَسَار، وعُبيد الله بن عبد اللّه بن عُتْبة (بن مسعود ) ،
والسابع: سالم بن عبدالله بن عمر، وقيل: أبو سَلمَة بن عبد الرحمن
ابن عوف ، وقيل : أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام .
وقد عدَّ عليٍ بن ( المَدِيني )(٣) في التابعين من ليس منهم. كما
أخرج آخرون منهم من هو معدود فيهم . وكذلك ذكروا ( في الصحابة
من ليس صحابياً )(٤) كما عدّوا جماعة من الصحابة ( فيمن ظنوه
تابعيّاً ) (٥) وذلك بحسب مبلغهم من العلم ، والله الموفق للصواب.
(١) (عكيم)) بالعين المهملة والتصغير.
(٢) وقد سرد العراقي شرح مقدمة ابن الصلاح تكملة ما ذكره مسلم ، وزاد عليه مما لم
يذكره مسلم ولا ابن الصلاح نحو عشرين شخصا ، وللحافظ برهان الدين أبي اسحاق إبراهيم
١١بن محمد بن خليل سبط ابن العجمي المتوفى سنة ٨٤١ رسالة سماها. ((تذكرة الطالب المعلم
بمن يقال انه مخضرم». وهي مطبوعة بحلب .
(٣) كلمة ((المديني)) بعد ((علي بن)) هي من زيادتنا، وهي مطموسة في الأصل ، فزدناها
مما ذكره المؤلف في أول الباب الموفى خمسين أن لعلي بن المديني كتابا في الأسماء والكنى.
١ ٤ - ٥) ما بين القوسين منطمس في الأصل، فزدناه مما يدل عليه فحوى الكلام ، ومما
تخيله من الناسخ من ظهور حروف بعض كلمات الاصل ، ثم وقفنا على ما نقله صديق حسن
خان في كتابه (منهج الأدول ) نقلا عن كتاب الحافظ بن كثير هذا ، فوجدناه موافقا لما
صححناه هنا .
١٨٩

النوع الحادي والاربعون
معرفة رواية الأكابر عن الأصاغر :
قد يَرْوِي الكبيرُّ القَدْر أو السّنّ أو هُما عَسَن دونَه في كل منهما
أو فيهما .
ومن أجلِّ ما يُذكر في هذا الباب ما ذكره رسول الله صلى الله عليه
وسلم في خطبته عن تميم الداريّ مما أخبره به عن رؤية الدجال في تلك
الجزيرة التي في البحر. والحديث الصحيح(١).
وكذلك في صحيح البخاري رواية معاوية بن أبي سفيان عن مالك بن
يُخَامر (٢) عن معاذ، وهم بالشام، في حديث: لا تزالُ طائفةٌ من
أمتي ظاهرين على الحق (٣) ،
(١) يعنى : صحيح مسلم ، فان الحديث فيه ، ولم يرود البخاري .
( ٢) يعنى: ومعاوية صحابي، ومالك بن يخامر تابعي كبير، وقد عدة بعضهم في الصحابة
ولم يثبت له ذلك ، كما في الخلاصة .
(٣) رواية الصحابي عن تابعي عن صحابي آخر نوع طريف ، ادعى بعضهم عدم وجوده ،
وزعم أن الصحابة انما رووا عن التابعين الاسرائيليات والموقوفات فقط ، وهو رقم غير صواب،
فقد وجد هذا النوع ، وألف فيه الحافظ الخطيب الغمادي ، وجمع الحافظ العراقي من ذلك
نحو عشرين حديثا .
منها : حديث السائب بن يزيد الصحابي عن عبد الرحمن عبد القارى التابعى عن عمر بن
الخطاب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من نام عن حزبه أو عن شيء منه فقرأدى ما بين
صلاة الفجر وصلاة الظهر كتب له كأنما قرأه من الليل))،رواه مسلم في صحيحه ! ج١ ص ٢٠٧).
ومنها : حديث سهل بن سعد الساعدي الصحابي عن مروان بن الحكم التابعى عن زيد
أبن ثابت: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أملى عليه ( لا يستوى القاعدون من المؤمنين
والمجاهدون في سبيل الله). فجاء ابنأم مكتوم وهو يمليها على، قال: يا رسول الله، والله
لو أستطيع الجهاد لجاهدت ، وكان أعمى . فأنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم وفخذه
على فخذي ، فثقلت علي ، حتى خفت أن ترض فخذى ، ثم سرى عنه ، فأنزل الله : ( غير
أولى الضرر))). رواه البخاري ( ج ٦ ص ٤٧ - ٤٨).
١٩٠

قال ابن الصلاح : وقد روى العبادلةُ(١) عن كعب الأحبار.
( قلت ): وقد حكى عنه عمر، وعليّ، وجماعةٌ من الصحابة(٢).
وقد روى الزَّهري ويحيى بن سعيد الأنصاري عن مالك ، وهما من
شيوخه . وكذا روى عن عمرو بن شعيب جماعة من الصحابة والتابعين ،
قيل : (عشرون )(٣)، ويقال: بضع وسبعون. فالله أعلم. ولو سردنا
جميع ما وقع من ذلك لطال الفصل جداً .
قال ابن الصلاح : وفي التنبيه على ذلك من الفائدة معرفةُ الراوي من
المروى عنه. قال: وقد صحَّ(٤) عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت:
((أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تُنْزِلَ الناسَ منازاتَهم)).
(١) بعنى عبد الله بن عباس وابن عمر وابن عمرو بن العاص.
٠ ٢) بعنى : روايتهم عن كعب الأحبار .
(٣) كلمة ((عشرون)) مندرسة في الأصل. ولكنا أخذناها من عبارة ابن الصلاح.
(٤) جزم ابن الصلاح بصحته تبعا للحاكم في علوم الحديث في النوع السادس عشر منه.
وفيه نظر، فقد ذكره مسلم في مقدمة صحيحه بغير أسناد بصيغة التمريض، فقال: ((وقد
ذكر عن عائشة رضى الله عنها أنها قالت: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم))، فذكره
ورواه أبو داود في سننه في افراده من رواية ميمون بن أبي شبيب عن عائشة قالت : قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((انزلوا الناس منازلهم)» ثم قال أبو داود بعد اخراجه :
((ميمون ابن شبيب لم يدرك عائشة"، فأعله بالانقطاع: وقال البزار فى مسنده بعد أن أخرجه
من طرق ميمون هذا عن عائشة: ((لا يعلم عن النبي صلى الله عليه وسلم الا من هذا الوجه)).
وتعقب البزار بما لا ينهض أهـ ملخصا من كلام العراقي في شرحه لعلوم الحديث .
١٩١

النوع الثاني والاربعون
معرفة المُدَبَج(١):
وهو روايةُ الأقران سنّاً وسنداً. واكتفى الحاكم بالمقاربة في السند
وإن تفاوتت الأسنان. فحتى رَرَى كلٌ منهم عن الآخر سمي ((مُدَبّجاً))
كأبي هريرة وعائشة، والزهري وعمر بن عبد العزيز ، ومالك والأوزاعي
وأحمد بن حنبل وعلي بن المديني ، فما لم يرو عن الآخر لا يسمى
((مدبّجاً)). والله أعلم (٢).
(١) بضم الميم وفتح الدال المهملة وتشديد الموحدة المفتوحة وآخره جيم .
(٢) قال في التدريب ( ص ٢١٨): لطيفة: ((قد يتم جماعة من الأقران في حديث كما
روى أحمد بن حنبل عن أبي خثيمة زهير بن حرب عن يحيى بن معين عن على بن المديني عن
عبيد الله بن معاذ عن أبيه عن سعيد عن أبي بكر بن حفص عن أبي سائمة عن عائشة قالت: ((كان
أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يأخذن من شعورهن حتى يكون كالوفرة)). فأحمد والأربعة
فوقه خمستهم أقران)) .
ومن المدبج أيضا نوع مقلوب في بدنيجه ، وان كان مستويا في الأمور المتعلقة بالرواية ،
أي ليس فيه شيء من الضعف الذي في نوع ((المقلوب)) الماضي في أنواع الضعيف.
ومثال هذا النوع عجيب مستطرف وهو : رواية مالك بن أنس عن سفيان الثوري عن عبد
الملك بن جريج، وروى أيضا ابن جريج عن الثوري عن مالك. فهذا السناد كان على صورة ثم
جاء في رواية أخرى مقلوبا ، كما ترى .
١٩٢

النوع الثالث والاربعون
معرفة الإخوة والأخوات من الرواة :
وقد صنّف في ذلك جماعةٌ: منهم علي بن المديني، وأبو عبدالرحمن
النِّسائي .
فمن أمثلة الأخوين : عبد الله بن مسعود وأخوه : عُتبة ، عمرو بن
العاص وأخوه : هشام ، وزيد بن ثابت وأخوه : يزيد . ومن التابعين :
عمرو بن شُرَحْبيل أبو مَيْسَرة وأخوه : أرقم ، كلاهما من أصحاب
ابن مسعود ، ومن أصحابه أيضاً: هُزَيْل بن شُرحبيل، وأخوه: أرقم .
ثلاثة" إخوة : سهل وعبّاد وعثمان بنو حُنَيْف. عمرو بن شعيب
وأخواه : عمر ، وشُعيب. وعبد الرحمن زيد بن أسلم وأخواه : أسامة
وعبدُالله .
أربعة إخوة : سُهَيل بن أبي صالح وإخوتُه: عبد اللّه - الذي يقال
له عبّاد - ومحمدُ ، وصالح .
خمسة إخوة: سفيان بن عُيَيْنَة وإخوته الأربعة : إبراهيم ، وآدم
وعمران ومحمد . قال الحاكم : سمعت الحافظ أبا علي الحسين بن علي -
يعني النيسابوري - يقول : كلهم حدَّثُوا .
ستة إخوة : وهم محمد بن سيرينَ وإخوته : أنس، ومَعْبَد ،
ويحيى ، وحفصة ، وكريمة . كذا ذكرهم النسائي ويحيى بن معين أيضاً
ولم يذكر الحافظ أبو علي النيسابوري فيهم، ((كريمة))، فعلى هذا
يكونون من القسم الذي قبله ، وكان معد أكبرهم ، وحفصةُ أصغرهم
وقد روى محمد بن سيرين عن أخيه يحيى عن أخيه أنس عن مولاهم أنس
ابن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لَبّيْكَ حقّاً حَقّاً،
تَعْبُّداً ورِقّاً)) (١).
(١) رواه الدار قطني في العلل، كما ذكره السيوطي في التدريب. (ص ٢١٩ ).
١٩٣
الباعث الحثيث - ١٣

ومثال سبعةِ إخوة: النعمان بن مُقَرِّنِ وإخوته: سِنَّان ، وسُوَيْد،
وعبد الرحمن ، وعلّقِيل، ومَعْقِل، ولم يُسَمَّ السابعُ ، هاجروا
وصحبوا النبي صلى الله عليه وسلم، ويقال: إنهم شهدوا الخندقَ كلّهم
قال ابن عبد البر وغير واحد : لم يشاركهم أحد في هذه المكرمة .
( قلت ) : وثمّ سبعةُ إخوةٍ صحابة ، شهدوا كلهم بدراً، لكنهم
لأم، وهي عَقْرَاءُ بنت عُبيد، تزوجتْ أولاً بالحارث بن رِفَاعة
الأنصاري ، فأولدها مُعاذاً ومعوِّداً، ثم تزوجتْ بعد طلاقه لها بالبُكتَيْرِ
ابن عبدٍ ياليل بن ناشِب، فأولدها إياساً وخالداً وعاقلاً وعامراً ، ثم
عادتْ إلى الحارث ، فأولدها عَوْناً. فأربعة منهم أشقّاء ، وهم بنو
البُكتير ، وثلاثة أشقاء ، وهم بنو الحارث ، وسبعتهم شهدوا بدراً مع
رسول الله صلى اللّه عليه وسلم، ومعاذ ومعرِّد، إينا عفراء، هما اللذان
أثبتا أبا جهل عمرو بن هشام المخزومي، ثم أحزَّ رأسه وهو طريح عبد الله
ابن مسعود الهُذَلي رضي الله عنهم(١).
النوع الرابع والأربعون
معرفة رواية الآباء عن الأبناء :
وقد صنّف فيه الخطيب كتاباً .
وقد ذكر الشيخ أبو الفرج بن الجوزي في بعض كتبه : أن أبا بكر
الصديق روى عن إبنته عائشة . وروتْ عنها أمّها أم رُومانَ أيضاً .
(١) ومن الاخوة الصحابة تسعة مهاجرون، وهم أولاد الحارث بن قيس بن عدى السهمي،
وهم: بشر، وتميم، والحارث ، والحجاج ، والسائب ، وسعيد، وعبد الله ومعمر. وابو
قيس . هكذا ذكرهم السيوطي في التدريب ( ص ٢١٩ ) وهو الموافق لما في الاصابة وذكر ابن
سعد في الطبقات سبعة فقط ، على خلاف في الأسماء ( ج ٤ ص ١٤٣ - ١٤٤) .
١٩٤

قال : روى العباسُ عن ابنيه : عبد الله والفضل .
قال : ورَوَى سليمان بن طَرْخَانَ التّيْمي عن ابنه المعتمر بن سليمان
وروى أبو داود عن إبنه أبي بكر بن أبي دارد .
قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح : وروى سفيان بن عيينة عن وائل
ابن داود عن إبنه بكر بن وائل عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي
هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اخِّروا الأحمال،
فإن اليدَ مُغْلَقة، والرِّجْل مُوثَقة (١))). قال الخطيب: لا يعرف إلا
من هذا الوجه .
قال وَرَوَى أبو عمر حفص بن عمر الدُّورِي الْمُقْرىء عن ابنه أبي
جعفر محمد ستة عشر حديثاً أو نحوها ، وذلك أكثر ما وقع من رواية أبٍ
عن إبنه .
ثم روى الشيخ أبو عمرو عن أبي المظفّر عبد الرحيم الحافظ أبي سعد
عن أبيه عن إبنه أبي المظفر بسنده(٢) عن أبي أمامة مرفوعاً. ((أحْضِيروا
(١) الحديث ذكره السيوطي في الجامع الصغير (رقم ٢٩٢) ونسبه لأبي داود في مراسيله
عن الزهري، ولأبي يعلى والطبراني في الأوسط ((عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، نحوه)).
(الأحمال)) جمع حمل: ما يحمل على الدابة، والمعنى: توسيط الحمل على ظهر البعير ونحوه،
فان يده مغلقة بنقل الحمل ، ورجله موثقة كذلك ، فارحموه بتوسيط الحمل على ظهره ، حتى
لا يؤذيه الحمل . وإنما أمر بالتأخير والمراد التوسيط : لأنه رأى بعيرا متقدما حمله الى جهة
الأمام أهـ . أفاده المناوى في شرح الجامع الصغير .
(٢) ذكر العراقي سنده نقلا عن السمعاني في الذيل من رواية العلاء بن مسلمة الرواس
عن اسماعيل بن مغر الكرماني ، عن ابن عياش، وهو اسماعيل، عن برد عن مكحول عن أبي
امامة . قال العراقي : وهو حديث موضوع ، ذكر غير واحد من الحفاظ انه موضوع ، رواه
أبو حاتم بن حبان في تاريخ الضعفاء في ترجمة ((العلاء بن مسلمة الرواس)) بهذا الاسناد ،
وقال فيه ــ أي العلاء المذكور - ((يروى عن الثقات الموضوعات، لا يحل الاحتياج به بحال)).
ونقل نحو ذلك عن أبي الفتح الأزدي وابن طاهر اابن الجوزي أ هـ ملخصا من شرحه على ابن
الصلاح .
١٩٥

موائدكم البقْل ، فإنه مطْرَدة للشيطان مع التسمية)) . سكت عليه الشيخ
أبو عمرو ، وقد ذكره أبو الفرج بن الجوزي في الموضوعات ، وأخْلِقْ
به أن يكون كذلك(١) .
ثم قال ابن الصلاح : وأما الحديث الذي رويناه عن أبي بكر الصديق
عن عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في الحبة السوداء :
((شفاء من كل داء)). فهو غاط، إنما رواه أبو بكر عبد الله بن أبي عتيق
محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق عن عائشة (٢).
قال : ولا نعرف أربعةً من الصحابة على نَسَقٍ سوى هؤلاء : محمد
ابن عبد الرحمن بن أبي بكر بن أبي قحافة ، رضي الله عنهم . وكذلك قال
ابن الجوزي وغير واحد من الأئمة .
( قلت ) : ويلتحق بهم تقريباً عبدُ الله بن الزبير : أمه اسماء بنت
أبي بكر بن أبي قحافة ، وهو أسنُّ وأشهرُ في الصحابة من محمد بن عبد
الرحمن بن أبي بكر . والله أعلم .
قال ابن الجوزي : وقد رَوَى حمزةُ والعباس عن ابن أخيهما رسول
الله صلى الله عليه وسلم.
وروى مُصْعَب الزّبيريّ عن ابن أخيه الزبير بن بكّار ، وإسحق
ابن حنبل عن ابن أخيه أحمد بن محمد بن حنبل . وروى مالك عن ابن
أخته إسماعيل بن عبدالله بن أبي أوَيْس .
(١) أي جدير به وحقيق ان يكون موضوعا.
(٢) قال العراقي. هكذا رواه البخاري في صحيحه . فيكون أبو بكر الراوي هنا عن
عائشة : هو حفيد أخيها عبد الرحمن ، وهي عمة أبيه .
١٩٦

النوع الخامس والاربعون
رواية الأبناء عن الآباء :
وذلك كثير جداً . وأما رواية الإبن عن أبيه عن جده ، فكثيرة أيضاً
ولكنها دون الأول(١)، وهذا كعمرو بن شعيب بن محمد عبد الله بن عمرو
عن أبيه ، وهو شعيب ، عن جده ، عبد الله بن عمرو بن العاص ، هذا
هو الصواب ، لا ما عداه ، وقد تكلمنا على ذلك في مواضع في كتابنا
التكميل(٢)، وفي الأحكام الكبير والصغير(٣).
(١) رواية الأبناء عن آبائهم مما يحتاج الى معرفته، فقد لا يسمى الأب أو الجد في
الرواية ، ويخشى أن يتهم على القارىء . وقد ألف فيها أبو نصر الوائلي كتابا .
وهي نوعان : رواية الرجل عن ابيه فقط ، وهو كثير . ورواية الرجل عن أبيه عن جده ،
وهذا مما يفخر به بحق ، ويغبط عليه الراوي . قال أبو القاسم منصور بن محمد العلوي :
((ضم الاسناد بعضه عوال، وبعضه معال، وقول الرجل: حدثني أبي عن جدي، من المعالي)).
(٢) ((التكميل في معرفة الثقات والضعفاء والمجاهيل)) للشيخ ابن كثير، جمع فيه بين
كتابي شيخيه الحافظين أبي الحجاج المزي وشمس الدين الذهبي، وهما: (( تهذيب الكمال في
أسماء الرجال)) و((ميزان الاعتدال في نقد الرجال))، وزاد عليهما زيادات مفيدة في الجرح
والتعديل ، وهو تسعة مجلدات ، رأيت منه المجلد الأخير في احدى مكاتب المدينة المنورة بخط
قديم منسوخ في حياة المؤلف من نسخته . قاله الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة .
(٣) عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص: يروى كثيرا عن أبيه عن
جده . والمراد بجده هنا. عبد الله بن عمرو، وهو في الحقيقة جد أبيه شعيب.
وقد اختلف كثيراً في الاحتجاج برواية عمرو عن أبيه عن جده .
أما عمرو فانه ثقة من غير خلاف ، ولكن أعل بعضهم روايته عن أبيه عن جده بأن الظاهر
أن المراد جد عمرو، وهو محمد بن عبد الله بن عمرو ، فتكون أحاديثه مرسلة ، ولذلك ذهب
الدار قطني الى التفصيل، ففرق بين أن يفصح بجده أنه ((عبد الله)) فيحتج به ، او لا يفصح
١٩٧

فلا يحتج به، وكذلك أن قال: ((عن أبيه عن جده سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم))
أو نحو هذا ، مما يدل على أن المراد الصحابي، فيحتج به، وإلا فلا .
وذهب ابن حبان الى تفصيل آخر: وهو انه إن استوعب ذكر آبائه في الرواية احتج به ،
وان اقتصر على قوله ((عن أبيه عن جده)) لم يحتج به . وقد أخرج في صحيحه حديثا واحدا
هكذا: ((عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن محمد بن عبد الله بن عمرو عن أبيه مرفوعا : الا
أحدثكم بأحبكم وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة» ، الحديث .
قال الحافظ العلائي: (( ما جاء فيه التصريح برواية محمد عن أبيه في السند فهو شاذ
نادر )) .
وقال ابن حبان في الاحتجاج لرأيه برد رواية عمرو عن أبيه عن جده : ((ان أراد جده عبد
الله ، فشعيب لم يلقه ، فيكون منقطعا ، وان أراد محمدا فلا صحبة له ، فيكون مرسلا .
قال الذهبي في الميزان: ((هذا لا شيء، لأن شعيبا ثبت سماعه من عبد الله. وهو الذي
رباه ، حتى قيل: أن محمدا مات في حياة أبيه عبد الله، وكفل شعيبا جده عبد الله. فاذا
قال عن أبيه عن جده، فانما يريد بالضمير في ((جده)» انه عائد الى شعيب ... وصح أيضا
أن شعيبا سمع من معاوية، وقد مات معاوية قبل عبد الله بن عمرو، بسنوات ، فلا ينكر له
السماع من جده ، سيما وهو الذي رباه وكفله)).
والتحقيق ان رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده من اصح الأسانيد كما قلنا آنفا .
قال البخاري: ((رأيت أحمد بن حنبل وعلي بن المديني واسحق بن راهويه وأبا عبيد
وعامة أصحابنا -: يحتجون بتحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ، ما تركه أحد من
المسلمين ، قال البخاري : من الناس بعدهم ؟ ! .
وروى الحسن بن سفيان عن اسحق بن راهويه قال: ((اذا كان الراوي عن عمرو بن شعيب
عن أبيه عن جده ثقة، فهو كأيوب عن نافع عن ابن عمر)).
قال النووي: ((وهذا التشبيه نهاية في الجلالة من مثل اسحق)).
وقال أيضا: ((إن الاحتجاج به هو الصحيح المختار الذي عليه المحققون من أهل الحديث،
وهم أهل هذا الفن، وعنهم يؤخذ)) .
وانظر تفصيل الكلام في هذا في التهذيب ( ج ٨ ص ٤٨ - ٥٥)، والميزان ( ج ٢ ص ٢٨٩
١٩٨

ومثل بَهْز بن حكيم بن معاوية بن حَيْدَة القشيري عن أبيه عن
جده معاوية ومثل طاحة بن مُصَرَّف عن أبيه عن جده ، وهو عمرو بن
كعب وقيل : كعب بن عمرو . واستقصاءُ ذلك يطول .
وقد صنّف فيه الحافظ أبو نصر الوايلي كتاباً حافلاً ، وزاد عليه
بعضُ المتأخرين أشياءَ مهمةً نفيسةً .
وقد يقع في بعض الأسانيد فلان عن أبيه عن أبيه عن أبيه ، وأكثر
من ذلك ، ولكنه قليل ، وقل ما يصح منه . والله أعلم .
- ٢٩١) والتدريب (ص ٢٢١ - ٢٢٢)، ونصف الرواية (ج ١ ص ٥٨ - ٥٩، وج٤ ص ١٨ -
١٩)، وشرحنا على الترمذي (ج ٢ ص ١٤٠ - ١٤٤). وشرحنا على (المسند) للامام أحمد ،
في الحديث رقم ( ٦٥١٨ ).
وممن أكثر الرواية عن أبيه عن جده - نهر بن حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري ،
وجده -: هو معاوية بن حيدة ، وهو صحابي معروف. وحديثه في مسند أحمد ( ج ٤ ص ٤٤٦
- ٤٤٧ وج ٥ ص ٢ - ٧). وأكثر حديثه من رواية حفيده بهز عن أبيه عنه. وقد أخرج بعضه
أصحاب السنن الأربعة، وروى البخاري بعضه في صحيحه معلقا ، لأنه ليس على شرطه .
واختلفوا في ايهما ارجح ، رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ، !و رواية بهز عن
أبيه عن جده ؟ فبعضهم رجح رواية بهز ، لأن البخاري استشهد ببعضها في صحيحه تعليقا .
ورجح غيرهم رواية عمرو، وهو الصحيح ، كما يعلم من كتب الرجال ، والبخاري قد استشهد
أيضا بحديث عمرو ، فقد أخرج حديثا معلقا في كتاب اللباس من صحيحه ، وخرجه الحافظ
ابن حجر من طريق عمرو بن شعيب، وقال : إنه لم ير في البخاري اشارة الى حديث عمرو
غير هذا الحديث . ثم ان البخاري حكم بصحة رواية عمرو عن أبيه عن جده ، وهو أقوى من
استشهاده بنسخة بهز .
١٩٩

النوع السادس والاربعون
معرفة رواية السابق واللاحق :
وقد أفرد له الخطيب كتاباً . وهذا إنما يقع عند رواية الأكابر عن
الأصاغر ثم يَرْوِي عن المرويِّ عنه متأخر .
كما رَوَى الزهري عن تلميذه مالك بن أنس ، وقد تُوفي الزهري
سنة أربع وعشرين ومائة ، وممن روى عن مالك زكريّا بن دُوَيْد
الكندي(١) ، وكانت وفاتُه بعد وفاة الزهري بمائة وسبع وثلاثين سنة أو
أكثر . قاله ابن الصلاح .
وهكذا روى البخاري عن محمد بن إسحق السرَّاج ، وروى عن
السرَّاج أبو الحسن أحمد بن محمد الخَفّاف النّيْسابوري ، وبين وفاتيهما
مائة وسبع وثلاثون سنة ، فإن البخاري تُوفي سنة ست وخمسين ومائتين
وتُوفي الخَفّاف سنة أربع أو خمس وتسعين وثلاثمائة . كذا قال ابن
الصلاح (٢) .
( قلت ): وقد أكثر من التعرض لذلك شيخُنا الحافظ الكبير أبو
الحجاج المزِّي في كتابه ((التهذيب)). وهو مما يتحلى به كثير من المحدثين
وليس من المهمّات فيه :
(١) ((دويد)) بدالين مهملتين مصغر، وزكريا هذا، قال ابن حجر في اللسان: ((كذاب،
ادعى السماع من مالك والثوري والكبار، وزعم أنه ابن ١٣٠ سنة، وذلك بعد الستين ومائتين)).
فهذا المثال من المؤلف غير جيد، والصواب أن يذكر ((أحمد بن اسماعيل السهمي)) فقد عمر
نحو مائة سنة ، وروى الموطأ عن مالك ، وهو آخر من روى عنه من أهل الصدق ، وروايته
الموطأ صحيحة في الجملة ، ومات سنة ٢٥٩، ومات الزهري سنة ١٢٤ فبينهما ١٣٥ سنة .
(٢) قال ابن حجر في شرح النخبة: ((واكثر ما وقفنا عليه من ذلك بين الراويين فيه في
الرفاة مائة وخمسون سنة ، وذلك : أن الحافظ السلفي سمع منه أبو علي البرداني احد
مشايخه حديثا ورواه عنه ، ومات على رأس خمسمائة ، ثم كان آخر أصحاب السلفي بالسماع
سبطه أبو القاسم عبد الرحمن بن مكي، وكانت وفاته سنة ٦٥٠)).
٢٠٠