النص المفهرس

صفحات 161-180

وهذا كثير جداً، ومن نظر في كتاب الموضوعات لأبي الفرج بن الجَوْزي
عرَف ذلك ، وقد رُوي عن الإمام أحمد أنه قال : أربعةُ أحاديث تدور
بين الناس في الأسواق لا أصل لها: ((من بشترني بخروج آذار بشّرتُه
بالجنة(١))) و((من آذى ذمِيا فأنا خَصْمُه يوم القيامة(٢))). و((نحْرُكم
يوم صومكه (٣) ))، و((للسائل حق" وإنْ جاء على فرس))(٤).
النوع الحادي والثلاثون
معرفة الغريب والعزيز :
أما الغرابة: فقد تكون في المتن، بأن يتفتّرَّد بروايته راوٍ واحد ،
أو في بعضه. كما إذا زاد فيه واحد زيادةً لم يَقُلْها غيرُه . وقد تقدم
الكلام في زيادة الثقة .
تيسير الوصول - في كتاب سماه ( تمييز الطيب من الخبيث، فيما يدور على السنة الناس من
الحديث ) ، واستدرك عليه وهذبه الشيخ الحوت البيروني في رسالة تسمى : أسنى المطالب،
فى أحاديث مختلفة المراتب ، وللعجلوني : (كشف الخفا ومزيل الالياس : ما اشتهر من
الأحاديث على ألسنة الناس ) . وكلها مطبوعة .
(١) ((.زار ٥ شهر معروف .
٢٠) هو بهذا اللفظ لا أصل له كما قال الإمام احمد، ولكن ورد معناه بأسانيد لا بأس
بها ، انظر الكلام عاليه في كشف الخفا (ج ٢ ص ٢١٨ برقم ٢٣٤١) .
٣٠: لفظه المعروف: ((بوم صومكم يوم نحركم)). وهو أصل له النظر كشف الخفازج ٢
ص ٣٩٨ برقم ٣٢٦٤ ) .
(٤) هذا الحديث له أصل ، فقد رواه أحمد فى المسند (ج ١ ص ٢٠١ برقم ١٧٣٠ )
من حديث الحسين بن علي، ورواه أبو داود من حديثه ايضا، ومن حديث الحسن عن أبيه
علي بن ابي طالب. وانظر الكلام عليه هبي ( ذيل القول المسدد في الذب عن المسند ) ،
: ص ٦٨ - ٧٠ )، وفى تعليقات الأستاذ العلامة الشيخ محمد حامد الفقي على منتقى الاخبار
١ج ٢ من ١٤٤ برقم ٢٠٤٣ ).
١٦١
الباعث الحثيث - ١١

وقد تكون الغرابة في الاسناد ، كما إذا كان أصل الحديث محفوظاً
من وجه آخر أو وُجوه ، ولكنه بهذا الاسناد غريب .
فالغريبُ: ما تفرَّد به واحد، وقد يكون ثقةً، وقد يكون ضعيفاً
ولكل حُكمُهُ .
فإن اشترك اثنان أو ثلاثة في روايته عن الشيخ، سمي: ((عزيزاً))،
فإن رواه عنه جماعة، سُمي: ((مشهوراً)). كما تقدم . والله أعلم.
النوع الثاني والثلاثون
معرفة غريب ألفاظ الحديث :
وهو من المهمّات المتعلقة بنفهم الحديث والعلم والعمل به ، لا بمعرفة
صناعة الأستاد وما يتعلق به .
قال الحاكم : أول من صنف في ذلك: النّظر بن شميل، وقال
غيره : أبو عبيدة مَعْمُرُ بن المُثَنِّى .
وأحسن شيء وُضع في ذلك: كتابُ أبي عُبيد القاسم بن سَلاَّم،
وقد استدرك عليه ابن قتيبة أشياء، وتعقّبهما الخطابي ، فأورد زيادات
وفد صنّف ابن الأنباري المتقدِّم، وساحم الرازي ، وغير واحد .
وأجل كتاب يوجد فيه مجامع ذلك : كتاب ( الصُّحاح ) للجوهري
وكتاب ( النهاية ) لابن الأثير، رحمهما الله (١).
(١) هذا الفن من احم فنون الحديث واللغة، ويجب على طالب الحديث اتقانه . والخوض
فيه صعب، والاحتياط في تفسير الألفاظ النبوية واجب، فلا يقدمن عليه أحد برأيه. وقد
سئل الإمام أحمد عن حرف من الغريب ، فقال : «سلوا أصحاب الغريب ، فأني أكره أن
اتكلم في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بالظن)). وأجود التفسير: ما جاء في
رواية أخرى ، أي عن الصحابي . !و عن أحد الرواة الائمة .
١٦٢

النوع الثالث والثلاثون
معرفة المُسَلْسَل :
وقد يكون في صفة الرواية: كما إذا قال كل منزم (( سمعت))،
أو( حدثنا))، أو ((أخبرنا))، ونحو ذلك. أو في صفة الراوي: بأن يقول"
حالة الرواية قولاً قد قاله شيخه له ، أو يفعلَ فعلاً فعل شيخُه مثله .
وأول من صنع فيه أبو عبيدة معمر بن المبنى للسيمي المتوفى سنة ٢١٠ وقد قارب عمره
١٠٠ سنة، وأبو الحسن النضر بن شميل المازني النحري المتوفى سنة ٢٠٤ عن نحو ٨٠ سنة ،
والأسمعي ، واسمه عبد الملك بن قريب، المتوفى سنة ٢١٣ عن نحو ٨٨ سنة، وهؤلاء
متعادرون متقاربون ، ويصعب الجزم بأيهم صنف أولاً ، والراجح انه أبو عبيدة .
ثم جاء الامام أبو عبيد القاسم بن سلام المتوفى سنة ٢٢٤ عن ٦٧ سنة، فجمع كتابه فيه،
فصار هو القدوة في هذا الشأن ، فانه أفنى فيه عمره ، حتى لقد قال : ((انى جمعت كتابي
هذا في الربعين سنة، وربما كنت استفيد الفائدة من الأفواه ، فأضعها في موضعها فكان خلاصة
عمري )) .
ثم كثر بعد ذلك التأليف فيه ، انظر كشف الظنون ، ج ٢ ص ١٥٥ - ١٥٧ )، وانظر ايضا
مقدمة النهاية لابن الأثير .
ومن أهم الكتب المؤلفة فى هذا الشأن ١٠ لفائق) الزمخشري، وهو مطبوع في حيدر آباد)
ثم طبع فى مصر بتحقيق الأستاذ العلامة محمد أبي الفضل إبراهيم . والنهاية لابي السعادات
مبارك بن ابي الكريم المعروف بابن الأثير الجزري المتوفى سنة ٦٠٦، وهو أوسع كتاب في هذا
وأجمعه ، وقد طبع بمصر مرتين، او اكثر، ولخصهالسيوطي، وقال : انه زاد عليه اشياء .
وملخصه مطبوع بهامش النهاية .
ثم ان من اضم ما يلحق بهذا النوع: البحث في المجازات التي جاءت في الأحاديث ، اذ
هي عن أفصح العرب صلى الله عليه وسلم، ولا يتحقق بمعناها الا أئمة "البلاغة٠ ومن خير ما
ألف فيها كتاب ( المجازات الغبرية ) تأليف الإمام العالم الشاعر الشريف الرضى - محمد
ابن الحسين - المتوفى سنة ٤٠٦ رضي الله عنه، وهو مطبوع في بغداد سنة ١٣٢٨، ثم طبع
في مصر بعد ذلك .
١٦٣

ثم قد يتسلسل الحديث من أوله إلى آخره ، وقد ينقطع بعضه من أوله
أو آخره .
وفائدة التسلسل بُعده من التدليس والإنقطاع . ومع هذا قلما يصح
حديث بطريق مُسَلسَل. والله أعلم(١).
النوع الرابع والثلاثون
معرفة ناسخ الحديث ومنسوخه :
وهذا الفن ليس من خصائص هذا الكتاب ، بل هو بأصول الفقه أشبه .
وقد صنّف الناس في ذلك كتباً كثيرة مفيدة ، من أجلها : كتاب
الحافظ الفقيه أبي بكر الحازمي رحمه الله .
وقد كانت الشافعي رحمه الله في ذلك اليد الطولى ، كما وصفه به
الإمام أحمد بن حنبل(٢).
ثم الناسخ قد يُعرف من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كقوله:
((كنتُ نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها(٣)))، ونحو ذلك.
١٠] أي يكون الضعف في وصف المسلسل ، لا في أصل المتن ، لأنه قد صحت متون
أحاديث كثيرة ، ولم تصح روايتها بالتسلسل .
٢ : معرفة الناسخ والمنسوخ من الحديث ، في من اهم فنونه وأدقها واصعبها ، قائل
الزهري : "اعياء الفقهاء واعجزهم أن يعرفوا ناسخ الحديث من منسوخه)). والامام الشافعي
رضي الله عنه كان له يد طولى في هذا الفن، قال أحمد بن حنبل لابن وارة ، وقد قدم من
مصر : (( كتبت كتب الشافعى ؟ " قال : ((لا)». قال : « فرض ، ما علمنا المجمل من المفسر :
ولا ناسخ الحديث من منسوخه ، حتى جالسنا الشافعي )» .
وقد ألف الحافظ أبو بكر محمد بن موسى الحازمي المتوفى سنة ٥٨٤ كتابا نفيسا ني
هذا الفن، سماه الاعتبار في بيان الناسخ والمنسوخ من الآثار ) طبع في حيدر آباد وحلب
ومصر .
(٣) رواه مسلم من حديث بريدة، وتمامه: ((وكنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق
ثلاث ، فكلوا ما بد !! لكم " .
١٦٤

وقد يعرف ذلك بالتأريخ وعلم السيرة ، وهو من أكبر العون على ذلك
كما سلكه الشافعي في حديث: ((أفطر الحاجمُ والمحجوم(١)))، وذلك
قبل الفتح (٢)، في شأن جعفر بن أبي طالب، وقد قُتل بمؤْتَة، قبل الفتح
بأشهر ، وقول ابن عباس: ((احتجم وهو صائم" محرم(٣)))، وإنما أسلم
ابنُ عباس مع أبيه في الفتح (٤).
فأما قول الصحابي: ((هذا ناسخ لهذا)). فلم يقبله كثير من الأصوليين
لأنه يرجع إلى نوعٍ من الإجتهاد، وقد يخطىء فيه، وقبلوا قوله: ((هذا
كان قبل هذا)). لأنه ناقل ، وهو ثقة متقبول الرواية (٥).
النوع الخامس والثلاثون
معرفة ضبط ألفاظ الحديث متناً وإسناداً ، والإحتراز من التصنيف فيها :
فقد وقع من ذلك شيء كثير لجماعة من الحفاظ وغيرهم ، ممن ترسّم
بصناعة الحديث وليس منهم . وقد صنّف العَسْكري في ذلك مجاداً (٦)
كبيراً .
وأكثر ما يقع ذلك لمن أخذ الصُّحُف. ولم يكن له شيخ حافظ
يوفقُه على ذلك .
٠ ١) رواه أبو داود والنسائي .
(٢) أي سنة ثمان من الهجرة. وفي الأصل: ((وذلك في زمن الفتح)). وهو خطأ واضح.
(٣) رواه مسلم .
:٤) وأيضا فإن ابن عباس أنما صحب النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع سنة
عشر من الهجرة .
:١٥ كحديث جابر : ((كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء
مما مست النار))، رواه أبو داود والنسائي. وكحديث أبي بن كعب: ((كان الماء من الماء
رخصة في أول الاسلام ، ثم أسر بالغسل» ، رواه أبو داود والترمذي وصححه .
٦) في نسخة ((كتابا)).
١٦٥

وما ينقله كثير من الناس عن عثمان بن أبي شيبة : أنه كان يصحف
قراءة القرآن : فغريب جداً ! لأن له كتاباً في التفسير ، وقد نُقل عنه
أشياء لا تصدر عن صبيان المكاتب (١). وأما ما وقع لبعض المحدثين من
ذلك ، فمنه ما يكاد اللبيبُ يضحك منه ، كما حُكي عن بعضهم : أنه
جمع طرق حديث: ((يا أبا عُصَيْرَ، ما فعلَ النَغَير. (1))) ثم أبلاه في
مجلسه على من حضره من الناس فجعل يقول: (( يا أبا عمير ما فعل البعير؟!
فافتضح عندهم ، وأرَّخوها عنه !!
وكذا اتفق لبعض مدرّسي النّظامية ببغداد : أنه أول يوم إجلاسه
أورد حديث ((صلاة في إثر صلاة كتاب في علّين))، فقال: ((كتّاز
١٠) فى ، التصحيف والتحريف ٩ فن جليل عظيم ، لا ينقنه الا الحفاظ الحاذقون وفيه
حكم على كثر من العلماء بالخطأ ، ولذلك كان من الخطر أن يقدم عليه من ليس له بأهل .
وقد حكى العلماء كثيراً من الأخطاء التي وقعت للرواة في الأحاديث وغيرها .
ولم نسمع بكتاب خاص مؤلف في ذلك غير كتابين :
أحدهما للحائظ الدار قطني - علي بن عمر - المتوفى في ٨ ذي القعدة سنة ٣٨٥، وهذا
الكتاب لم تعلم بوجود نسخ منه، وإنما ذكره ابن الصلاح والنووي وابن حجر والسيوطي ،
ولم يذكره صاحب كشف الظنون ، ولم أجده في تراجم الدارقطني التي رأيتها ويظهر أن
لميوطي ره ؛ لأنه نقل منه في التدريب ص ١٩٧ ).
الكتاب الثاني: التصحيف والتحريف وشرح ما يقع نيه) للامام اللغوي الحجة أبي احمد
العسكري - الحسن بن عبد الله بن سعيد - المتوفى في صفر سنة ٢٨٣، كما ذكر ذلك تلميذه
الحافظ أبو نعيم في تاريخ أصبهان ( ج ١ ص ٢٧٢ ) ، وهذا الكتاب موجود بدار الكتب المصرية
في نسخة مكتوبة سنة ٦٢١، وأوراقها ١٥٦ ورقة. وقد طبع نصفه بمصر فى سنة ١٣٢٦،
طبعا غير جيد ، وليتنا نوفق الى اعادة طبعه كله طبعا جيدا متقنا، وهو من أنفس الكتب
وأكثرها فائدة .
(٢) (( النغير)) بالنون والفين المعجمة. تصفير ((نغر)»، طائر صغير بشبه العصفور
أحمر المنقار . صحفه المصحف الى ((بعير)) بالباء والعين المهملة!
١٦٦

في غَلس))! فلم يفهم الحاضرون ما يقول، حتى أخبرهم بعضهم بأنه
تصحف عليه ((كتاب في عليين)) !!
وهذا كثير جداً. وقد أورد ابن الصلاح أشياء كثيرة (١).
(١) ما! النوع يسمى عندهم "التصحيف والنحرف)).
وقد قسمه الحافظ ابن حجر الى قسمين : فجعل ما كان فيه تغيير حرف أو حروف بغير
النقط مع براء صورة الخط: تصحيفا ، وما كان فيه ذلك في الشكل : تحريفا . وهو اسطلاح
جديد .
وأما المتقدمون ، فان عبارات فهم منها ان الكل سمى بالاسمر ، وان المصحيف مأخوذ
من النقل عن الصحف ، وهو نفسه تحريف . قال العسكرى فى أول كمابه ١ ص ٣]: «شرحت
في كتابي هذا الألفاظ والأسماء المشكلة التي تتشابه فى سورة الخط ، فيقع فيها التصحيف ،
وبدخلها الحريف)). وقال" خا (ص ٩): ((فأما قولهم : الصحفى والتصحيف ، فقد
قال الخيل : ان الصحفي الذي يروي الخطأ عن قراءة الصحف ، باستباه الحروف . وقال
غيره : أصل هذا ان قوما كانوا أخذوا العلم عن الصحف من غير ان تلقوافيه العنماء ، فكان
يقع فيها بروونه التغيير ، فيقال عنده : قد صحفوا. أي روود عن الصحف، وهم مصحفون
والمصدر التصحيف " .
وهذا التصحيف والتحريف قد يكون في الاسناد لو فى المتن من القراءة فى الصحف .
وقد يكون أيضا من السماع ، لاشتباه الكلمتين على السامع . وقد يكون ايضا في المعنى ،
ولكنه ليس من التصحيف على الحقيقة ، بل هو من باب الخطأ في الفهم .
فمن ذلك العوام بن مراجم - بالراء والجيم - القبسى ، روى عن ابي عثمان النهدي ،
روى عنه شعبة، صحف يحيى بن معين في اسم لابيه، فقال: ((مزاحم)» بالزاى والحاء المهملة
ومنه حديث روى عن معاوية قال : "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين يشقفون
الخطب لقبق الشعر)"، صحفه وكيع فقال: ((الحطب)) بالحاء المهملة المفتوحة بدل الخاء
المعجمة المضهومة . ونقل المن الصلاح : أن ابن شاهين صحف هذا الحرف مرة فى جامع المنصور
فقال بعض الملاحين: « يا قوم، فكيف نعمل والحاجة ماسة؟!)).
ومنه اضا فيما ذكره المؤلفون هنا: ((خالد بن علقمة )" فقالوا : ان شعبة سحفه الى
((مالك ابن عرفطة)) وهو سمى عندهم:((تصحيف السماع)) وهذا المال فيه نظر كثر عندى.
١٦٧

فان خالد بن علقمة الهمداني الوداعي يروى عن عبد خير عن على في الوضوء . وروى عنه ابو
حنيفة والتوري وشريك وغيرهم ، وروى شعبة الحديث نفسه عن مالك بن عرفطة عن عبد خير
عن على ، فذهب النقاد الى أنه أخطأ فيه ، وان صوابه : خالد بن علقمة .
وقد يكون هذا ، أي أن شعبة !خطأ ولكن كيف يكون تصحيف سماع ، وهذا الشيخ شيخ
لشعبة نفسه ! فهل سمع اسم شيخه من غير الشيخ ! ما أظن ذلك ، فان الراوي يسمع من
الشيخ بعد أن يكون عرف السعه ، وقد ينسى فيخطىء فيه . والذى يظهر لى أنهما شيخان
وروى شعبة عن أحدمها ، وروى غيره عن الآخر ، والاسناد ان في المسند تحقيتنا، رقم : ٩٢٨
- ٩٨٩). وقد فصلنا القول في ذلك . فى شرحنا على الترمذي ١ ج ١ ص ٦٧ - ٠١٧٠
والمثال الجيد لتصحيف السماع: اسم ((عاصم الأحول))، رواه بعضهم : ( من واصل
الأحدب))، قال ابن الصلاح: ( ص ٢٤٣): ((مذكر الدار قطني أنه من تصحيف السمع لا من
تصحيف البصر: كأنه ذهب - والله أعلم - الى أن ذلك مما لا يشتبه من حيب الكتابة، وانما
اخطأ فيه سمع من رواد )) .
ومنه أيضا : ((ما رواه ابن لهيعة باسناده عن زيد بن ثابت : «أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم احتجم في المسجد؟، وهذا تصحيف، وانها مو ((احتجر)) بالراء، الى انخذ
حجرة من حصير أو نحوه للصلاة)) .
ومنه أيضا حديث ((أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الى عنزة». بفتح العين والنون
وهي رمح صغير له سنان ، كان بفرز بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى فى الفضاء
سترة له . فاشتبه على الحافظ أبي موسى محمد بن المنني العنزى، من قبيلة ((عنزة)).
معنى الكلمة نظنها القبيلة التي هو منها، فقال. ((نحن قوم لنا شرف، نحن من عنزة، قـد
صلى النبي صلى الله عليه وسلم الينا)) .!
قال السيوطي في التدريب ( ١٦٧). ((وأعجب من ذلك ما ذكره الحاكم من اعرابي :
انه زعم أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الى شاة! صحفها : عنزة، بسكون النون ، ثم
رواها بالمعنى على وهمه، فأخطأ من وجهين !! )) .
وهذا الذي استغربه الحافظ السيوطي رحمه الله ، قد وقع مثله معه ، فيما استدركناه
عليه سابقا ( في تعليقنا على النوع الثامن عشر ) ، فانه نقل حديثا عن أبي شهاب، وهو
الحناط، فتصحف عليه ولنه ((ابن شهاب))، ثم نقبه بالمعنى، فقال: ((كحديث الزهرى " .
١٦٨

وقد كان شيخُنا الحافظ الكبير الجَهْبذُ أبو الحجاج المزّي ، تغمده
الله برحمته ، من أبعد الناس عن هذا المقام، ومن أحسن الناس أداءً"
للإسناد والمتن ، بل لم يكن على وجه الأرض - فيما نعلم - مثله في هذا
الشأن أيضاً. وكان إذا تغرَّب عليه أحد برواية (شيء ) مما يذكره بعض
الشُّرَّاح(١) على خلاف المشهور عنده، يقول : هذا من التصحيف الذي
لم يَقِفْ صاحبهُ إلا على مجرَّد الصُّحْف والأخذ منها .
النوع السادس والثلاثون
معرفة مختلف الحديث :
وقد صنف فيه الشافعي فصلاً طويلاً من كتابه ((الأم )) نحواً من
مجلد (٢).
وكذلك ابن قُتَيْبة، له فيه مجلد مفيد، وفيه ما هو غَثٌ، وذلك
بحسب ما عنده من العلم (٣).
(١) في الأصل ((شراح)) وهو خطأ ظاهر .
٢٠) قال النووي في التقريب: ((هذا فن من اهم الأنواع، ويضطر الى معرفته جميع
العلماء من الطوائف، وهو : أن يأتي حديثان متضادان في المعنى ظاهرا ، فيوفق بينهما ، أو
ترجع لأحدهما ، وأنها يكمل له الأئمة الجامعون بين الحديث والفقه ، والأصوليون الغواصون
على المعاني . وصنف فيه الشافعي رحمه الله تعالى، ولم يقصد استيفاءه، بل ذكر جملة منه،
ينبه بها على طريقه)) .
وزعم السيوطي في التدريب ان الشافعي لم يقصد افراده بالتأليف ، وانما تكلم عليه في
كتاب : الأم ا. ولكن هذا غير جيد، فان الشافعي كتب في الأم كثيراً من ابحاث اختلاف
الحديث ، وألف فيه كتابا خاصا بهذا الاسم ، وهو مطبوع بهامش الجزء السابع من الأم ،
وذكره محمد بن اسحق النديم في كتاب ( الفهرست ) ضمن مؤلفات الشافعي (ص ٢٩٥).
وابن النديم من أقدم المؤرخين الذين ذكروا العلوم والمؤلفين. فانه ألف كتاب (الفهرست)
حول سنة ٣٧٧ ، وقد ذكره الحافظ بن حجر في ترجمة الشافعي التي سماها ( توالى التأسيس
بمعالي ابن أدربس)، ضمن مؤلفاته "لتي سردها نقلا عن البيهقي (ص ٧٨). والبيهقي من أعلم
الناس بالشافعي وكتبه، وذكره ابن حجر ايضا في شرح النخبة.
: ٣: كتاب ابن قبة طبع فى مصر سنة ١٣٢٦، باسم ( تأويل مختلف الحديث ) . وقد
١٦٩

والتعارضُ بين الحديثين: قد يكون بحيثُ لا يمكن الجمع بينهما بوجه
كالناسخ والمنسوخ ، فيصارُ إلى الناسخ ويتركُ المنسوخ . وقد يكون بحيث
يمكن الجمع ، ولكن لا يظهر لبعض المجتهدين ، فيتوقف حتى يظهر له
وجه الترجيح بنوعٍ من أقسامه ، أو يَهْجُمُ فيفتى بواحد منهما، أو
يفتى بهذا في وقتٍ ، وبهذا في وقتٍ ، كما يفعل أحمد في الروايات عن
الصحابة .
وقد كان الإمام أبو بكر بن خُزيمة يقول: ليس ثمَّ حديثان متعارضان
من كل وجه، ومَن وجَد شيئاً من ذلك فليأتني لأؤلِّف له بينهما(١).
الـ
أنصفه الحافظ بن كثير. وكذلك انصفه ابن الصلاح، فقال نحو ذلك، ، ص ٢٤٤). قال :
((وكتاب مختلف الحديث لابن قتيبة في هذا المعنى، وإن يكن قد أحسن من وجد، فقد اساء
في اشياء منه ، قصر باعه فيها ، وأتى بما غيره أولى واقوى».
١١) اذا تعارض حديثان ظاهرا ، فإن أمكن الجمع بينهما فلا يعدل عنه الى غيره بحال ،
ويجب العمل بهما معا. وقد مثل السيوطي لذلك بحديث: ((لا عدوى)) مع حديث: ((فر
من المجذوم فرارك من الأسد)»، وهما حديثان صحيحان. قال في التدريب ( ص ١٩٨ ):
((قد سلك الناس في الجمع مسالك: أحدها : أن هذه الأمراض لا تعدي بطبعها، لكن 'الله
تمالى جعل مخالطة المريض للصحيح سببا لاعدائه مرضه ، وقد يتخلف ذلك عن سببه ، كما
في غيره من الأسباب ، وهذا المسلك هو الذي سلكه ابن الصلاح . الثاني : أن نفي العدوى
باقى على عمومه، والأمر بالفرار من باب سد الذرائع ، لئلا يتفق للذي يخالطه شيء بتقدير
الله تعالى ابتداء، لا بالعدوى المنفية، فيظن أن ذلك بسبب مخالطته، فيعتقد صحة العدوى،
فيقع في الحرج ، فأمر بتجنبه ، حما للمادة، وهذا الملك هو الذي اختاره شيخ الاسلام.
الثالث : أن اثبات العدوى في الجذام ونحوه مخصوص من عموم نفي العدوى، فيكون معنى
قوله ((لا عدوى)): أي الا من الجذام ونحوه، فكأنه قال : لا يعدى شيء إلا فيما تقدم تبينى
له انه بعدى . قاله القاضي أبو بكر الباقلاني . الرابع: ان الامر بالفرار رعاية لخاطر المجذوم،
لأنه اذا رأى الصحيح تعظم مصيبته، وتزداد حسرته، ويؤيده حديث ((لا تديموا النظر الى
المجذومين »، فانه محميل على هذا المعنى : وفيه مسالك أخر .
وأضمعها المسلك الرابع، كما هو ظاهر ، لأن الأمر بالفرار ظاهر في تنفير الصحيح من
<- KK
١٧٠

النوع السابع والثلاثون
معرفة المزيد في ( متصل ) الأسانيد :
وهو أن يزيد راوٍ في الإسناد رجلاً لم يذكره غيره". وهذا يقع
كثيراً في أحاديث متعددة.
ومد صنف الحافظ الخطيب البغدادي في ذلك كتاباً حافلاً . قال ابن
الصلاح : وفي بعض ما ذكره نظر .
ومثّل ابن الصلاح هذا النوع بما رواه بعضهم عن عبد الله بن المبارك
عن سفيان عن عبد الله بن يزيد بن جابر حدثني بُصْرُ بن عبداللّه سمعت أبا
إدريس يقول : سمعت وائِلَة بن الأسْفَعَ سمعت أبا مَرْثَد الغَنَوِي
يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تَجلسوا على القبور
القرب من المجذوم . فهو ينظر فيه لمصلحة الصحيح أولا، مع قوة التشبيه بالفرار من الأسد.
لأنه لا يفر الانسان من الأسد رعاية الخاطر الأسد ايضا !! .
وأقواها عندى المسنك الأول الذي اختاره ابن الصلاح، لأنه قد ثبت من العلوم الطبية الحديثة
ان الأمراض المعدية تنتقل بواسطة للكروبات، ويحملها الهواء أو البصاق أو غير ذلك، على
اختلاف انواعها . وان تأثيرها في الصحيح انما يكون تبعا لقوته وضعفه بالنسبة لكل نوع من
الأنواع . وان كثيرا من الناس لديهم وقاية خلقية. تمنع قبولهم لبعض الأمراض المعينة ،
ويختلف ذلك باختلاف الأشخاص والأحوال . فاختلاط الصحيح بالمريض سبب لنقل المرض ،
وقد يتخلف هذا السبب كما قال ابن الصلاح رحمه الله .
واذا كان الحديثان المتعارضان لا يمكن الجمع بينهما، فان علمنا ان احدهما ناسخ للآخر،
أخذنا بالناسخ ، وإن لم يثبت النسخ، اخذنا بالراجح منهما. وأوجه الترجيح كثيرة مذكورة
في كتب الأصول وغيرها . وقد ذكر الحازمي منها فى الاعتبار ( ص ٨ - ٢٢) خمسين وجها .
ونقلها العراقي في شرحه على ابن الصلاح ، وزاد عليها حتى أوصلها إلى مائة وعشرة (ص ٢٤٥
- ٢٥٠)، ولخصها السيوطي في التدريب (١٩٨ - ٢٠٠: واذا لم يمكن ترجيح أحد الحديثين
وجب التوقف فيهما .
١٧١

ولا تصلوا إليها)). ورواه آخرون عن ابن المبارك، فلم يذكروا سفيان
وقال أبو حاتم الرازي: وهيم ابنُ المبارك في إدخاله أبا إدريس في الإسناد
وهاتان زيادتان (١) .
النوع الثامن والثلاثون
معرفة الخفي في المراسيل :
وهو يَعُم المنقطِيع والمعضل أيضاً . وقد صنف الخطيب البغدادي في
ذلك كتابه المسمى ( بالتفصيل لمبهم المراسيل ) .
وهذا النوع إنما يدركه نُقّاد الحديث وجهابذتُه قديماً وحديثاً، وقد
كان شيخنا الحافظ المِزِّي إماماً في ذلك ، وعجباً من العجب، فرحمه الله
وبَلَّ بالمغفرة ثَراه .
فإن الإسناد إذا عُرض على كثير من العلماء، ممن لم يدرك ثقاتٍ
الرجال وضعفاء هم ، قد يَغْتَرْ بظاهره ، ويرى رجاله ثقاتٍ ، فيحكم
بصحته ، ولا يهتدي لما فيه من الإنقطاع، أو الإعضال، أو الإرسال،
لأنه قد لا يميِّز الصحابيّ من التابعي . واللّه الملهم للصواب .
ومثّل هذا النوع ابنُ الصلاح بما روى العوام بن حَوْشَبٍ (٢) عن
عبد الله بن أبي أوْفَى قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قال
بلال: قد قامت الصلاة: نهض وكبّر)). قال الإمام أحمد: لم يَلْق
العَوَّامُ بن أبي أوْفى (٣)، يعني فيكون منقطعاً بينهما ، فيضعف الحديث ،
(١) هذا النوع مرتبط بالنوع الآتي بعده ، وسنبين ذلك في التعليق عليه .
(٢) ((العوام)) بفتح العين المهملة وتشديد الواو. ((وحوشب)) بفتح الحاء المهملة واسكان
الواو وفتح الشين المعجمة وآخره باء موحدة .
٣٠) يعني أن العوام بن حوشب روى عن عبد الله بن أبي أوفى هذا الحديث ، مع ان
العوام لم يلق عبد الله بن أبي أوفى، فكان السند منقطعا.
١٧٢

لاحتمال أنه رواه عن رجل ضعيف عنه. والله أعلم (١).
(١) قد يجيء الحديث الواحد باسناد واحد من طريقين ، ولكن في أحدهما زيادة راو ،
وهذا يتنبه على كثير من امل الحديث ، ولا يدركه إلا النقاد . فتارة تكون الزيادة راجحة ،
بكثرة الراوين لها ، أو بضبطهم واتقانهم ، وتارة يحكم بأن راوي الزيادة وهم فيها ، تبعا
للترجيح والنقد .
فاذا رجحت الزيادة كان النقص من نوع ((الارسال الخفي)) وإذا رجح النقص كان الزائد
من ((المزيد في متصل الأسانيد)).
مثال الأول : حديث عبد الرزاق عن الثوري عن أبي اسحق عن زيد بن يليع - بضم الياء
التحتية المثناة وفتح الناء المثلنة وأسكان الياء التحتية المنناة، وآخره عين مهملة - عن حذيفة
مرفوعا: ((ان وليتموها أبا بكر فقوى أمين)). فهو منقطع في موضعين: لأنه روى عن عبد
الرزاق قال : حدثني النعمان بن أبى شيبة عن النوري ، وروى ايضا عن الثوري عن شريك
عن أبي استحق .
ومثال الثاني : حديث ابن المبارك قال : حدثنا سفيان عن عبد الرحمن من يزه حدثني
بر بن عبد الله قال : سمعت ابا إدريس الخولاني قال : سمعت وائلة يقول : سمعت ابا مرتد
يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((لا تجلسوا على القبور ، ولا تصلح!
اليها )) .
فزيادة ((سفيان)) و((أبي ادريس)) وهم، فالوهم في زيادة ((سفيان)) من الراوي عن
ابن المبارك . فقد رواه ثقات عن ابن المبارك عن عبد الرحمن بن زيد بغير واسطة ، مع تصريح
بعض بالسماع. والوهم في زيادة ((أبي دريس)) من ابن المبارك ، فقد رواه ثقات عن عبد
الرحمن بن يزيد عن بسر بغير واسطة، مع تصريح بعضهم بالسماع .
ويعرف الارسال الخفي أيضا بعدم لقاء الراوي لشيخه، وان عاصره ، أو بعدم سماعه
منه أصلا، أو بعدم سماعه الخبر الذي رواه، وان كان سمع منه غيره . وإنما يحكم بهذا،
اما بالقرائن القوية . وأما باخبار الشخص عن نفسه، واما بمعرفة الأئمة الكبار والنص منهم
على ذلك .
وقد يجيء الحديث من طريقين، في أحدهما زيادة رااو في الاسناد . ولا توجد قرينه ولا
نص على ترجيح أحدهما على الآخر . فيحمل هذا على الراوي سمعه من شيخه : وسمعه من اطبخ
شيخه ، فرواه مرة هكذا . ومرة هكذا .
١٧٣

النوع: التاسع والثلاثون
معرفة الصحابة ( رضي الله عنهم أجمعين ) :
والصحابي: مَنْ رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في حال إسلام
الراوي، وإن لم تَطُلْ صحبتهُ له وإن لم يَرْوٍ عنه شيئاً.
هذا قول جمهور العلماء ، خَطفاً وسَلفاً.
وقد نص على أن مجرد الرؤية كافٍ في إطلاق الصحة : البخاري
وأبو زُرعة، وغير واحدٍ من صنف في أسماء الصحابة، كابن عبد البر
وابن مَنْدة رأبي موسى المَديني، وابن الأثير في كتابه ((الغابة (١) في
معرفة الصحابة))، وهو أجمعها وأكثرها فوائد وأوسعها . أثابهم الله
أجمعين .
قال ابن الصلاح: وقد شان ابن عبد البر كتابه ((الإستيعاب)) بذكر
ما شجر بين الصحابة مما تلقاه من كتب الأخباريين وغيرهم(٢).
(١) ((أسد الغابة في معرفة الصحابة )) كما هو مذكور عنى طرة الكتاب المطبوع بمصر فالعابة
بالباء الموحدة لا بالياء المثناة آخر الحروف .
: ٢) أول من جمع أسماء الصحابة وتراجمهم - فيما ذهب اليه السيوطي - البخاري
صاحب الصحيح . رفي هذا نظر. لأن ((كتاب الطبقات الكبير)) لمحمد بن سعد كاتب الواقدى
جمع تراجم الصحابة ومن بعدهم الى عصره ، وهو اقدم من البخاري ، وكتابه مطبوع في ليدن،
ثم ألف بعدمما كتيرون في بيان الصحابة .
والمطبوع منها: ((الاستيعاب في معرفة الأصحاب)» لابن عبد البر. و((أسد الغابة في
معرفة الصحابة)) لابن الاثير الجزري، وهو من أحسنها. ومختصره، واسمه ((تجريد أسماء
االصحابة)) للذهبي. و((الإصابة في تمييز الصحابة)) للحافظ بن حجر، وهو اكثرما جمعا
وتحريرا، وأن كانت التراجم فيه مختصرة، وهو في ثمانية مجلدات ، وقد ذكر في آخر الجزء
السادس منه: أنه مكث في تأليفه نحو الأربعين سنة. وكانت الكتابة فيه بالتراخى . وأنه
١٧٤

وقال آخرون : لا بد في إطلاق الصحبة مع الرؤية أن يَرْوِي حديثاً
أو حديثين .
وعن سعيد بن المسيّب : لا بد من أن يصحبه سنة أو سنتين ، أو يغزو
معه غزوةً أو غزوتين، وروى شعبة عن موسى السبلاني (١)، وأثنى عليه
خيراً ، قال : قلت لأنس بن مالك : هل بقي من أصحاب رسول الله
صلى الله عليه وسلم أحد غيرك؟ قال ناسٌ من الأعراب رأوْه، فأما مَنْ
صحِبَه فلا . رواه مسلم بحضرة أبي زُرْعة (٢).
وهذا إنما نفَى فيه الصحبة الخاصة ، ولا ينفي ما اصطلح عليه الجمهورُ
من أن مجرد الرؤية كافٍ في إطلاق الصحبة ، لشرف رسول الله صلى الله
عليه وسلم وجلالة قدره وقدر من رآه من المسلمين . ولهذا جاء في بعض
ألفاظ الحديث: ((تَغْزُون فيقال: هل فيكم من رأى رسول الله صلى
الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم، فيفتح لكم)) ح ذكر ((من رأى من
رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم)) الحديث بتمامه(٣).
كتبه في المسودات ثلاث مرات ، رحمه الله ورضي عنه. ومجموع التراج التى فى الاصابة
١٢٢٧٩؛ بما في ذلك المكرر. للاختلاف في اسم الصحابي أو شهرته بكنية أو لقب أو نحو
ذلك، وبما فيه ايضا من ذكره بعض المؤلفين في الصحابة وليس منهم، وغير ذلك. ويحتاج
الى تحرير عدد الصحابة فيه على الحقيقة . وهو سهل ان شاء الله .
(١) قوله: ((السيلاني)) قال العراقي في شرح المقدمة: وقع في النسخ الصحيحة التي
قرئت على المصنف ((السبلاني)) بفتح المهملة وفتح الباء الموحدة، والمعروف أنما هو بسكون
الباء المثناة من تحب ، هكذا نسبطه السمعاني في الأنساب أ هـ فما هنا تبع لابن الصلاح، وما
صحيحه العراقي تبعا للسمعاني بخلافه .
(٢) قال ابن الصلاح: ((وإسناده جيد، حدث به مسلم بحضرة أبي زرعة)).
(٣) الحديث مخرج في الصحيحين من رواية جابر بن عبد الله الأنصاري عن أبي سعيد
الخدري مرفوعا: (( يأني على الناس زمان فيغزو فئام من الناس ، فيقولون هل فيكم من
صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم، ثم يأتي على الناس
زمان فيغزو فئام من الناس . فيقال. هل فيكم من صاحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه
١٧٥

وقال بعضهم ، في معاوية وعمر بن عبد العزيز: ليَوْمُ شَهِده معاوية
مع رسول الله صلى الله عليه وسلم خير من عمر بن عبد العزيز وأهل بيته (١).
( فرع ) والصحابة كلهم عدول عند أهل السنة والجماعة، لمّا أثنى
وسلم ؟ فيقولون : نعم ، فيفتح لهم ، ثم يأتي على الناس زمان فيغزو ظام من الناس ، فيقال :
هل فيكم من صاحب من صاحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم ،
فيفتح لهم)) أهـ . وانفرد ابو الزبير المكي عن جابر عن مسلم بزيادة طبقة رابعة. وحكم
الحافظ العسقلانى بنذوذها ، كما فى باب فضائل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
ومن صحب النبي أو رّد من المسلمين ) الخ . من فتح الباري اول الجزء السابع .
١١) قال ابن حجر فى الاصابة : ج ١ ص ٤ - ٥) في تعريف الصحابي : ((!صح ما وقفت
عليه من ذلك أن الصحابى : من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنا به ومات على الاسلام
فيدخل غيمن لغبه من طالت مجالسته او قصرت . ومن روى عنه أو لم يرو، ومن غزا معه او
لم يغز، ومن رآه رؤية ولم بجالسه، ومن لم يره لعارض كالعمى)).
ثم بين انه يدخل في قوله ((مؤمنا به)) كل مكلف من الجن والانس. وأنه يخرج من
التعريف من لقيه كافرا وان السلم بعد ذلك. وكذلك من لقيه مؤمنا بغيره، كمن لقيه من مؤمني
أهل الكتاب قبل البعنة، وكذلك من لقيه مؤمنا ثم ارتد ومات على الردة ، والعياذ بالله .
ويدخل في التعريف من لقيه مؤمنا ، ثم أرتد ، ثم عاد الى الاسلام، ومات مسلما ،
كالأشعث بن قيس ، فانه ارتد ثم عاد الى الاسلام في خلافة أبي بكر ، وقد اتفق أهل الحديث
على عده في الصحابة .
ثم قال: ((وهذا التعريف مبني على الأصح المختار عند المحققين ، كالبخاري وشيخه أحمد
ابن حنبل وغيرهما)) .
ثم قال: ((وأطلق جماعة ان من رأى النبي صلى الله عليه وسلم فهو صحابي، وهو
محمول على من بلغ سن التمييز ، اذ من لم يميز لا تصح نسبة بالرؤية اليه ، نعم ، يصدق ان
النبي صلى الله عليه وسلم رآه، فيكون صحابيا من هذه الحيثية، ومن حيث الرواية يكون
تابعيا)) وبذلك اختار ابن حجر عدم اشتراط البلوغ .
وأما الملائكة فانهم لا يدخلون في هذا التعريف ، لأنهم غير مكلفين .
١٧٦

الله عليهم في كتابه العزيز، وبما نطنتْ به السنةُ النبوية في المدح لهم في
جميع أخلاقهم وأفعالهم ، وما بذلوه من الأموال والأرواح بين بَدَيْ
رسول الله صلى الله عليه وسلم، رغبةٌ فيما عند الله من الثواب الجزيل،
والجزاء الجميل.
وأما ما شَجَرَ بينهم بعده عليه الصلاة والسلام ، فمنه ما وقع عن غير
قصد ، كيرم الجَمّل ، ومنه ما كان عن اجتهاد، كيوم صفِّين.
والإجتهاد يخطىء ويصيب، ولكن صاحبه معذور وإن أخطأ، ومأجور
أخاً . وأن المعيب فله أجران اثنان. وكان علي"وأصحابُه أقرب إلى
الحق من معاوية وأصحابه رضي الله عنهم أجمعين.
وقول المعرفة : الصحابة عدول إلا من قاتل عليّاً - : قول باطل
مرذول ومردود .
وقد ثبت في صحيح البخاري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه
قال - عن ابن بنته الحسن بن علي، وكان معه على المنبر: (( إن إنني هذا
سَيِّد، وسيصلحُ اللّه به بين فئتين عظيمتين من المسلمين)).
وظهر مصداقُ ذلك في نزول الحسن لمعاوية عن الأمر ، بعد موت
أبيه على، واجتمعت الكلمة على معاوية، وسمى ((عام الجماعة)). وذلك
سنة أربعين من الهجرة، فسمّى الجميع ((مسلمين))، وقال تعالى: (وإن
طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما ) فماهم (((مؤمنين)) مع
الإقتتال :
ومن كان من الصحابة مع معاوية؟ يقال: لم يكن في الفريقين مائة
من الصحابة . والله أعلم . وجميعهم صحابة ، فهم عدول كلهم .
وأما طرائف الروافض وجهلهم وقلة عقلهم ، ودعاويهم أن الصحابة
كفروا إلا سبعة عشر صحابياً، وسَتّوْهم: فهو من الهذيان بلا دليل.
إلا مجرد الرأي الفاسد، عن ذهن بارد، وهوى مُتّبع، وهو أقل من
أن يُردَّ. والبرهان على خلافه أظهر وأشهر ، مما علم من امتثالهم أوامره
١٧٧
الباعث الحثيث - ١٢

بعدَه عليه الصلاة والسلام، وفتحهم الأقاليمَ والآفاق ، وتبليغهم عنه
الكتاب والسنة ، وهدايتهم الناس إلى طريق الجنة ، ومواظبتهم على
الصلوات والزكوات وأنواع القُرُبات ، في سائر الأحيان والأوقات ،
مع الشجاعة والبراعة ، والكرم والإيثار ، والأخلاق الجميلة التي لم تكن
(في ) أمة من الأمم المتقدمة ، ولا يكون أحد بعدهم مثلَهم في ذلك ،
فرضي الله عنهم أجمعين، ولعن من يتهم الصادق ويصدق الكاذبين .
آمين يا رب العالمين .
وأفضل الصحابة ، بل أفضل الخلق بعد الانبياء عليهم السلام : أبو
بكر عبدالله بن عثمان ( أبي قُحافة) التّيْميِّ، خليفةُ رسول الله صلى
اللّه عليه وسلم. وسُمّي بالصدِّيق لمبادرته إلى تصديق الرسول عليه الصلاة
والسلام قبل الناس كلهم ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما
دعوتُ أحداً إلى الإيمان إلا كانت له كَبْوة"، إلا أبا بكر ، فإنه لم
يَتْلَعْم)). وقد ذكرتُ سيرتَه وفضائله ومسندَة والفتاوي عنه، في مجلد
على حدة . ولله الحمد .
ثم من بعده : عمر بن الخطاب ، ثم عثمان بن عفان ، ثم علي بن أبي
طالب .
هذا رأي المهاجرين والأنصار. حين جعل عمرُ الأمرَ من بعده شورى
بين ستة . فانحصر في عثمان وعلي ، واجتهد فيهما عبد الرحمن بن عوف
ثلاثةَ أيام بلياليها ، حتى سأل النساءَ في خدورهنَّ، والصبيانَ في المكاتب
فلم يرهم يعدلون بعثان أحداً ، فقدَّمه على علي ، وولاه الأمرَ قبله.
ولهذا قال الدارقطني : من قدَّم علياً على عثمان فقد أزرى
بالمهاجرين والأنصار . وصدق رضي الله عنه وأكرم مثواه ، وجعل جنة
الفردوس مأواه .
والعجبُ أنه قد ذهب بعضُ أهل الكوفة من أهل السنة إلى تقديم عليّ
على عثمان . ويُحْكَى عن سفيان الثوري ، لكن يقال أنه رجع عنه .
ونُقل مثلُه عن وكيع بن الجرَّح، ونصره ابن خُزيمة والخطّابي، وهو
ضعيف مردود بما تقدم .
١٧٨

ثم بقيةُ العشرة ثم أهل بَدْر، ثم أهل أحد ، ثم أهل بَيْعَة الرِضْوان
يوم الجُدَيْبية .
وأما السابقون الأولون، فقيل: هم من صلّى (إلى ) القبلتين،
وقيل : أهل بدر، وقيل : بيعة الرضوان ، وقيل غير ذلك . والله أعلم (١).
(١) اختلفوا في طبقات الصحابة ، فجملها بعضهم خمس طبقات ، وعليه عمل ابن سعد
في كتابه ، ولو كان المطبوع كاملا لاستخراجناها منه وذكرناها. وجعنها الحاكم اننتي عشرة طبقة،
وزاد بعضهم أكثر من ذلك . والمشهور ما ذهب اليه الحاكم ، وهذه الطبقات هي :
١ - قوم تقدم اسلام بمكة : كالخلفاء الأربعة .
٢ - الصحابة الذين أسلموا قبل تناور أهل مكة في دار الندوة .
٣ - مهاجرة الحبشة .
٤ - اصحاب العقبة الأولى .
٥ - أصحاب العقبة الثانية ، وأكثرهم من الانصار .
٦ - أول المهاجرين الذين وصلوا الى النبي صلى الله عليه وسلم بقباء قبل أن يدخل
المدية .
٧ - أهل بدر .
٨ - الذين هاجروا بين بمر والحديبية .
٩ - اهل بيعة الرضوان فى الحديبية .
١٠ - من هاجر بين الحديسية وفتح مكة . كخالد بن الوليد وعمرو بن العاص.
١١ - مسلمة الفتح ، الذين أسلموا في فتح مكة .
١٢ - صبيان واطفال رأوا النبى صلى الله عليه وسلم يوم الفتح وفي حجة الوداع وغيرهما،
وأفضل الصحابة على الاطلاق : أبو بكر الصديق ، ثم عمر بن الخطاب . باجماع أهل
السنة. قال القرطبي: ((ولا مبالاة بأقوال أهل الشبع ولا أهل البدع)). ثم عثمان بن عفان .
بن علي بن أبي طالب، وحكى الخطابي عن أهل السنة من الكوفة تقديم علي على عثمان، وبه
قال ابن خزيمة . ثم بعدهم بقية العشرة المبشرين بالجنة ، وهم : سعد بن أبي وقاص ، سعيد
ابن زيد بن عمرو بن نفيل، طلحة بن عبيد الله، الزبير بن العوام. عبد الرحمن بن عوف،
أبو عبيدة عامر بن الجراح ، ثم بعدهم أهل بدر ، وهم ثلاثمائة وبضعة عشر ، ثم أهل أحد ، ثم
أمل بيعة الرضوان بالحديبية .
وممن لهم مزية فضل غيرهم -: السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار. واختلف في
المراد بهم على أربعة أقوال : فقبل : هي اهل بيعة الرضوان ، وهو قول الشعبي. وقمل هم
١٧٩

( فرع ) : قال الشافعي : رَوَى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
ورآه من المسلمين نحو من ستِّين ألفاً. وقال أبو زُرُعة الرازي : شهد
حجة الوداع أربعون ألفاً ، وكان معه بتبوك سبعون ألفاً، وقُبض عليه
الصلاة والسلام عن مائة ألف وأربعة عشر ألفاً من الصحابة(١).
قال أحمد بن حنبل : وأكثرهم روايةً ستة: أنس ، وجابر ، وابن
عباس ، وابن عمر ، وأبو هريرة ، وعائشة(٢).
الذين وصلوا الى القبلتين ، وهو قول سعيد بن المسيب ومحمد بن سيرين وقنادة وغيرهم .
وقيل : هم أهل بدر ، وهو قول محمد بن كعب القرظي وعطاء بن يسار . وقيل : هم الذين
أسلموا قبل فتح مكة ، وهو قول الحسن البصري . وتفصيل هذا : كله في التدريب ( ٣٠٧ -
٣٠٨ ) .
١: عدد الصحابة كثير جدا . فقد نقل ابن الصلاح عن أبى زرعة : أنه سئل عن عدة من
روى عن النبي صلى الله عليه وسلم ؟ فقال: «ومن يضبط هذا؟ ! شهد مع النبي صلى : لله
علبه وسلم حجة الوداع أربعون ألفا، وشهد معه تبوك سبعون ألفا)) . ونقل عنه أيضا: انه
قيل له: ((أليس يقال: حديث التى صلى الله عليه وسلم أربعة آلاف حديث؟ قال: ومن
قال ذا؟ قلتل اللـه أنيابه ، هذا قول الزنادقة! ومن يحصى حديث رسول الله صلى الله عليه
وساء ؟ ! فيض رسول الله صلى الله عليه وسائم عن مائة ألف وأربعة عشر ألفا من الصحابة،
مون روى عنه وسمع منه. فقيل له: يا ابا زرعة، هؤلاء ان كانوا؟ واين سمعوا منه ؟ قال :
أهل المدينة، وأهل مكة، ومن بينهما، والأعراب، ومن شهد معه حجة الوداع . كل رآّه
وسمع منه بعينة " .
٢٠) أكثر الصحابة رواية للحديث : أبو هريرة ، ثم عائشة زوج النبي صلى الله عليه
وسام ، فر أنس بن مالك، ثم عبد الله بن عباس حبر الأمة، ثم عبد الله بن عمر، ثم جابر بن
عبد الله الأنصاري، ثم أبو سعيد الخدري، ثم عبدالله بن مسعود، ثم عبد الله بن عمر بن
العاص .
وقد ذكر العلماء عدد أحاديث كل واحد منهم ، واتبعوا في العدد ما ذكره ابن الجوزي
في تنقيح فهوم الأثر - المطبوع في الهند - ١ ص ١٨٤). وقد اعتمد في عدد على ما وقع
لكل صحابى فى مسند أبى عبد الرحمن بقى بن مخلد ، لأنه اجمع الكتب. فذكر اصحاب
الألوف ، يعنى من روى عنه أكثر من الفي حديث ، ثم اصحاب الألف ، يعنى من روى عنه أقل
٣
١٨٠