النص المفهرس
صفحات 141-160
( فرع ) : وإذا سقط من السند أو المتن ما هو معلوم ، فلا بأس بإلحاقه، وكذلك إذا اندرس بعضُ الكتاب، فلا بأس بتجديده على الصواب وقد قال الله تعالى: (والله يعلم المفسد من المصلح (١) ). (١) اذا وجد الراوي في الأصل حديثا فيه لحن أو تحريف، فالأولى ان يتركه على حاله، ولا يمحوه ، وانما يضبب عاميه، ويكتب الصواب في الهامش . وعند الرواية يروى الصواب من غير خطأ ، ثم يبين ما في أصل كتابه . وانما رجحوا ابقاء الأصل ، لأنه قد يكون صوابا وله وجه لم يدركه الراوي ، ففهم انه خطأ ، لا سيما فيما يعدونه خطأ من جهة الغربية . لكثرة لغات العرب وتشعبها . قال ابن الصلاح١ ص ١٩٢) :: ((والأولى سد باب التغيير والاصلاح، لئلا يجسر على ذلك من لا يحسن، وهو اسلم مع التبيين)). ثم قال: ((وأصلح ما يعتمد عليه في الاصلاح: أن يكون ما يصلح به الفاسد قد ورد في احاديث آخر ، فان ذاكره آمن من أن يكون متقولا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقل )» . واذا كان في الكتاب سقط لا يتغير المعنى به، كلفظ ((ابن)) أو حرف من الحروف ، فلا بأس من اتمامه، من غير بيان أصله . وكذا اذا كان يغير المعنى، ولكن تيقن ان السقط سهو من شيخه، وأن من فوقة من الرواة اتى به، وانما يجب أن يزيد كلمة ((يعني))، كما فعل الحافظ الخطيب : أذ روى عن أبي عمر بن مهدي عن القاضي المحاملي باسناده عن عروة عن عمرة ((تعني عن عائشة)) أنها قالت: (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدني الى رأسه فأرجله))، قال الخطيب: ((كان في أصل ابن مهدي: عن عمرة أنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدني الى رأسه)، فألحقنا فيه ذكر عائشة، اذا لم يكن منه بد، وعلمنا ان المحاملي كذلك رواه ، وانما سقط من كتاب شيخنا أبي عمر ، وقلنا فيه : تعني عن عائشة رضى الله عنها، لأجل أن ابن مهدي لم يقل لنا ذلك)). واذا درس من كتابه - أي ذهب بتقطع أو بلل أو نحوه - بعض الكلام ، أوشك في شيء مما فيه، او مما حفظ، وثبته فيه غيره من الثقات، وأطمأن قلبه إلى الصواب - : جاز له الحاقه بالأصل ، ويحسن أن يبين ذلك ، ليبرا من عهدته . هذا الذي رآه علماء الفن . والذي أراه في كل هذه الصور، وأعمل به في كتاباتي وابحاثي - : ان الواجب المحافظة ١٤١ ( فرع آخر ): وإذا روَى الحديث عن شيخين فأكثر، وبَيْن ألفاظهم تبَاينٌ: فإن ركب السياقَ من الجميع ، كما فعل الزهري في حديث الإفك ، حين رواه عن سعيد بن المسيب وعروة وغيرهما عن عائشة وقال: ((كلٌ حدثني طائفةً من الحديث، فدخَل حديثُ بعضهم في بعضٍ ))، وساقه بتمامه - : فهذا سائغ ، فإن الأئمة قد تلقّوه عنه بالقبول وخرّجوه في كتبهم الصحاح وغيرها . وللراوي أن يبين كل واحدة منها عن الأخرى ، ويذكر ما فيها من زيادة ونقصان، وتحديث وإخبار وإنباء . وهذا مما يعني به مسلم في صحيحه ويبالغ فيه ، وأما البخاري فلا يعرِّج على ذلك ولا يلتفت إليه، وربما تعاطاه في بعض الأحايين ، والله أعلم ، وهو نادر . ( فرع آخر ) : وتجوز الزيادة في نسب الراوي ، إذا بيّن أن الزيادة من عنده . وهذا محكي عن أحمد بن حنبل وجمهور المحدثين ، والله أعلم . ( فرع آخر): جرت عادةُ المحدثين إذا قرؤا يقولون: ((أخبرك فلان، قال: أخبرنا فلان، قال: أخبرنا فلان))، ومنهم من يحذف لفظة ((قال))، وهو سائغ عند الأكثرين. وما كان من الأحاديث بإسناد واحد ، كنسخة عبد الرزّاق عن معمر عن هَمّام عن أبي هريرة(١)، ومحمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي على الأصل ، مع بيان الصحيح بحاشية الكتاب ، (الا اذا كان الخطأ واضحا ، ليس هناك شبهة في أنه خطأ. فيذكر الصواب ويبين في الحاشية نص ما كان في الأصل ، أداء للامانة الواجبة في النقل . (١) فائدة: صحيفة همام بن منبه: صحيفة جيدة . صحيحة الاسناد. رواها عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة، وقد اتفق الشيخان - البخاري ومسلم - على كثير من أحاديثها. وانفرد كل واحد منهما ببعض ما فيها ، وإسنادها واحد ، ودرجة أحاديثها في الصحة درجة واحدة . وهذا حجة لمن ذهب الى أن الشيخين لم يستوعبا الصحيح، ولم يلتزما اخراج كل ما صح عندهما ، وقد رواها أحمد في سنده عن عبد الرزاق (رقم ٨١٠٠ - ٨٢٣٥ ج ٢ ص ٣١٢ - ٣١٩)، وروى منها ثلاثة أحاديث في مواضع متفرقة. ١٤٢ هريرة ، وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه ، وبهز بن حكيم عن أبيه عن جده ، وغير ذلك - : فله إعادة الإسناد عند كل حديث ، وله أن يذكر الأسنادّ عند أول حديث منها ، ثم يقول : ((وبالاسناد)). أو: ((وبه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كذا وكذا))، ثم له أن يرويه كما سمعه ، وله أن يذكر عند كل حديث الاسنادَ . ( قلت ): والأمر في هذا قريب سهل يسير ، والله أعلم. وأما إذا قدَّم ذكر المتن على الإسناد كما إذا قال: ((قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وكذا))، ثم قال: ((أخبرنا به))، وأسنده: فهل الراوي عنه أن يقدَّم الإسناد أولاً ويتْبعه بذكر متن الحديث ؟ فيه خلاف ، ذكره الخطيب وابن الصلاح . والأشبه عندي جواز ذلك، والله أعلم . ولهذا يعيد محدّثو زماننا إسنادَ الشيخ بعد فراغ الخبر ، لأن من الناس من يسمع من أثنائه بفَوْتٍ فيتصل له سماع ذلك من الشيخ ، وله روايتهُ عنه كما يشاء ، من تقديم إسناده وتأخيره: والله أعلم(١). ( فرع ) : إذا روى حديثاً بسنده ، ثم أتبعه بإسناد له آخر ، وقال في آخره: ((مثله))، أو: ((نحوه))، وهو ضابط مُحرِّر: فهل يجوز روايته لفظ الحديث الأول بإسناد الثاني ؟ قال شعبة : لا ، وقال الثوري : نعم. حكاه عنهما وكيع، وقال يحيى بن معين: يجوز في قوله ((مثله))، ولا يجوز في ((نحوه)). قال الخطيب : إذا قيل بالرواية على هذا المعنى (١) نقل السيوطي في التدريب (ص ١٦٨) عن ابن حجر أنه قال: ((تقديم الحديث على السند يقع لابن خزيمة اذا كان في السند من فيه مقال، فيبتدئ به ، ثم بعد الفراغ يذكر السند. وقد صرح ابن خزيمة بأن من رواه على غير ذلك الوجه لا يكون في حل منه : فحينئذ ينبغي أن يمنع هذا ولو جوزنا الرواية بالمعنى)). ١٤٣ فلا فرق بين قوله ((مثله)) أو ((نحوه))، ومع هذا أختارُ قولَ ابن معين. والله أعلم(١). أما إذا أورد السند وذكر بعض الحديث ثم قال: ((الحديثَ))، أو ((الحديث بتمامه))، أو ((بطوله))، أو ((إلى آخره)) كما جرت به عادة كثير من الرواة : فهل للسامع أن يسوقَ الحديث بتمامه على هذا الاسناد ؟ رخّص في ذلك بعضهم ومنع منه آخرون ، منهم الأستاذ أبو إسحاق الاسفراي الفقيه الأصولي، وسأل أبو بكر البَرْقاني شيخَه أبا بكر الإسماعيلي عن ذلك ؟ فقال : إن كان الشيخ والقارىء يعرفان الحديث فأرجو أن يجوز ذلك ، والبيانُ أولى . قال ابن الصلاح: ( قلت ): وإذا جوَّزنا ذلك فالتحقيق أنه يكون بطريق الإجازة الأكيدة القوية . وينبغي أن يُفصَّل، فيقال : إن كان قد سمع الحديثَ المشار إليه قبل ذلك على الشيخ في ذلك المجلس أو في غيره ، فتجوزُ الرواية ، وتكون الإشارة إلى شيء قد سلف بيانهُ وتحقق سماعه . والله أعلم . إبدال لفظ ((الرسول)) ((بالنبي)) أو ((النبي)) ((بالرسول)): قال ابن الصلاح : الظاهر أنه لا يجوز ذلك ، وإن جازت الرواية بالمعنى ، يعني لاختلاف معنييهما . ونقل عبدالله بن أحمد أن أباه كان يشدد في ذلك . فإذا كان في الكتاب ((النبي)) فكتب المحدِّث ((رسول اللّه صلى الله عليه وسلم)) ضرب على ((رسول)) وكتب ((النبي))، قال الخطيب: وهذا منه استحباب ، فإن مذهبه الترخيص في ذلك . (١) وقال الحاكم: ((أن مما يلزم الحديثي من الضبب والأتقان: أن يفرق بين أن يقول (مثله)) أو يقول ((نحوه)»، فلا يحل له أن يقول ((مثله)) الا بعد أن يعلم انهما على لفظ واحد ، ويحل له أن يقول ((نحوه)) اذا كان على مثل معانيه)). ١٤٤ قال صالح(١): سألت أبي عن ذلك؟ فقال : أرجو أنه لا بأس به. ورُوي عن حماد بن سلمة أن عفان وبهزاً (٢) كانا يفعلان ذلك بين يديه (٣)، فقال لهما. أمّا أنتما فلا تَفْفَهانِ أبداً(٤) !! ( الرواية في حال المذاكرة ): هل تجوز الرواية بها؛ حكى ابنُ الصلاح عن ابن مهدي، وابن المبارك، وأبي زُرْعة، المنعَ من التحديث بها، لما يقع فيها من المساهلة، والحفظ خَوَّان (٥). قال ابن الصلاح : ولهذا امتنع جماعة من أعلام الحفاظ من رواية ما يحفظونه إلا من كتبهم ، منهم أحمد بن حنبل. قال: فإذا حدَّث بها فليقل: ((حدثنا فلان مذاكرةً))، أو ((في المذاكرة )). ولا يطلقْ ذلك، فيقع في نوعٍ من التدليس. والله أعلم. وإذا كان الحديث عن إثنين ، جاز ذكرُ ثقة منهما، وإسقاطُ الآخر ثقةً كان أو ضعيفاً. وهذا صنيع مسلم في ابن لهيعة غالباً. وأما أحمد بن حنبل فلا يسقطُه ، بل يذكره . والله أعلم (٦). (١) صالح - يعني ابن الامام أحمد بن حنبل رضي الله عنه - وله مسائل عن أبيه . (٢) بفتح الباء وسكون الهاء وبالزاي . (٣) بين يديه: أي بين يدي حماد بن سلمة . :٤، استدل للمنع من ذلك بحديث البراء بن عازب في الدعاء عند النوم، وفيه: ونبيك الذي أرسلت))، فأعاده البراء على النبي صلى الله عليه وسلم ليحفظه، فقال فيه: ((ورسولك الذي أرسلت))، فقال: ((لا، ونبيك الذي أرسلت)) وأجاب عنه العراقي: بأنه لا دليل فيه ، لأن ألفاظ الذكر توقيفية . والراجح عندي اتباع ما سمعه الراوي من شيخه ، وأولى بالمنع تغيير ذلك في الكتب المؤلفة . (٥) حال المذاكرة: هي أن يتذاكر أهل العلم فيما بينهم في مجالسهم ببعض الأحاديث فانهم حين ذاك لا يحرصون على الدقة في أداء الرواية ، لتيقنهم انها لم يقصد بها السماع منهم، ولذلك منع جماعة من الأئمة الحمل عنهم حال المذاكرة . (٦) اذا كان الحديث واردا عن رجلين ثقتين، أو عن ثقة وضعيف، فالاولى أن يذكرهما الباعث الحثيث - ١٠ ١٤٥ النوع السابع والعشرون ( آداب ) (١) المحدث : وقد ألّف الخطيبُ البغدادي في ذلك كتاباً سماه: ((الجامع الآداب الشيخ والسامع)). وقد تقدم من ذلك مهماتٌ في عيون(٢) الأنواع المذكورة . قال ابن خَلاَّد وغيره ينبغي للشيخ أن لا يتصدّى للحديث إلا بعد استكمال خمسين سنة ، وقال غيره : أربعينَ سنة وقد أنكر القاضي عياض ذلك ، بأن أقواماً حدَّثْرا قبل الأربعين ، بل قبل الثلاثين، منهم : ٠الك ابن أنس . ازدحم الناس عليه وكثير من مشايخه احياء . معا ، لجواز أن يكون فيه شيء لأحدهما لم يذكره الآخر. فان اقتصر على أحدهما جاز ، لأن الظاهر اتفاق الروايتين ، والاحتمال المذكور نادر . وأما اذا كان الحديث بعضه عن رجل ، وبعضه عن رجل آخر ، من غير أن تميز رواية كل واحد منهما ، فلا يجوز حذف، أحدهما، سواء كان بقة أو مجروحا ، لأن بعض المروي لم يروه من أبقاه قطعا . ويكون الحديث كله ضعيفا اذا كان أحدهما مجروحا ، لأن كل جزء من الحديث يتحمل أن يكون من رواية المجروح . وأما اذا كان تقتين ، فإنه حجة ، لانه انتقال من ثقة الى ثقة . ومن أمثلة ذلك حديث الافك في الصحيح من رواية الزهري قال: ((حدثني عروة وسعيد ابن المسيب وعلقمة بن وقاص وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن عائشة))، قال: ((وكل قد حدثني طائفة من حديثها ، ودخل حديث بعضهم في بعض ، وأنا أوعى لحديث بعضهم من بعض )) ثم ذكر الحديث . (١) وقع بياضى بالاصل بسع كلمة ((آداب)) فأضفناعا الى السياق، ومن عنوان هذا الباب في مقدمة ابن الصلاح . (٢) في نسخة ((غضون). ١٤٦ قال ابن خلاد : فإذا بلغ الثمانين أحببتُ له أن يُمسك. خشيةَ أن يكون قد اختلط . وقد استدركوا عليه : بأن جماعةً من الصحابة وغيرهم حدثوا بعد هذا السن ، منهم : أنس بن مالك . وسهل بن سعد ، وعبد الله بن أبي أوْفى، وخَلْق ممن بعدهم، وقد حدَّث آخرون بعد استكمال مائة سنة منهم : الحسن بن عرفة، وأبر القاسم البغويّ، وأبو إسحق الهُجَيْمِي والقاضي أبو الطيب الطبري، أحد أئمة الشافعية، وجماعة كثيرون. لكن إذا كان الإعتماد على حفظ الشيخ الراوي، فينبغي الإحتراز من اختلاطه إذا طَعن في انسن . وأما إذا كان الإعتماد على حفظ غيره وخطه وضبطه ، فههنا كلما كان السنّ عاليا كان الناس أرغبَ في السماع عليه . كما اتفق لشيخنا أبي العباس أحمد بن أبي طالب الحجار . فإنه جاوز المائة محققاً ، سمع على الزبيدي سنة ثلاثين وستمائة صحيح البخاري ، وأسمعه في سنة ثلاثين وسبع مائة ، وكان شيخاً كبيراً عامياً. لا يضبط شيئاً ، ولا يتعقل كثيراً من المعاني الظاهرة ، ومع هذا تداعى الناس إلى السماع منه عند تفرده عن الزبيدي ، فسمع منه نحوٌّ من مائة ألف أو يزيدون(١). قالوا : وينبغي أن يكون المحدّث جميل الأخلاق ، حسن الطريقة صحيح النية ، فإن عَزّبتْ نيتُه عن الخبر (٢) فليسمعْ، فإن العلمُ يُرشد إليه ، قال بعض السلف : طلبنا العلم لغير الله ، فأبى أن يكون إلا لله . ١٠) وأنا أرى أن مثل هذا السماع لا قيمة له ، بل هو تكلف وغلو في طلب علو السند ، من تبر رجزء الصحيح، فما قيمة السماع من رجل يوصف بأنه ((عامي))، لا يضبط شيئا، ولا يتعلق كنبرا من المعاني الظاهرة»؟ ! ٢٠) في الأصل ( فى الخير)»! وهو خطأ . ١٤٧ وقالوا : لا ينبغي أن يحدث بحضرة من هو أولى سناً أو سماعاً . بل كره بعضهُم التحديثَ ، لمن في البلد أحق منه . وينبغي له أن يَدُلَّ عليه ويرشد إليه فإن الدين النصيحةُ(١). قالوا : لا ينبغي عَقْدُ مجلس التحديث ، وليكن المسْميع على أكمل الهيئات. كما كان مالك رحمه الله: إذا حضر مجلس التحديث، توضأ. وربما اغتسل، وتطيّب . وليس أحسن ثيابه ، وعلاه الوقارُ والهيبة، وتمكّن في جلوسه وزبَرَ مَنْ يَرفعُ صوتَه (٢). وينبغي افتتاح ذلك بقراءة ( شيء ) من القرآن. تبركاً وتيمناً بتلاوته ثم بعده التحميد الحسن التامّ، والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم . ولْيكُن القارىء حسن الصوت، جيدً الأداء. فصيح العبارة: وكلما سَرَّ بذكر النبي صلى الله عليه وسلم . قال الخطيب : ويرفع صوته بذلك ، وإذا مَرَّ بصحابي ترضَّى عنه . وحَسْنَ أن يثني على شيخه. كما كان عطاء يقول: حدثني الحبر البحرُ ابنُ عباس ، وكان وكيع يقول : حدثني سفيان الثوري أمير المؤمنين في الحديث وينبغي أن لا يذكر أحداً بلقب يكرهه ، فأما لقب يتميز به فلا بأس (٣). ١٠) وذهب ابن دقيق العيد الى أنه لا يرشد الى صاحب الاسناد العالي اذا كان جاهلا بالعلم ، لأنه قد يكون في الرواية عنه ما يوجب ختلا ، وهذا قيد صحيح . ٢١) كان مالك رحمه الله إذا وضع أحد صوته في مجلس الحديث انتهره وزجره ، ويقول: ((قال الله تعالى : (يأيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت للنبي ا، فمن رفع صوته عند حديثه فكأنما رفع صوته )) . (٣) لا بأس أن يذكر الشيخ من يروي عنه بلقب، مثل ((غندر"، أو وصف، نحو ((الأعمش)»، أو حرفة، معل ((الحناط))، أو بنسبته إلى أمه، مثل ((ابن علية)»، اذا! عرف الراوى بذلك، ولم يقصد أن يعيبه، وإن كره الملقب به ذلك . ١٤٨ الفائدة ) : كان الحفاظ من العلماء المتقدمين ، رضي الله عنهم ، يعقدون مجالس لاملاء الحديث . وهي مجالس عامة، فيها علم جم ، وخير كثير . ومن آدابها أنه يجب على الشيخ أن يختار الأحاديث المناسبة للمجالس العامة، وفيها من لا يفقه كثيرا من العلم ، فيحدثهم بأحاديث الزهد ومكارم الأخلاق ونحوها . وليتجنب أحاديث الصفات، لأنه لا يؤمن عليهم الخطأ والوهم والوقوع في التشبيه والتجسيم ، ويجتنب أيضا الرخص والاسرائليات ، وما شجر بين الصحابة من الخلاف ، لئلا يكون ذلك فتنة للناس . ثم يخيم مجلس الاملاء بشيء من طرف الاشعار والنوادر ، كمادة الأئمة السالفين - رضي الله عنهم . واذا كان الشيخ الملي غير متمكن من تخريج أحاديثه التي يمليها ، : ما لضعفه في التخريج ، واما لاشتغاله بأعمال تهمه ، كالافتاء أو التأليف ، استعان على ذلك بمن يثق به من العلماء الحفاظ . وهذا الاملاء سنة جيدة ، اتبعها السلف الصالح رضوان الله عليهم ، ثم انقطع بعد الحافظ ابن الصلاح المتوفي سنة ٠٦٤٣ قال السيوطي في التدريب ١ ص ١٧٦): ((وقد كان الاملاء درس بعد ابن الصلاح إلى أواخر أيام الحافظ أبي الفضل العراقي ، فافتتحه سنة ٧٥٦، فأملى أربعمائة مجلس وبضعة عشر مجلا الى سنة موته ، سنة ٨٠٦ °م أملى ولده الى أن مات، سنة ٢٨٦ - ستمائة مجلس وكسرا، ثم أملى شيخ الإسلام ابن حجر الى أن مات سنة ٨٥٢ ، أكثر من ألف مجلس . ثم درس تسعة عشر سنة ، فافتتحه ول سنة ٨٧٨ ، فأملبت ثمانين مجلسا ، ثم خمسين أخرى)). وقد انقطع الاملاء بعد ذلك ، إلا فيما ندر . لندرة العلماء الحفاظ ، وندرة الطالبين الحريصين على العلم والرواية . وقد رأيت بعض أمالى الحافظ ابن حجر ، مخطوطة في بعض المكاتب ، والبتنا نجد من تطبعها وبنشرها على الناس . واعلم أنه قد أطلق المحدثون القابا على العلماء بالحديث : فأعلاها: ((أمير المؤمنين في الحديث))، وهذا لقب لم يظفر به الافذاذ الوادر ، الذين هم أئمة هذا الشأن ، والمرجع اليهم فيه ، كشعبة بن الحجاج ، وسفيان النورى ، واسحق ابن راهويه، وأحمد بن حنبل، والبخاري، والدارقطني، وفي المتأخرين ابن حجر العسقلاني، رضي الله عنهم جميعا . ١٤٩ ثم يليه: ((الحافظ))، وقد بين الحافظ المزي الحد الذي اذا انتهى اليه الرجل جاز ان يطلق عليه ((الحافظ))، فقال: ((أقل ما يكون ان تكون الرجال الذين يعرفهم ويعرف تراجمهم وأحوالهم وبلدانهم -: أكثر من الذين لا يعرفهم، ليكون الحكم للغالب». فقال له التقى السبكي: ((هذا عزيز في هذا الزمان، أدركت انت أحدا كذلك؟))، فقال: (( ما رأينا مثل الشيخ الدمياطي ، ثم قال : وابن دقيق العيد كان له في هذا مشاركة جيدة ، ولكن أين الثريا من الثرى؟!)) فقال السبكي: ((كان يصل إلى هذا الحد؟))، قال: ((ما هو الا كان يشارك مشاركة جيدة في هذا، أعني في الأسانيد، وكان في المتون أكثر، لأجل الفقه والأصول)). وقال أبو الفتح بن سيد الناس: (( أما المحدث في عصرنا ، فهو من اشتغل بالحديث رواية ودراية ، وجمع رواته، واطلع على كثير من الرواة والروايات في عصره ، وتميز في ذلك ، حتى عرف فيه خطه ، واشتهر ضبطه ، فإن توسع في ذلك حتى عرف شيوخه وشيوخ شيوخه، طبقة بعد طبقة، بحيث يكون ما يعرفه من كل طبقة أكثر مما يجهله - فهذا هو الحافظ)). وسأل شيخ الاسلام الحافظ أبو الفضل بن حجر العسقلاني شيخه الحافظ البا الفضل العراقي فقال: (( ما يقول سيدي في الجد الذي اذا بلغه الطالب في هذا الزمان استحق أن يسمى حافظا ؟ وهل يتسامح بنقص بعض الاوصاف التي ذكرها المزي وابو الفتح في ذلك ، لنقص زمانه أم لا؟))، فأجاب: ((الاجتهاد في تلك يختلف باختلاف غلبة الظن في وقت ببلوغ بعضهم للحفظ ، وغلبته في وقت آخر ، وباختلاف من يكون كثير المخالطة الذي يصفه بذلك ) . وكلام المزي فيه ضيق ، بحيث لم يسم ممن درآه بهذا الوصف الا الدمياطي . واما كلام أبي الفتح فهو أسهل ، بأن ينشط بعد معرفة شيوخه الى شيوخ شيوخه وما فوق . ولا شك أن جماعة من الحفاظ المتقدمين كان شيوخهم التابعين أو اتباع التابعين وشيوخ شيوخهم الصحابة أو التابعين : فكان الامر في ذلك الزمان أسهل ، باعتبار تأخر الزمان . فان اكتفى بكون الحافظ يعرف شيوخه وشيوخ شيوخه أو طبقة أخرى ، فهو سهل لمن جعله فيه ذلك دون غيره ، من حفظ المتون والأسانيد، ومعرفة أنواع علوم الحديث كلها، ومعرفة الصحيح من السقيم ، والمعمول به من غيره ، واختلاف العلماء واستنباط الأحكام ، فهو أمر ممكن . بخلاف ما ذكر من جميع ما ذكر، فانه يحتاج الى فراغ وطول عمر ، انتفاء الموانع . ـمـ ١٥٠ وقد روى عن الزهري انه قال: لا يولد الحافظ الا في كل أربعين سنة . فان صح كان المراد رتبة الكمال في الحفظ والاتقان ، وأن وجد في زمانه من يوصف بالحفظ ، وكم من حافظ وغيره احفظ منه . نقل ذلك كله السيوطي في التدريب: ص ٧ - ٨ ). وأدنى من ((الحافظ)) درجة يسمى ((المحدث)). قال التاج السبكي في كتابه: ((معيد النعم): فيما نقلله في التدريب (ص ٦): ((من الناس فرقة الدعت الحديث، فكان قصارى امرها النظر في مشارق الأنوار للصاغاني، فان ترفعت فالى مصابيح البغوى، وظنت انها بهذا القدر تصل الى درجة المحدثين ! وما ذلك الا يجهلها بالحديث ، فلو حفظ من ذكرناه هذين الكتابين عن ظهر قلب، وضم اليهما من المتون مثليهما : لم يكن محدثا ، ولا يصير بذلك محدثا ، حتى يلج الجمل في سم الخياط! فإن رامت بلوغ الغاية في الحديث - على زعمها - اشتغلت بجامع الأصول لابن الاثير، فان ضمت اليه كتاب علوم الحديث لابن الصلاح ، او مختصره المسمى بالتقريب النووي، ، ونحو ذلك ، وحينئذ بنادى من انتهى الى هذا المقام : محدث المحدثين ، وبخارى العصر ! وما ناسب هذه الألفاظ الكاذبة فان ذكرناه لا يعد محدثا بهذا القدر . أنما المحدث: من عرف الأسانيد والعلل، واسماء الرجال، والعالي والنازل ، وحفظ مع ذلك حملة مستكثرة من المتون، وسمع الكتب الستة ، ومسند أحمد بن حنبل ، وسنن البيهقي ، ومعجم الطبراني، وضم الى هذا القدربالف جزء من الأجزاء الحديثية ، هذا اول درجاته ، فاذا سمع ما ذكرناه ، وكتب الطباق ، ودار على الشيوخ ، وتكلم في المطل والوفيات والأسانيد: كان في أول درجات المحدثين، ثم يزيد الله من يشاء ما يشاء)). ودون هذين من يسمى ((المسند)) - بكسر النون - وهو الذي يقتصر على سماع الأحاديث و سماعها، من غير معرفة بعلومها او إتقان لها، وهو الرواية فقط. وقد وصف التاج السبكي هؤلاء الرواة فقال. ((ومن اعمل العلم طائفة طلبت الحديث، وجعلت دابها السماع على المشايخ ، ومعرفة العالي من المسموع والنازل، وهؤلاء هم المحدثون على الحقيقة ، الا ان كتيرا منهم يجد نفسه في تيجى الاسماء والمتون ، وكثرة السماع، من غير فهم لما يقرؤنه، ولا تتعلق فكرته بأكثر من اني حصلت جزء ابن عرفة عن سبعين شيخا . وجزء الأنصاري عن كذا كذا شيخا، وجزء اطرقة، ونسخة ابن مسهر، وأنحاء ذلك !! وانما كان السلف يسمعون. فيقرون ، فيرحلون ، فيفرون ، ويحفظون فيعلمون )) . ١٥١ النوع الثامن والعشرون آداب طالب الحديث : ينبغي له ، بل يجب عليه ، إخلاص النية لله عز وجل فيما يحاوله من ذلك، ولا يكنْ قصده عرضاً من الدنيا، فقد ذكرنا في المهمات: الزجر الشديد والتهديد الأكيد على ذلك . وليبادرْ إلى سماع العالي في بلده ، فإذا استوعب ذلك انتقل إلى أقرب البلاد إليه. أو إلى أعلى ما يوجد من البلدان . وهو الرحلة . وقد ذكرنا في المهمات مشروعية ذلك ، قال إبراهيم بن أدهم رحمة الله عليه : إن الله ليدفع البلاء عن هذه الأمة برحلة أصحاب الحديث . قالوا : وينبغي له أن يستعمل ما يمكنه من فضائل الأعمال الواردة في الأحاديث . كان بشر بن الحارث الحافي يقول : يا أصحاب الحديث أدوا زكاةَ الحديث ، من كل مائتي حديث خمسة أحاديث . وقال عمرو بن قيس المُلائي : إذا بلغك شيء من الخير فاعملْ به ولو مرةً ، تكنْ من أهله . وأما عصرنا هذا فقد ترك الناس نيه الرواية جملة ، ثم تركوا الاشتغال بالاحاديث الا نادرا وقليل أن ترى منهم من هو أهل لأن يكون طالبا لعلوم السنة ، وهيهات أن تجد من يصح أن يكون محدثا . وأما الحفظ فانه انقطع أثره ، وختم بالحافظ بن حجر العسقلاني رحمه الله ثم قارب السخاوي والسيوطي أن يكونا حافظين، ثم لم يبق بعدهما أحد . ومن يدري؟ فلعل الأمم الاسلامية تستعيد مجدها ، وترجع الى دينها وعلومها ، ولا يعلم الغيب الا الله . وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((بدأ الإسلام غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ)). ١٥٢ قال وكيع : إذا أردتَ حفظ الحديث فاعمل به . قالوا: ولا يُطوِّل على الشيخ في السماع حتى يُضْجِرَهُ. قال الزهري إذا طال المجلس كان للشيطان فيه نصيب . وليُفِد غيره من الطلبة، ولا يكتُمْ شيئاً من العلم، فقد جاء الزجر عن ذلك(١) . قالوا : ولا يستنكفْ أن يكتبَ عمن هو دونه في الرواية والدراية . قال وكيع : لا يَنْبُل الرجلُ حتى يكتبَ عمن هو فوقَه، ومن هو مثله ، ومن هو دونه . قال ابن الصلاح : وليس بموفق من ضيع شيئاً من وقته في الإستكثار من الشيوخ لمجرد الكثرة وصيتها . قال : وليس من ذلك قول أبي حاتم الرازي: إذا كتبتَ فَقَمَّشْ، وإذَا حدَّثْتَ فَفَتِّش (٢). قال ابن الصلاح : ثم لا ينبغي لطالب الحديث أن يقتصر على مجرد سماعه وكَتْبه ، من غير فهمه ومعرفته ، فيكون قد أتعب نفسه ، ولم يظفر بطائل . ثم حث على سماع الكتب المفيدة من المسانيد والسنن وغيرها (٣) . :١) نبليغ العتم واجب ولا يجوز كتمانه، ولكنهم خصصوا! ذلك بأهله، وأجازوا كتمانه عمن لا يكون مستعدا لأخذه ، وعمن يصر على الخطأ بعد أخباره بالصواب . سئل بعض العلماء عن شىء العلم؟ فلم يجب، فقال السائل: أما سمعت حديث: ((من علم علما فكتبه ألجم يوم القيامة بلجام من النار))؟ فقال: ((اترك اللجام واذهب! فان جاء من يقفه وكتمته فليلجمني به)). وقال بعضهم: ((تصفح طلاب علمك، كما تتصفح طلاب حرمك)). (٢) القمش: جمع الشيء من هنا ومن هنا. قال العراقي: ((كأنه أراد : اكتب الفائدة ممن سمعتها ولا تؤخرها حتى تنظر هل هو اهل للأخذ عنه أم لا ؟ فربما فات ذلك بموته او سفره او غير ذلك. فاذا كان وقت الرواية او العمل ففتش حينئذ)). (٣) ينبغي للطالب أن يقدم الاعتناء بالصحيحين ، ثم بالسنن، كسنن أبي داود ، والترمذي والنسائي، وابن ماجه، وصحيحي ابن خزيمة وابن حبان، والسنن الكبرى للبيهقي وهو ١٥٣ النوع التاسع والعشرون معرفة الإسناد العالي والنازل : ولما كان الإسناد من خصائص هذه الأمة، وذلك أنه ليس أمةٌ من الأمم يمكنُها أن تُسْندَ عن نبيَّها إسناداً متصلاً غير هذه الأمة (١). ٠ ٠ اكبر كتاب في أحاديث الأحكام ، ولم يصنف في باب مثله ، ثم بالمسانيد ، وأهمها مسند أحمد ابن حنبل ، ثم بالكنب الجامعة المؤلفة في الأحكام ، واهمها موطأ مالك ، ثم كتب ابن جريج ، وابن أبي عروبة ، وسعيد بن منصور، وعبد الرزاق، وابن أبي شيبة ، ثم كتب العلل ، ثم يشتغل بكتب رجال الحديث وتراجمهم وأحوالهم ، ثم يقرأ كثيرا من كتب التاريخ وغيرها . (١) خصف الأمة الاسلامية بالأسانيد والمحافظة عليها، حفظا للوارد من دينها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليست هذه الميزة عند أحد من الأمم السابقة. وقد عقد الامام الحافظ بن حزم في االملل والنحل ( ج ٢ ص ٨١ - ٨٤) فصلا جيدا في وجود النقل عند المسلمين ، فذكر المتواتر كالقرآن وما علم من الدين بالضرورة ، ثم المشهور ، نحو كثير من المعجزات ومناسك الحج ومقادير !الزكاة وغير ذلك، مما يخفي على العامة ، وانما يعرفه كواف أهل العلم فقط . ثم قال: ((وليس عند اليهود والنصارى من هذا النقل شيء "صلا، لأنه قطع بهم دونه ما قطع بهم دون النقل الذي ذكرنا قبل - يعني التواتر - من اطباقهم على الكفر الدهور الطوال، وعدم ايصال الكافة الى عيسى عليه السلام)». ثم قال: ((والثالث: ما نقله الثقة عن الثقة كذلك، حتى يبلغ إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، يخبر كل واحد منهم باسم الذي أخبره ونسبه ، وكلهم معروف الحال والعين والعدالة والزمان والمكان ، على أن أكثر ما جاء هذا المجيء فانه منقول نقل الكولف : أما الى رسول الله صلى الله عليه وسلم من طريق جماعة من الصحابة رضي الله عنهم، واما الى الصاحب، وأما :الى التابع، واما الى أمام أخذ عن التابع، يعرف ذلك من كان من أهل المعرفة بهذا الشأن ، والحمد للمدرب العالمين)) . ١٥٤ فلهذا كان طلب الإسناد العالي مرغّبا فيه ، كما قال الإمام أحمد بن حنبل : الإسناد العالي سنةٌ عمّن سَلف. وقيل ليحيى بن معين في مرض موته : ما تشتهي ؟ قال : بيت خالي وإسناد عالي . (( وهذا نقل خص الله تعالى المسلمين، دون سائر أهل الملل كلها، وأبقاه عندهم غضا جديدا على قديم الدهور ، منذ اربعمائة وخمسين عاما - هذا في عصره، والآن منذ سنة ١٣٧١ - فى المشرق والمغرب، والجنوب والشمال ، يرحل في طلبه من لا يحصى عددهم الا خالقهم إلى الآفاق البعيدة ، ويواظب على تقييده من كان الناقد قريبا منه ، قد تولى الله تعالى حفظه عليهم ، والحمد لله رب العالمين . فلا تفوتهم زلة في كلمة فما فوقها في شيء من النقل ، أن وقعت لأحدهم ، ولا يمكن فاسقا أن يقحم فيه كلمة موضوعة،ولله تعالى الحمد . وهذه الأقسام الثلاثة التي نأخذ ديننا منها ولا نتعداها ، والحمد لله رب العالمين . ثم ذكر المرسل والمعضل والمنقطع ، وان المسلمين اختلفوا في الاحتجاج بمثل ذلك ، ثم قال: ((ومن هذا النوع كثير من نقل اليهود ، بل هو اعلى ما عندهم ، الا انهم لا يقربون فيه من موسى كقرينا فيه من محمد صلى الله عليه وسلم، بل يقفون ولا بد ، حيث بينهم وبين مرسى عليه السلام ازيد من ثلاثين عصرا ، في أزيد من الف وخمسمائة عام . وانما يبلغون بالنقل الى هلال وشماني وشمعون ومر عقيبا وأمثالهم. وأظن أن لهم مسألة واحدة فقط يروونها عن خبر من أحبارهم عن نبي من متأخري انبيائهم ، أخذها عنه مشافهة ، في نكاح الرجل ابنته اذا مات عنها أخوه . وأما النصارى فليس عندهم من صفة هذا النقل الا تحريم الطلاق وحده فقط، على أن مخرجه من كذاب قد ثبت كذبه)). وطلب العلو في الاسناد سنة عن الأئمة السالفين، كما قال الإمام أحمد بن حنبل ، ولهذا حرص العلماء على الرحلة اليه واستحبوعا . واخطأ من زعم أن النزول أفضل ، ناظرا الى ان الاسناد كلما زاد عدد رجاله زاد الاجتهاد والبحث فيه، قال ابن الصلاح (ص ٣١٦): ((العلو يبعد الاسناد من الخلل، لأن كل رجل من رجاله يحتمل أن يقع الخلل من جهته ، سهوا او عمدا، ففي قلتهم قلة جهات الخلل، وفي كثرته، كثرة جهات الخلل، وهذا جلى واضح)). ~ ١٥٥ ولهذا تداعت رغبات كثير من الأئمة النقاد، والجهابذة الحفّاظ، إلى الرحلة إلى أقطار البلاد ، طاباً لعلو الاسناد . وإن كان قد منع من جواز الرحلة بعض الجهلة من العباد، فيما حكاه الراسَهُومُزي في كتابه الفاصل . ثم إن عُلوَّ الاسناد أبدُ من الخطأ والعلة من نزوله . وقال بعض المتكلمين : كلما طال الإسناد كان النظرُ في التراجم والجرح والتعديل أكثر . فيكون الأجر على قدر المثقّة . وهذا لا يقابل ما ذكرناه . والله أعلم . وأشرف أنواع العلو ما كان قريباً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأما العلو بقربه إلى إمام حافظ ، أو منصفٍ ، أو بتقدم السماع : فتلك أمور نسبية . وقد تكلم الشيخ أبو عمرو ها هنا على ( الموافقة ) ، وهي : انتهاء الاسناد إلى شيخ مسلم مثلاً. ( والبدل )، وهو: انتهاؤه إلى شيخ شيخه أو مثل شيخه . ( والمساواة )، وهو : أن تُساوي في إسنادك الحديثَ المصنّف. ( والمصافحة ) وهي : عبارة عن نزولك عنه بدرجة . حتى كأنه صافحكَ به وسمعته منه . وهذه الفنون توجد كثيراً في كلام الخطيب البغدادي ومن نحا نحوه قد صنف الحافظُ بن عساكر في ذلك مجلدات . وعندي أنه نوع قليل الجدوى بالنسبة إلى بقية الفنون(١). (١) العلو في الاسناد خمسة أقسام : الأول - وهو أعظمها وأجلها -: القرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم باسناد صحيح نظيف خال من الضعف . بخلاف ما اذا كان مع ضعف فلا التفات اليه ، لا سيما ان كان فيه بعض الكذابين المتأخرين. همن ادعى سماعا من الصحابة. قال الذهبي: ((متى رأيت المحدث يفرح بعوالى هؤلاء فاعلم أنه عامي)) . نقله البوطي في التدريب ( ص ١٨٤ ١. ١٥٦ وقد حرص العلماء على هذا النوع من العلو ، حتى غالى فيه بعضهم ، كما يفهم من كلام الذهبي ، وكما رأيناه كبيرا فى كتب التراجم وغيرها . وأعلى ما وقع الحافظ بن حجر - وهو مسند الدنيا في عصره - أن جاء بينه وبين النبي سلى الله عليه وسلم عشرة انفس، ولذلك قد اختار من هذا النوع عشرة أحاديث في جزء صغير سماه (العشرة العشارية) وقال في خطبته: ((ان هذا العدد هو أعلى ما يقع لعامة مشايخي الذين حملت عنهم ، وقد جمعت ذلك فقارب الألف من مسموعاتي منهم . وأما هذه الأحاديث فانها وان كان فيها قصور عن مرتبة الصحاح : فقد تحريت فيها جهدي ، وانتقيتها من مجموع ما عندي)) . وهذا الجزء نقلته بخطي منذ أربعين سنة تقريبا عن نسخة مكتوبة في سنة ١١٨٩ هـ ٠ ثم قابلته على نسخة عتيقة مقروءة على المؤلف وعليها خطه ، كتبت في رمضان سنة ٨٥٢، أي قبل وفاة الحافظ بثلاثة أشهر تقريبا ، وقد نقل السيوطي في التدريب ( ص ١٨٤) الحديث الأول منها من طريق آخر، غير طريق ابن حجر، وقال: (( وأعلى ما يقع لنا ولاضرابنا في هذا الزمان - توفى السيوطي سنة ٩١١ - من الأحاديث الصحاح المتصلة بالسماع ما بيننا وبين النبى صلى الله عليه وسلم فيه اثنا عشر رجلا)). وذلك صحيح، لأن بين السيوطي وبين ابن حجر شيخاً واحدا ، فهما اثنان زيادة على العشرة . القسم الثانى : أن يكون الاسناد عاليا للقرب من إمام من المه الحديث ، كالأعمش ، وابن جريج، ومالك ، وشعبة ، وغيرهم ، مع صحة الاسناد اليه . القسم الثالث : علو الاسناد بالنسبة الى كتاب من الكتب المعتمدة المشهورة كالكتب السنة ، والموطأ ، ونحو ذلك . وصورته : أن تأتي لحديث رواه البخاري مثلا ، فترويه باسنادك الى شيخ البخاري ، أو شيخ شيخه ، وهكذا ، ويكون رجال اسنادك في الحديث أقل عددا مما لو روبته من طريق البخاري . وهذا القسم جعلوه انواعا أربعة : الأول : الموافقة . وصورتها : أن يكون مسلم - مثلا - روى حديثا عن يحيى عن مالك عن نافع عن ابن عمر، فترويه باسناد آخر عن يحيى، بعدد أقل مما لو رويته من طريق مسللم عنه. ١٥٧ والثاني : البدل ، او الابدال ، وصورته في المثال السابق ، أن ترويه باسناد آخر عن مالك، أو عن نافع، أو عن ابن عمر، بعدد أقل أيضا، وقد يسمى هذا ((موافقة)) بالنسبة الى الشيخ الذي يجتمع فيه اسنانك بإسناد مسلم ، كمالك ، أو نافع . والثالث : المساواة . وهي كما فال ابن حجر في شرح النخبة : (كان يروى النسائي - مثلا - حديثا يقع بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم فيه الحد عشر نفسا، فيقع لنا ذلك التحديث بعينه باسناد آخر الى النبي صلى الله عليه وسلم، يقع بيننا فيه وبين النبي صلى الله عليه وسلم أحد عشر نفسا، فنساوى النسائي من حيث العدد ، مع قطع النظر عن ملاحظة ذلك الاسناد الخاص » . وقال ابن الصلاح: س ١١٩): أما المساواة فهي في اعصارنا : أن يقل العدد في اسنادك لا الى شيخ مسلم وأمثاله ، ولا الى شيخ شيخه - : بل الى من هو أبعد من ذلك كالصحابي ، أو من قاربه، وربما كان الى رسول الله صلى الله عليه وسلم، بحيث يقع بينك وبين الصحابي - مثلا - من العدد مثل ما وقع من العدد بين مسلم وبين ذلك الصحابي ، فتكون بذلك مساويا لمسلم - مثلا -- في قرب الاسناد وعدد رجاله . والرابع: المصافحة. قال ابن الصلاح: ((هي أن تقع هذه المساواة - التي وصفناها - لشيخك ، لا لك فيقع ذلك لك مصافحة ، اذ تكون كأنك لقيت مسلما في ذلك الحديث به ، لكونك قد لقيت شيخك المساوي لمسلم . فان كمان المساواة لشيخ شيخك كانت وصافحته المصافحة لشيخك ، فتقول : كأن شيخي سمع مسدما وصافحه)» وهكذا . وهذان النوعان - المساواة والمصافحة - لا يمكنان في زماننا هذا - سنة ١٣٥٥، حين طبع الكتاب للمرة الأولى ، وسنة ١٣٧١، حين طبعه للمرة الثانية - ولا فيما قاربه من المصور الماضية ، لبعد الاسناد بالنسبة الينا ، وهو واضح . ثم أن هذين النوعين الايضا - بالنسبة لمن قبلنا من القرن الرابع فمن بعده الى التاسع : ليسا في الحقيقة من العلو ، بل هما على نسبي بالنسبة لنزول مؤلف الكتاب في اسناده . قال ابن الصلاح ( ص ٢٢٠): ((١٠علم أن هذا النوع من العلو علو تابع لنزول، اذ لولا نزول ذلك الإمام في اسناده لم تعل أنت في اسنادك » . ثم حكى عن أبي المظفر بن أبي سعد السمعاني انه روى عن الفراوي حديثا ادعى فيه أنه كأنه سمعه هو او شيخه من البخاري ، ١٥٨ فأما من قال : إن العالي من الاسناد ما صحّ سنده. وإن كثرتْ رجاله -: فهذا اصطلاح خاص، وماذا يقول هذا القائل فيما إذا صحَّ الإسنادان ، لكن أقرب رجالاً ؟ وهذا القول محكي عن الوزير نظام الملك وعن الحافظ السَّلَفيِّ . وأما النزول فهو ضد العلو، وهو مفضول بالنسبة إلى العلو . الهم إلا أن يكون رجال الإسناد النازل أجل من رجال العالي ، وإن كان الجميع ثقات . كما قال وكيع لأصحابه : أيما أحبّ إليكم : الأعمشُ عن أبي وائل عن ابن مسعود ، أو سفيانُ عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود ؟ فقالوا : الأول ، فقال : الأعمش عن أبي وائل : شيخ عن شيخ ، وسفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود : فقيه عن فقيه ، وحديثٌ يتداولهُ الفقهاء أحبّ إلينا مما يتداوله الشيوخ(١). فقال أبو المظفر: ((ليس لك بعال، ولكنه للبخاري نازل)). قال ابن الصلاح: ((هذا حسن لطيف ، يخدش وجه هذا النوع من العلو)) . القسم الرابع من أقسام العلو : تقدم وفاة الشيخ الذي نروى عنه وفاة شيخ آخر ، وان تساويا فى عدد الاسناد. قال النووي في التقريب: ((فما أرويه عن ثلاثة عن البيهقي عن الحاكم : أعلى مما أرويه عن ثلاثة عن أبي بكر بن خلف عن الحاكم ، لتقدم وفاة البيهقي على ابن خلف )» . وقد يكون الملو بتقدم وفاة الشيخ الراوي مطلقا، لا بالنسبة الى اسناد آخر، ولا الى شيخ آخر. وهذا القسم جعل بعضهم حد التقدم فيه: مضى خمسين سنة على وفاة الشيخ ، وجعله بعضهم ثلاثين سنة . القسم الخامس : العلو بتقدم السماع . من سمع من الشيخ قديما كان أعلى ممن سمع منه أخيرا! كأن يسمع شخصان من شيخ واحد ، أحدهما سمع منذ ستين سنة مثلا ، والآخر منذ أربعين، فالأول أعلى من الثاني. قال في التدريب ! ص ١٨٧): ((ويتأكد ذلك فى حق من اختلط شيخه أوخرف»، يعنى أن سماع من سمع قديما أرجح واضح من سماع الآخر . ثم ان النزول تقابل العلو، فكل اسناد عال فالاسناد الآخر المقابل له اسناد نازل، وبذلك يكون للنزول خمسة أقسام ايضا ، كما هو ظاهر . (١) قلنا فيما مضى : ص ١٨٠): أن الاسناد العالي أفضل من غيره، ولكن هذا ليس ١٥٩ النوع الثلاثون معرفة المشهور : والشهرةُ أمْر نِسْبِيُ ، فقد يشتهر عند أهل الحديث أو يتواتر ما ليس عند غيرهم بالكلية . ثم قد يكونُ المشهور متواتراً أو مستفيضاً، وهذا ما زاد نقلَتَهُ على ثلاثة . وعن القاضي المَاوَرْدي : أن المستفيض أقوى من المتواتر . وهذا اصطلاح منه . وقد يكون المشهور صحيحاً، كحديث ((الأعمال بالنيات)) وحسناً. وقد يشتهر بين الناس أحاديث لا أصل لها، أو هي موضوعة بالكلية (١). على اطلاقه ، لأنه إن كان في الاسناد النازل فائدة تميزه ، فهو أفضل ، كما إذا كان رجاله اوثق من رجال العالي ، او احفظ ، او افقه ، أو كان متصلا بالسماع وفي العالى إجازة او تسامل من بعض رواته في الحمل أو نحو ذلك . قال في التدريب ١ ص ١٨٨): ((قال ابن المبارك: ليس جودة الحديث قرب الاستاد بل جودة الحديث صحة الرجال . وقال السلفي : الأصل الاخذ عن العلماء ، فنزولهم اولى من العلو عن الجهلة ، على مذهب المحققين من النقلة ، والنازل حيثذ هو العالي في المعنى عند النظر والتحقيق . قال ابن الصلاح : ليس هذا من قبيل العلو المتعارف اطلاقه بين أهل الحديث وانما هو علو من حيث المعنى . قال شيخ الإسلام : ولابن حبان تفصيل حسن ، وهو : أن النظر ان كان للسند فالشيوخ أولى، وأن كان للمتن فالفقهاء » . وقد تغالى كثير من طلاب الحديث وعلمائه في طلب علو الاسناد . وجعلوه مقصدا من أهم المقاصد لديهم ، حتى كان ينسيهم الحرص على الأصل المطلوب في الأحاديث : وهو صحة نسبتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وتأمل في كلمني ابن المبارك والسلفى - اللتين نقلنا آنفا - واجعلهما دستورا لك في طلب السنة. والتوفيق من الله سبحانه. (١) وجمع الحافظ السخاوي كتابا في ذلك سماه: ( المقاصد المحسنة، في بيان كبير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة ) واختصره الشيخ عبد الرحمن بن الدبغ الزسيدي - صاحب ١٦٠ <-