النص المفهرس
صفحات 61-80
وإنما يَهْتَدِي إلى تحقيق هذا الفن الجهَابِذَةُ النقّادُ منهم، يميِّزون بين صحيح الحديث وسقيمه، ومُعْوَجّه ومستقيمه، كما يميز الصَّيْرَفي البصيرُ بصناعته بين الجياد والزُّيُوف، والدنانير والفُلوس . فكما لا يَتَمارى هذا ، كذلك يقطع ذاك بما ذكرناه ، ومنهم من يظن ومنهم من يَقِفُ ، بحسب مراتب علومهم وحِذْقُهم واطِّلاعهم على طرق الحديث ، وذوْقِهم حلاوة عبارة الرسول صلى الله عليه وسلم التي لا يشبهُها غيرُها من ألفاظ الناس . فمن الأحاديث المرويّة ما عليه أنوارُ النبوة ، ومنها ما وقع فيه تغييرٌ لفظ أو زيادة باطلة أو مجازفة أو نحو ذلك ، يدركها البصير من أهل هذه الصناعة . وقد يكون التعليل مستفاداً من الإسناد . وبسْطُ أمثلة ذلك يطول جداً ، وإنما يظهر بالعمل . ومن أحسن كتاب وضع ذلك وأجله وأفحله ( كتاب العلل ) لعلي ابن المَدِينيُّ شيخ البخاري. وسائر المحدِّثين بعدَه . في هذا الشأن على الخصوص . وكذلك ( كتاب العلل ) لعبد الرحمن بن أبي حاتم ، وهو مرتّب على أبواب الفقه (١) و ( كتاب العلل) للخلال(٢). ويقَعُ في مسند الحافظ أبي بكر البزار من التعاليل ما لا يوجد في غيره من المسانيد . وقد جمع أزمّةَ ما ذكرناه كله الحافظ الكبير أبو الحسن الدار قطني في كتابه في ذلك، وهو من أجلِّ كتابٍ ، بل أجَلّ ما رأيناهُ وضعَ في هذا الفن، لم يسْبَقْ إلى مثله ، وقد أعجز من يريد أن يأتي ( بعده ) ، فرحمه اللّه وأكرم مثواه. ولكن يُعُوِزِهُ شيء لا بدّ منه، وهو : أن (١) وقد طبع في مصر في مجلدين . (٢) كان في الأصل ((للخلابي)) وهو تحريف، فصححناه (( للخلال)). لأنه هو الذي ٠٠ كتاب في الملل . ٦١ يرتب على الأبواب ، ليقرب تناولهُ للطلاَّب ، أو أن تكون أسماء الصحابة الذين اشتمل عليهم مرتّبين على حروف المعجم ، ليسهل الأخذ منه ، فإنه مبدّد جداً، لا يكاد يهتدي الإنسان إلى مطلوبه عنه بهولة (١). والله الموفق . (١) هذا الفن من أدق فنون الحديث واعوصها، بل هو رأس علومه واشينها. ليسعين منه إلا أهل الحفظ والخبرة والفهم الاقب . ولهذا لم يتكلم فيه الا الضميل ، تار الديار واحمد والبخاري ويعقوب بن سببة وابى حاء وأبي زرعة والترمذي والدار قطني ، وقد الفت فيه كتب خاصة . فمنها ((كتاب العلل)» في آخر سنن الترمذي وهو مختصر ، ومنيا تسب التى ذكرها المؤلف . وقد حكى السيوطى فى الدريب أن الحافظ ابن حجر الف قيه كابا ساءة الزهر المطلول فى الخبر المعنون » ولم أره ، ولو وجد لكان في واني جدا بالنشرة الد الحافظ ابن حجر دقيق الملاحظة واسع الاطلاع . ويظن أنه يجمع كل ما تكلم فيه المتقدمون من الأئمة من الأحاديث المعلولة . وتجد الكلام على علل الأحاديث مفرقا في كتب كثيرة ، من أهمها: "نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية)» للحافظ الربلعي. ((والتلخيص الخبير"، و((فتح الباري)). كلاهما لنحافظ ابن حجر. و ((نيل الأوطار)) للشوكاني. و «المحلى» للامام الحجة أبي محمد علي بن حزم الظاهري، وكتاب (تهذيب سنن أبي داود )» العلامة المحقق ابن قيم الجوزية . وعلة الحديث سبب غامض خفي . قادح في الحديث ، مع أن الظاهر السلامة منه . والحديث المعلول: هو الحديث الذي أطلع فيه على علة تقدح في صحته، مع أن الظاهر سلامته منها . ويتطرق ذلك الى الاسناد الذي رجاله ثقات ، الجامع شروط الصحة من حيث الظاهر . واالطريق الى معرفة المثل : جمع طرق الحديث ، والنظر في اختلاف رواته ، وفي ضبطهم والإتقانهم . فيقع في نفس العالم العارف بهذا الشأن أن الحديث معلول ، ويغلب على ظنه ، فيحكم بعدم صحته ، أو يتردد فيتوقف فيه . وربما تقصر عبارته عن إقامة الحجة على دعواه . قال عبد الرحمن بن مهدى : معرفة علل الحديث الهام ، لو قلت للعالم بعلل الحديث : من أين قلت هذا ؟ لم يكن له حجة ، وكم من شخص لا يهتدي لذلك: وقيل له أيضا: ((انك تقول للشيء: هذا صحيح ، وهذا لم يثبت ، فعمن تقول ذلك؟ فقال: أرأيت أو أتيت الناقد فأريته دراميك ، فقال : هذا جيد ، ٦٢ وهذا بهرج ، أكنت تسأل عن ذلك ، أو تسلم له الأمر ؟! قال: بل أسلم له الأمر ، قال : فهذا كذلك لطول المجالسة والمناظرة والخبرة» . وسئل أبو زرعة. ((ما الحجة في تعليلكم الحديث؟ فقال: الحجة أن تسألني عن حديث علة ، فأذكر علته، ثم تقصد ابن وزارة ، يعني محمد بن مسلم بن وارة ، فتسأله عنه فيذكر علته، ثم تقصد أبا حاتم . فيعلله . ثم تميز كلامنا على ذلك الحديث ، فان وجدت بيننا خلافا ، فاعلم أن كلامنا تكلم على مراده وان وجدت الكلمة متفقة ، فاعلم حقيقة هذا العلم . ففعل الرجل ذلك، فاتفقت كلمتهم، فقال: أشهد أن هذا العلم الهام)). والعلة قد تكون بالارسال في الموصول أو الوقف في المرفوع ، أو بدخول حديث في حديث أو وهم واهم ، أو غير ذلك ، مما يتبين للعارف بهذا الشأن من جمع الطرق ومقارنتها، ومن قرائن تنضم إلى ذلك . وأكثر ما تكون العلل في أسانيد الأحاديث . فتقدح في الاسناد والمتن معا، اذا ظهر منها ضعف الحديث . وقد تقدح في الاسناد وحده ، اذا كان الحديث مرويا باسناد آخر صحيح . مثل الحديث الذي رواه يعلى بن عبيد الطنامسي - أحد الثقات - عن سفيان الثوري عن عمرو ابن دينار عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((البيعان بالخيار)». الحديث فهذا الاسناد متصل بنقل العدل عن العدل، وهو معلول، وأسناده غير صحيح ، والمتن صحيح على كل حال لأن يعلى بن عبيد غلط على سفيان في قوله ((عمرو بن دينار)) وأنما صوابه: ((عبد الله بن دينار))، هكذاما رواه الأئمة من أصحاب سفيان. كأبي نعيم الفضل ابن دكين، ومحمد بن يوسف الفريابي ، ومخلد بن يزيد ، وغيرهم ، ورووه عن سفيان عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر . وقد تقع العلة في متن الحديث ، كالحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه من رواية الوليد بن مسلم: ((حدثنا الأوزاعي عن قتادة أنه كتب إليه يخبره عن أنس بن مالك أنه حدثه قال : صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعثمان ، فكانوا يستفتحون بـ ( الحمد لله رب العالمين)، لا يذكرون (بسم الله الرحمن الرحيم) في أول قراءة ولا في آخرها . ثم رواه مسلم أيضا من رواية الوليد عن الأوزاعي: أخبرنى اسحق بن عبد الله أبر أبى طلحة أنه سمع أنسا يذكر ذلك، قال ابن الصلاح في كتاب علوم الحديث: (( فعلل قوم رواية اللفظ المذكور - بعني التصريح بنفي قراءة البسملة - لما رأوا الأكثرين انما قالوا فيه: (( فكانوا يستفتحون القراءة: ( الحمد لله رب العالمين )، من غير تعرض لذكر البسملة، وهو الذي اتفق البخاري ومسلم على اخراجه في الصحيح : ورأوا أن من رواه ٦٣ -> باللفظ المذكور رواه بالمعنى الذي وقع له ، ففهم من قوله : «كانوا بستفلحون بالحهد لله)) أنهم كانوا لا يسملون، فرواه على ما فهم، وأخطأ. لأن معناه ان لالسورة التي كانوا يفتتحون بها من السور هى الفاتحة ، ولبس فيه تعرض لذكر السمية ، وانضم الى ذلك أمور : منها أنه ثبت عن انس انه سئل عن الافتتاح بالتسمية ، فذلك انه لا يحفظ فيه شيئا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. والله أعلم». وقد اطال الحافظ العراقي في شرحه على ابن الصلاح الكلام على تعليل هذا الحديث ! ص ٩٨ - ١٠٣؛ وكذلك السيوطي: فى التدريب، ٨٩ - ٩١). وأنظر ما كتبه الأخ العلامة الشيخ محمد حامد الفقى فى تعليقه على المنتقى لابن تيمية ج ١ ص ٣٧٢ - ٣٧٦ / ٠ زمان الحاكم فى كتابه (علوم الحديث)) قسم اجناس العمل الى مشيرة اجناس ، ننقلها بأمثلتها من : التدريب : للبوطي ، ص ٩١ - ٩٣ )، وتصححها من كتاب ، علوم الحديث ) للحاكم ( ص ١١٣ - ١١٩) اذ طبع بعد ذلك بمطبعة دار الكتب المصرية، مع احتفاظنا بتلخيص السيوطي ، وهي : الأول : أن يكون السند ظاهرة الصحة ، وفيه من لا يعرف بالسماع ممن روى عنه . كحديب موسى بن عقبة عن سهيل بن أبى صالح عن أبيه عن أبى هريرة عر الني صلى الله عليه وسلم قال: ((هن جلس مجلسا كثر فيه لغطه، فقال قبل أن يقوم: سبحانك اللهم ، وبحمدك، لا اله الا انت، استغفرك واتوب اليك، الا غفر له ما كان في مجلسه ذلك» ، فروى أن مسلما جاء الى البخاري وسأله عنه؟ فقال: هذا حديث ملبح . ولا أعلم فى الدنيا فى هذا الباب غير هذا الحديث ، الا أنه معطول ، حدثنا به موسى بن إسماعيل حدثنا وهيب حدثنا سهيل عن عون بن عبد الله، قوله . قال محمد بن اسماعيل" هو البخاري) : وهذا أولى. لأنه لا يذكر لموسى بن عقبة سماع من سهيل)). وهذه العلة نقلها أيضا الحافظ العراقي عن الحاكم ( ص ٩٧ - ٩٨؛ ثم عقب عليه فقال: ((هكذا أعل الحاكم في علومه هذا الحديث بهذه الحكاية، والطالب على الظر عدم صحتها، وأنا اتهم بها أحمد بن حمدون القصار، راويها عن مسلم، فقد تكلم فيه . وهذا الحديث قد صححه الترمذي وابن حبان والحاكم ، وببعد أن البخاري يقول: أنه لا يعلم فى الدنيا فى هذا الباب غير هذا الحديث، مع أنه قد ورد من حديث جماعة من الصحابة، غير أبي هريرة، وهم: أبو برزة الأسلمي، ورافع بن خديج، وجبير بن مطعم، والزبير ابن العوام، وعبدالله بن مسعود وعبدالله بن عمرو وأنس بن مالك، والسائب بن يزيد، وعائشة ، وقد بينت هذه الطرق كلها فى تخريج أحاديث الاحياء للغزالى)). الثانى - مما نقل فى التدريب عن الحاكم -: أن يكون الحديث مرسلا من وجه رواه الثقات الحفاظ - ويسند من وجه ظاهره الصحة . كحديث قبيصة بن عقبة عن سفيان عن ٦٤ خالد الحذاء وعاصم عن أبي قلابة عن أنس مرفوعا : أرحم أمتي أبو بكر ، وأشدهم في دين الله عمر، وأصدقهم حباء عثمان، وأقرؤهم أبي كعب، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل ، وان لكل أمة أمينا، وإن أمين هذه الأمة أبو عبيدة)). قال الحاكم: ((فلو صح اسناده لأخرج في الصحيح ، انما روى خالد الحذاء عن أبي قلابة مرسلا، وأسند ووصل: ((أن لكل أمة أمينا وأبو عبيدة أمين هذه الأمة . هكذا رواه البصريون الحفاظ عن خالد الحذاء وعاصم جميعا، وأسقط المرسل من الحديث ، وخرج المتصل بذكر أبي عبيدة فى الصحيحين)). الثالث : أن يكون الحديث محفوظاً عن صحابي ويروى عن غيره ، لاختلاف بلاد رواته ، كرواية المدنيين عن الكوفيين ، كحديث موسى بن عقبة عن أبي اسحق عن أبي بردة عن ابيه مرفوعا: ((أني لاستغفر الله وأتوب إليه في اليوم مائة مرة)) قال : هذا اسناد لا ينظر فيه حديثى الا ظن أنه من شرط الصحيح ، والمدنيون اذا رووا عن الكوفيين زلقوا . ثم رواه الحاكم بإسناده الى حماد بن زيد عن ثابت البناني قال : «سمعت أبا بدة يحدث عن الأغر المزني ، وكانت له صحبة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : انه ليفان على قلبي ((فأستغفر الله في اليوم مائة مرة)). ثم ذكر الحاكم أنه رواه مسلم في صحيحه هكذا، وقال: ((وهو الصحيح المحفوظ)). تنبيه: في نسخة التدريب ((الأغر المدني)) بالدال، وهو تصحيف . فإن الأغر المدني تابعي مولى لأبي هريرة وأبي سعيد، وأما الصحابي فهو ((الأغر المزني)) بالزاى وهو الذي يروي عنه أبو بردة بن أبي موسى الأشعري . الرابع: أن يكون محفوظا عن صحابي، ويروى عن تابعي يقع الوهم بالتصريح بما يقتضي صحبته ، بل لا يكون معروفا من جهته . كحديث زهير بن محمد عن عثمان بن سليمان عن أبيه: ((انه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم تقرأ في المغرب بالطور)). قال: الحاكم (( خرج العسكري وغيره من المشايخ هذا الحديث فى الوجدان ، وهو معلول من ثلاثة أوجه : أحدها أن عثمان هو ابن أبي سليمان والآخر : أن عثمان انما رواه عن نافع بن جبير بن مطعم عن أبيه. والثالث: قوله سمع النبي صلى الله عليه وسلم، وأبو سليمان لم يسمع من النبى صلى الله عليه وسلم ولارآه)). الخامس : : أن يكون روى بالعنعنة وسقط منه رجل ، دل عيه طريق أخرى محفوظة ، كحديث يونس عن ابن شهاب عن علي بن الحسين عن رجال من الأنصار: (( أنهم كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة. قرمی بنجم، فاستنار». الحديث . قال ٦٥ الباعث الحثيث - ٥ الحاكم : ((علة هذا الحديث أن يونس على حفظه وجلاله محلة قصر به ، وانما هو عن ابن عباس قال: حدثني رجال من الانصار، وهكذا رواه ابن عيينة وشعبب وصالح والأوزاعي وغيرهم عن الزهري )) . السادس: ((أن يختلف على رجل بالاسناد وغيره)) ويكون المحفوظ عنه ما قابل الاسناد، كحديث علي بن الحسين بن واقد عن أبيه عن عبد الله بن بريدة عن أبيه عن عمر بن الخطاب قال: ((قلت: يا رسول الله، ما لك أفصحنا؟))، الحديث. وذكر الحاكم علنه ، وهي ما أسند عن علي بن خشرم حدثنا علي بن الحسين بن واقد : بلغني عن عمر . فذكره . السابع : الاختلاف على رجل في تسمية شيخه أو تجهيله . كحديث : بي شهاب عن سفيان الثورى عن حجاج بن فراقصة عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعا : المؤمن نمر كريم، والفاجر خب لئيم)). وذكر الحاكم علته ، وهي ما أسند عن محمد بن كثير: حدثنا سفيان الثوري عن حجاج عن رجل عن أبي سلمة))، فذكره . تنبيه: قال السيوطي في التدريب في هذه العلة السابعة: ((كحديث [الزهري عن سفيان الثوري)) وهو خطأ غريب من مثلله، فان الزهري اقدم جدا من الثوري ، ولم يذكر أحد أنه روى عنه، والصواب : كحديث أبي شهاب عن سفيان الثوري ، كما فى علوم الحديث وأبو شهاب هو الحناط - بالنون - واسمه ((عبد ربه بن نافع الكنانى . والحديث عنه فى المستدرك للحاكم (ج ١ ص ٤٣) فاشتبه الاسم على السيوطي، يظنه ((ابن شهاب))، فنقله بالمعنى، وجعله ((الزهرى)) !! وهذا من مدهشات غلط العلماء الكبار ، رحمهم الله و رضى عنهم . ثم ان هذه العلة التي أعل بها الحاكم هلا الحديث غير جيدة، بل غير صحيحة ، لأن أبا شهاب الحناط لم ينفرد عن الثوري بتسمية ((يحيى بن أبي كثير)). فقد تابعه عليه عيسى بن يونس ويحيى بن الضريس ، فروياه عن الثوري عن حجاج عن يحيى عن أبى سلمة عن أبى هريرة مرفوعا، وله أيضا شاهد - وان شئت نسمه متابعة قاصرة - فرواه عبد الرزاق عن بشر بن رافع عن يحيى بن أبي كثير باسناده . فانتقض تعليل الحديث بغلط ابى شهاب الحناط . وانظر أسانيده فى المستدرك . وبالله التوفيق . الثامن : أن يكون الراوي عن شخص أدركه وسمع منه ، ولكنه لم يسمع منه أحاديث معينة ، فاذا رواها عنه بلا واسطة ، فعلتها أنه لم يسمعهما منه : كحديث يحيى بن أبى كثير عن أنس: ((أن النبى صلى الله عليه وسلم كان إذا أفطر عند أهل بيت قال: أفطر عندكم الصائمون))، الحديث. قال الحاكم. ((قد ثبت عندنا من غير وجه رواية يحيى بن أبى كثير عن أنس بن مالك الا أنه يسمع منه هذا الحديث)). ثم أسند عن يحيى قال : (( حدثت عن أنس))، فذكره . ٦٦ التاسع : أن تكون طريق معروفة يروى أحد رجالها حديثا من غير ذلك الطريق ، فيقع من رواه من تلك الطريق بناء على الجادة في الوهم . كحديث المنذر بن عبد الله الحزمي عن عبد العزيز بن الماجنبون عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر: ((أن رسول الله صلى الله عليه . سلم" "ذا افتتح الصلاة قال: ((سبحانك اللهم))، الحديث: قال الحاكم: ((لهذا الحديث علة صحيحة ، والمنذر بن عبد الله أخذ طريق المجرة فيه)). - رواه باستادد الى مالك بن اسماعيل عن عبد العزيز ((حدثنا عبد الله بن الفضل عن الأعرج عن عبيد الله بن أبي رافع عن على بن أبي طالب)). العاشر : إن تروي الحديث مرفوعا من وجه وموقوفا من وجه . كحديث أبي فروة زيد محمد حدنا أبي عن أبيه عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر مرفوعا : ((من ضحك في صلابة بعيد الصلاة ولا بعيد الوضوء)). ثم ذكر الحاكم علته، وهي ما روى باسناده عن وكيع عن الأعلى عن أبى سفيان قال : ((سئل جابر)) فذكره . تم ان الحاكم لم يجعل هذه الأجناس لحصر أنواع العلل، فقد قال الحاكم بعد ذكر هذه الأنواع: ((وبقيت أجناس لم نذكرها ، وانما جعلتها مثالا لأحاديث كثيرة معلولة ، ليهدي اليها المتبحر فى هذا العلم. مان معرفة علل الحديث من أجل هذه العلوم)). وأعط أن من العلة ما لا يقدح من صحة متن الحديث، وهو ما قلناه سابقا . من أن العلة قد تكون فى الاسناد وحده، دون المتن، لصحته باسناد آخر صحيح . كالحديث الذى ذكرناه من رواية بعلى بن عبيد عن الثورى عن عمرو بن دينار، وقلنا : أنه وهم فيه فذكر عمرو بن دينار، أذ هو محفوظ من رواية الثوري عن عبد الله بن دينار. وعمرو مصدالله :قتان . وقد بطلق بعض علماء الحديث اسم ((العلة)) فى أقوالهم على الأسباب التى ضعف بها الحديث من جرح الراوي بالكلب أو الغفلة أو سوء الحفظ . أو نحو ذلك من الأسباب الظاهرة القادحة، فيقولون: ((هذا الحديث معلول بفلان)) مثلا، ولا يربدون العلة المصطلح عليها ، لأنها انما تكون الأسباب الخفية التى تظهر من سبر طرق الحديث، كما تقدم . وقد أطلق أبو يعلى الخليلى فى كتاب الاشارة ((العلة)) على ما ليس بقادح من وجوه الخلاف، :حـ ارسال من أرسل الحديث الذى أسنده الثقة الضابط، حتى قال: (من أقسام الصحيح: ما هو صحيح معلول، كما قال بعضهم: من الصحيح ما هو صحيح شاذ ) ولم يقصد بهذا التقيد بالاصطلاح، ومثل له بحديث مالك فى الموطأ أنه قال: ((بلغنا أن أبا هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: للمملوك طعامه وكسوته))، فيواد مالك معضلا هكذا فى الموطأ، ورواه موصولا خارج الموطأ، فقد رواه ابراهيم بن طعمان والنعمان ابن عبد السلام عن مالك عن محمد عجلان عن أبيه عن أبي هريرة. فقد صار الحديث بعد ٦٧ النوع التاسع عشر المضطرب : وهو : أن يختلفَ الرواةُ فيه على شيخٍ بعينه ، أو من وجوه أخَرَ متعادلة لا يترجّح بعضُها على بعض. وقد يكونُ تارةً في الإسناد ، وقد يكون في المتن. وله أمثلة كثيرة يطول ذكرها، والله أعلم (١). بيان اسناده صحيحا، قال بعضهم: « وذلك عكس المعلول ، فانه ما ظاهره السلامة فاطلع فيه بعد الفحص على قادح . وهذا كان ظاهره الاعلال بالاعضال، فلما فتش تبين وصله)). ونقل ابن الصلاح، وتبعه النووي ثم السيوطي، أن الترمذي سمى النسخ علة من علل الحديث، ونتقل السيوطي في التدريب عن العراقي أنه قال: ((من أراد - يعني الترمذي- أنه علة في العمل بالحديث فصحيح، أو في صحته فلا، لأن في الصحيح أحاديث كثيرة منسوخة)»: والذي أجزم به أن الترمذي أن كان سمى النسخ علة - فاني لم أقف على ذلك في كتابه ولعلي أجده فيه بعد - فانما يريد به أنه علة في العمل بالحديث فقط ، ولا يمكن أن يريد انه علة في صحته، لأنه قال في سننه (ج ١ ص ٢٣ - ٢٤): ((انما كان ( الياء من الماء ) في أول الاسلام، ثم نسخ بعد ذلك)). فلو كان النسخ عنده علة فى صحة الحديث لصرح بذلك . (١) اذا جاء الحديث على أوجه مختلفة، في المتن أو فى السند، من رأو واحد، أو من اكثر - : فإن رجحت احدى الروايتين أو الروايات بشيء من وجود الترجيح - كحفظ راويها ، أو ضبطه، أو كثرة صحبته لمن روى عنه - كانت الراجحة صحيحة والمرجوحة شاذة أو منكرة . ولان تساوت الروايات وامتنع الترجيح : كان الحديث مضطربا ، واضطرابه موجب لضعفه، إلا في حالة واحدة ، وهي أن يقع الاختلاف في اسم راو أو اسم أبيه أو نسبته مثلا ، ويكون الراوي ثقة، فانه يحكم للحديث بالصحة ، ولا يضر الاختلاف فيما ذكر ، مع تسميته مضطربا ، وفي الصحيحين أحاديث كثيرة بهذه المثابة . وكذا جزم الزركشي بذلك في مختصره، فقال: ((وقد يدخل القلب والشذوذ والاضطراب في قمم الصحيح والحسن))، نقل ذلك السيوطي في التدريب . والاضطراب قد يكون في المتن فقط ، وقد يكون في المسند فقط ، وقد يكون فيهما معا . منال الاضطراب في الإسناد ، على ما ذكر السيوطي في التدريب . حديث أبي بكر : ((أنه قال: يا رسول الله. أراك شبت؟ قال: شيبتني هود وأخوتها)) ٦٨ النوع العشرون معرفة المدْرَج : وهو: أن تُزاد لفظة" في متن الحديث من كلام الراوي، فيحسبُها من يسمعُها مرفوعةً في الحديث ، فيرويها كذلك . وقد وقع من ذلك كثير في الصِّحاح والحِسَان والمسانيد وغيرها . وقد يقع الإدراج في الاسناد . والمذلك أمثلة كثيرة . قال الدار قطني : هذا حديث مضطرب، فانه لم يرو الا من طريق أبي اسحق ، وقد اختلف عليه فيه على نحو عشرة أوجه : فمنهم من رواه عنه مرسلا ، ومنهم من رواه موصولا ، ومنهم من جعله من مسند أبي بكر، ومنهم من جعله من مسند سعد، ومنهم من جملة من مسند عائشة ، ورواته ثقات، لا يمكن ترجيح بعضهم على بعض، والجمع متغير . ومثله حديث مجاهد عن الحكم بن سفيان عن النبي صلى الله عليه وسلم في نضح الفرج بعد الوضوء ، قد اختلف فيه على عشرة أقوال : فقيل : عن مجاهد عن الحكم او ابن الحكم عن أبيه : وقيل : عن مجاهد عن الحكم بن سفيان عن أبيه . وقيل : عن مجاهد عن الحكم - غير منسوب - عن أبيه، وقيل: عن مجاهد عن رجل من نقيف أبيه . وقيل: عن سفيان بن الحكم أو الحكم بن سفيان. وقيل عن مجاهد عن الحكم بن سفيان، بلا شك وقيل: عن مجاهد عن رجل من ثقيف يقال له الحكم أو أبو الحكم ، وقيل: عن مجاهد عن ابن الحكم أو أبي الحكم بن سفيان، وقيل: عن مجاهد عن الحكم بن سفيان أو ابن أبي سفيان، وقيل: عن مجاهد عن رجل من ثقيف عن النبي صلى الله عليه وسلم. انتهى ما نقله فى التدريب . ومثال الاضطراب في المتن حديث التسمية في الصلاة، السابق في ((المعلل))، قال السيوطى: ((فان ابن عبد البر أعله بالاضطراب، كما تقدم، والمضطرب، يجامع العلل، لأنه قد تكون علته ذلك » . وأمثلة المضطرب كثيرة. وقد الف الحافظ ابن حجر كتابا فيه سماه: ((المقترب في بيان المضطرب)) . قال المتبولي في مقدمة شرحه على الجامع الصغير : أفاد وأجاد ، وقد النقطه من كتاب العلل للدار قطني . ٦٩. وقد صنّف الحافظ أبو بكر الخطيب في ذلك كتاباً حافلاً سماه : ( فصل الوصل، لما أدْرِجَ في النقل ). وهو مفيد جداً (١). (١) الحديث المدرج: ما كانت فيه زيادة ليست منه. وهو: اما مدرج في المتن، وأما مدرج في الاسناد . هكذا قسمه السيوطي وغيره . والإدراج في الحقيقة انما يكون في المتن ، كما سيأتي . ويعرف المدرج بوروده منفصلا في رواية أخرى . أو بالنص على ذلك من الرئوي ، أو من بعض الأنمة المطلعين ، أو باستحالة كونه صلى الله عليه وسلم يقول ذلك . ومدرج المتن : هو أن يدخل في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء من كلام بعض الرواة . وقد يكون في الحديث وفي وسطه وفي آخره . وهو الأكثر . فيتوهم من يسمع الحديث أن هذا الكلام منه . مثال المدرج في أول الحديث : ما رواه الخطيب من رواية أبي قطن وشبابة عن شعبة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اسبغوا الوضوء؛ ويل للأعقاب من النار)). فقوله ((إسبغوا الوضوء)) مدرج من قول أبي هريرة ، كما بين في رواية البخاري عن آدم عن شعبة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة قال : أسبغوا الوضوء فان أبا القاسم صلى الله عليه وسلم قال: ((ويل للاعتقاب من النار)) قال الخطيب: ((وهم أبو قطن وشبابة في روايتهما له عن شعبة على ما سقنهاه ، وقد رواه الجم الغفير عنه كرواية آدم)) . نقله في التدريب . ومثال المدرج في الوسط : ما رواه الدارقطني في السنن من طريق عبد الحميد بن جعفر عن هشام بن عروة عن أبيه عن بسرة بنت صفوان قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من مس ذكره أو النثييه او رفعيه فليتوضأ)): قال الدارقطني: كذا رواه عبد الحميد عن هشام ، ووهم في ذكر الانثيين والرفغين ، وأدرجه كذلك في حديث بسرة . والمحفوظ أن ذلك قول عروة، وكذا رواه الثقات عن هشام، منهم: أيوب، وحماد بن زيد وغيرهما، ثم رواه من طريق ايوب بلفظ: ((من مس ذكره فليتوضأ))، قال : وكان عروة تقول: اذا مس رففيه أو أنثييه أو ذكره فليتوضأ. وكذا قال الخطيب. فعروة لما فهم من لفظ الخبر أن سبب نقض الوضوء مضنة الشهوة ، جعل حكم ما قرب من الذكر كذلك . فقال ذلك ، فظن بعض الرواة أنه من صلب الخبر ، فنقله مدرجا فيه ، وفهم الآخرون حقيقة الحال ففصلوا . قاله في التدريب . ٧٠ وقد يكون الادراج في الوسط على سبيل التفسير من الراوي لكلمة من الغريب . مثل حديث عائشة في بدء الوحي في البخاري وغيره : ((كان النبي صلى الله عليه وسلم يتحدث فى غار حراء - وهو التعبد - الليالي ذوات العدد)) الخ . فهذا التفسير من قول الزهري ادرج في الحديث. وكذلك حديث فضالة مرفوعا عند النسائي: ((انا زعيم -والزعيم اللحميل- لمن آمن بي واسلم وجاهد في سبيل الله ببيت في ربض الجنة)). فقوله: ((والزعيم الحميل)) مدرج من تفسير ابن وهب . ومثال المدرج في آخر الحديث : ما رواه أبو داود من طريق زهير بن معاوية عن الحسن ابن الحر عن اللقاسم بن مخمرة عن علقمة عن ابن مسعود : حديث التشهد ، وفى آخره : ((اذا قلت هذا، أو قضيت هذا، فقد قضيت صلاتك ، أن شئت أن تقوم فقم ، وأن شئت أن تقعد فاقعد)) فهذه الحملة وصلها زهير بالحديث المرفوع، وهي مدرجة من كلام ابن مسعود ، كما نص عليه الحاكم والبيهني ولالخطيب . ونقل النووي في الخلاصة اتفاق الحفظ على أنها مدرجة. ومن الدليل على ادراجها ان حسينا الجعفي وابن عجلان وغيرهما رووا الحديث عن الحسن بن الحر بدون ذكرها، وكذلك كل من روى التشهد عن عالقمة أو غيره عن ابن مسعود ، وأن شبابة بن سوار وعبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان وهما ثقتان - رويا الحديث عن الحسن بن الحر ، ورويا فيه هذه الجملة ، وفصلاها منه ، وبينا أنها من كلام ابن مسعود. فهذا التفصيل والبيان . مع اتفاق سائر الرواة على حذفها من المرفوع : زيدان انها مدرجة وأن زهيرا وهم في روايته . مثال آخر: حديث ابن مسعود مرفوعا: ((من مات لا يشرك بالله شيئا دخل النار)). فان في رواية أخرى عن ابن مسعود: (( قال النبي صلى الله عليه وسلم كلمة، وقلت انا أخرى)). فذكرهما. فأفاد أن احدى الكلمتين من قول ابن مسعود ، ثم وردت رواية ثالثة أفادت أن الكلمة التى من قول ابن مسعود هي الثانية، وأكد ذلك رواية رابطة، اقتصر فيها على الكلمة الأولي مضافة الى النبي صلى الله عليه وسلم . مثال آخر: في الصحيح عن أبي هريرة مرفوعا: ((للعبد المملوك أجران . والذي نفسي بيده أولا الجهاد والحج وبر أمي لاحببت أن أموت وانا مملوك)» . فهذا مما يتبين فيه بداهة أن قوله: ((والذي نفسي بيده))الخ، مدرج من قول أبي هريرة، لاستحالة أن يقول النبي صنى (الله عليه وسلم، لأن أمه ماتت وهو صغير، ولأنه يمتنع منه صلى الله عليه وسلم أن نمنى الرق وهو أفضل الخلق ، عليه الصلاة والسلام . ٧١ هذا مدرج المتن . وأما مدرج الاسناد ، ومرجعه في الحقيقة الى المتن : فهو ثلاثة أقسام : الأول : أن يكون الراوي سمع الحديث بأسانيد مختلفة ، فيرو، عنه راو آخر : فيجمع الكل على اسناد واحد ، من غير أن يبين الخلاف . مثاله : ما رواه الترمذي من طريق ابن مهدي عن الثوري عن واصل الأحدب ومنصور والأعمش عن أبي وائل عن عمرو بن شرحبيل عن ابن مسعود قال: ((قلت: يا رسول الله أي الذنب أعظم ؟)) الحديث . فان رواية واصل - هذه مدرجة على رواية منصور والأعمش، فان واصلا يرويه عن أبي وائل عن ابن مسعود مباشرة، لا يذكر فيه ((عمرو بن شرحبيل)» . وهكذا رواه شعبة عن واصل ، وقد رواه يحيى القطان عن الثوري بالاسنادين مفصلا، وروايته أخرجها البخاري . الثاني : أن يكون الحديث عند راو باستاد ، وعنده حديث آخر باستاد غيره ، فيأتي أحد الرواة ويروي عنه الحديثين باسناده، ويدخل فيه الحديث الآخر او بعضه من غير بيان . مثاله : حديث سعيد بن أبي مريم عن ممالك (الزهري عن أنس مرفوعا. " لا تباغضوا ولا تحاسدوا، ولا تدبروا، ولا تنافسوا»، الحديث. فقوله: ((ولا تنافسوا» ادرجه ابن أبى مريم، وليس من هذا الحديث ، بل هو من حديث آخر لمالاك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة مرفوعا. هكذا رواهما رواة الموطأ، وكذلك هو في الصحيحين عن مالك . مثال آخر : ما رواه أبو داود من رواية زائدة وشريك والنسائي من رواية سفيان بن عيينة ، كلهم عن عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل بن حجر . في صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال فيه: ((ثم جئتم بعد ذلك في زمان فيه برد شديد، فرأيت الناس عليهم حل الثياب، تحرك أيديهم تحت الثياب)). فهذه الجملة مدرجة على عاصم بهذا الاسناد ، لأنها عن رواية عاصم عن عبد الجبار بن وائل عن بعض أهله عن وائل ، كما رواه مبينا زهبر ابن معاوية وابو بدر شجاع بن الوليد ، فميزا قصة تحريك الأيدي ، وفصلاها من الحديث وذكرا اسنادها . وهذا المثال فصله بعضهم عن الذي قبله وجعلهما قسمين . والصواب ما صنعناه ، لأنهما من نوع واحد . ٧٢ ويدخل في هذا القسم ما اذا سمع الراوي الحديث من شيخه الا قطعة منه سمعها عن شيخه بواسطة ، فيروي الحديث كله عن شيخه ويحذف الواسطة . الثالث : أن يحدث الشيخ فيسوق الإسناد ، ثم يعرض له عارض فيقول كلاما من عنده ، فيظن بعض من سمعه أن ذلك الكلام هو متن ذلك الاسناد ، فيرويه عنه كذلك . مثاله : حديث رواه ابن ماجه عن اسماعيل الطلحي عن ثابت بن موسى العابد الزاهد عن شريك عن الأعمش عن أبي سفيان جابر مرفوعا : ((من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار))، قال الحاكم: ((دخل ثابت على شريك وهو يملي ويقول: ((حدثنا الأعمش عن أبى سفيان عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم))، وسكت ليكتب المستمللي فلما نظر إلى ثابت قال : من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار ، وقصد بذلك ثابتا لزهده وورعه: (( فظن ثابت انه متن ذلك الاسناد، فكان يحدث به)) . وقال ابن حبان : (( انما هو قول شريك، قاله عقب حديث الأعمش عن أبي سفيان عن جابر مرفوعا: ((يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم)) فأدرجه ثابت في الخبر، ثم سرقه منه جماعة من الضعفاء وحداتوا به عن شريك . وهذا القسم ذكره ابن الصلاح في نوع («الموضوع)) وجعله شبه وضع من غير تعمد ، وتبعه على ذلك النووي والسيوطي . وذكره في المدرج أولى، وهو به أشبه ، كما صنع الحافظ ابن حجر . (فصل) : في حكم الادراج : أما الادراج لتفسير شيء من معنى الحديث ، ففيه بعض التسامح ، والأولى أن يندى الراوي على بيانه . وأما ما وقع من الراوي خطأ من غير عمد ، فلا حرج على المخطئ ، الا أن كثر خطؤه ، فيكون جرحا في ضبطه واتقانه . وأما ما كان من الرأوي عن عمد، فانه حرام كله ((على اختلاف أنواعه»، باتفاق أهل الحديث والفقه والأصول وغيرهم، لما يتضمن من التلبيس والتدليس، ومن عز والقول الى غير قائله. قال السمعاني: ((من تعمد الادراج فهو ساقط العدالة، وممن يحرف الكلم عن مواضعه ، هو ملحق بالكذابين )) . ٧٣ النوع الحادي والعشرون معرفة الموضوع المختلق المصنوع : وعلى ذلك شواهد كثيرة : منها إقرارُ وضعه على نفسه، قالاً أو حالاً ، ومن ذلك ركاكةُ ألفاظه ، وفسادُ معناه ، أو مجازفة فاحشة ، أو مخالفة لما ثبت في الكتاب والسنة الصحيحة(١). فلا تجوز روايتهُ لأحد من الناس ، إلا على سبيل القَدْح فيه، ليحْذَرَه من يَغْتُرُّ به من الجَهَلَة والعوامُّ والرعاع. والواضعون أقسام كثيرة : منهم زنادقة . ومنهم متعبدون يَحْسبون أنهم يُحْسِنون صُنْعاً، يَضَعون أحاديثَ فيها ترغيب وترهيب ، وفي فضائل الأعمال، لِيُعْمَل بها . وهؤلاء طائفة من الكرَّامية وغيرهم، وهم من أشرّ ما(٢) فَعَلَ هذا لما يحصل بضررهم من الغَررِ على كثيرٍ ممن يعتقدُ صلاحهم ، فيظنُّ صدقَهم ، وهم شرٌّ من كل كذاب في هذا الباب (٣). وقد انتقد الائمة كلَّ شيء فعلوه من ذلك ، وسَطّرُوه عليهم في زُبرهم ، عاراً على واضعي ذلك في الدنيا ، وناراً وشناراً في الآخرة . (١) نقل السيوطي في التدريب عن ابن الجوزي قال: ((ما أحسن قول القائل : اذا رأيت الحديث يباين المعقول ، أو يخالف المنقول ، او يناقض الاصول ، فاعلم أنه موضوع . قال: ومعنى مناقضته للاصول أن يكون خارجا عن دواوين الاسلام من المسانيد والكتب المشهورة)). (٢) هكذا بالأصل، ولعله ((من فعل هذا)) لأن ((ما) لما لا يعقل، أو نزلهم منزلة ما لا يعقل. (٣) الكرامية - بتشديد الرااء - قوم من المبتدعة، نسبوا الى احد المتكلمين واسمه محمد بن كرام السجستاني . وقولهم هذا مخالف لاجماع المسلمين ، وعصيان صريح للحديث المتواتر عنه صلى الله عليه وسلم: ((من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار)). .. وقد جزم الشيخ محمد أبو الجويني - والد امام الحرمين - بتكفير من وضع حديثا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قاصدا الى ذلك عالما بافترائه . وهو الحق . ٧٤ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من كذب عليَّ منعداً فليتبوأ مقعده من النار )) . وهذا متواتر عنه . قال بعضُ هؤلاء الجهلة : نحن ما كذبنا عليه . إنما كذبنا له ! وهذا من كمال جَهْلهم ، وقلة عقلهم ، وكثرة فجورهم وافترائهم ، فإنه عليه السلام لا يحتاج في كمال شريعته وفضلها إلى غيره . وقد صنّف الشيخ أبو الفرج بن الجوزي كتاباً حافلاً في الموضوعات غير أنه أدخل فيه ما ليس منه ، وخرَجَ عنه ما كان يلزمهُ ذِكْرهُ ، فسقط عليه ولم يهتد إليه (١). (١) ألف الحافظ أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي كتابا كبيرا في مجلدين . جمع فيه كثيرا من (الأحاديث الموضوعة ، أخذ غالبه من كتاب الأباطيل للجوزقاني . ولكن أخطأ في بعض أحاديث انتقدها عليه الحفاظ . قال الحافظ ابن حجر : «غالب ما في كتاب ابن الجوزي موضوع . والذي ينتقد عليه بالنسبة الى ما لا ينتقد قليل جدا . وفيه من الضرر أن يظن ما ليس بموضوع موضوعا ، عكس الضرر بمستدرك الحاكم، فبانه يظن ما ليس بصحيح صحيحا . وتعين الاعتناء بانتقاد الكتابين ، فان الكتابين في تساهلهما عدم الانتفاع بهما الا لعالم بالفن ، لأنه ما من حديث الا ويمكن أن يكون قد وقع فيه التساهل)). وقد لخص الحافظ السيوطي كتاب الجوزي ، وتتبع كلام الحفاظ في تلك الأحاديث ، خصوصا كلام الحافظ ابن حجر في تصانيفه وأماليه ، ثم أفرد الأحاديث المتعقية في كتاب خاصٍ، وهما: ( اللآلى المصنوعة)، و ( ذيل اللآلى المصنوعة). وألف ابن حجر كتاب ( القول المسدد في الذب عن المسند ) أي مسند الامام أحمد بن حنبل رحمه الله ، ذكر فيه أربعة وعشرين حديثا من المسند ، جاء بها ابن الجوزي في الموضوعات وحكم عليها بذلك . ورد عليه ابن حجر ودفع قوله. ثم ألف السيوطي ذيلا عليه ذكر فيه أربعة عشر حديثا أخرى كتلك من المسند . ثم الف ذيلا لهذين الكتابين سماه : ( القول الحسن في الذب عن السنن ) أورد فيه مائة وبضعة وعشرين حديثا - من السنن الأربعة - حكم ابن الجوزي بانها موضوعة ، ورد عليه حكمه . ومن غرائب تسرع الحافظ ابن الجوزي في الحكم بالوضع ، انه زعم وضع حديث في صحيح مسلم، وهو حديث أبي هريرة مرفوعا: ((أن طالت بك مدة أوشك أن ترى قوما يفدون في سخط الله ويروحون في لعنته، في ايديهم مثل أذناب البقر)). رواه أحمد في المسند ( رقم ٨٠٥٩ ج ٢ ص ٢٠٨) وهو في صحيح مسلم (ج ٢ ص ٣٥٥). قال ابن حجر في القول المسدد (ص ٣١): ((ولم أقف في كتاب الموضوعات لابن الجوزي على شيء حكم عليه بالوضع وهو في أحد الصحيحين غير هذا الحديث ، وانها لغفلة شديدة منه!)) . ٧٥ وقد حُكي عن بعض المتكلمين إنكارُ وُقُوع الوضْع بالكلية ، وهذا القائل إما أنه لا وجود له أصلاً ، أو أنه في غاية البعد عن ممارسة العلوم الشرعية !! وقد حاول بعضهُم الردَّ عليه ، بأنه قد ورد في الحديث أنه عليه السلام قال: ((سَيُكْذَبُ علىَّ))، فإن كان هذا الخبر صحيحاً ، فسَيَقَع الكذب عليه لا محالة ، وإن كان كذباً فقد حصل المقصود . فأجيب عن الأول بأنه لا يلزم وقوعه إلى الآن ، إذ بقي إلى يوم القيامة أزمان يمكن أن يقع فيها ما ذكر !!! وهذا القول والإستدلال عليه والجواب عنه من أضعف الأشياء عند أئمة الحديث وحفاظهم ، الذين كانوا يتضلعون من حفظِ الصحاح ، ويحفظون أمثالها وأضعافتها من المكذوبات ، خشيةَ أن تَرُوج عليهم ، أو على أحد من الناس ، رحمهم الله ورضي عنهم (١). (١) الخبر الموضوع: هو المختلق المصنوع ، وهو الذي نسبه الكذابون المفترون الى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو شر انواع الرواية، ومن علم ان حديثا من الاحاديث موضوع فلا يحل له أن يرويه منسوبا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، الا مقرونا ببيان وضعه . وهذا الحظر عام في جميع المعاني ، سواء الأحكام ، والقصص ، والترغيب والترهيب وغيرها . لحديث سمرة بن جندب والمغيرة بن شعبة قالا : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( من حدث عني بحديث يرى أنه كذب، فهو أحد الكذابين)) رواه مسلم في صحيحه ورواه أحمد وابن ماجة عن سمرة. وقوله ((يرى)) فيه روايتان بضم الياء وبفتحها ، أي بالبناء للمجهول وبالبناء للمعلوم. وقوله ((الكاذبين)) فيه روايتان أيضا. بكسر الباء وبفتحها، أى بلفظ الجمع وبلفظ المثنى. والمعنى على الروايتين في اللفظين صحيح . فسواء أعلم الشخص أن الحديث الذي يرويه مكذوب، بأن كان من أهل العلم بهذه الصناعة الشريفة، أم لم يعللم، أن كان من غير أهلها، وأخبره العالم الثقة بها - : فانه يحرم عليه أن يحدث بحديث مفترى على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأما مع بيان حاله فلا بأس، لأن البيان يزيل من ذهن االسامع أو القارىء ما يخشى من اعتقاد نسبته الى الرسول عليه الصلاة والسلام . ويعرف وضع الحديث بأمور كثيرة ، يعرفها الجهابذة النقاد من أئمة هذا العلم : منها : اقرار واضعه بذلك . كما روى البخاري في التاريخ الأوسط عن عمر بن صبح بن عمران التميمي أنه قال: أنا وضعت خطبة النبي صلى الله عليه وسلم، وكما أقر ميسرة بن عبد ربه الفارسي أنه وضع أحاديث في فضائل القرآن، وأنه وضع في فضل على سبعين ٧٦ حديثا . وكما أقر أبو عصمة نوح بن أبي مريم، والملقب بنوح الجامع، انه وضع علي ابن عباس أحاديث في فضائل القرآن سورة سورة . ومنها : ما ينزل منزلة اقراره : كأن يحدث عن شيخ بحديث لا يعرف الا عنده ، ثم يسأل عن مولده ، فيذكر تاريخا معينا، ثم يتبين من مقارنة تاريخ ولادة الراوي بتاريخ وفاة الشيخ المروي عنه أن الراوي ولد بعد وفاة شيخه ، أو أن الشيخ توفى والراوي طفل لا بدرك الرواية، أو غير ذلك . كما ادعى مأمون بن أحمدي الهروي أنه سمع من هشام بن عمار فسأله الحافظ ابن حبان : متى دخلت الشأم ؟ قال : سنة خمسين ومائتين ، فقال له : فان هشاما الذي تروي عنه مات سنة ٢٤٥، فقال : هذا هشام بن عمار آخر !! . وقد يعرف الوضع أيضا بقرائن في الراوي ، أو المروي ، أو فيهما معا . فمن أمثلة ذلك: ما أسنده الحاكم عن سيف بن عمر التميمي قال: (( كنت عند سعد بن طريف ، فجاء ابنه من الكتاب يبكي ، فقال: مالك ؟ قال : ضربنى المعلم ، قال : لأخزينهم اليوم ، حدثني عكرمة عن ابن عباس مرفوعا: ((معلمو صبيانكم شراركم، أقلهم رحمة لليتيم، وأغلظهم على المسكين !! )). وسعد بن طريف قال فيه ابن معين ((لا يحل لأحد أن يروي عنه)). وقال ابن حيان: ((كان يضع الحديث)). وراوي القصة عنه، سيف بن عمر، قال فيه الحاكم : ((اتهم بالزندقة . وهو في الرواية ساقط)). وقيل لمأمون بن أحمد الهروي: ((الا ترى الى الشافعي ومن تبعه بخراسان؟! فتقال : حدثنا أحمد بن عبد الله - كذا في لسان الميزان ( ج ٥ س ٧ - ٨) وفي التدريب، ص ١٠) أحمد بن عبد البر - حدثنا عبد الله بن معدان الأزدي عن أنس، مرفوعا: ((يكون في أمتي رجل يقال له محمد بن أدريس أضر على أمتي من ابليس ، ويكون في أمتي رجل يقال له أبو حنيفة، هو سراج أمتي)). وكما فعل محمد بن عكاشة الكرماني الكذاب. قال الحاكم: (( بلغني أنه كان ممن يضع الحديث حسبة . فقيل له : أن قوما يرفعون أيديهم في الركوع وعند الرفع منه ؟ فقال : حدثنا المسيب بن واضح حدثنا عبدالله بن المبارك عن يونس بن يزيد عن الزهري عن سالم ابن عبدالله بن عمر عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من رفع يديه في الركوع فلا صلاة له ! فهذا مع كونه كذبا من أنجس الكذب ، فان الرواية عن الزهري بهذا السند بالغة مبلغ القطع باثبات الرفع عند الركوع وعند الاعتدال . وهي في الموطأ وسائر كتب الحديث)) أ هـ من لسان الميزان ١ ج ٥ ص ٢٨٨ - ٢٨٩). ومن القرائن في المروي: أن يكون ركيكا لا يعقل أن يصدر عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فقد وضعت أحاديث طويلة ، يشهد لوضعها ركاكة لفظها ومعانيها . قال الحافظ ابن حجر: ((المدار في الركة على ركة المعنى . فحيثما وجدت دلت على W الوضع ، وان لم تنضم اليها ركة اللفظ . لأن هذا الدين كته محاسن . والركة ترجع 'لى الرداءة . أما ركاكة اللفظ فقط فلا تدل على ذلك ، لاحتمال أن يكون رواه بالمعنى فغير الغافل. بغير فصيح ، نعم ، إن مرج بأنه من فظ النبي صلى الله عليه وسلم فكاذب) . وقال الربيع بن خفيه : «ان للحديث ضوءا كضوء النهار ، تعرفه، وظلمة كظلمة الليل ، تنكره )). وقال ابن الجوزي : ((الحديث المنكر يقشعر له جلد الطالب للعلم ، وينفر منه قلبه في الغالب)). قال البلقيني: ((وشاهد هذا : أن أنسانا لو خدم انسانا سنبن ، وعرف ما يحب وما يكره ، فادعى انسان أنه يكره شيئا يعتم ذلك انه يحبه ، فبمجرد سماعه يبادر إلى تكذيبه)) . وقال الحافظ ابن حجر: ((مما يدخل في قرينة حال المروي ما نقل من الخطيب عن أبي بكر بن الطيب: أن من جملة دلائل الوضع أن يكون مخالفا للعقل ، بحيث لا يقل التأويل. ويلتحق به ما يدفعه الحس والمشاهدة ، أو يكون منافيا لدلالة الكتاب القطعبة ، أو السنة المتواترة، أو الاجماع القطعي . أما المعارضة مع امكان الجمع فلا. ومنها ما يصرح بتكذيب رواة جمع المتواتر ، او يكون خبراً عن أمر جسيم تتوفر الدواعى على نقله بمحضر الجمع ، ثم لا ينقله منهم الا واحد . ومنها الإفراط بالوعيد الشديد على الأمر الصغير ، أو الرعد العظيم على الفعل الحقير. وهذا كثير في حديث القصاص، والأخير راجع الى الركة)). قال السيوطي: ((ومن القرائن كون الراوي رافضيا واالحديث في فضائل أهل البيت». ومن المخالف للعقل ما رواه ابن الجوزي من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده مرفوعا : أن سفينة نوح طافت بالبيت سبعا ، وصلت عند المقام ركعتين ! فهذا من سخافات عبد الرحمن بن يزيد بن أسلم . وقد ثبت عنه من طريق أخرى نقلها في التهذيب (ج ٦ ص ١٧٩) عن الساجى عن الربيع عن الشافعي قال: ((قيل لعبد الرحمن بن زيد : حدثك أبوك عن جدك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ان سفينة نوح طافت بالبيت وصلت خلف المقام ركعتين!؟ قال نعم!)). وقد عرف عبد الرحمن بمثل هذه الغرائب، حتى قال الشافعي فيما نقل في التهذيب -: (( ذكر رجل لمالك حديثا منقطعا ، فقال اذهب الى عبد الرحمن بن يزيد يحدثك عن أبيه عن نوح)). وروى ابن الجوزي أيضا من طريق محمد بن شجاع الثلجي - بالثاء المثلثة والجيم- عزحبان - بفتح الحاء المهملة والباء الموحدة - بن هلال عن حماد بن سلمة عن أبي المهزم عن أبي هريرة مرفوعا : أن الله خلق الفرس فاجراها، فعرقت ، فخلق نفسه منها !! قال السيوطي في التدريب: (( هذا لا يضعه مسلم ، والمتهم به محمد بن شجاع . كان نائغا في دينه ، وفيه أبو المهزم، قال شعبة: رأيته، لو أعطى درهما وضع خمسين حديثا!)). ٧٨ والأسباب التي دعت الكذابين الوضاعين الى الافتراء ووضع الحديث كثيرة : فمنهم الزنادقة ، الذين أرادوا أن يفسدوا على الناس دينهم ، لما وقر في نفوسهم من الحقد على الإسلام وأهله ، يظهرون بين الناس بمظهر المسلمين ، وهم المنافقون حقا . قال حماد بن زيد: ((وضعت الزنادقة على رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة عشر ألف حديث)). كعبد الكريم بن أبي العوجاء قتله محمد بن سليمان العباسي الأمير بالبصرة ، على الزندقة بعد سنة ١٦٠)، في خلافة المهدي، ولما أخذ لتضرب عنقه قال: ((لقد وضعت فيكم أربعة آلاف حديث، أحرم فيها الحلال، وأحلل الحرام)). وكيان بن سمعان النهدي ، من بني تميم، ظهر بالعراق بعد المائة ، ونادعى - لعنه الله - الاهمية على - كرم الله وجهه - وزعم مزاعم فاسدة. ثم قتله خالد بن عبد الله القسرى. وأحرقه بالنار . وكمحمد بن سعيد بن حسان الأسدي الشامي المصلوب: قال أحمد بن حنبل: ((قتله أبو جعفر المنصور في الزندقة ، حديثه حديث موضوع)) . وقال أحمد بن صالح المصري: ((زنديق ضربت عنقه ، وضع أربعة آلاف حديث عند هؤلاء الحمقى، فاحذروها)). وقال الحاكم أبو أحمد: (( كان يضع الحديث، صلب على الزندقة )) . وحكى عنه الحاكم أبو عبد الله: انه روى عن حميد عن أنس مرفوعا: انا خاتم النبيين، لا نبي بعدي، الا أن يشاء الله. وقال: ((وضع هذا الاستثناء لما كان يدعو اليه من الالحاد والزندقة والدعوة الى التنبي)) . ومنهم أصحاب الأهواء والآراء التي لا دليل لها من الكتاب والسنة ، وضعوا أحاديث نصرة لأهوائهم ، كالخطابية ، والرافضة ، وغيرهم . كان عبد الله بن يزيد المقرىء: ((أن رجلا من أهل البدع وجع عن بدعته ، فجعل يقول : انظروا هذا الحديث عمن تأخذونه ! فانا كنا إذا رأينا رأيا جعلنا له حدثا ! » .. . وقال حماد بن سلمة: ((أخبرني شيخ من الرافضة أنهم كانوا يجتمعون على وضع الأحاديث )) . ٧٩ وقال أبو العباس القرطبي صاحب كتاب المفهم شرح صحيح مسلم: "استجاز بعض فقهاء أهل الرأي نسبة الحكم الذي دل عليه القياس الجلي الى رسول الله صلى الله عليه وسلم نسبة قولية، فيقولون في ذلك: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا !! ولهذا ترى كتبهم مشحونة بأحاديث تشهد متونها بأنها موضوعة ، لأنها تشبه ناوى الفقهاء، وإنبـ لا يقيمون لها سندا )) . نقله السخاوي في شرح ألفية العراقي ١ ص ١١١ : ، والمبولي ف. مقدمة شرحه الجامع الصغير . ومنهم القصاص: يضعون الأحاديث في قصصهم ، قصدا للتكسب والارتزاق ، ونقربا للعامة بغرائب الروايات . ولهم في هذا غرائب وعجائب ، وصفاقه وجد لا توصف . كما حكى أبو حاتم البستي: أنه دخل مسجدا، فقام بعد الصلاة شاب فقال: ((حدثنا أبو خليفة: حدثنا أبو الوليد عن شعبة عن قتادة عن أنس)) وذكر حدينا ، قال أبو حاتم : (( فلما فرغ دعوته، قلت : رأيت أبا خليفة؟ قال لا ، قلت كيف تروى عنه ولم تره ؟ . فقال : أن المناقشة معنا من قلة المروءة ! أنا أحفظ هذا الاسناد ، فكلما سمعت حديثا ضممنه الى هذا الاسناد !)). وأغرب منه ما روى ابن الجوزي باسناده الى أبي جعفر بن محمد الطيالي قال . ((صلى أحمد بن حنبل ويحيى بن معين في مسجد الرصافة، فقام بين أيديهم قاص ، فقال : حدثنا أحمد بن حنبل ويحيى بن معين ، قالا حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قال لا اله الا الله خلق الله من كل كلمة طيرا منقاره من ذهب ، وريشه من مرجان ! وأخذ في قصة نحوا من عشرين ورقة! فجعل أحمد بن حنبل ينظر الى يحيى بن معين ، وجعل بحيى بن معين ينظر الى أحمد ، فقال له : حدثته بهذا ؟! فيقول : والله ما سمعت هذا الا الساعة ، فلما فرغ من قصصه وأخذ العطيات، ثم قصد ينتظر بقيتها ، قال له يحيى بن معين بيده : تعال ، فجاء متوهما لنوال ، فقال له يحيى : من حدثك بهذا الحديث ؟ ! فقال : أحمد بن حنبل ويحيى بن معين ! مقال : انا يحيى ابن معين ، وهذا احمد بن حنبل ، ما سمعنا بهذا قط في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ! فقال لم أزل أسمع أن يحيى بن معين أحمق ، ما تحققت هذا الا الساعة ! كأن ليس فيها بيحيى بن معين وأحمد بن حنبل غيركما ! وقد كتبت عن سبعة عشر أحمد بن حنبل ويحيى بن معين! فوضع أحمد كمه على وجهه ، وقال: دعه يقوم ، فعام كالمستهزىء بهما » ! . ٨٠