النص المفهرس
صفحات 41-60
( صحة الإسناد لا يلزم منها صحة الحديث ) قال : والحكم بالصحة أو الحسن على الإسناد لا يلزم منه الحكم بذلك على المتن ، إذ قد يكون شاذاً أو معللاً . ( قول الترمذي : حسن صحيح ) قال: وأما قول الترمذي. ((هذا حديث حسن صحيح)) فمشكل، لأن الجمع بينهما في حديث واحد كالمتعذر ، فمنهم من قال : ذلك باعتبار إسنادين حسن وصحيح . ( قلت ): وهذا يردّه أنه يقول في بعض الأحاديث : ((هذا حديت حسن صحيح غريب . لا نعرفه إلا من هذا الوجه )). ومنهم من يقول : هو حسن باعتبار المتن ، صحيح باعتبار الإسناد : وفي هذا نظر أيضاً ، فإنه يقول ذلك في أحاديث مرويةٍ في صفة جهنم ، وفي الحدود والقصاص . ونحو ذلك . والذي يظهر لي(١): أنه يُشَرَّبُ الحكمُ بالصحة على الحديث كما يُشَرَّب الحسن بالصحة. فعلى هذا يكون ما يقول فيه ((حسن صحيح)) أعلى رتبةً عنده من الحسَنِ ، ودونَ الصحيح ، ويكونُ حكمه على الحديث بالصحة المحْضَة أقوى من حكمه عليه بالصحة مع الحُسْن. والله أعلم . وقال العراقي ( ص ٤١) : أجاب بعضهم عن هذا الايراد ، بأن البغوي بين في كتابه (( المصابيح) عند كل حديث كونه صحيحا أو حسنا أو غريبا. فلا يرد عليه ذلك. قلت : وما ذكره هذا المجيب عن البغوى ، من أنه يذكر عقب كل حديث كونه صحيحا أو حسنا أو غربا، ليس كذلك فانه لا يبين الصحيح من الحسن فيما أورده من السنن، وأنما يسكت عليها. وانما يبين الغريب غالبا، وقد يبين الضعيف . وكذلك قال في خطبه كتابه : ومبا كان فيها من ضعيف غريب أشرت البه، انتهى . فالايراد باق في مزجه صحيح ما في السنن بما فيها الحسن. وكأنه سكت عن بيان ذلك لاشتراكهما في الاحتجاج به)). (١) رده العراقي في شرحه، ص ٤٧)، فقال: والذي ظهر له تحكم لا دليل عليه . وهو بعيد من فهم معنى كلام الترمذي ، والله أعلم . ٤١ النوع الثالث الحديث الضعيف : قال : وهو ما لم يَجْتمع فيه صفاتُ الصحيح ، ولا صفات الحسن المذكورة فيما تقدم . ثم تكلم على تعداده وتنوعه باعتبار فقده واحدةً من صفات الصحة أو أكثر ، أو جميعها . فينقسم جنسه إلى : الموضوع ، والمقلوب ، والشاذ ، والمعلل ، والمضطرب ، والمرسَل ، والمنقطع، والمُعْضَل ، وغير ذلك . النوع الرابع المسند : قال الحاكم : هو ما اتصل إسنادهُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال الخطيب : هو ما اتصل إلى منتهاه(١)، وحكى ابن عبد البرّ : أنه المروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، سواء كان متصلاً أو منقطعاً فهذه أقوال ثلاثة . وقال الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة: أوقعهم في الحيرة جعلهم الحسن قسيم الصحيح، فورد عليهم وصف الترمذي لحديث واحد بأنه حسن صحيح ، فأجاب كل بما ظهر له . والذي يظهر أن الحسن في نظر الترمذي أعم من الصحيح. فيجامعه وينفرد عنه، وأنه في معنى المقبول المعمول به ، الذي يقول مالك في مثله: ((وعليه العمل ببلدنا)» وما كان صحيحا ولم يعمل به لسبب من الأسباب ، ويسميه الترمذي ((صحيحا)» فقط وهو مثل ما يرويه مالك في موطئه ويقول عقبة: ((وليس عليه العمل . وكأن غرض الترمذي أن يجمع في كتابه بين الاحاديث وما أيدها من عمل الفرون الفاضلة من الصحابة ومن بعدهم . فيسمى هذه الأحاديث المؤيدة بالعمل حسانا ، سواء صحت أو نزلت عن درجة الصحة ، وما لم تتأيد بعمل لا يصفها بالحسن وان صحت : هذا الذي يظهر قد استفدناه من مذاكرة بعض شيوخنا ومجالستهم . (١) وعلى تعريف الخطيب يدخل الموقوف على الصحابة اذا روى بسند - : في تعريف المسند ، وكذلك يدخل فيه ما روى عن التابعين بسند أيضا، ولا يدخلان فيه على تعريف الحاكم وابن عبد البر، ويدخل المنقطع والعضل على تعريف ابن عبد البر، ولا يدخل على تعريف الحاكم . ٤٢ النوع الخامس المتصل : ويقال له ((الموصول)) أيضاً، وهو ينفي الإرسالَ والإنقطاعَ، ويشمل المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، والموقوفَ على الصحابيّ أو من دُونه . النوع السادس المرفوع : هو ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم قولاً أو فعلاً عنه، وسواء كان متصلاً أو منقطعاً أو مرسَلاً، ونَفى الخطيبُ أن يكون مرسلاً، فقال : هو ما أخبر فيه الصحاني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. النوع السابع الموقوف : ومطلقهُ يختص بالصحابي ، ولا يُستعمل فيمن دونه إلا مقيداً. وقد يكون إسناده متصلاً وغير متصلٍ ، وهو الذي يسميه كثير من الفقهاء والمحدِّثين أيضاً: أثّراً. وعزاه ابنُ الصلاح إلى الخراسانيين : أنهم يسمون الموقوف أثَراً . ( قال ) : وبلغنا عن أبي القاسم الفُوراني أنه قال : الخبر ما كان من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، والأثَرُ ما كان عن الصحابي. ( قلت ) : ومن هذا يُسمى كثير من العلماء الكتابَ الجامعَ لهذا وهذا ( بالسنن والآثار ) ككتابي ( السنن والآثار ) للطحاوي ، والبيهقي وغيرهما . والله أعلم . ٤٣ النوع الثامن المقطوع : وهو الموقوف على التابعين قولاً وفعلاً، وهو غير المُنْقطع . وقد وقع في عبارة الشافعي والطبراني إطلاقُ ((المقطوع)) على مُنْقطع الإسناد غير الموصول . وقد تكام الشيخ أبو عمرو على قول الصحابي ((كنا نفعل))، أو ((نقول كذا))، إن لم يُضِفْهُ إلى زمان النبي صلى الله عليه وسلم: فقال أبو بكر البرْقاني (١) عن شيخه أبي بكر الإسماعيلي: إنه من قَبِيل الموقوف وحكم النيسابوري برفعه ، لأنه يدل على التقرير ، ورجحه ابنُ الصلاح(٢). قال : ومن هذا القبيل قولُ الصحابيَّ ((كنا لا نرى بأساً بكذا)). أو ((كانوا يفعلون أو يقولون))، أو ((يقال كذا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم)) - : إنه من قبيل المرفوع . وقولُ الصحابي ((أميرنا بكذا))، أو ((نهُينا عن كذا)): مرفوع مسنّد عند أصحاب الحديث . وهو قول أكثر أهل العلم (٣). وخالف في ذلك فريق، منهم أبو بكر الإسماعيلي . وكذا الكلام على قوله ((من السنة كذا))، وقول أنَسِ ((أمرَ بلال أن يَشْفَع الأذانَ ويُوتر الإقامة)). (١) ((البرقاني)): بفتح الباء الموحدة، نسبة الى قرية من قرى خوارزم. وأبو بكر هذا من شيوخ الخطيب، ولد سنة ٣٢٦، ومات سنة ٤٢٥ . (٢) ورجحه أيضا الحاكم والرازي والآمدى والنووى في المجموع والعراقي وإبن حجر وغيرهم . (٣) وهو الصحيح، وأقوى منه قول الصحابي ((أحل لنا كذا))، أو ((حرم علينا كذا)) فانه ظاهر في الرفع حكما ، لا يحتمل غيره. انظر شرحنا على مسند أحمد، في الحديث ٥٧٢٣ وانظر أيضا (الكفاية) للخطيب ( ص ٤٢٠ - ٤٢٦) . ٤٤ قال : وما قيل من أن تفسير الصحابي في حكم المرفوع، فإنما ذلك فيما كان سَبَبَ نَزولٍ ، أو نحوَ ذلك (١). أما إذا قال الراوي عن الصحاني: ((يَرفعُ الحديث)) أو ((يَنْميه)) أو ((يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم)). فهو عند أهل الحديث من قبيل المرفوع الصريح في الرفع . والله أعلم . النوع التاسع المرسل : قال ابن الصلاح : وصورتهُ التي لا خلافَ فيها : حديث التابعي الكبير الذي قد أدرك جماعة من الصحابة وجالسهم، كعُبيد اللّه بن عدي بن الخيار)) ثم سعيد بن المسيب، وأمثالهما، إذا قال: ((قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم)). والمشهور التسويةُ بين التابعين أجمعين في ذلك. وحكى ابن عبد البَرّ عن بعضهم : أنه لا يعد إرسال صغار التابعين مرسلاً . ثم إن الحاكم يخص المرسل بالتابعين. واخمهورُ من الفقهاء والأصوليين يعممون التابعين وغيرهم . ( قلت ) : قال أبو عمرو بن الحاجب في مختصره في أصول الفقه: المرسل قول غير الصحابي: ((قال رسول الله صلى الله عليه وسلم)). هذا ما يتعلق بتصوره عند المحدثين . (١) أما اطلاق بعضهم أن تفسير الصحابة له حكم المرفوع ، وأن ما يقوله الصحابي، مما لا مجال فيه لنرأي مرفوع حكما كذلك - :، كذلك فانه اطلاق غير جيد، لان الصحابة اجتهدوا كبيراً في تفسير القرآن ، فاختلفوا ، وأفتوا مما برونه من عمومات الشريعة تطبيقا على الفروع والمسائل . ويظن كثير من الناس أن هذا مما لا مجال للرأي فيه . وأما ما بحكيه بعض الصحابة من أخبار الأمم السابقة ، فانه لا يعطى حكم المرفوع أيضا ، لان كبيرا منهم رضي • الله عنهم كان يروي الاسرائيليات عن أهل الكتاب، على سبيل الذكرى والموعظة، لا بمعنى أنهم يعتقدون صحتها، أو يستجيزون نسبتها الى رسول الله صلى الله عليه وسلم. حاشا وكلا . ٤٥ وأما كونه حجةً في الدين ، فذلك يتعلق بعلم الأصول ، وقد أشبعْنا الكلام في ذلك في كتابنا ((المقدمات)). وقد ذكر مسلم في مقدمة كتابه (( أن المرسل في أصل قولنا وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة )) وكذا حكاه ابن عبد البر عن جماعة . أصحاب الحديث . وقال ابن الصلاح: وما ذكرناه من سقوط الإحتجاج بالمرسل والحكم بضعفه ، هو الذي استقرَّ عليه آراءُ جماعةٍ حفّاظِ الحديث ونُقّاد الأثَر وتداولوه في تصانيفهم (١) . قال : والإحتجاج به مذهب مالك وأبي حنيفة وأصحابهما في طائفة والله أعلم . ( قلت ) : وهو محكى عن الإمام أحمد بن حنبل ، في روايةٍ . وأما الشافعي فنَصَّ على أن مُرْسلاتٍ سعيد بن المسيّب : حِسَان ، قالوا. لأنه تَتّبعها فوجدها مُسْنَدةً. والله أعلم. والذي عَوَّل عليه كلامه في الرسالة (( أن مراسيل كبار التابعين حجة إن جاءت من وجه آخرَ ولو مرسلةً، أو اعتضَدتْ بقول صحابي أو أكثر العلماء، أو كان المُرْسِلُ أو سَمّى لا يُسَمَى إلا ثقةً، فحينئذ يكون مرسله حجةً، ولا ينتهضُ إلى رتبة المتّصل)). قال الشافعي ، وأما مراسيل غير كبار التابعين فلا أعلم أحداً قَبِلَها . قال ابن الصلاح : وأما مراسيل الصحابة ، كابن عباس وأمثاله ، ففي حكم الموصول ، لأنهم إنما يروون عن الصحابة ، وكلهم عدول فجهالتهُم لا تضرّ . والله أعلم . ( قلت ) : وقد حكى بعضهُم الإجماعَ على قبول مراسيل الصحابة وذكر ابن الأثير وغيره في ذلك خلافاً. ويُحْكَى هذا المذهبُ عن الأستاذ (١) لأنه حذف منه راو غير معروف، وقد يكون غير ثقة . والعبرة في الرواية بالثقة واليقين ، ولا حجة في المجهول . ٤٦ أبي إسحاقَ الاسفرائيني ، لاحتمال تلقيهم عن بعض التابعين(١). وقد وقع روايةُ الأكابر عن الأصاغر ، والآباءُ عن الأبناء ، كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى . ( تنبيه): والحافظ البيهقي في كتابه ( السنن الكبير) وغيرهُ يُسَمّى ما رواه التابعيّ عن رجل من الصحابة ((مرسلاً)). فإن كان يذهبُ مع هذا إلى أنه ليس بحجة فيلزمه أن يكون مرسل الصحابة أيضاً ليس بحجة . والله أعلم . النوع العاشر المنقطع : قال ابن الصلاح : وفيه وفي الفرق بينه وبين المرسَل مذاهبٌ . ( قلت ): فمنهم من قال: هو أن يَسْقُط من الاسناد رجلٌ ، أو يُذْكر فيه رجل مُبْهَمٍ . ومثل ابن الصلاح للأول : بما رواه عبد الرزّاق عن الثرريٍّ عن أبي إسحاق عن زيد بن يُثَيْع (٢) عن حذيفة مرفوعاً: ((إن وليْتُموها أبا بكر فَقويٌ أمين)) ، الحديث ، قال: ففيه انقطاع في موضعين: أحدهما: أن عبد الرزّاق لم يسمعه من الثوريّ ، إنما رواه عن النعمان بن أبي شيبة الجَّنَديَّ (٣) عنه. والثاني: أن الثوريَّ لم يسمعه من أبي إسحاق، إنما رواه عن شريك عنه . (١) قال السيوطي في التدريب (ص ٧١): ((وفي الصحيحين من ذلك ما لا يحصى - يعني من مراسيل الصحابة - لأن أكثر رواياتهم عن الصحابة، وكلهم عدول ، ورواياتهم عن غيرهم نادرة. واذا رووها بينوها، بل أكثر ما رواه الصحابة عن (التابعين ليس أحاديث مرفوعة، بل اسرائيليات، أو حكايات أو موقوفات)) . وهذا هو الحق. (٢) بضم الياء التحتية وفتح الثاء المثلثة وإسكان الياء التحتية. ويقال (أنيع) بضم الهمزة في أوله بدل الياء . (٣) الجندي : بالجيم والنون المفتوحتين. ٤٧ ومثل الثاني : بما رواه أبو العلاء بن عبد الله بن الشخيّر (١) عن رجلَيْن عن شدَّاد بن أوسٍ، حديث: ((اللهم إني أسألك الثبات في الأمر)). ومنهم من قال : المنقطعُ مثلُ المرسَل ، وهو كل ما لا يتصل إسناده غير أن المرسل أكثر ما يطلق على ما رواه التابعي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال ابن الصلاح : وهذا أقرب . وهو الذي صار إليه طوائف من الفقهاء وغيرهم . وهو الذي ذكره الخطيب البغدادي في كفايته(٢). قال : وحكى الخطيب عن بعضهم : أن المنقطع ما رُوِيَ عن التابعي فمن دونه ، موقوفاً عليه من قوله أو فعله . وهذا بعيد غريب . والله أعلم. النوع الحادي عشر المعضل : وهو ما سقط من إسناده إثنان فصاعداً. ومنه ما يرسله تابعُ التابعي. قال ابن الصلاح: ومنه قول المصنَّفين من الفقهاء: ((قال رسول الله ١١) الشخير: بكسر الشين المعجمة، وتشديد الخاء المعجمة المكسورة. وأبو العلاء هذا اسمه ((يزيد)). (٢) في أصل مختصر ابن كثير هنا (( في كتابيه)» والذي في علوم الحديث لابن الصلاح ( ص ٦٤): ((في كفايته)). وهو الصواب، ولذلك أثبتناه . وللخطيب البغدادي كتابان معروفان في أصول الحديث : أحدهما : ( الكفاية في علم الرواية )، وهو مطبوع بحيدر آباد الدكن بالهند سنة ١٣٥٧. والآخر : ( الجامع آداب الشيخ والسامع)، لم يطبع . وهذه العبارة التي أشار إليها ابن الصلاح، ثم ابن كثير، ثابتة في كتاب (الكفاية)، ١ من ٢١ ) قال : ((والمنقطع مثل الرسل ، الا ان هذه العبارة تستعمل غالبا في رواية من دون التابعي عن الصحابة ، مثل أن يروى مالك بن أنس عن عبدالله بن عمر ، أو سفيان الثوري عن جابر أبن عبدالله، أو شعبة بن الحجاج عن أنس بن مالك وما أشبه ذلك . وقال بعض أهل العلم بالحديث : الحديث المنقطع ما روى عن التابعي وأمن دونه موقوفا عليه من قوله أو فعله . ٤٨ صلى الله عليه وسلم)). وقد سمّاه الخطيب في بعض (مصنفاته مرسلاً)): وذلك على مذهب من يُسمى كل ما لا يتصل إسنادهُ ((مرسلاً)). قال ابن الصلاح: وقد روى الأعمش عن الشعبي قال : " ويقال للرجل يوم القيامة: عَمِلْتَ كذا وكذا؟ فيقول: لا، فيُخْتَمُ على فيه)). الحديث، قال: فقد أعْضَله الأعمشُ، لأن الشعبي يرويه عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: فقد أسقط منه الأعمش أناً والنبيَّ صلى الله عليه وسلم، فناسب أن يسمّى معضَلاً. قال: وقد حاول بعضهم أن يطلق على الإسناد المُعَنْعَن إسم (الإرسال)) أو ((الإنقطاع)). قال : والصحيح الذي عليه العمل : أنه متصل محمول على السماع . إذا تعاصروا مع البراءة من وَصْمة التّدليس . وقد ادعى الشيخ أبو عمرو الداني المقرىءُ إجماع أهل النقل على ذلك وكاد ابنُ عبد البرّ أن يدعى ذلك أيضاً (١). ( قلت ): وهذا هو الذي اعتمده مسلم في صحيحه، وشنّع في خطبه على من يشترط مع المناصرة اللقيَّ، حتى قيل : إنه يريد البخاريّ و الظاهر أنه يريد عليَّ ابن المَديني، فإنه يشترط ذلك في أصل صحة الحديث وأما البخاري فإنه لا يشترطه في أصل الصحة ، ولكن التزم ذلك في كتابه (الصحيح)). وقد اشترط أبو المظفّر السّمْعَّاني مع اللقاء طول الصَّحابة(٢). (١) قوله ((وكاد ابن عبد البر الخ))، قال العراقي: ((ولا حاجة الى قوله وكاد ، فقد ادعاه فقال فى مقدمة التمهيد: أعلم وفقك الله إنى تأملتأ قاويل أئمة الحديث، ونظرت في كتب من اشترط الصحيح في النقل منهم ومن لم يشترطه - : فوجدتهم أجمعوا على قبول أالاسناد المعنون ، لا خلاف بينهم في ذلك، اذا جمع شروطا ثلاثة ، وهي : عدالة المحدثين ، ولقاء بعضهم بعضاً، ومجالسة ومشاهدة، وأن يكونوا بركة من التدليس، ثم قال: وهو قول مالك وعامة أهل العلم )) . (٢) (( الصحابة)) بفتح الصاد، وقد تكسر أيضا: مصدر ((صحبه بصحبه). ٤٩ الباعث الحثيث - ٤ وقال أبو عمرو الداني: إنْ كان معروفاً بالرواية عنه قُبِلَتْ العَنْعَنَةُ. وقال القابسيِّ : إن أدركه إدراكاً بيِّناً . وقد اختلف الأئمة فيما إذا قال الراوي: ((أَنَّ فلاناً قال))، هل هو مثل قوله: ((عن فلان))، فيكون محمولاً على الإتصال ، حتى يثبتَ خلافُه؟ أو يكون قوله ((أن فلاناً قال)) دونَ قوله: ((عن فلان)) ؟ كما فرق بينهما أحمد بن حنبل ويعقوب بن أبي شَيْبة وأبو بكر البَرْدِيجي فجعلوا ((عن)) صيغة اتصال، وقوله ((أن فلاناً قال كذا)) في حكم الإنقطاع حتى يثبت خلافُه. وذهب الجمهور إلى أنهما سواء في كونهما متّصليْن ، قاله ابن عبد البر . وممن نص على ذلك مالك بن أنس . وقد حكى ابنُ عبد البر الإجماع على أن الإسناد المتصل بالصحابي سواء فيه أن يقول: ((عن رسول الله صلى الله عليه وسلم))، أو ((قال رسول الله صلى الله عليه وسلم)) أو ((سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم)). وبحث الشيخ أبو عمرو ههنا فيما(١) إذا أسند الراوي ما أرسله غيرهُ فمنهم من قَدح في عدالته بسبب ذلك ، إذا كان المخالفُ له أحفظَ منه أو أكثر عدداً، ومنهم من رجّح بالكثرة أو الحفظ ، ومنهم من قَبِل المُسْند مطلقاً، إذا كان عدلاً ضابطاً . وصححه الخطيبُ وابن الصلاح وعزاه إلى الفقهاء والأصوليين ، وحكى عن البخاري أنه قال : الزيادة من الثقة مقبولة (٢) . النوع الثاني عشر المدلس : والتدليس قسمان : أحدهما : أن يَرْوِي عمّى لقيه ما لم يسمعْه منه، أو عمن عاصره (١) في الأصل (( ما )) . (٢) وهو الحق الذي لا مرية فيه، لأن زيادة الثقة دليل على أنه حفظ ما غاب عن غيره ، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ . وكذلك الحكم فيما اذا روى الراوي حديثا واحدا ١٠ ولم يَلْفَه ، مُوهِماً أنه سمعه منه (١). ومن الأول قول ابن خَشْرَم (٢): كنّا عند سفيان بن عُيَبْتَة. فقال: ((قال الزهريّ كذا))، فقيل له: أسمعتَ منه هذا؟، قال : ( حدثني عبد الرزَّاق عن مَعْمَر عنه)). وقد كره هذا القسم من التدليس جماعة من العلماء وذَهُوه. وكان شُعْبَةُ أشدَّ الناس إنكاراً لذلك، ويُروى عنه أنه قال: لأنْ أزْفي أحبُّ إليَّ من أن أُدنِّس قال ابن الصلاح : وهذا محمول على المبالغة والزجر . وقال الشافعي : التدليس أخو الكذب (٣). ومن الحفّاظ من جَرَحَ مَنْ عُرفٍ بهذا التدليس من الرواة، فردَّ روايته مطلقاً، وإن أتَى بلفظ الإتصال، ولو لم يُعْرَف أنه دلّس إلا مرةً واحدةً ، كما قد نص عليه الشافعي رحمه الله . قال ابن صلاح : والصحيح التفصيل بين ما صَرَّح فيه بالسماع ، فَيْقْبَلُ، وبين ما أتى فيه بلفظ محتمل، فَيُرَدُّ . قال: وفي الصحيحين من حديث جماعة من هذا الضّرْب، كالسفيانَين مرارا واختلفت روايته : فرواه مرة مرفوعا ومرة موقوفا ، أو مرة موصولا ومرة مرسلا . فالصحيح تقديم الرواية الزائدة ، أذ قد ينشط الشيخ فيأتي بالحديث على وجهه ، وقد تعرض له ما يدعود الى وقفه أو أرساله ، فلا يقدح النقص في الزبادة . (١) كأن يقول ((عن فلان)) أو ((قال فلان)) أو نحو ذلك، فأما اذا صرح بالسماع أو التحديث ولم يكن قد سمعه من شيخه ولم يقرأه عليه - : لم يكن مدلا . بل كان كاذبا فاسقا ، وفرغ من أمره . (٢) هو علي بن خشرم ، بفتح الخاء واسكان الشين المعجمتين وفتح الراء . (٣) هذه الكلمة نقلها ابن الصلاح عن الشافعي عن شعبة ، فليست من قول الشافعي بل هي من نقله . ٥١ والأعمش وقتّادة وهُشَيْمٍ وغيرهم (١). قلت : وغايةُ التدليس أنه نوع من الإرسال لما ثبت عنده ، وهو يَخْشى أن يصرّح بشيخه فيُرَدَّ من أجْله، والله أعلم. وأما القسم الثاني من التدليس : فهو الإتيان باسم الشيخ أو كُفْيته على خلاف المشهور به ، تعميةً لأمره ، وتوعيراً للوقوف على حاله ، ويختلفُ ذلك باختلاف المقاصد، فتارةً يُكْره. كما إذا كان أصغر سناً منه، أو نازل الرواية، ونحو ذلك، وتارةً يَحُرم، كما إذا كان غير ثقة فدلّس، لئلا يُعرف حالهُ، أو أوهم أنه رجل آخر من الثقات على وَفْقٍ إسمه أو كُنيته . وقد روى أبو بكر بن مجاهد المقرىء عن أبي بكر بن أبي داود فقال : ((حدثنا عبد الله بن أبي عبدالله))، وعن أبي بكر محمد بن حسن النقاش المفسر (٢) فقال: ((حدثنا محمد بن سند)). تَسَبه إلى جَّد له. واللّه أعام (٣). (١) فائدة : نقل السيوطي في التدريب عن الحاكم قال: ((أهل الحجاز والحرمين ومصر والعوالي وخراسان واصبهان وبلاد فارس وجوزستان وما وراء النهر - : لا نعلم أحداًا من المتهم دلوا ، وأكثر المحدثين تدليسا أهل الكوفة ونفر يسير من أهل البصرة . وأما أهل بغداد فلم يذكر عن أحد من أهلها الندليس ، الى أبي بكر محمد بن محمد بن محمد بن سليمان الباغندي الواسطى، فهو أول من أحدث التدليس بها)). وقد ألف الحافظ برهان الدين سبط بن العجمي المتوفى سنة ٨٤١ رسالة في التدليس والمدلسين ، طبعت في حلب ، وكذلك الحافظ ابن حجر المتوفى سنة ٨٥٢ ألف رسالة طبعت فى مصر . (٢) هو محمد بن الحسن بن محمد بن زياد بن هرون بن جعفر بن سند المقرىء ، الشيخ المقرئين في عصره، وكان ضعيفا في الرواية، مات سنة ٣٥١، له ترجمة في لسان الميزان ٥١ : ١٣٢) وتاريخ بغداد للخطيب (٢: ٢٠١) . (٣) وتمبت أقسام من التدليس : منها ندلس النسوعة ، وهو أن يسقط غبر شيخه لضعفه أو صغره ، فيصير الحديث ثقة عن ثقة ، فيحكم له بالصحة ، وفيه تغرير شديد وممن اشتهر بذلك : بقية بن الوليد ، ٥٢ قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح : وقد كان الخطيبُ لهجاً بهذا القسم في مصنفاته (١). النوع الثالث عشر الشاذ : قال الشافعي: وهو أن يروي الثقةُ حديثاً يخالف ما رَوِى الناسُ. وليس من ذلك أن يروي ما لم يَرْوِ غيره . وقد حكاه الحافظ أبو يعلىّ الخليلي القزويني عن جماعة من الحجازيين أيضاً . وكذلك الوليد بن مسلم ، فكان يحذف شيوخ الأوزاعي الضعفاء ويبقى الثقات ، فقيل له فى ذلك؟ فقال : مثل الأوزاعي أن يروى عن مثل هؤلاء، فقيل له: فاذا روى عن هؤلاء وهم ضعفاء، أحاديث مناكير، فأسقطتهم أنت وصيرتها من رواية الأوزاعي عن الثقات، ضعف الأوزاعي؟! فلم لمتفت الوليد الى ذلك القول . وهذا التدليس أفحش أنواع التدليس مطلقا وشرها . ومنه تدليس العطف، كأن يقول: ((حدثنا فلان وفلان)) وهو لم يسمع من الثاني المعطوف وقد ذكر عن هشيم أنه فعله . ومنه تدليس السكوت ، كأن يقول: ((حدثنا)) أو ((سمعت)) ثم يسكت ، ثم يقول : ((هشام بن عروة)) أو ((الأعمش)) موهما أنه سمع منهما، وليس كذلك . (١) قال ابن الصلاح في النوع (٤٨): وإالخطيب الحافظ يروي في كتبه عن أبى القاسم الأزهرى وعن عبيد الله بن أبي الفتح الفارسي، وعن عبيد الله بن أحمد بن عثمان الصير في، والجميع شخص واحد من مشايخه . وكذلك يروي عن الحسن بن محمد الخلال ، وعن الحسن بن أبي طالب ، وعن أبي محمد الخلال ، والجميع عبارة عن واحد . وبروى أيضا عن أبي القاسم التنوخى، وعن علي بن المحسن ، وعن القاضى أبي القاسم علي بن المحسن التنوخي ، وعن علي بن أبي علي المعدل ، والجميع شخص واحد . وله من ذلك الكثير . والله أعلم . أقول : وكذلك الحافظ أبو الفرج بن الجوزي يفعل هذا في مؤلفاته وبكثر منه . وتبعهما كثير من المتأخرين . وهو عمل غير مستحسن، لما فيه من صعوبة معرفة الشيخ على من لم عـ فه ، وقد لا يقطن له الناظر فيحكم بجهالته . ٥٢ قال: والذي عليه حُفّاظُ الحديث. أن الشاذَّ ما ليس له إلا إسناد واحد ، يشد به ثقة أو غيرُ ثقة، فيُتَوقّف فيما شذَّ به الثقة ولا يُحْتَجْ به ، ويردّ ما شذَّ به غيرُ الثقة. وقال الحاكم النيسابوري: هو الذي ينفرد به الثقةُ، وليس لــه متابع. قال ابن الصلاح : ويُشْكلُ على هذا: حديث ((الأعمال بالنيات : فإنه تفرَّد به عمر، وعنه عَلْقَمَةً، وعنه محمد بن إبراهيم التيمي. وعنه يحي بن سعيد الأنصاري . ( قلت ) : ثم تواتر عن يحيى بن سعيد هذا ، فيقال : إنه رواه عنه نحو من مائتين، وقيل أزيدُ من ذلك ، وقد ذكر له ابن مندة متابعات غَرائِب، ولا تصحّ، كما بسطناه في مسند عمر، وفي الأحكام الكبير (١). قال: وكذلك حديث عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر: ((أن ١١ رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الولاء وعن دبيتيه)). وتفرَّد مالك عن الزهري عن أنس : ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة وعلى رأسه المغْفَر)). وكلّ من هذه الأحاديث الثلاثة في الصحيحين من هذه الوجوه المذكورة فقط . !! ) ومن هذاا يعرف خطأ من زعم أن حديث ((الأعمال بالنيات)) متواتر، وقد حكى لنا هذا ثقات من شيوخنا عن عالم كبير لم ندرك الرواية عنه . وزعم غيره انه حديث مشهور . وكلا القولين خطأ، بل هو حديث فرد غريب صحيح . ولذلك قال الحافظ أبو بكر البزار بعد تخريجه - فيما نقله عن العراقي (ص ٨٥): ((لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم الا من حديث عمر ، ولا عن عمر إلا من حديث علقمة ولا عن علقمة، الا من حديث محمد بن ابراهيم ولا عن محمد بن ابراهيم الا من حديث يحيى بن سعيد)). ٥٤ وقد قال مسلم : للزهري تسعون حرفاً لا يرويها غيره . وهذا الذي قاله مسلم عن الزهري ، من تفرده بأشياء لا يرويها غيره يشاركه في نظيرها جماعة من الرواة . فإن الذي قاله الشافعي أولاً هو الصواب : أنه إذا روى الثقة شيئاً قد خالفه فيه الناس فهو الشاذ ، يعني المردود ، وليس من ذلك أن يرويّ الثقة ما لم يَرْو غيره ، بل هو مقبول إذا كان عدلاً ضابطاً حافظاً . فإن هذا لو رُد لوُدت أحاديثُ كثيرة من هذا النّحط ، وتعطّلت كثير من المسائل عن الدلائل . والله أعلم . وأما إن كان المنفردُ به غيرَ حافظٍ ، وهو مع ذلك عدل ضابط : فحديثُهُ حسن، فإنْ فَقَد ذلك فمردود(١). والله أعلم . النوع الرابع عشر المنكر : وهو كالشاذ : إن خالف راويه الثقات فمنكرّ مردود، وكذا إن لم يكن عدلاً ضابطاً ، وإن لم يخالف ، فمنكر مردود(٢). وأما إن كان الذي تفرد به عدل ضابط حافظ قُبِلَ شرعاً ، ولا يقال له ((منكر))، وإن قيل له ذلك لغةً. (١) ويسمى ((منكرا)) وهو الذي يأتي في النوع التالي لهذا . (٢) يعني أن مما انفرد به الراوي الذي ليس بعدل ولا ضابط فهو منكر مردود ، مع أنه لم يخالفه غيره في روايته ، لأنه انفرد بها . ومثله لا يقبل تفرده . النوع الخامس عشر في الإعتبارات والمتابعات والشواهد(١): مثاله : أن يروي حماد بن سلمة عن أيوب عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثاً. فإن رواه غير حماد عن أيوبَ أو غيرُ أيوب عن محمدٍ ، أو غير محمد عن أبي هريرة . أو غيرُ أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم. فهذه متابعات . فإن رُوِيَ معناه من طريق أخرى عن صحابي آخر سمي شاهداً لمعناه . وإن لم يُرْوَ بمعناه أيضاً حديث آخر فهو فرد من الأفراد(٢). ويُغْتَفَرُ في باب ((الشواهد والمتابعات)) من الرواية عن الضعيف القريب الضعف - : ما لا يُغْتَفَرُ في الأصول، كما يقع في الصحيحين وغيرهما مثل ذلك. ولهذا يقول الدارقطني في بعض الضعفاء: ((يصلحُ للإعتبار)). أو ((لا يَصْلُح أن يُْتَبَرّبه)). والله أعلم (٣). (١) قال ابن الصلاح: ((هذه أمور بتداولونها في نظرهم في حال الحدث : هل تفرد به راويه أولا ؟ وعل هو معروف أولا ؟)) . ٠ ٢) وهو الفرد المطلق، وينقسم عند ذلك الى مردود منكر ، وإلى مقبول غير مردود كما سبق. (٣) لم يوضح المؤلف هذا الباب ايضاحا كافيا. وقد ببناء في شرحنا على الفية السيوطي في المصطلح ، فقلنا : تجد أهل الحديث يبحثون عما يرويه الراوي . لينعرفوا ما اذا كان قد انفرد به أولا: وهذا البحث يسمى عندهم (الاعتبار)). فاذا لم يجدوا ثقة رواد غيره كان الحديث "فردا مطلقا)) أو ((غريبا)) كما مضى. مثال ذلك: أن يروي حماد بن سلمة حديثا عن أبون عن ابن سير ين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فينظر : هل رواه ثقة آخر عن أيوب؟ ٥٦ فإن وجد كان ذلك متابعة تامة ، وان لم يوجد فينظر : هن رواه بقة آخر عن ابن سيرين غير أيوب ؟ فان وجد كان متابعة قاصرة ، وإن لم يوجد فينظر : هل رواد ثقة "خر عن أبي هريرة غير ابن سيرين ؟ فإن وحد كان متابعة قاصرة: وأن لم يوجد فينظر : هل رواه صحابي آخر عن النبي صلى الله عليه وسلم غير أبي هريرة ؟ فإن وجد كان متابعة قادرة أيضا ، وان لم يوجد كان الحديث فردا غريبا. كحديب ((أحبب حبيبك عونا ما)» فانه رواه الترمذي من طريق حماد بن سلمة بالاسناد السابق، وقال: (( غريب لا نعرفه بهذا الاسناد الا من هذا الوجه)). قال السيوطي في التدريب: ((أي من وجه بتبت)) والا فقد ((رواه الحسن بن دينار عن ابن سبرين ، والحسن متروك الحديث لا تصلح للمتابعات)) . وإذا وجدت الحديث غربا بهذه المثابة ، ثم وجدنا حديثا آبر بمعناه ، كان الناني شاهدا للاول: قال الحافظ بن حجر : ((قد بسمى الشاهد متابعة أيضا ، والأمر سهل . مثال ما اجتمع فيه المتابعة التامة وبالقاصرة وللشاهد : ما وراء الشافعي في الأم عن مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ز الشهر تسع وعشرون ، فلا تصوموا حتى فروا الهلال ، ولا نفطروا حتى تروه ، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين : . فهذا الحديث بهذا اللفظ ظن قوم أن الشافعي تفرد به عن مالك فعدوه فى غرانبه ، لأن اسحاب مالك روود عنه بهذا الإسناد بلفظ فإن غم عليكم فاقدروا له : . لكن وجدنا للشافعي متابعا ، وهو عبد الله بن مسلمة القعنيى ، كذلك أخرجه البخاري عنه عن مالك ، وهذه متابعة نامة ، ووجدنا له متابعة قاصرة في صحيح ابن خزيمة. من رواية عاصم بن محمد عن أبيه محمد بن زيد عن جده عبد الله بن عمر، بلفظ : : فأكملوا ثلاثين ) . وفي صحيح مسلم من رواية عبيد الله بن عمر بن نافع عن ابن عمر بلفظ : ! فاقدروا ثلاثين ) . ووجدنا له شاهدا رواه النسائي من رواية محمد بن حنين عن ابن عباس عن النبى صلى الله عليه وسلم ، فذكر مثل حديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر، بلفظ سواء . ورواه البخاري من رواية محمد بن زباد عن أبي هريرة بلفظ: ( فان أغمى عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين ). وذلك شاهد بالمعنى . وظاهر صنيع ابن الصلاح والنووي يوهم أن الاعتبار قسيم للمتابعات والشواهد ، وأنها أنواع ثلاثة . وقد تبين لك مما سبق أن الاعتبار ليس نوعا بعينه، وانما هو هيئة التوصل للنوعين : المتابعات والشواعد . وسبر طرق الحديث لمعرفتهما فقط. ٥٧ النوع السادس عشر في الأفراد : وهو أقسام : تارة ينفرد به الراوي عن شيخه ، كما تقدم . أو ينفرد به أهل قُطْرٍ، كما يقال: ((تفرد به أهل الشام)) أو ((العراق)) أو ((الحجاز)) أو نحو ذلك . وقد يتفرَّد به واحد منهم، فيجتمعُ فيه الوصفان، والله أعلم . وللحافظ الدار قطني كتاب في الأفراد في مائة جزء، ولم يُسْبَق إلى نظيره . وقد جمعه الحافظ محمد بن طاهر في أطراف رَتّبَه فيها . النوع السابع عشر في زيادة الثقة : إذا تفرَّد الراوي بزيادة في الحديث عن بقية الرواة عن شيخ لهم ، وهذا الذي يُعبّر عنه بزيادة الثقة ، فهل هي مقبوله أم لا ؟ فيه خلاف مشهور: فحكى الخطيبُ عن أكثر الفقهاء قبولها، وردّها أكثر المحدِّثين. ومن الناس من قال : إن اتّحد مجلسُ السماع لم تُقْبل ، وإن تعدّد قُبلَتْ . ومنهم من قال : تُقبل الزيادةُ إذا كانتْ من غير الراوي ، بخلاف ما إذا نَشط فرواها قارة وأسقطها أخرى (١). ومنهم من قال : إن كانت مخالفةً في الحكم لما رواه الباقون لم تُقبل وإلا قُبلتْ، كما أو تفرَّد بالحديث كلّه، فإنه يُقْبل تفرده به إذا كان ثفةً ضابطاً أو حافظاً . وقد حكى الخطيبُ على ذلك الإجماع . (١) أي ان هذا القائل يرى قبول الزيادة من غير اثراوي، وأما من نفس الراوي فلا يقبلها ، وهو قول غير جيد . ٥٨ وقد مَثّل الشيخُ أبو عمرٍ وزيادة الثقة بحديث مالك عن نافع عن ابن عمر: (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض زكاة الفمِطْر من رمضان على كل حُرٍ أو عبدٍ، ذكرٍ أو أنثى، من المسلمين)). فقوله: (( من المسلمين)): من زيادات مالك عن نافع. وقد زعم الترمذي(١) أن مالكاً تفرَّد بها، وسكت أبو عمرو على ذلك. ولم يتفرَّدْ بها «الك". فقد رواها مسلم من طريق الضحّاك بن عثمان عن نافع، كما رواها مالك، وكذا رواها البخاريّ وأبو داود والنسائي من طريق عمر ابن نافع عن أبيه كمالك . قال : ومن أمثلة ذلك حديث: ((جُعِلَتْ فيَ الأرضُ مسجداً وطَّهُوراً)). تفرد أبو مالك سَعْد بن طارقٍ الأشْجَعي بزيادة ((وتربتُهَا طَهُورا)) عن رِبْعِيَّ بن حِراشٍ (٢) عن حُذّيْفةً عن النبي صلى الله عليه وسلم، رواه مسلم وابن خُزيمة وأبو عَوانَةً الإسفرائيني في صحاحهم من حديثه . وذكر أن الخلاف في الوُصْل والإرسال، كالخلاف في قَبُول زيادة الثقة (٣) . (١) ذكره الترمذي في العلل التي في آخر الجامع فقال: ورب حديث انما مستغرب لزيادة تكون في الحديث ، وانما يصح اذا كانت الزيادة ممن يعتمد على حفظه . مثل ما روى مالك بن أنس - فذكر الحديث - ثم قال: وزاد مالك في هذا الحديث ((من المسلمين»، وروى أيوب وعبيد الله بن عمر، وغير واحد من الائمة هذا الحديث عن نافع عن ابن عمر ، ولم يذكروا فيه ((من المسلمين)) وقد روى بعضهم عن نافع مثل رواية مالك ممن لا يعتمد على حفظه . انتهى كلام الترمذي . ذكره العراقي في شرحه على المقدمة مدافعا عن الترمذى ، أنه لم يذكر التفرد مطلقا عن مالك، رانما قيده بتفرد الحافظ كمالك ، الى آخر ما أطال :" . ( ص ٩٣ - ٩٤ ) . (٢) ((ربعي)): بكسر الراء واسكان الباء الموحدة وكسم العين المهملة وتشديد البماء المثناة. و ((حراش)): بكسر الحاء المهملة وتخفيف الراء وآخره شين معجمة . (٣) هذا باب دقيق من أبواب التعارض والترجيح بين الأدلة ، وهو من البحوث الهامة عند المحدثين والفقهاء وإالأصوليين . فاذا روى العدل الثقة حديثا وزاد فيه زيادة لم يروها غيره من العدول الذين رووا نفس ٠ -: 2 ٥٩ النوع الثامن عشر المعلل من الحديث : وهو فن خفيَ على كثير من علماء الحديث، حتى قال بعض حفّاظهم: معرفتُنا بهذا كهانةً عند الجاهل . الحديث ، أو رواه الثقة لالعدل نفسه مرة ناقصا ومرة زائدا - : فالقول الصحيح الراجح : أن الزيادة مقبولة ، سواء أوقعت ممن رواه نافصا ام من غيره ، وسواء اتعلق بها حكم شرعي أم لا ، وسواء غيرت الحكم الثابت أم لا ، وسواء أوجبت نقض أحكام نبتت بخبر ليست هي فيه أم لا؟ وهذا هو مذهب الجمهور من الفقهاء والمحدثين ، وادعى ابن طاهر الاتفاق على هذا القول . وقد عقد الامام الحجة أبو محمد علي بن حزم في هذه المسئلة فصلا هاما بالأدلة الدقيقة فى كتابه (الأحكام) في الأصول (ج ٢ ص ٩٠ - ٩٦) ومما قال فيه: ((اذا رؤى العدل زيادة على: ما روى غيره ، فسواء انفرد بها ، أو شاركه فيها غيره ، مثله أو دونه أو فوقه ، فالأخذ بتلك الزيادة فرض ، ومن خالفنا في ذلك فانه يتناقض اقبح تناقض . فيأخذ بحديث رواه والحد ويضيفه الى ظاهر القرآن - الذي نقله أهل الدنيا كلهم - أو يخصه به ، وهم بلا شك اكثر من رواة الخبر الذي زاد عليهم حكما آخر لم يروه غيره ، وفي هذا التناقض من القبح ما لا يستجيزه ذوقهم وذو ورع)» ثم قال: ((ولا فرق بين ان يروي الراوي العدل حديثا فلا يرويه أحد غيره ، أو يرويه غيره مرسلا . أو يرويه ضعفاء ، وبين أن يروي الراوي العدل لفظة زائدة لم يروهما غيره من رواة الحديث ، وكل ذلك سواء ، واجب قبوله ، بالبرهان الذي قدمناه في وجوب قبول خبر الواحد العدل الحافظ . وهذه الزيادة رهذا الاسناد هما خبر واحد عدل حافظ ، ففرض قبوله لهما ، ولا نبالي روى مثل ذلك ميره أو لم ير وه سواه . ومن خالفنا فقد دخل في باب ترك قبول خبر الواحد ، ولحق بمن أتى ذلك من المعتزلة ، وتناقض في مذهبه. وانفراد العدل باللفظة كانفراده بالحديث كله، ولا فرق". ثم ان في المسئلة قوالا أخر كثيرة ، ذكرها السيوطي في التدريب تفصيلا ، ولا نرى لشيء منها دليلا - ك إليه. والحق ما قلنا:، والحمد لله . نعم: قد ينبين للناظر المحقق من الأدلة والقـالى القرية - الزيادة التي رادها الراوي الثقة زيادة شاذة أخطأ فه . فهذا له حكمه ، وهو من النادر الذي لا تبنى عليه القواعد . ٦٠