النص المفهرس

صفحات 181-200

الخطيب بسنده إلى حلف بن الوليد الجَوْهَرِي (١) قال: (خرج علينا ابن عيينة يوماً ومعنا
علي بن المديني، فقال: لولا علي لم أخرج إليكم(٢)، وقال محمد بن قدامة
الجوهري(٣): سمعت ابن عيينة يقول: إني لأرغب بنفسي عن مجالستكم منذ ستين
سنة، ولولا علي بن المديني ما جلست)(٤).
دخل أبو عبيدالقاسم بن سلام أحد شيوخ ابن المديني دار أحمد بن حنبل
زائراً إياه وعنده جماعة من المحدثين فيهم علي بن المديني ويحيى بن معين فطلبوا
من أبي عبيد أن يقرأ عليهم كتاب غريب الحديث على الوجه فقال لهم أبو عبيد: ما
قرأته إلا على المأمون، فإن أحببتم أن تقرؤوه فاقرؤوه، فقال له علي بن المديني :
إن قرأته علينا وإلا فلا حاجة لنا فيه ولم يعرف أبو عبيد علي بن المديني، فقال
ليحيى بن معين: من هذا؟ فقال هذا علي بن المديني فالتزمه وقرأه عليهم(٥).
فانظر إلى مدى تمكّن ابن المديني مما لديه من علم وثقته بنفسه، وانظر إلى
هذا الإكبار له من أبي عبيد شيخه فيما بعد حيث التزمه عندما عرفه، إذ أنه قد سمع
عنه الكثير قبل ذلك.
وكان طاهر بن عبد الله (٦) ببغداد وأراد أن يسمع من أبي عُبَيد وكان حريصاً أن
يأتي أبو عبيد إلى منزله فيحدثه فيه، ولكن أبا عبيد أبى أن يأتي إلى منزله حتى كان
(١) هو أبو جعفر خلف بن الوليد الجوهري (مات سنة ٢١٢ هـ)، ت بغداد: ٣٢٠/٨.
والجوهري: بفتح الجيم والهاء بينهما واو ساكنة وفي آخرها الراء - هذه النسبة إلى بيع
الجوهر. اللباب: ٣١٣/١.
(٢) ت بغداد: ٤٥٩/١١، وانظر: السير: ٤٥/١١.
(٣) هو أبو جعفر محمد بن قدامة الجوهري الأنصاري البغدادي (مات سنة ٢٣٧ هـ). التقريب:
٢٠١/٢.
(٤) ت بغداد: ٤٥٩/١١، وانظر: ت الكمال: ٩٧٩/٢.
(٥) انظر: ت بغداد: ٤٠٧/١٢، ٤٠٨، وانظر: السير: ٤٩٧/١٠، وفتح المغيث: ٢٤/٢.
(٦) هو طاهر بن عبدالله بن طاهر بن الحسين الخزاعي أحد الأمراء الولاة ولي خراسان بعد وفاة
أبيه (وتوفي فيها سنة ٢٤٨ هـ). انظر: الكامل في التاريخ: ١١٨/٧، وانظر: الأعلام:
٢٢٢/٣.
١٨١

طاهر بن عبدالله يأتيه ويأخذ عنه العلم. فقدم علي بن المديني وعباس العنبري،
فأراد أن يسمعا غريب الحديث، فكان أبو عبيد يحمل كل يوم كتابه ويأتيهما في
منزلهما فيحدثهما فيه(١).
:
قال أبو بكر الخطيب بعد ذكر الحديث: (إنما امتنع أبو عبيد من المضيّ إلى
: منزل طاهر توفيراً للعلم، ومضى إلى منزل ابن المديني وعباس تواضعاً وتديناً، ولا
وَكَفَ(٢) عليه في ذلك إذ كانا من أهل الفضل والمنزلة العالية في العلم وقد فعل
سفيان الثّوْرِي مع إبراهيم بن أدهم مثل هذا)(٣) وكان سعيد بن سليمان(٤) قد كتب
إلى محمد بن مسلم بن وارةٍ: (إذا اتخذت صديقاً فاتخذ مثل أبي الوليد، وعلي بن
المديني)(٥).
وكان معاصره وصديقه ورفيقه في الطلب يحيى بن معين قد سئل عن علي بن
المديني وعن الحُمَّيْدِي، أيهما أعلم؟ فقال: (ينبغي للحُمَيْدِي أن يكتب عن آخر عن
علي بن المديني)(٦) وهذا اعتراف منه بمنزلة ابن المديني وتقدمه عنده وقال
الأَعْيَن(٧): (رأيت علي بن المديني مستلقياً وأحمد بن حنبل عن يمينه ويحيى بن
معين عن شماله وهو يملي عليهما)(٨).
وهذا إمام أهل السنة وزميل ابن المديني في طلب هذا الشأن وأحد أعلام
(١) انظر: ت بغداد: ٤٠٧/١٢، والسير: ٤٩٦/١٠.
(٢) الوكف بالتحريك الإثم وقيل العيب يقال: ما عليك في هذا وكف أي عيب. لسان العرب:
٣٦٣/٩.
(٣) الجامع: ٣٧٠/١.
(٤) هو الحافظ أبو عثمان سعيد بن سليمان الضبي البزار الواسطي (مات سنة ٢٢٥ هـ). تذكرة
الحفاظ: ٣٩٨/١.
(٥) تقدمة الجرح: ص ٣٢٠.
(٦) ت بغداد: ٤٦٤/١١، والسير: ٥٠/١١، والتهذيب: ٣٥٢/٧.
(٧) هو أبو بكر الحافظ تقدمت ترجمته قريباً في: ص ١٧٦.
(٨) ت بغداد: ٤٦٣/١١، وتهذيب الأسماء واللغات: ٣٥١/١، وت الكمال: ٩٨٠/٢،
والسير: ٤٦/١١.
١٨٢

النقد أحمد بن حنبل كان لا يسمي علي بن المديني وإنما كان يكنيه أبا الحسن
تبجيلاً له، قال أبو حاتم: (وما سمعت أحمد بن حنبل سماه قط)(١). وما هذا
التبجيل والاحترام إلا لمكانته العالية في نفسه.
لقد ارتقى ابن المديني أرفع مراتب المعرفة وخاصة في علم الحديث
الشريف حتى أصبح إماماً يقتدى به في كل ما يقوله ويفعله وينقلون عنه ذلك فهذا
تلميذه عباس العنبري يقول: (كان علي بن المديني بلغ ما لو قضى له أن يتم على
ذلك، لعله كان تقدم على الحسن البصري، كان الناس يكتبون قيامه، وقعوده،
ولباسه، وكل شيء يقول ويفعل)(٢)، وكانت له الصدارة دائماً في مجالس العلم كما
له القول الفصل عند الاختلاف، يقول أبو يحيى(٣): (كان ابن المديني إذا قدم
بغداد تصدَّر، وجاء يحيى وأحمد بن حنبل والمُعَيْطِي(٤) والناس يتناظرون، فإذا
اختلفوا في شيء تكلّم فيه علي)(٥).
لقد بلغت منزلته عند تلميذه الإمام محمد بن إسماعيل البخاري مبلغاً عظيماً
فقد ملأ صحيحه من رواياته وأقر له بالعلم والتمكن البالغ فيه.
ذكر الخطيب البغدادي في تاريخه بسنده إلى محمد بن إسماعيل يقول غير
مرة (ما تصاغرت نفسي عند أحد إلا عند علي بن المديني، ما سمعت الحديث من
فيّ إنسان أشهى عندي أن أسمعه من فيّ علي)(٦) وكان يقول أيضاً: (ما استصغرت
(١) تقدمة الجرح: ص ٣١٩، والجرح: ١٩٤/٦، وت بغداد: ٤٥٨/١١، وت الكمال:
٩٧٩/٢.
(٢) ت بغداد: ٤٦٢/١١، وتهذيب الأسماء واللغات: ٣٥١/١، والسير: ٤٦/١١.
(٣) هو الحافظ محمد بن عبدالرحيم صاعقة. انظر: ترجمته في: ص ٢٤٦.
(٤) هو أبو عبدالله محمد بن عمر المعيطي - بضم الميم وفتح العين وسكون الياء وفي آخرها
طاء مهملة - البغدادي وكان ثقة صاحب حديث (مات سنة ٢٢٢ هـ). ت بغداد: ٢٢/٣.
والمعيطي: نسبة إلى معيط أحد أجداد المنتسب إليه. انظر: اللباب: ٢٣٩/٣.
(٥) المجروحين: ٥٥/١، وت بغداد: ٤٦٣/١١، وتهذيب الأسماء واللغات: ٣٥١/١،
وت الكمال: ٩٨٠/٢؛ والسير: ٤٧/١١.
(٦) ت بغداد: ١٧/٢، ١٨، وانظر: ت الكمال: ١١٧١/٣.
١٨٣

نفسي عند أحد إلا عند علي بن المديني)(١).
وقال أبو العباس محمد بن إسحاق السراج الثقفي: (سمعت محمد بن
إسماعيل البخاري - وقلت له ما تشتهي؟ - قال: أشتهي أن أقدم العراق وعلي بن
المديني حي فأجالسه)(٢)
ولما ألف البخاري كتابه الصحيح عرضه على علي بن المديني، ويحيى بن
معين، وأحمد بن حنبل وغيرهم للنظر فيه وفحصه فحكموا له بالصحة والإتقان،
وقد أصبح الكتاب أصح كتاب بعد كتاب الله عز وجل(٣) - والله أعلم -.
وهذا الإمام أبو داود صاحب السنن يقول: (علي بن المديني خير من عشرة
آلاف مثل الشاذكوني)(٤) .
وقد أهّلته معرفته بعلوم السنة الشريفة، ومعرفته بدقائق أمورها لأن يكون
مرجعاً للمحدثين ومعتمداً لهم في تصحيح معلوماتهم.
قال ابن زنجلة (٥): (كنا عند ابن عيينة - وعنده رؤساء أصحاب الحديث-
فقال: الرجل الذي قد روينا عنه أربعة أحاديث، الذي يحدث عن أصحاب
رسول الله ﴾؟ فقال ابن المديني: زياد بن عِلَاقة، فقال ابن عيينة: نعم، زياد بن
علاقة)(٦).
(١) ت بغداد: ١٧/٢، ٤٦٣/١١، وانظر: تذكرة الحفاظ: ٤٢٨/٢، والتهذيب: ٥٠/٩.
(٢) المجروحين: ٥٦/١، وانظر ت بغداد: ٤٦٣/١١، والسير: ٤٨/١١، والنجوم الزاهرة:
٢٧٧/٢.
(٣) انظر: التهذيب: ٥٤/٩
(٤) ت بغداد: ٤٦٤/١١، وت الكمال: ٩٨٠/٢، والسير: ٤٨/١١، والتهذيب: ٣٥٣/٧،
لعله يريد بهذا القول أنه خير منه في كثرة المحفوظ وإلا فلا يمكن المخايرة بينهما في غير
ذلك إذ الشاذكوني متكلّم فيه وسلم ابن المديني من ذلك.
(٥) هو الحافظ أبو عمرو سهل بن زنجلة الرازي الخياط الأشتر صاحب السنن، له معرفة جيدة،
ورحلة واسعة (مات في حدود ٢٤٠ هـ). تذكرة الحفاظ: ٤٥٢/٢، والتقريب :: ٣٣٦/١.
(٦) ت الكمال: ٩٧٩/٢، والسير: ٤٥/١١، والتهذيب: ٣٥٠/٧.
١٨٤

فقد رجع ابن عيينة إلى قول ابن المديني وصوّب قوله.
وهذا شيخه أبو داود الطيالسي رجع إلى قول ابن المديني في خطأ إسناد
حديث فعن أحمد بن منصور الرمادي قال: (كان أبو داود حدثنا، قال: حدثنا شعبة
عن عبدالله بن دينار عن ابن عمر - وذكر حديثاً - قال الرمادي: فشهدت علي بن
المديني يقول: ما روى شعبة قط عن عبدالله بن دينار - يعني هذا الحديث -
وأحاديث عبدالله بن دينار معدودة.
قال الرمادي: وشهدت أبا داود - وبلغه ذلك - فقال: اضربوا عليه)(١) فقد
رجع أبو داود إلى قول ابن المديني واعتمد على قوله فأمر بإصلاح الخطأ.
وهذا شيخه روح بن عبادة يحتكم إلى علي بن المديني في تصحيح سند
حديث ويعتمد قوله، قال عفان بن مسلم: (حدثني غلام من أصحاب الحديث
يقول له: عمارة الصيرفي(٢) أنه كان يكتب عن روح بن عبادة هو وعلي بن
المديني، فحدثهم بشيء عن شعبة عن منصور عن إبراهيم، قال: فقلت له: هذا
عن الحكم، قال: فقال روح لعلي بن المديني: ما تقول؟ قال: صدق هو عن
الحكم، قال: فأخذ روح قلماً فمحى منصوراً وكتب الحكم، قال عفان: فسألت
علي بن المديني - وعمارة معي - قال: صدق قد كان هذا)(٣).
وعن إبراهيم الحربي قال: (كان أبو عاصم (٤) إذا حدث عن ابن جريج وغيره
من أصحابه جاء مستوياً، وإذا حدث عن سفيان أخطأ؛ لأنه لم يضبط عنه، فكان
إذا أخرج المجلس، وجّه به إلى علي بن المديني لينظر فيه، ويصلح خطأه فقال له
بعض من قال له: إيش توجه بكتابك إلى هذا؟ حدث كما سمعت، قال: ففعل،
وكان يخطىء في كل مجلس في اثنين ثلاثة من حديث سفيان)(٥).
(١) الجامع: ٤٥/٢.
(٢) لم أقف على ترجمته.
(٣) ت بغداد: ٤٠٣/٨، وانظر: هدي الساري: ص ٤٠٢.
(٤) هو الضحاك بن مخلد النبيل تقدمت ترجمته في: ص ١٨٠.
(٥) الجامع: ٨٩/٢.
١٨٥

لقد أثّرت تلك المكانة السامية في نفوس الرواة، وأرعبت قلوبهم، فكانوا
يحذرون ويتوجسون من نقده.
قال أحمد بن يوسف السُّلَمي النيسابوري(١): (سمعت عبدالرزاق يقول
لعلي بن عبدالله المديني حيث ودَّعه: إذا ورد حديث عني لا تعرفه فلا تنكره فإنه
ربما لم أحدثك به)(٢).
وقال أبو العباس محمد بن إسحاق الثقفي: (لما انصرف قتيبة بن سعيد إلى
الري سألوه أن يحدثهم فامتنع وقال: أحدثكم بعد أن حضر مجالسي أحمد بن
حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، وأبو بكر بن أبي شيبة وأبو
خيثمة؟!)(٣).
وقال ابن أبي حاتم الرازي: (سمعت هارون بن إسحاق الهمداني - وذكر له
خطأ في إسناد حديث - فقال: هذا كلام أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني)(٤).
وقال الخطيب رحمه الله في كتابه الجامع لأخلاق الراوي(٥) مبيّناً مكانة ابن
المديني بين معاصريه قال: (كان علي بن المديني فيلسوف هذه الصنعة، وطبيبها،
ولسان طائفة الحديث، وخطيبها، رحمة الله عليه وأكرم مثواه لديه).
فكلام علي بن المديني هو المعتمد في الرجال قال الحافظ ابن حجر في
ترجمة معاذ بن هشام الدستوائي: (اعتمده علي بن المديني)(٦).
(١) هو الإمام أبو الحسن أحمد بن يوسف بن خالد السلمي النيسابوري محدث نيسابور (مات
سنة ٢٦٤ هـ). تذكرة الحفاظ: ٥٦٥/٢.
والسلمي: بضم السين وفتح اللام نسبة إلى سليم بن منصور. المغني: ص ١٣٩.
(٢) تاريخ دمشق: ١٥٥/١٠ ب.
(٣) معرفة علوم الحديث: ص ٧٥، وانظر: ت بغداد: ٣٣٢/١٠.
(٤) تقدمة الجرح: ص ٣٠٢.
(٥) ٣٠٢/٢.
(٦) هدي الساري : ص ٤٤٤
١٨٦

هذه بعض النصوص وجملة من العبارات التي وُصِفَ بها الإمام علي بن
المديني من النُّقَّاد الجهابذة من شيوخه وأقرانه وتلاميذه وهي عبارات تجمع على أنه
كان بحق أوحد زمانه في علم الحديث وأعلمهم بقوانين الرواية، وهذه هي مكانته
العلمية في ميدان النقد وقد كان فارسه المجلَّي وهي مكانة لا شك عظيمة، ظل
محتفظاً بها، محافظاً عليها منذ عرف واشتهر في هذا الميدان إلى آخر يوم من
حياته رحمه الله تعالى رحمة واسعة .
١٨٧

الفصل السادس
شُيُوعُ الإِمَام عَلِيّ بن المَدِينِي وَتَلَامِيذُهُ
وَعِلمُهُ بِالقِرَاءَاتِ وَمُؤَلَّفَاتُه
وفيه أربعة مباحث:
١ - شيوخ ابن المديني.
٣ - علمه بالقراءات.
٢ - تلاميذه.
٤ - مؤلفاته .
المبحث الأول: شيوخه وترجمة بعض البارزين منهم:
إن العلماء يعتنون بذكر شيوخهم؛ لأن شيوخ الطالب هم عمود نسبه، ورجال
عشيرته الذين ينتمي إليهم في العلوم والمعارف، وبكثرتهم - مع تفوقهم في العلم -
ينبل الرجل(١)، ولقد بلغ شيوخ الإمام علي بن المديني من الكثرة عدداً كبيراً.
يصعب تحديده بالدقة والضبط، وذلك لضخامة عددهم من ناحية، ولتفرقهم في
بلاد كثيرة متباعدة من ناحية أخرى، ولقد كان رحمه الله حريصاً على الاستفادة من
أعلام عصره في شتى العلوم سواء أكانوا أهل بلده البصرة أم من الغرباء القادمين
عليها من مختلف أقطار العالم الإسلامي، أم من علماء البلدان الأخرى التي رحل
ابن المديني إليها، إذ كانت الرحلات العلمية في أوج نشاطاتها وقتئذ، ولقد ساعده
على هذه الاستفادة حافظته الواعية وذكاؤه الخارق وتحمله الدائب، ولا شك أن
(١) انظر: تصحيفات المحدثين: ٨/١ مقدمة المحقق بتصرف.
١٨٨

التلمذة على مثل هؤلاء الأعلام من العلماء والاغتراف من مناهلهم العذبة هو الذي
مكّن ابن المديني من التفوق في العلم وذلّل له الصعاب وبوّأه منازل الحفاظ
الجهابذة المتقنين بتوفيق الله تعالى، وحسن عنايته الكريمة، ولما كان ابن المديني
قد تتلمذ على خلق كثير من مشايخه يصعب ترجمتهم جميعاً في هذا المبحث فإِنّي
سأقتصر على ترجمة شيوخه الذين كان لهم تأثير بليغ في نفسه وتربطهم به صلة
وثيقة وأتناول في كل ترجمة من تلك التراجم - سواء أكان المترجم له من شيوخه أو
تلاميذه على ذكر نسبه ومولده، وأشهر شيوخه وتلاميذه وثناء العلماء عليه، ثم أذكر
صلة ابن المديني بشيخه هذا وصلة تلميذه به، وأخيراً وفاته، وأما بقية النواحي
الشخصية لصاحب الترجمة فمظانها كتب التراجم.
وأما بقية شيوخه الذين لم أذكرهم هنا فقد أفردت لهم ملحقاً مستقلاً في آخر
الرسالة(١).
١ - حمَّاد بن زَيد(٥):
نسبه ومولده وأشهر شيوخه وتلاميذه:
هو الإمام الحافظ شيخ العراق حماد بن زيد بن درهم الأزْدِي(٢) مولاهم
الجَهْضَمِي(٣) أبو إسماعيل البصري الأزرق مولى آل جرير بن حازم أصله من
سجستان، وكان ضريراً، ولد سنة ثمان وتسعين بالبصرة(٤)، روى عن أيوب
(١) انظر: ص ٦٦٤.
(*) انظر ترجمته في الطبقات الكبرى: ٢٨٦/٧، طبقات خليفة: ص ٢٢٤، ت الكبير: ٢٥/٣،
ت الصغير: ٢١٨/٢، تاريخ الثقات العجلي: ص ١٣٠، تقدمة الجرح: ص ١٧٦،
الجرح: ١٣٧/٣، مشاهير علماء الأمصار: ص ١٥٧، الكاشف: ١٨٧/١، التهذيب:
٩/٣، التقريب: ١٩٧/١، طبقات الحفاظ: ص ١٠٣، الخلاصة: ص ٩٢، شذرات
الذهب: ٢٩٢/١، الأعلام: ٢٧١/٢.
(٢) بفتح الألف وسكون الزاي وكسر الدال المهملة نسبة إلى أزد شنؤة. اللباب: ٤٦/١.
(٣) بفتح الجيم والضاد المعجمة وبينهما هاء ساكنة وفي آخرها ميم نسبة إلى الجهاضمة وهو
بطن من الأزد. اللباب: ٣١٦/١، ٣١٧.
(٤) التهذيب: ٩/٣، ١١.
١٨٩

السَّخْتِياني، وأنس بن سيرين، وعمرو بن دينار، وثابت البناني، وأبي عمران
الجَوْني(١)، ويونس بن عبيد، وخلق سواهم، روى عنه شعبة وسفيان، وهما من
شيوخه، وعبدالوارث بن سعيد، وعبدالرحمن بن مهدي، ومسدَّد(٢)، وابن المبارك،
وخلائق(٣).
ثناء العلماء عليه :
قال عبدالرحمن بن مهدي: ((أئمة الناس في زمانهم أربعة: الثوري ومالك،
والأوزاعي، وحماد بن زيد))(٤).
وقال أيضاً: ((لم أرّ أحداً قط أعلم بالسنة، ولا بالحديث الذي يدخل في
السنة من حماد بن زيد»(٥).
وقال يحيى بن معين: ((ليس أحد أثبت من حماد بن زيد))(٦).
وقال يحيى بن يحيى النيسابوري(٧): ((ما رأيت شيخاً أحفظ من حماد بن
زید»(٨).
وقال أحمد بن حنبل: «هو من أئمة المسلمين من أهل الدين، وهو أحب إليّ
من حماد بن سلمة))(٩).
(١) هو أبو عمران عبد الملك بن حبيب الكندي الجوني من صالحي أهل البصرة، (مات سنة.
١٢٣ هـ). مشاهير علماء الأمصار: ص ٩٦.
والجوني: بفتح الجيم وسكون الواو وكسر النون نسبة إلى الجون بطن من كندة. المغني:
ص ٦٧.
(٢) هو أبو الحسن مسدد بن مسرهد الأسدي البصري الحافظ (مات سنة ٢٢٨ هـ). تذكرة.
الحفاظ: ٤٢١/٢، وانظر: الخلاصة: ص ٣٩٦.
(٣) انظر: تذكرة الحفاظ: ٢٢٨/١.
(٤) نفس المصدر والمكان .
(٥) السير: ٤٥٨/٧.
(٦) تذكرة الحفاظ: ٢٢٨/١
(٧) هو الإمام أبو زكريا يحيى بن يحيى التميمي النيسابوري شيخ خراسان وكان إمام عصره
(مات سنة ٢٢٦ هـ). المصدر السابق: ٤١٥/٢، وانظر: الخلاصة: ص ٤٢٩.
(٨) (٩) تذكرة الحفاظ: ٢٢٨/١.
١٩٠

وعن سفيان الثوري قال: ((رجل البصرة بعد شعبة ذاك الأزرق - يعني
حماداً -»(١).
وقال سليمان بن حرب(٢): ((لم يكن لحماد كتاب إلا كتاب يحيى بن سعيد
الأنصاري))(٣) يقول ابن المبارك فيه:
إيت حماد بن زيد
أيها الطالب علماً
ثم قيّده بقيد(٤)
تقتبسْ حلماً وعلماً
وقال ابن حبان: ((كان من الحفاظ المتقنين وأهل الورع في الدين ممن يقرأ
حديثه كله حفظاً»(٥).
صلة ابن المديني بشيخه حماد:
يعتبر الإمام حماد بن زيد الشخصية الأولى لابن المديني بعد أبيه عبدالله وهو
أول شيوخه وكان له أعظم الأثر في توجيهه إلى طلب السنة وقد تتلمذ عليه مدة
حياته - وهو يومئذ شيخ المحدثين بالبصرة - حتى جعله الإمام الذهبي من الحفاظ
المختصين بحماد بن زيد(٦) الذين ما لحقوا حماد بن سلمة - والله أعلم -.
وفاته :
توفي يوم الجمعة في شهر رمضان سنة تسع وسبعين ومائة رحمه الله
تعالى(٧).
(١) المصدر السابق: ٢٢٩/١.
(٢) هو الحافظ أبو أيوب سليمان بن حرب الواشحي الأزدي البصري قاضي مكة، كان ثقة ثبتاً
صاحب حفظ (مات سنة ٢٢٤ هـ). المصدر السابق: ٣٩٣/١.
(٣) السير: ٤٥٨/٧.
(٤) المصدر السابق: ٤٥٩/٧.
(٥) مشاهير علماء الأمصار: ص ١٥٧.
(٦) السير: ٤٦٥/٧.
(٧) المصدر السابق: ٤٦١/٧.
١٩١

٢ - سُفيان بن عُيينة (*):
نسبه ومولده:
هو العلامة الحافظ شيخ الإسلام محدِّث الحرم، سفيان بن عيينة بن ميمون
أبي عمران الهلالي(١) الكوفي ثم المكي مولى محمد بن مزاحم، أخي الضحاك بن
مزاحم كنيته أبو محمد(٢)، ولد بالكوفة سنة سبع ومائة ليلة النصف من شعبان(٣)،
طلب الحديث وهو غلام يافع حتى أصبح أحد الأعلام(٤).
أشهر شيوخه وتلاميذه:
سمع من عمرو بن دينار وأكثر عنه ومن زياد بن عِلاقة، والزهري، وزید بن
أسلم، ومحمد بن المنكدر(٥)، وأبي إسحاق السَّبِيعي، وأيوب السختياني وُجُمَيد
الطويل، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وسليمان الأعمش، وغيرهم.
حدَّث عنه من شيوخه: الأعمش وابن جريج وشعبة، كما حدَّث عنه من
تلاميذه ابن المبارك وعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى القطان، والشافعي
وعبدالرزاق، ويحيى بن معين، وأحمد حنبل، وخلق لا يحصون(٦).
(*) مصادر ترجمته: الطبقات الكبرى: ٤٩٧/٥، ت الكبير: ٩٤/٤، ت الصغير: ٢٨٣/٢
المعرفة والتاريخ: ١٨٥/١، تاريخ الثقات: ص ١٩٤، تقدمة الجرح: ص ٣٢، الجرح:
٢٢٥/٤، مشاهير علماء الأمصار: ص ١٤٩، تاريخ أسماء الثقات: ص ١٠٥، تذكرة:
الحفاظ: ٢٦٢/١، السير: ٤٥٤/٨، التهذيب: ١١٧/٤، التقريب: ٣١٢/١ طبقات
الحفاظ: ص ١١٩، الخلاصة: ص ١٤٥، شذرات الذهب: ٣٥٤/١ الأعلام: ١٠٥/٣.
(١) الهلالي: بكسر الهاء نسبة إلى هلال بن عامر من هوازن وهي قبيلة كبيرة. اللباب:
٣٩٦/٣.
(٢) انظر: تذكرة الحفاظ: ٢٦٢/١.
(٣) مشاهير علماء الأمصار: ص ١٤٩، وانظر: السير: ٤٧٤/٨، والتهذيب: ١١٩/٤.
(٤) انظر: السير: ٤٥٥/٨.
(٥) هو أبو عبدالله محمد بن المنكدربن عبدالله القرشي أحد الأئمة الأعلام (مات سنة
١٣٠ هـ). مشاهير علماء الأمصار: ص ٦٥، انظر: الخلاصة: ص ٣٦٠.
(٦) تذكرة الحفاظ: ٢٦٣/١
١٩٢

ثناء العلماء عليه :
كان الإمام ابن عيينة من الحفاظ المتقنين وأهل الورع والتقوى، وبلغ في
الحديث رتبة جعل بعض طلبة الحديث يتكلَّفون الحج وما قصدهم إلا لقاء ابن
عيينة(١) وذلك لإمامته وعلو إسناده.
وقد أكثر العلماء من الثناء عليه فمن ذلك مثلاً:
ما قال الإمام الشافعي: ((لولا مالك وسفيان بن عيينة لذهب علم الحجاز))(٢).
وقال أيضاً: ((وجدت أحاديث الأحكام كلها عند ابن عيينة سوى ستة أحاديث
ووجدتها كلها عند مالك سوى ثلاثین حديثاً»(٣).
قال الذهبي بعد ذكر النص المذكور: ((فهذا يوضح لك سعة دائرة سفيان في
العلم، وذلك لأنه ضم أحاديث العراقيين إلى أحاديث الحجازيين))(٤).
وقال عبدالرحمن بن مهدي: ((كان ابن عيينة من أعلم الناس بحديث أهل
الحجاز))(٥).
وقال ابن المديني: ((ما في أصحاب الزهري أتقن من ابن عيينة))(٦). وقال
يحيى بن معين: ((هو أثبت الناس في عمروبن دينار))(٧). وقال الذهبي: ((الإمام
الكبير، حافظ العصر شيخ الإسلام)»(٨) ((كان حجة حافظاً، واسع العلم، كبير
القدر، اتفقت الأئمة على الاحتجاج به لحفظه وأمانته وقد حج سبعين حجة،
وحديثه في جميع دواوين الإسلام، اختلط قبل موته بسنة))(٩).
(١) انظر: طبقات المفسرين: ١٩٠/١. والمراد - والله أعلم -: حجّ التطوع.
(٢) (٣) (٤) السير: ٤٥٧/٨.
(٥) التهذيب: ٤ /١٢١.
(٦) تذكرة الحفاظ: ٢٦٣/١.
(٧) المصدر السابق: ٢٦٤/١.
(٨) السير: ٤٥٤/٨.
(٩) تذكرة الحفاظ: ٢٦٣/١، ٢٦٤ بتصرف.
١٩٣

صلة ابن المديني بابن عيينة :
يعتبر علي بن المديني من كبار أصحاب ابن عيينة المكثرين عنه، وقد لازمه
مدة مقيماً عنده الأمر الذي جعله يتأثر به في كثرة روايته للحديث بل جعله إماماً في
علم الحديث، وقد كان ابن المديني يثني عليه ويعده ممن انتهى إليه علم الكوفة
في عصره، كما كان ابن المديني محظوظاً محبوباً لدى شيخه ابن عيينة يدل عليه
قوله: ((يلومونني على حب علي بن المديني والله لما أتعلم منه أكثر مما يتعلم
مني))(١) وكان يسميه حية الوادي(٢) تقديراً له ومعترفاً بفضله ولقد أكثر الإمام علي بن
المديني عن شيخه ابن عيينة في تلقي هذا الشأن ورواية الحديث(٣)، وخرَّج له
البخاري في صحيحه من جهة علي بن المديني فيما وقفت عليه(٤) ستة وتسعين
ومائة حديث(٥)، مما يدل أيضاً على أنه سمع منه قبل الاختلاط - والله أعلم -.
(١) (٢) تذكرة الحفاظ: ٤٢٨/٢.
(٣) انظر على سبيل المثال: التاريخ الكبير: ٤٠/١، ١٤٦، ١٩٢، ٣٦٨، ٩٤/٤، ١٤/٥،
٣٣٩، ٨٨/٦، ٨٩، ١١٤، ٣٥٩، ٤٤٧، ٥٤٣، ١٨٣/٧، ١٦٥/٨.
(٤) قد جعلت صحيح البخاري، طبع دار إحياء التراث العربي - بيروت، ميداناً لحصر مرويات
علي بن المديني عن شيوخه ومرويات تلاميذه عنه.
(٥) انظر: مواضع هذه الأحاديث في صحيح البخاري، طبع دار إحياء التراث العربي - بيروت،
وذلك كالتالي :
٢٨/١، ٣٩، ٤٦، ٤٦، ٧٠، ٨١، ١٠٥، ١٠٩، ١١٣، ١٢٣، ١٤٢، ١٩٢، ٢٠٣،
٢١٣، ٢١٧، ٢١٧، ١٥/٢، ٣٤، ٥٧، ٦٠، ٦٣، ٦٨، ٧١، ٧٢٠، ٧٩، ٠٩٣: ١٠٢،
١٠٧، ١٠٨، ١١٦، ١١٨، ١٦٥، ١٦٨، ١٨٢، ١٩٤، ١٩٥، ١٩٨، ١٩٩، ٢٠٢،
٢١٩، ٢٢٢.
٥٤/٣، ١٥، ١٩، ٢٧، ٣١، ٤٣، ٥٩، ٦١، ٦٥، ٦٩، ٨١، ٨٢، ٨٧، ٨٩، ٨٩،
٩٠، ٩٤، ٩٩، ١١١، ١٢٦، ١٣٨، ١٧٨، ١٧٨، ١٨٦، ١٨٩، ٢٠٩، ٢٣٢، ٢٥٩.
٢٦/٤، ٤٦، ٥٢، ٦٠، ٦٦، ٧٢، ٧٣، ٧٤، ٧٥، ٧٩، ٩١، ١١٠، ١١٧، ١٣٦،
١٤٤، ١٤٧، ١٥٨، ١٨٦، ١٨٨، ٢٠٧، ٢١٢، ٢١٧، ٢٢٥، ٢٢٦، ٢٣٨، ٢٥٢،
٢٥٣.
٢/٥، ٥٢، ٥٦، ٦١، ٧٠، ٨٩، ١١٥، ١٥٧، ١٥٧، ١٧٦، ١٨١، ١٩٨، ٢١١.
١٠/٦، ٤٧، ٥٩، ٧٩، ١٠٠، ١٠٠، ١٠١، ١٠٥، ١٠٧، ١٤٥، ١٧٨، ١٨٤،
١٩٤

وفاته :
توفي بمكة يوم السبت آخر يوم من جمادى الآخرة سنة ثمان وتسعين
ومائة(١)، وقد عاش إحدى وتسعين سنة(٢) رحمه الله تعالى.
٣ - يحيى بن سعيد القطّان(*).
نسبه ومولده:
هو الإمام الحافظ العَلَم سيّد الحفّاظ يحيى بن سعيد بن فُرُّوخ(٣) أبو سعيد
التميمي مولاهم البصري الأحول القَطَّان(٤).
ولد في أول سنة عشرين ومائة(٥).
١٨٦، ١٨٧، ١٩١، ١٩٦، ٢٢٣، ٢٣٦، ٢٤٢.
١٦/٧، ٢٦، ٣٠، ٤٢، ٤٨، ٤٩، ٦٨، ٧١، ٧٩، ٨٥، ٨٨، ٩٠، ٩٣، ١٠٥،
١٠٦، ١١٠، ١٢٤، ١٣٣، ١٤٥، ١٦٤، ١٧٢، ١٨٧، ٢٠٦، ٢١٥.
١٨/٨، ٢٢، ٥١، ٥٦، ٦٥، ٦٦، ٦٧، ٧٨، ٧٩، ٨٢، ٩١، ٩٣، ١٠٥، ١٠٦،
١٠٨، ١١٦، ١٣٦، ١٥٧، ١٨٠، ١٨٢، ٢٠٧، ٢٠٨، ٢١٦، ٢١٧.
١٣/٩، ٢٢، ٣٢، ٣٥، ٥٤، ٦٢، ٧١، ٧١، ٨٨، ١٠٥، ١٠٥، ١١٠، ١١٤، ١٢٤،
١٢٥، ١٣٣، ١٧٢، ١٧٣، ١٨٩.
(١) مشاهير علماء الأمصار: ص ١٤٩.
(٢) السير: ٤٧٤/٨.
(*) الطبقات الكبرى: ٢٩٣/٧، طبقات خليفة: ص ٢٢٥، ت الكبير: ٢٧٦/٨، ت الصغير:
٢٨٣/٢، تاريخ الثقات: ص ٤٧٢، تقدمة الجرح: ص ٢٣٢، الجرح: ١٥٠/٩، مشاهير
علماء الأمصار: ص ١٦١، تاريخ أسماء الثقات: ص ٢٥٩، ت بغداد: ١٣٥/١٤، تذكرة
الحفاظ: ٢٩٨/١، السير: ١٧٥/٩، التهذيب: ٢١٦/١١، التقريب: ٣٤٨/٢، طبقات
الحفاظ: ص ١٣١، الخلاصة: ص ٤٢٣، شذرات الذهب: ٣٥٥/١، الأعلام:
١٤٧/٨.
(٣) فروخ: بفتح الفاء، وضم الراء المشددة وبعد الواو خاء معجمة. انظر: المغني: ص ١٩٦.
(٤) انظر: تذكرة الحفاظ: ٢٩٨/١.
والقَطّان: بفتح القاف وتشديد الطاء المهملة وفي آخرها نون هذه النسبة إلى بيع القطن.
اللباب: ٤٤/٣.
(٥) السير: ١٧٦/٩.
١٩٥

أشهر شيوخه وتلاميذه:
سمع هشام بن عروة، وعطاء بن السائب، وجعفر الصادق، وسليمان التيمي،
وحميد الطويل، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وشعبة، والثوري، وسليمان
الأعمش، ومالك بن أنس، وأمماً سواهم.
روى عنه سفيان، وشعبة ومعتمر بن سليمان - وهم من شيوخه -
وعبدالرحمن بن مهدي، وعفَّان، ومسدّد، وعبيدالله القواريري، وأبو بكر بن أبي
شيبة، ويحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، وخلق(١).
ثناء العلماء عليه :
قال عبدالرحمن بن مهدي: ((اختلفوا يوماً عند شعبة، فقالوا له: اجعل بيننا .
وبينك حَكَماً قال: قد رضيت بالأحول، يعني يحيى بن سعيد، فما برحنا حتى جاء
وقضى على شعبة، فقال شعبة: ومن يطيق نقدك يا أحول؟))(٢).
وقال عبدالرحمن أيضاً ليحيى بن معين: ((لا ترى بعينيك مثل يحيى
القطان»(٣) .
وقال يحيى بن معين: ((أقام يحيى بن سعيد عشرين سنة يختم القرآن كل
ليلة))(٤). وقال أيضاً: ((لم يفت الزوال في المسجد يحيى بن سعيد أربعين سنة)(٥)
وقال علي بن المديني: ((ما رأيت أحداً أعلم بالرجال من يحيى بن
سعید»(٦).
وقال أحمد بن حنبل: ((ما رأيت بعيني مثل يحيى بن سعيد القطان))(٧)
(١) السير: ١٧٦/٩.
(٢) تقدمة الجرح: ص ٢٣٢، وانظر: السير: ١٨٠/٩.
(٣) ت بغداد: ١٣٩/١٤.
(٤) (٥) تذكرة الحفاظ: ٢٩٩/١.
(٦) السير: ١٧٧/٩.
(٧) تذكرة الحفاظ: ٢٩٨/١
١٩٦

وقال بندار(١): ((اختلفت إليه عشرين سنة فما أظن أنه عصى الله قط))(٢).
وقال أيضاً: ((هو إمام أهل زمانه))(٣).
قال عمرو بن علي: ((كان يحيى بن سعيد القطان يختم القرآن كل يوم وليلة
يدعو لألف إنسان، ثم يخرج بعد العصر، فيحدث الناس))(٤).
وقال ابن منجويه(٥): ((كان من سادات أهل زمانه، حفظاً، وورعاً، وفهماً،
وفضلاً وديناً، وعلماً وهو الذي مهَّد لأهل العراق رسم الحديث وأمعن في البحث
- عن الثقات وترك الضعفاء))(٦).
وقال ابن حبان: ((كان من سادات أهل البصرة وقرائهم، ممن مهَّد لأهل
الحديث طرق الأخبار، وحثهم على تتبع العلل للآثار))(٧).
وقد وصفه الذهبي بأنه الإمام الكبير أمير المؤمنين في الحديث(٨).
صلة ابن المديني بشيخه القطان:
تلقى علي بن المديني الحديث عن شيخه يحيى القطان ودرس على يده نقد
الرجال(٩) وتعلم منه رسم الحديث حتى تخرَّج عليه وبرز من بين أقرانه ويعتبر علي
من تلاميذ يحيى الذين نقلوا معظم أقواله في الرجال، وكان يحيى بن سعيد يثني
(١) هو الإمام أبو بكر محمد بن بشار العبدي البصري النساج أحد أوعية العلم (مات سنة
٢٥٢ هـ). المصدر السابق: ٥١١/٢، وانظر: الخلاصة: ص ٣٢٨.
(٢) تذكرة الحفاظ: ٢٩٩/١.
(٣) المصدر السابق: ٢٩٨/١.
(٤) السير: ١٧٧/٩.
(٥) هو الإمام أبو بكر أحمد بن علي بن منجويه الأصبهاني اليزدي نزيل نيسابور (مات سنة
٤٢٨ هـ). تذكرة الحفاظ: ١٠٨٥/٣.
(٦) التهذيب: ٢١٩/١١.
(٧) مشاهير علماء الأمصار: ص ١٦١ .
(٨) السير: ١٧٥/٩.
(٩) انظر على سبيل المثال: ت الكبير: ٤٧/١، ١٠١، ٢٨٨، ٦/٢، ٤٠٥/٦.
١٩٧

عليه كثيراً ويكرمه أشدَّ الإكرام ويدنيه منه، ولا يبالي أن يعلن بأنه يستفيد من
علي بن المديني ويقول: (إني كلَّما قلت لا أحدث كذا استثنيت عليا)(١) لمكانته
عنده وكان علي بن المديني يثني على شيخه القطان كثيراً أيضاً، فعن محمد بن
عبدالرحيم قال: ((سمعت علياً - وذكر من طلب الحديث - فقال: لم يكن من
أصحابنا ممن طلب الحديث وعني به وحفظه، وأقام عليه، حتى حدث ولم يزل
فيه، إلا ثلاثة يحيى بن سعيد، وسفيان بن حبيب(٢)، ويزيد بن زريع)) (٣)؛ (٤).
وكان علي ملازماً لشيخه يسأله عما أشكل عليه من أمور النقد حتى كان يسأله
عن أحواله الشخصية فقال يوماً: ((قلت ليحيى بن سعيد في ربيع الأول سنة تسعين
ومائة: كم لك من سنة؟ قال: إذا مضى شهر أو شهران، استوفيت سبعين ودخلت
في أحد))(٥). وكان علي يجب يحيى حباً جعله يشتهي أن يراه في المنام فيحدثنا
علي عن أمنيته هذه فيقول: ((مكثت أشتهي أرى يحيى بن سعيد القطان في النوم
مدة، قال: فصليت ليلةً العتمة، ثم أوترت واتكأت على سريري قال: فسنح لي
خالد بن الحارث(٦) فقمت فسلمت عليه وعانقته، ثم قلت له: ما فعل بك
ربك؟ قال: غفر لي على أن الأمر شديد، قلت: أين معاذ(٧) فقد كان رسيلك في
(١) ت بغداد: ٤٦٠/١١، ٤٦١.
(٢) هو أبو محمد سفيان بن حبيب البصري البزاز (مات سنة ١٨٢ هـ، وقيل غير ذلك). انظر:
التقريب: ٣١٠/١، والخلاصة: ص ١٤٥.
(٣) هو الحافظ أبو معاوية يزيد بن زُرَيْع البصري العيشي محدث البصرة من أورع أهل البصرة
وأتقنهم (مات سنة ١٨٢ هـ). مشاهير علماء الأمصار: ص ١٦٢، وانظر: تذكرة الحفاظ:
٢٥٦/١.
وزريع تصغير زرع. انظر: المغني: ص ١١٩.
(٤) ت بغداد: ١٤ /١٣٧.
(٥) ت الكمال: ١٥٠٠/٣.
(٦) هو الحافظ أبو عثمان خالد بن الحارث الهجيمي البصري أحد الأعلام، (مات سنة
١٨٦ هـ). تذكرة الحفاظ: ٣٠٩/١، وانظر: الخلاصة: ص ٩٩.
(٧) هو الإمام الحافظ أبو المثنى معاذ بن معاذ بن نصر بن حسان العنبري التميمي البصري كان على
قضاء البصرة، وكان من عقلائهم وحفاظهم وفقهائهم (مات سنة ١٩٦ هـ). مشاهير علماء =
١٩٨

الحديث؟ فقال لي: محبوس، قلت فما فعل يحيى بن سعيد القطان؟ قال: نراه كما
ترون الكوكب الدري في أفق السماء»(١).
وقد خرّج البخاري في صحيحه ليحيى بن سعيد من جهة علي بن المديني
أحد عشر حديثاً(٢).
وفاته :
توفي رحمه الله يوم الأحد الثاني من صفر سنة ثمان وتسعين ومائة(٣).
٤ - عبدالرحمن بن مهدي(*):
نسبه ومولده:
هو الإمام الحافظ الناقد الكبير العَلَم الشهير عبدالرحمن بن مهدي بن
حسان بن عبدالرحمن أبو سعيد العَنْبَري(٤) مولاهم البصري اللُؤْلُؤي(٥) ولد سنة
خمس وثلاثين ومائة بالبصرة طلب هذا الشأن وهو ابن بضع عشرة سنة(٦).
= الأمصار: ص ١٦٠، وانظر: تذكرة الحفاظ: ٣٢٤/١.
(١) ت بغداد: ١٤٤/١٤.
(٢) انظر: مواضع هذه الأحاديث في صحيح البخاري، طبع دار إحياء التراث العربي - بيروت:
٧٩/١، ١٢٧، ١٩١، ٢١٥/٢، ٢٢٦/٣، ١٧/٤، ١٧٠، ١٧/٦، ٢٣٠، ١٦٤/٧،
١٠/٨.
(٣) مشاهير علماء الأمصار: ص ١٦٣، وانظر: تذكرة الحفاظ: ٣٠٠/١.
(*) يحيى بن معين وكتابه التاريخ: ٣٥٩/٢، الطبقات الكبرى: ٢٩٧/٧، طبقات خليفة:
ص ٢٢٧، ت الكبير: ٣٥٤/٥، ت الصغير: ٢٨٣/٢، تاريخ الثقات: ص ٢٩٩، تقدمة
الجرح: ص ٢٥١، تاريخ أسماء الثقات: ص ١٤٥، ت بغداد: ٢٤٠/١٠، تذكرة
الحفاظ: ٣٢٩/١، السير: ١٩٢/٩، التهذيب: ٢٧٩/٦، التقريب: ٤٩٩/١، طبقات
الحفاظ: ص ١٤٤، الخلاصة: ص ٢٣٥، شذرات الذهب: ٣٥٥/١، الأعلام:
٣٣٩/٣.
(٤) العنبري: تقدم ضبط هذه الكلمة وبيان نسبتها في: ص ٦٢ .
(٥) اللؤلؤي: بضم اللامين بينهما واو ساكنة وفي آخرها واو ثانية، هذه النسبة لجماعة يبيعون
اللؤلؤ. اللباب: ١٣٥/٣.
(٦) انظر: السير: ١٩٢/٩، ١٩٣.
١٩٩

-- --
أشهر شيوخه وتلاميذه:
روى عن شعبة، ومالك بن أنس، وسفيان الثوري، وهشام الدستوائي،
وسفيان بن عيينة، وحماد بن سلمة، وحماد بن زيد وأمم سواهم، وحدث عنه
عبدالله بن المبارك، وابن وهب ـ وهما من شيوخه - ويحيى بن معين، وأحمد بن
حنبل، وإسحاق بن راهوية، وخلق سواهم(١).
ثناء العلماء عليه :
كان الإمام عبدالرحمن بن مهدي سيد الحفاظ وإمام النقاد المجودين، وكان
ملهماً في معرفة علل الحديث النبوي ومبرزاً في نقد الرجال.
قال الإمام الشافعي: ((لا أعرف له نظيراً في هذا الشأن))(٢).
وقال أيوب بن المتوكل(٣): ((كنا إذا أردنا أن ننظر إلى الدين والدنيا ذهبنا إلى
دار عبدالرحمن بن مهدي (٤)).
وقال محمد بن أبي بكر المقدَّمي(٥) ((ما رأيت أحداً أتقن لما سمع ولما لم
يسمع ولحديث الناس من عبدالرحمن بن مهدي))(٦).
ومما يدل على أنه كان يتمتع بحفظ قوي وبصر بالحديث قول عبيدالله بن
عمر القواريري: ((أملى عليَّ عبدالرحمن عشرين ألف حديث حفظاً))(٧) وقول جرير
(١) انظر: السير: ١٩٣/٩.
: (٢) المصدر السابق: ١٩٤/٩.
(٣) هو أيوب بن المتوكل البصري الصيدلاني المقرىء كان إماماً ضابطاً ثقة متبعاً للأثر وكان من
جلة القراء (مات سنة ٢٠٠ هـ). معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار: ١٤٨/١.
(٤) تذكرة الحفاظ: ٣٢٠/١.
.(٥) هو الحافظ أبو عبدالله محمد بن أبي بكربن علي بن عطاء المقدمي البصري مولى ثقيف
(مات سنة ٢٣٤ هـ). المصدر السابق: ٤٦٧/٢، وانظر: الخلاصة: ص ٣٢٩.
والمقدَّمي: بضم الميم وفتح القاف والدال المهملة المشددة وفي آخرها ميم. هذه النسبة إلى
مقدم جد أبي عبدالله المقدمي هذا. اللباب: ٢٤٧/٣.
(٦) (٧) تذكرة الحفاظ: ٣٢٠/١.
٢٠٠