النص المفهرس

صفحات 161-180

ويجدر بي لتوضيح إمامة علي بن المديني في نقد الرجال أن ننقل هنا ما
سطّره أصحاب التراجم والعلماء في مؤلفاتهم من شهادات لعلي بن المديني بالتقدّم
والإمامة في هذا الشأن.
فمن هؤلاء الإمام ابن حبان حيث ضَمَّ ابن المديني في الأئمة الذين صاروا
يقتدى بهم في الآثار ويسلك مسلكهم في الأخبار(١).
ومنهم الحافظ أبو حفص عمر بن شاهين(٢) حيث عدّه (من نقاد الحديث ممن
قبلت شهادته واشتهرت عدالته وعرف ونقل)(٣).
ومنهم هارون بن إسحاق الهُمْداني(٤) الذي يقول: (الكلام في صحة
الحديث وسقيمه لأحمد بن حنبل وعلي المديني)(٥).
ومنهم أحمد بن الحسين البيهقي الذي يقول: (علي بن المديني أحد أئمة
أهل العلم بالحديث)(٦).
وقال الخطيب البغدادي: (هو أحد أئمة الحديث في عصره والمقدَّم على
حفَّاظ وقته)(٧).
ومنهم الحافظ عبدالغني بن سعيد(٨) قال بمصر: (أحسن الناس كلاماً على
(١) كتاب المجروحين: ٥٤/١ تقدم النص في: ص ١٤٨.
(٢) هو الحافظ المفيد أبو حفص عمر بن أحمد بن عثمان البغدادي المعروف بابن شاهين
محدث العراق وصاحب التصانيف (مات سنة ٣٨٥ هـ)، تذكرة الحفاظ: ٩٨٧/٣.
(٣) تاريخ أسماء الثقات لابن شاهين: ص ٢٥.
(٤) هو أبو القاسم هارون بن إسحاق بن محمد بن مالك الهمداني - بسكون الميم - (مات سنة
٢٥٨ هـ). التقريب: ٣١١/٢.
والهمْداني: نسبة إلى قبيلة همدان من قحطان. اللباب: ٣٩١/٣.
(٥) تقدمة الجرح: ص ٣١٩.
(٦) مناقب الإمام الشافعي للبيهقي: ٢٤٧/٢.
(٧) ت بغداد: ٤٥٨/١١.
(٨) هو الحافظ أبو محمد عبدالغني بن سعيد بن علي بن سعيد الأزدي المصري كان إمام زمانه، =
١٦١

حديث رسول الله ير ثلاثة: علي بن المديني في وقته، وموسى بن هارون(١) في
وقته، وعلي بن عمر الدارقطني في وقته)(٢).
ومن هؤلاء الإمام العَلَم شيخ الإسلام ابن تيمية فقد عدّ علي بن المديني في
الأئمة الذي أخذ الناس عنهم العلم ثم قال: (فهؤلاء وأمثالهم أعلم بأحوال
: رسول الله ◌َ * من غيرهم، وقال: فإن يحيى بن معين وعلي بن المديني، ونحوهما
أعرف بصحيح الحديث وسقيمه من مثل أبي عُبَيد وأبي ثور)(٣) ويعده ابن تيمية
أيضاً في كتابه الفتاوى من أئمة الحديث الذي يحتجون بالحديث ويبنون عليه دينهم
وأحكام شريعتهم (٤).
وممن شهد لابن المديني من أصحاب كتب التراجم بالإمامة والتفوّق في
مجال الحديث الحافظ أبو الحَجَّاج المزِّي إذ يقول في ترجمة ابن المديني
رحمه الله: (علي بن عبدالله الإمام المبرّز في هذا الشأن، صاحب التصانيف
الواسعة، والمعرفة الباهرة)(٥).
ومن هؤلاء الأعلام الحافظ أبو عبدالله الذهبي إذ يقول في ترجمة ابن المديني
(حافظ العصر، وقدوة أرباب هذا الشأن أبو الحسن علي بن المديني صاحب
التصانيف)(٦).
في علم الحديث وحفظه (مات سنة ٤٠٩ هـ). تذكرة الحفاظ: ١٠٤٧/٣.
(١) هو الحافظ أبو عمران موسى بن هارون بن عبدالله الحمال البغدادي البزار محدث العراق
كان ثقة حافظاً (مات سنة ٢٩٤ هـ). المصدر السابق: ٦٦٩/٢.
(٢) ت بغداد: ٣٦/١٢، ووفيات الأعيان: ٢٩٨/٣، وطبقات الشافعية الكبرى: ٤٦٥/٣.
(٣) منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية لابن تيمية: ١١٤/٤، ١١٥.
وأبو ثور: هو الإمام المجتهد إبراهيم بن خالد الكلبي البغدادي (مات سنة ٢٤٠ هـ)، تذكرة
الحفاظ : ٥١٢/٢.
(٤) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية: ٢٦٠/١، ٢٦١.
(٥) ت الكمال: ٩٧٨/٢.
(٦) تذكرة الحفاظ: ٤٢٨/٢.
١٦٢

ومنهم ابن شاكر الكتبي حيث وصفه بأنه أحد الأعلام وصاحب التصانيف(١)،
وقد وصفه العلامة ابن كثير بأنه شيخ البخاري في صناعة الحديث(٢).
ويقول ابن رجب الحنبلي الحافظ في وصف ابن المديني بالفضل والتقدم:
(أحد الأئمة الحفاظ المبرزين في علم الحديث وعلله وعنه تلقى البخاري هذا
العلم)(٣).
وقد جعله الإمام السخاوي من الأئمة المتقدمين الذين منحهم الله التبحُّر في
علم الحديث والتوسع في حفظه كشعبة والقطان وابن مهدي ونحوهم(٤).
فهذه الشهادات من هؤلاء الجَمِّ الغفير من الأعلام لابن المديني بالإمامة
والبروز في علم الحديث، وعبارات الثناء عليه تلك ليس إلّ لتفوقه في هذا الشأن؛
فقد كان شغوفاً بمعرفة الرواة فقد سمع اسم أبي عمرو الشَّيْبَاني(٥) فقال: (أحببت
أن أعلم من أبو عمرو هذا؟ فأخبرني يحيى بن سعيد قال: رأيت هارون بن عنترة
شيخاً أصلع أعور يكنى بأبي عمرو)(٦).
وأصبح العلماء يقيسون على الإمام علي بن المديني غيره ويشبِّهون غيره به
في علم الحديث يقول أبو يوسف القلوسي لإسماعيل القاضي: (محمد بن
عبدالله بن عمار مثل ابن المديني - يعني في علم الحديث -... )(٧)، وأخذ العلماء
يميزون بين الأحاديث وينتخبونها بعلامات علي بن المديني وغيره من النُّقَّاد
لمكانتهم في هذا المجال، يقول أبو العباس السرَّاج (٨) في حديث رواه عن قتيبة
(١) عيون التواريخ: ص ٤٤٩ ب.
(٢) البداية والنهاية: ٣٢٦/١٠.
(٣) شرح علل الترمذي: ص ١٨٥.
(٤) فتح المغيث: ٢٥٥/١.
(٥) هو هارون بن عنترة بن عبدالرحمن الشيباني الكوفي (مات سنة ١٤٢ هـ). التقريب:
٣١٢/٢.
والشيباني: بفتح الشين وسكون الياء المعجمة باثنتين من تحتها وفتح الباء الموحدة ويعد
الألف نون - هذه النسبة إلى شيبان بن ذهل. اللباب: ٢١٩/٢.
(٦) معرفة الرجال: ٣٦ ب.
(٧) تذكرة الحفاظ: ٤٩٥/٢.
(٨) هو الحافظ أبو العباس محمد بن إسحاق بن إبراهيم السرَّاج صاحب المسند والتاريخ وكان =
١٦٣

عن الليث عن أبي الزبير(١) عن أبي الطفيل، عن معاذ بن جبل عن النبي ◌ُّ قال
أبو العباس: (رأيت على هذا الحديث في كتاب قتيبة ست علامات منها علامة.
أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، وأبي بكر بن أبي شيبة
وغيرهم)(٢).
وهذا النص يلقي بعض الضوء على جانب من المنهج المتّبع حينذاك
لتدريس الأحاديث النبوية بأنهم كانوا يكتبون الأحاديث قبل حضورهم المجالس ثم
يضعون علامة على كل مسموع لأنه لا يجوز لهم رواية غير المسموع من شيوخهم،
ومن جهة أخرى يعطينا هذا النص فكرة عن انتشار الكتب والكتابة في حلقات
المحدثين في تدريسهم من وقت مبكر.
ولا يفوتني أن أثبت في مجال بيان إمامة علي بن المديني في نقد الرجال أنه
تبيّن لي من خلال تتبعي لأقواله في الرجال في كتب التراجم والتواريخ والطبقات
ونحوها أنه رحمه الله من النُقَّادِ الذين تكلَّموا في أكثر الرواة، وعلى هذا فالإمام
علي بن المديني يُعَدُّ من القسم الأول من تقسيم الذهبي للنقاد الذين يُقبل قولهم
في الجرح والتعديل، وقد مثّل الذهبي لهذا القسم بالإمام يحيى بن معين وأبي
حاتم الرازي، ونحن نضم إليهما الإمام علي بن المديني لما ظهر لنا من دخوله في
القسم الأول فيمن اتصف بما ذكره الذهبي في القسم الأول من تقسيمه للنقاد الذين
يقبل قولهم في الجرح والتعديل(٣) - والله أعلم -.
آمراً بالمعروف وناهياً عن المنكر (مات سنة ٣١٣ هـ). انظر: المصدر السابق: ٧٣١/٢.
والسرَّاج: بفتح السين وتشديد الراء وبعد الألف جيم، هذه النسبة إلى عمل السروج.
اللباب: ١١١/٢.
(١) هو أبو الزبير محمد بن مسلم بن تدرس - بفتح المثناة وضم المهملة الثانية - الأسدي مؤلاهم
المكي أحد الأئمة الحفاظ ممن سكن المدينة مدة ومكة زماناً، (مات سنة ١٢٨ هـ).
مشاهير علماء الأمصار: ص ٦٧، وانظر: الخلاصة: ص ٣٥٨.
(٢) الجامع: ١٥٨/٢.
(٣) ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل للذهبي: ص ١٥٨.
١٦٤

مجالس ابن المديني العلمية:
وكان من مقتضى هذه الإمامة وتلك المنزلة الرفيعة بين العلماء أن تكون له
مجالس علمية يقوم فيها بتدريس هذا الشأن وإملاء الأحاديث على التلاميذ، وكان
لكل عالم من علماء ذلك العصر البارزين مجالس بل كانت لهم مجالس عامة
ومجالس خاصة فإمامنا الإمام ابن المديني يُلقِي علينا بعض الضوء على بعض
جوانب هذه الحركة العلمية في ذلك العصر فيقول في ترجمة عبدالسلام بن حرب
النَّهْدِي(١): (كان يجلس في السنة مرة مجلساً عاماً)(٢).
وعلى ما هو متبع عند علماء ذلك العصر النابغين في العلم المتفوقين في
مجال الحديث وعلومه كان للإمام العَلَم النابغة علي بن المديني مجالس علمية يفد
إليها طلاب العلم من كل حَدَب وصَوْب للاغتراف من منهله والتزود من علومه
ومعارفه، ولم يكن طلاب العلم يحضرون حلقات العلم للتسلية وشغل أوقات
الفراغ، كَلَّ بل كانوا يحضرون رغبةً في الاستفادة من الشيخ فيتسابقون إلى
المجلس قبل انعقاده ليتخذوا أماكنهم حتى إذا ما حضر الشيخ كان جميع الطلاب
على استعداد تام لتلقي الحديث عنه وكتابة آرائه في الحديث ورجاله، قال الخطيب
البغدادي: (وقد كان خلْق من طلبة العلم بالبصرة في زمن علي بن المديني
يأخذون مواضعهم في مجلسه في ليلة الإملاء، ويبيتون هناك حرصاً على السماع،
وتخوفاً من الفوات).
ثم ذكر الخطيب بسنده إلى جعفربن درستويه(٣) يقول: (ما رأيت علي بن
(١) هو أبو بكر عبدالسلام بن حرب الملائي وكان متقناً (مات سنة ١٨٧ هـ)، مشاهير علماء
الأمصار: ص ١٧٢ .
والنهدي: بفتح النون وسكون الهاء وبعدها دال مهملة نسبة إلى نهد بن زيد. اللباب:
٣٣٦/٣.
(٢) تذكرة الحفاظ: ٢٧١/١، والسير: ٢٩٧/٨.
(٣) هو جعفر بن درستويه - بعد الدال المفتوحة راء مفتوحة - المرزباني الفارسي حدث عن
علي بن المديني روى عنه الحسن بن محمد الفسوي. الإكمال: ٣٢٢/٣.
١٦٥

المديني يروي من كتاب قط إلاّ أن يسأل أن يروي ألفاظ سفيان بن عيينة على وجهه
كما سمع، قال: وكنا نأخذ المجلس في مجلس علي بن المديني، وقت العصر
اليوم لمجلس غد، فنقعد طوال الليل مخافة أن لا يلحق من الغد موضعاً يُسمع
فیه)(١).
ولكثرة ما يحضر طلبة العلم مجلس علي بن المديني كان رحمه الله يتخذ
منبراً للتحديث ليسمع صوته جميع الحاضرين من طلاب الحديث والعلماء.
فعن جعفر بن درستويه أيضاً أنه قال: (أقعد علي بن المديني بسامرا على منبر
فقال: يَقْبُح بمن جلس هذا المجلس أن يحدث من كتاب، فأول حديث حدَّث من
حفظه غلط فيه، ثم حدَّث سبع سنين من حفظه لم يخطىء في حديث واحد)(٢).
فهذا النص يوضَّح لنا مدى حرص الناس من العلماء والمحدثين على حضور
مجلس علي بن المديني وكثرة روَّاد مجالسه وحلقات علمه كما أنه يبرز ما كان
يتمتع به ابن المديني من قوة الحفظ والتمكّن من حديث رسول الله وليد .
ونظراً إلى هذا الإقبال الشديد من طلاب العلم على حضور مجالس ابن
المديني كان لزاماً عليه أن يتخذ مستملياً(٣) يكتب ما يلقي عليهم من أحاديث
ويُسمعهم ما يقال لهم من مباحث حديثية فكان أبو إسحاق إسماعيل بن الصلت بن : .
أبي مريم(٤) مستملي علي بن المديني(٥) - والله أعلم -.
كثرة رواية ابن المديني للحديث وعنايته بكتب المحدثين :
وهذه الإمامة وذلك الحرص الشديد، والحفظ القوي وتلك المثابرة الدائمة
(١) الجامع: ١٣٨/٢، وانظر: فتح المغيث: ٣٥١/٢.
(٢) الجامع: ١٣/٢، وانظر: فتح المغيث: ٢٢٨/٢.
(٣) المستملي الذي يطلب إملاء الأحاديث من المحدثين يقال استمليت الكتاب: أي سألته أن
يمليه عليّ. انظر: لسان العرب: ٢٩١/١٥. وقد ألّف السمعاني كتاباً في أدب الإملاء
والاستملاء - والله أعلم -.
(٤) هو أبو إسحاق إسماعيل بن الصلت بن أبي مريم (مات سنة ٢٦٦ هـ) ت بغداد: ٢٨٠/٩
(٥) المصدر السابق: ٢٤٧/١٠.
١٦٦

من علي بن المديني على جَمْع الحديث وتتبعه جعله يتصف بكثرة روايته للأحاديث
وكثرة كَتْبه وتدوينه له وذلك مع التيقظ والحيطة البالغة فذكر الخطيب بسنده إلى
محمد بن يونس الكديمي قال: (سمعت علي بن المديني يقول: تركت من حديثي
مائة ألف حديث فيها ثلاثون ألفاً لعباد بن صهيب(١))(٢) فإذا كان ما تركه ابن
المديني من الأحاديث يقدَّر بمائة ألف حديث فما بالك بما لم يتركه من الأحاديث!
فلا شك أنه يقدّر بأضعاف ما تركه؛ لذلك ذكر الخطيب هذا النص أيضاً في كتابه
الجامع في (ذكر بعض أخبار الموصوفين بالإكثار من كّتْب الحديث وسماعه)(٣).
وذكر الخطيب أيضاً في ترجمة روح بن عبادة قول الإمام علي بن المديني
رحمه الله: (نظرت لروح في أكثر من مائة ألف حديث كتبت منها عشرة آلاف)(٤)،
وهذا يدل على سعة أفقه في رواية الحديث والنظر في تلك الروايات، وأنه تميز
بالانتقاء للحديث، ومما يجب التفطن له في هذا المقام أن ما تركه ابن المديني من
الأحاديث لم يتركه إلاّ لما ظهر له فيه من العلل القادحة أو لما تبيَّن له من ضعف
في رجاله.
وقال علي بن المديني: (كتبت عن أبي معاوية عن الأعمش ألفاً وخمس مائة
حديث)(٥) فإذا كان نظر لروح بن عبادة فقط مائة ألف حديث ويكتب عن أبي معاوية
الضرير عن الأعمش ألفاً وخمسمائة حديث فلا شك أنه نظر لغير روح مثل ذلك وما
كتب عن الأعمش من غير طريق أبي معاوية أكثر فهذا يشعر بأنه كان متبحراً في
رواية الحديث واستقصاء طرقه المختلفة، وذكر السخاوي أنه بلغت عدة طرق
حديث (من كذب عليَّ معتمداً فليتبوأ مقعده من النار)(٦) عند علي بن المديني
(١) هو عباد بن صهيب البصري أحد المتروكين عن هشام بن عروة والأعمش (مات بعد
المائتين). الميزان: ٣٦٧/٢.
(٢) ت بغداد: ٤٦٣/١١، والسير: ٤٨/١١، وت الكمال: ٩٨٠/٢.
(٣) الجامع: ١٧٦/٢.
(٤) ت بغداد: ٤٠١/٨، وتذكرة الحفاظ: ٣٥٠/١، والتهذيب: ٢٩٣/٣.
(٥) ت الكمال: ١١٩٢/٣، وتذكرة الحفاظ: ٢٩٥/١.
(٦) أخرج هذا الحديث الإمام البخاري: ٣٨/١ في العلم باب إثم من كذب على النبي ◌َا، =
١٦٧

عشرين طريقاً وتبعه في ذلك يعقوب بن شيبة(١). وهذا يدل على اعتنائه بطرق
الحديث، وشدة تتبعه له. ويروي عبدالله بن علي بن المديني عن أبيه أنه قال: (عند
الواقدي عشرون ألف حديث لم يسمع بها)(٢) يعني ليس لها أصل.
وهذه المعرفة العميقة والاطلاع الواسع على الأحاديث جعلاه يمتاز بإدراك
مخارج الحديث وموارده فقد قال ابن المديني في ترجمة الحسن بن أسامة بن
زيد (٣): ( حديثه مديني رواه شيخ ضعيف عن مجهول عن آخر مجهول)(٤).
فقد بيّن أن حديث هذا الراوي مديني يعني أن مورده من المدينة المنورة.
ومما يجدر ذكره هنا أنه مع حفظه لهذه الكثرة من الأحاديث لم يغفل النظر
في ألفاظ الحديث فكانت له معرفة بألفاظ الحديث.
فعن أبي العباس محمد بن يونس الكديمي أنه قال: سألت علي بن المديني
عن حديث ((لما أتى النبي صل بالبراق(٥) ليركبه استصعب عليه، فقال له جبريل: ما
يحملك على هذا؟ فما ركبك آدمي أكرم على الله منه قال: فارفض(٦) عرقاً وأقر»
فقال ابن المديني: لم أسمع في هذا الحديث ((فارفض عرقاً» إلَّ في هذا
الحديث(٧). أخرج هذا الحديث الإمام أحمد بنحوه (٨) وأخرجه الترمذي أيضاً في
ومسلم: ٢٢٩٩/٤ في الزهد باب التثبت في الحديث، وأبو داود: ٦٣/٤ في العلم باب
=
التشديد في الكذب على رسول الله #، والترمذي: ٥٢٤/٤ في الفتن باب (٧٠)، وابن
ماجه: ٩/١ في المقدمة باب التغليظ في تعمّد الكذب، وأحمد في مسنده: ٧٨/١.
: (١) فتح المغيث: ٣٨/٣.
.(٢) ت بغداد: ١٢/٣، ١٣، وتاريخ دمشق: ٤٠٠/١٥ ب، والسير: ٤٦٢/٩.
(٣) هو الحسن بن أسامة بن زيد الكلبي المدني مات بعد المائة. التقريب: ١٦٣/١.
(٤) التهذيب: ٢٥٤/٢.
(٥) البراق: دابة يركبها الأنبياء عليهم السلام مشتقة من البرق، وهي التي ركبها رسول الله وَيّة
ليلة الإسراء سمي بذلك لصوع لونه وشدة بريقه. لسان العرب: ١٥/١٠.
(٦) أي جرى عرقه وسال. النهاية: ٢٤٣/٢.
(٧) ت بغداد: ٤٣٦/٣.
(٨) مسند أحمد: ١٦٤/٣.
١٦٨

تفسير سورة الإسراء وقال: (هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلاّ من حديث
عبدالرزاق)(١).
وعن عبدالله بن أحمد قال: حدثني بعض أصحابنا عن علي بن المديني أنه
قال: (وممن تُرك حديثه عن شعبة علي بن الجعد، وعدَّد جماعة فقالوا لعلي بن
المديني: فعلي بن الجعد ما له؟ قال: رأيت ألفاظه عن شعبة تختلف)(٢). قال
ابن حجر: (فإن ثبت هذا فلعله كان في أول الحال لم يثبت فضبط)(٣) - والله
أعلم -.
عناية ابن المديني بجمع كتب المحدثين والرجوع إليها عند الحاجة:
علمنا مما سبق أن الإمام ابن المديني قد جمع ثروة هائلة من الأحاديث ولا
شك أنه تلقَّى هذه الأحاديث عن شيوخه مباشرة سماعاً منهم وهو مع ذلك لم يغفل
جانب الكتب فكانت له عناية خاصة بكتب المحدثين لأن الكتاب يدفعه إلى الإتقان
والضبط التام، والحفظ قد يخون. قال ابن المبارك: (لولا الكتاب لما حفظنا) وقال
أحمد: (حدثنا قوم من حفظهم وقوم من كتبهم، فكان الذين حدثونا من كتبهم
أتقن) (٤) ويكون الحديث عن عناية ابن المديني بكتب المحدثين في الفقرات
التالية :
أولاً: معرفته واطلاعه الدقيق على كتب بعض الأعيان من المحدثين:
فمن ذلك كتب مالك بن أنس رحمه الله قال ابن المديني في حديث قال
مالك في سنده: أخبرت عن سليمان بن يسار قال علي: (أرى مالكاً سمعه من
الحارث(٥) ولم يسمه وما رأيت في كتب مالك عنه شيئاً)(٦) فدل هذا النص على
(١) سنن الترمذي: ٣٠١/٥، أبواب تفسير القرآن باب من سورة بني إسرائيل.
(٣) التهذيب: ٢٩٢/٧.
(٢) الضعفاء الكبير: ٢٢٥/٣.
(٤) شرح علل الترمذي: ص ٧٤.
(٥) هو الحارث بن عبدالرحمن بن عبدالله بن سعد الدوسي المدني (مات سنة ١٤٦ هـ).
التقريب: ١٤٢/١.
(٦) التهذيب: ١٤٨/٢.
١٦٩

أنه كان مطلعاً على كتب مالك جميعها إذا علم أن الحارث بن عبدالرحمن لم يسمه
مالك في جميع كتبه - والله أعلم -.
ومن ذلك كتب الإمام الشافعي رحمه الله فقد قال محمد بن يعقوب
الفَرَجي(١): (سمعت علي بن المديني يقول لعلي بن المبارك(٢) - وقد ذكر مسألة -:
عليكم بكتب الشافعي)(٣). ولا يحيله ابن المديني إلى كتب الشافعي إلا وهو مطلع
عليها، ومستفيد منها وعارف قدرها وقد صحب الشافعي، وحرَّضه مرة على كتابة
كتاب خبر الواحد إلى عبد الرحمن بن مهدي وقال: (فإنه يسر بذلك)(٤).
وقال علي بن المديني: (قلت لمحمد بن إدريس الشافعي أجبْ
عبد الرحمن بن مهدي عن كتابه، فقد كتب إليك يسألك، وهو متشوق إلى جوابك،
قال: فأجابه الشافعي، وهو كتاب الرسالة التي كُتِبَ عنه بالعراق وإنما هي رسالته
إلى عبدالرحمن بن مهدي)(٥).
ومن ذلك كتب عبدالملك بن جريج فإنه قال في حديث لابن جريج: (رأيته
في كتب ابن جريج)(٦).
(١) هو أبو جعفر محمد بن يعقوب بن الفرج الصوفي المعروف بابن الفرجي من أهل سرمن رأى
(مات بالرملة بعد سنة ٢٧٠ هـ). ت بغداد: ٣٨٧/٣.
والفرجي: بفتح الفاء والراء وفي آخرها جيم نسبة إلى الفرج وهو اسم رجل. اللباب:
٤١٨/٢.
(٢) هو علي بن المبارك الهنائي من المتقنين وأهل الفضل في الدين. مشاهير علماء الأمصار:
ص ١٥٨.
(٣) تاريخ دمشق: ٤/١٥ ب، وانظر: السير: ٥٦/١٠.
(٤) مناقب الشافعي: ٢٧١/١، وانظر: توالي التأسيس بمعالي ابن إدريس لابن حجر:
ص ٥٥.
(٥) مقدمة المحقق أحمد شاكر لكتاب الرسالة للشافعي: ص ١١، نقلاً عن الانتقاء لابن
عبدالبر: ص ٧٢ .
(٦) شرح علل الترمذي: ص ٤٧٥.
١٧٠

ومن ذلك كتب الوليد بن محمد المُوَقَّري(١) فقال علي عنه: (يروي عنه أهل
الشام وأرى أن كتبه من نسخ الزهري من الديوان)(٢).
ومن ذلك كتاب عبد الأعلى بن عبدالأعلى البصري(٣). قال عبدالله بن
علي بن المديني: (سألت أبي عن أبي حفص الفلاس فقال: قد كان يطلب قلت:
روى عن عبدالأعلى عن هشام (٤) عن الحسن (الشفعة لا تورث) فقال: ليس هذا
في كتاب عبدالأعلى عن هشام عن الحسن)(٥).
وقال يعقوب بن شيبة: (سمعت علي بن المديني يقول: شبيب بن سعيد(٦)
بصري ثقة كان يختلف في تجارة إلى مصر وكتابه كتاب صحيح قال علي: وقد
كتبتها عن ابنه أحمد بن شبيب)(٧).
كل هذه النصوص تدل على معرفة ابن المديني بكتب هؤلاء الأعيان وما فيها
من جوانب القوة أو الضعف. كما أنه رحمه الله كان على دراية تامة بأصح كتب
بعض الأئمة فمن ذلك كتاب عبدالوهاب بن عبدالمجيد(٨) الذي قال عنه علي بن
(١) هو أبو بشر الوليد بن محمد الموقري البلقاوي مولى بني أمية (مات سنة ١٨٢ هـ).
التقريب: ٣٣٥/٢.
والموقري: بضم الميم وفتح الواو والقاف المشددة وفي آخرها راء، هذه النسبة إلى موقر
حصن بالبلقاء. اللباب: ٢٧٠/٣ .
(٢) الجرح: ١٥/٩، وانظر: تاريخ دمشق: ٤٤٧/١٧ ١.
(٣) هو عبدالأعلى بن عبدالأعلى بن عبدالله السامي من أهل الإتقان في الحديث والضبط له
(مات سنة ١٨٤ هـ). مشاهير علماء الأمصار: ص ١٦٠.
(٤) هو أبو عبدالله هشام بن حسان القردوسي البصري (مات سنة ١٤٧ هـ) التقريب: ٣١٨/٢.
(٥) ت بغداد: ٢٠٩/١٢، وانظر: التهذيب: ٨١/٨.
(٦) هو أبو سعيد شبيب بن سعيد التميمي الحبطي - بفتح المهملة والموحدة - بصري (مات سنة
١٨٦ هـ). التقريب: ٣٤٦/١.
(٧) الكامل: ١٣٤٦/٤، وانظر: شرح علل الترمذي: ص ٤١٨.
وأحمد بن شبيب هو أبو عبدالله البصري (المتوفي سنة ٢٢٩ هـ). التقريب: ١٦/١.
(٨) هو أبو محمد عبدالوهاب بن عبدالمجيد بن الصلت الثقفي البصري الحافظ (مات سنة
١٩٤ هـ). تذكرة الحفاظ: ٣٢١/١.
١٧١

المديني: (ليس في الدنيا كتاب عن يحيى بن سعيد الأنصاري أصح من كتاب
عبدالوهاب، وكل كتاب عن يحيى هو عليه كَلّ)(١).
ومن ذلك كتاب إبراهيم بن سعد فقال ابن المديني: (ليس كتاب عن ابن
إسحاق أصح من كتاب إبراهيم بن سعد وهارون الشامي(٢) وذلك أنه أملى على
هارون الشامي من كتابه)(٣).
ثانياً: انتخابه للكتب وانتقاؤه لما يكتب:
:
قال الفضل بن زکریا(٤): (سمعت أبا عبدالله ۔ یعني أحمد بن حنبل - وقال له
ابنه عبدالله، قد قدم رجل من البصرة عنده كتب غندر - يعني عقبة بن مُكْرَم
العَمِّي(٥) - فقال أبو عبدالله: ما أعلم أحداً كتب الكتب غيرنا أخذنا من علي - يعني
ابن المديني - كتبه فكان انتخاباً، فأخذنا كتب الشيخ فكنا ننسخها)(٦).
وذكر الخطيب بسنده إلى عبدالله بن علي بن المديني قال: سمعت أبي
يقول: المسيب بن شريك (٧) كتبت عنه كتاباً كثيراً ولم أترك عندي عنه إلّ ثلاثة
أحاديث(٨) يعني بعد الفحص والانتقاء.
(١) ت بغداد: ٢٠/١١، وانظر: الميزان: ٦٨١/٢.
(٢) هو هارون بن أبي عيسى الشامي كاتب محمد بن إسحاق. التهذيب: ٠١١٠/١١
(٣) معرفة الرجال: ٣٨ أ.
(٤) لم أقف على ترجمته .
(٥) هو أبو عبد الملك عقبة بن مكرم - بضم الميم وسكون الكاف وفتح الراء - العمي البصري
مات بعد المائتين. التقريب: ٢٨/٢.
والعمي: بفتح العين وتشديد الميم نسبة إلى العم وهو يطن في تميم وهم ولد مرة بن وائل.
اللباب: ٣٥٩/٢.
(٦) التهذيب: ٢٥٠/٧.
(٧) هو أبو سعد المسيب بن شريك التميمي الشقري كوفي الأصل (مات سنة ١٨٦ هـ).
ت بغداد: ١٣٧/١٣.
(٨) المصدر السابق: ١٣٩/١٣.
١٧٢

ثالثاً: اطلاعه على مصير بعض الكتب ووصفها:
فقال عن کتاب ضيغم بن مالك أبي بكر الراسبي(١) البصري بأنه دفن کتبه(٢).
وقال عن كتاب حماد بن سلمة عن قيس بن سعد(٣) بأنه ضاع كتابه في طريق مكة،
وکتبه بحفظه (٤).
وقال عن كتاب أبي عوانة وضاح بن عبدالله البَشْكُري بأنه باع كتابه(٥).
وفي مجال وصفه لبعض كتب الأعيان قال رحمه الله: (أتاني رجل من ولد
محمد بن سيرين بكتاب محمد بن سيرين عن أبي هريرة، كان كتاباً في رَقِّ
عتيق(٦)، وكان عند يحيى بن سيرين، كان محمد لا يرى أن يكون عنده كتاب.
وكان في أسفل حديث النبي وق لق حين فرغ منه: هذا حديث أبي هريرة بينهما
فصل، قال أبو هريرة كذا، وقال: في فصل كل حديث عاشر حوله نقط، كما
تُدَوَّرُ)(٧). فكانوا يجعلون دائرة بين كل جزء من حديث الشيخ للتميز بينها ولتحديد
السماعات وعددها - والله أعلم -.
المطلب الثاني: إمامته في علل الحديث:
تبين لنا مما سبق أن الإمام علي بن المديني إمام جليل في علم الجرح
(١) هو أبو بكر ضيغم بن مالك الراسبي البصري الزاهد القدوة الرباني (مات سنة ١٨٠ هـ).
السير: ٤٢١/٨.
والرأسبي: بفتح الراء وسكون الألف وكسر السين المهملة وفي آخرها باء موحدة نسبة إلى
بني راسب. اللباب: ٦/٢.
(٢) السير: ٤٢١/٨.
(٣) هو أبو عبدالملك قيس بن سعد المكي مولى نافع بن علقمة (مات سنة ١١٧ هـ) وقيل:
(١١٩ هـ). التهذيب: ٣٩٧/٨.
(٤) المعرفة والتاريخ: ١٥٣/٢.
(٥) سؤالات محمد بن عثمان: ص ٨١.
(٦) الرق: الصحيفة البيضاء والرق ما يكتب فيه وهو جلد رقيق يريد أن الكتاب مكوّن من
صحف قديمة. لسان العرب: ١٢٣/١٠، ٢٣٦.
(٧) الجامع: ٢٧٢/١.
١٧٣

والتعديل وأنه قد حاز في ذلك قصب السبق والتقدم والفضل والباب الثاني من
هذه الرسالة شاهد عيان علی ذلك.
وأوضّح هنا - بإذن الله تعالى - إمامة ابن المديني رحمه الله في علل الحديث
وأنه من أركان هذا الفن الدقيق الغامض.
وقبل أن أبين إمامة ابن المديني وشهادات النقاد له بذلك لا بد لنا من ذكر
حدّ الحديث المعل، وأهمية علم علل الحديث.
المعل لغة: اسم مفعول من قولهم: أعلَّه إذا أنزل به علة فهو معل،
والعلة: المرض عل يعل واعتل أي مرض، فهو عليل، ويقولون: لا أعلك الله أي
لا أصابك بعلة(١).
والحديث المعل في إصطلاح علماء الحديث: (هو الحديث الذي أطلع فيه
على علة تقدح في صحته مع أن ظاهره السلامة منها)(٢).
والعلة: سبب خفي غامض يطرأ على الحديث فيقدح فيه(٣).
والعلاقة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي واضحة وذلك أن جسم الإنسان
إذا حل به المرض فيتغير حاله من الصحة إلى الضعف كذلك الحديث الذي
كشفت فيه علة قادحة أصبح ضعيفاً مردوداً بعد أن كان صحيحاً مقبولاً.
ومعرفة علل الحديث من أشرف معارف المحدثين وأجلُّها وأعلاها وأدقها لا
يضطلع بها إلا أهل الحفظ والخبرة والفهم الثاقب، قال الحاكم أبو عبدالله
النيسابوري: (معرفة علل الحديث وهو علم برأسه غير الصحيح والسقيم والجرح
والتعديل) (٤)، وقال أيضاً: (إن معرفة علل الحديث من أجلّ هذه العلوم)(٥)، ولِمَا
لهذا العلم من الأهمية البالغة قال عبدالرحمن بن مهدي: (لأن أعرف علة حدیث
: (١) لسان العرب: ٤٧١/١١.
(٢) (٣) علوم الحديث لابن الصلاح: ص ٩٠.
(٤) معرفة علوم الحديث: ص ١١٢.
(٥) المصدر السابق: ص ١١٩ :.
١٧٤

هو عندي أحب إليَّ من أن أكتب عشرين حديثاً ليس عندي)(١)، وقال أبو عبدالله بن
منده (٢) الحافظ: (إنما خص الله بمعرفة هذه الأخبار نفراً يسيراً من كثير ممن يدعي
علم الحديث)(٣).
والإمام علي بن المديني إمام حملة رأية السنة المشرفة كان أعلم أقرانه بعلل
الحديث وهي أدقّ شيء في علم الدراية، كان رحمه الله تعالى مُلْهَماً في معرفة
علل الحديث الخفية فقد قال في زياد بن مِيْنًا (٤): (مجهول لا أعرفه، وإسناده صالح
يقبله القلب، ورُبَّ إسناد ينكره القلب)(٥)، وكان ذا خبرة فائقة في إدراك علل
الأسانيد والمتون وطرق الكشف لهذه العلل، فكان يقول: (الباب إذا لم تُجمع
طرقه لم يتبين خطؤه)(٦) وكان يتتبع الأحاديث مدة طويلة حتى يكشف ما فيها من
علل، ولما يكتنف هذه العلل من الغموض فقد يُحتاج في اكتشافها إلى وقت طويل
يقول علي بن المديني: (ربما أدركت علة حديث بعد أربعين سنة)(٧).
وقد شهد لابن المديني النقاد من معاصريه وتلاميذه وأصحاب التراجم في
مختلف العصور بالبراعة والإمامة والتقدم في مجال معرفة علل الحديث، بل كلّما
ذُكِر الأئمة البارزون في علل الحديث، ذُكِر ابن المديني في مقدمتهم، وفيما يلي
نسوق بعض النصوص التي صرَّح بها الأئمة النقاد في إمامة ابن المديني في العلل.
يقول الإمام أحمد بن حنبل معاصره ورفيقه في الطلب: (أعلمنا بالعلل
علي بن المديني) (٨) فقد قدَّمه على نفسه وغيره في معرفة العلل.
(١) المصدر السابق: ص ١١٢.
(٢) هو الحافظ الرحَّال أبو عبدالله محمد بن يحيى بن منده العبدي مولاهم الأصبهاني (مات سنة
٣٠١ هـ). تذكرة الحفاظ: ٧٤١/٢.
(٣) شرح علل الترمذي: ص ٦١.
(٤). زياد بن مينا عن أبي هريرة وعنه جعفر بن عبدالله وثقه ابن حبان. التقريب: ٢٧٠/١،
وانظر: الخلاصة: ص ١٢٦.
(٥) التهذيب: ٣٨٨/٣.
(٦) علوم الحديث: ص ٩١، وفتح المغيث: ٢٣٣/١.
(٧) الجامع: ٢٥٧/٢.
(٨) كتاب المجروحين: ٥٥/١، وشرح علل الترمذي: ص ١٨٦.
١٧٥

ويقول تلميذه أبو حاتم الرازي: (كان علي بن المديني عَلَماً في الناس في
معرفة الحديث والعلل)(١) فوصفه بأنه أحد أعلام أئمة هذا الشأن.
وقال تلميذه صالح بن محمد جزرة(٢): (أعلم من أدركت بالحديث وعلله
علي بن المديني، وأعلمهم بتصحيف المشايخ يحيى بن معين، وأحفظهم عند
المذاكرة أبو بكر بن أبي شيبة)(٣).
وقال النسائي: (لم يكن في عصر أحمد مثل هؤلاء الأربعة: أحمد ويحيى
وعلي وإسحاق، وأعلمهم بالحديث وعلله علي، وأعلمهم بالرجال وأكثرهم حديثاً
يحيى، وأحفظهم للحديث والفقه إسحاق إلاّ أن أحمد بن حنبل كان عندي أعلم
بعلل الحديث من إسحاق) (٤).
وقال الفرهياني (٥) وغيره من الحفاظ: (أعلم أهل زمانه بعلل الحديث
علي)(٦)، وسئل الفرهياني عن يحيى وعلي وأحمد وأبي خيثمة فقال: (أما علي
فأعلمهم بالحديث والعلل، ويحبى أعلمهم بالرجال، وأحمد بالفقه، وأبو خيثمة من
النبلاء)(٧).
وقال ابن حبان في ترجمة علي بن المديني: (كان من أعلم أهل زمانه بعلل
حديث رسول الله صلو) (٨).
وقال الخطيب في ترجمة أبي بكر محمد بن أبي عتَّاب الأعْيَن(٩) تعليقاً على
(١) تقدمة الجرح: ص ٣١٩، والجرح: ١٩٤/٦، وت بغداد: ٤٥٨/١١، والسير: ٤٣/١١،
وتذكرة الحفاظ: ٤٢٨/٢ .
(٢) تقدمت ترجمته في: ص ١٣٨.
(٣) ت بغداد: ٧٠/١٠، وانظر: تذكرة الحفاظ: ٤٣٣/٢.
(٤) شرح علل الترمذي: ص ١٨٤.
(٥) تقدمت ترجمته في: ص ١٤٩.
(٦) السير: ٤٩/١١.
(٧) ت بغداد: ١١ / ٤٦٤، وانظر: تاريخ دمشق: ٩٩/١٨ أ، وت الكمال: ٩٨٠/٢.
(٨) الثقات لابن حبان: ٤١٩/٨، والتهذيب: ٣٥٦/٧.
(٩) هو الإمام أبو بكر محمد بن أبي عتاب الحسن بن طريف البغدادي أحد الأثبات (مات سنة
٢٤٠ هـ). تذكرة الحفاظ ٥٥٢/٢.
١٧٦

قول ابن معين فيه (ليس هو من أصحاب الحديث) قال الخطيب: (عنى يحيى بذلك
أنه لم يكن من الحفاظ لعلله والنقاد لطرقه مثل علي بن المديني ونحوه وأما الصدق
والضبط لما سمعه فلم يكن مدفوعاً عنه)(١)، وقال الحافظ الذهبي: (كان ابن
المديني رأساً في الحديث وعلله)(٢) وقال أيضاً: (علي بن المديني برع في هذا
الشأن وساد الحفاظ في معرفة العلل)(٣)، وذكر الحافظ ابن حجر نقلاً عن الحافظ
العلائي (٤) في تعريف علم علل الحديث، قال: (وهذا الفن أغمض أنواع الحديث
وأدقها مسلكاً، ولا يقوم به إلَّ من منحه الله فهماً غايصاً واطلاعاً حاوياً، وإدراكاً
المراتب الرواة، ومعرفة ثاقبة، ولهذا لم يتكلم فيه إلاّ أفراد أئمة هذا الشأن،
وحذاقهم كابن المديني والبخاري وأبي زرعة وأبي حاتم وأمثالهم)(٥).
ويقول الحافظ العلائي أيضاً: (وهذا إنما يقوم به - أي التفتيش - الحافظ
الكبير الذي أحاط حفظه بجميع الحديث أو معظمه كالإمام أحمد، وعلي بن
المديني، ويحيى بن معين، ومن بعدهم)(٦).
وكذلك الحافظ ابن رجب الحنبلي عدّ ابن المديني من الجهابذة النقاد
العارفين بعلل الحديث(٧).
والأعْيَنَ: بفتح الألف وسكون العين المهملة وفتح الياء آخر الحروف وفي آخرها النون - هذه
=
الصفة لمن في عينه سعة. اللباب: ٧٦/١.
(١) ت بغداد: ١٨٣/٢.
(٢) السير: ٢٤٩/٧.
(٣) المصدر السابق: ٤٣/١١.
(٤) هو العلامة صلاح الدين أبو سعيد خليل بن كيكلدي الشافعي عالم بيت المقدس كان محدثاً
فقيهاً أصولياً عارفاً بالرجال مات بالقدس (سنة ٧٦١ هـ). ذيل تذكرة الحفاظ للحسيني :
ص ٤٣.
والعلائي: بفتح العين وبعدها لام ألف وفي آخرها ياء تحتها نقطتان. هذه النسبة إلى سكة
العلاء ببخارى. اللباب: ٣٦٧/٢.
(٥) النكت على كتاب ابن الصلاح لابن حجر: ٧٧٧/٢.
(٦) لمحات من تاريخ السنة وعلوم الحديث للشيخ عبدالفتاح أبو غدة: ص ١٢٠.
(٧) جامع العلوم والحكم لابن رجب: ص ٢٤٣ .
١٧٧

وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: (المعلل وهو من أغمض أنواع علوم.
الحديث وأدقها، ولا يقوم به إلاّ من رزقه الله تعالى فهماً ثاقباً، وحفظاً واسعاً،
ومعرفة تامة بمراتب الرواة، وملكة قوية بالأسانيد والمتون، ولهذا لم يتكلم فيه إلاَّ
القليل من أهل هذا الشأن كعلي بن المديني، وأحمد بن حنبل، والبخاري،
ويعقوب بن شيبة، وأبي حاتم، وأبي زرعة، والدارقطني)(١).
وقال الحافظ أيضاً في مقدمة الفتح: (لا ريب في تقديم البخاري ثم مسلم
على أهل عصرهما ومن بعده من أئمة هذا الفن في معرفة الصحيح والمعلَّل،
فإنهم لا يختلفون في أن علي بن المديني كان أعلم أقرانه بعلل الحديث وعنه
أخذ البخاري ذلك ... )(٢)
وقال الشيخ أحمد شاكر: (هذا الفن من أدقّ فنون الحديث وأعوصها، بل هو
رأس علومه وأشرفها، ولا يتمكن منه إلّ أهل الحفظ والخبرة والفهم الثاقب، ولهذا
لم يتكلم فيه إلا القليل كابن المديني وأحمد والبخاري ويعقوب بن شيبة وأبي حاتم:
وأبي زرعة والترمذي والدارقطني)(٣).
وبعد فمن يتأمل هذه النصوص وأشباهها يعلم يقيناً أن ابن المديني رحمه الله
قد حاز قصب السبق في معرفة الحديث وعلله وأن إمامته وتقدمه في هذا المجال
أمر مفروغ منه، وكتابه العظيم في العلل شاهد عيان على ذلك، قال الحافظ ابن
كثير في وصف كتاب ابن المديني في العلل: (وأحسن كتاب وضع في (٤) ذلك،
وأجله وأفحله ((كتاب العلل)) لعلي بن المديني شيخ البخاري)(٥) فقد بذل رحمه الله
جهوداً مضنية جبَّارة في الكشف عن أحوال الرواة وإدراك علل الحديث، وكان له
أثر منقطع النظير في المحافظة على الحديث وصيانته ليبقى للسنة النبوية المطهرة
ذلك النبراس الناصع، وذلك الضوء الوهَّاج.
(١) نزهة النظر شرح نخبة الفكر لابن حجر: ص ٤٨.
(٢) هدي الساري: ص ٣٤٦، ٣٤٧.
(٣) الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث لأحمد شاکر ص ٦٥ .
(٤) حرف ((في)) لم تكن موجودة في المطبوع ووضعتها هنا لاستقامة المعنى - والله أعلم -.
(٥) اختصار علوم الحديث لابن كثير: ص ٦٤.
١٧٨

المطلب الثالث: مكانة ابن المديني العلمية بين معاصريه:
لا شك أن إمامة ابن المديني وتقدمه في النقد أكسبه مكانة عالية ومنزلة
علمية رفيعة، وشهرة واسعة في ميدان الحديث وعلومه، لا في البصرة فقط بل في
جميع الأقطار الإسلامية آنذاك فقد ذاع صيته وطارت شهرته في الآفاق، وكيف لا
يتمتع بهذه المكانة المرموقة بين علماء عصره وهو الذي انتشر ذكره بالعدالة والأمانة
والثقة، وعرف بنباهة الذكر واستقامة الأمر، والاشتهار بالصدق والبصيرة والفهم(١).
وقد أشار إلى هذه المكانة العلمية الرفيعة الكثير من شيوخه الذين عرفوا قدره وسعة
اطلاعه،« والكثير من تلاميذه الذين لازموا دروسه وعاشوا معه، والعديد من علماء
الحديث الذين عاصروه والتقوا به، أو سمعوا به، فقد ترجموا حبهم له وإعجابهم به
بالثناء علیه وتقدیرهم له.
فهذا شيخه يحيى بن سعيد القطان كان يُكرمه غاية الإكرام ويقرِّبه إليه وكان
صديقه وكان علي يلزمه(٢). وما هذا الإكرام والصداقة لعلي من القطان إلّ لمكانته
لديه حتى إنه اعترف بأنه يستفيد من علي أكثر مما يستفيد علي منه فقال: (الناس
يلوموني في قعودي مع علي، وأنا أتعلم من علي أكثر مما يتعلم علي مني)(٣) فهذه
شهادة عظيمة من شيخه بالرفعة والكمال حتى بلغ به الأمر بأنه إذا عاهد على نفسه
أن لا يحدث أحداً مدة شهر مثلاً استثنى علياً من ذلك، يقول العباس بن عبدالعظيم
العنبري: (كان يحيى بن سعيد القطان ربما قال: لا أحدث شهراً، ولا أحدث
كذا، فحدثني - ذكر رجلاً من أصحاب الحديث نسيته - قال: بلغني أن يحيى
حدَّثه - يعني ابن المديني - قبل انقضاء المدة التي كان ذكرها. قال: فأتيت يحيى فقلت
له: إنه بلغني أنك حدثت علياً ولم تنقض المدة التي ذكرت، فقال: إني كلما قلت
لا أحدث كذا استثنيت علياً، ونحن نستفيد من علي أكثر مما يستفيد منا)(٤).
(١) انظر الكفاية: ص ١٤٧، وعلوم الحديث: ص ١٠٥.
(٢) انظر: ت بغداد: ٤٦١/١١، والسير: ٤٥/١١، ٤٦، وت الكمال: ٩٧٩/٢.
(٣) ت بغداد: ٤٦٠/١١، وتذكرة الحفاظ: ٤٤٨/٢، وانظر: كتاب المجروحين: ٥٥/١ بلفظ
((تلوموني على حب غلي بن المديني)).
(٤) ت بغداد: ٤٦٠/١١، ٤٦١ وت الكمال: ٩٧٩/٢.
١٧٩

وهذا شيخه سفيان بن عيينة قد أطلق على علي بن المديني اسم حية الوادي
وذلك لتعمقه في مداخل النقد ومخارجه واعتلائه الذروة في ذلك، قال أحمد بن
سنان(١): (كان سفيان بن عيينة يقول لعلي بن المديني - ويسميه حية الوادي - إذا
استفتى سفيان أو سئل عن شيء يقول: لو كان حية الوادي)(٢).
وقد كان ابن عيينة يكنُّ لعلي حباً وتقديراً إِذ صرّح بهذا الحب وأنه يستفيد من
تلميذه أكثر مما يستفيد تلميذه من شيخه.
فقد أخرج الخطيب بسنده إلى سفيان بن عيينة قال: (حدثني علي بن
المديني، عن أبي عاصم(٣) عن ابن جريج عن عمرو بن دينار فذكر حديثاً. ثم قال
سفيان: تلومني على حب علي؟! والله والله لقد كنت أتعلم منه أكثر مما يتعلم
مني)(٤) ..
ومن شدة إعجابه بعلي وتقدمه عنده وصفه بأنه من الفرسان في ميدان النقد
قال حفص بن محبوب الخزاعي(٥): (كنت عند سفيان بن عيينة - ومعنا علي بن
المديني وابن الشاذكوني فلما قام - يعني ابن المديني - قال سفيان بن عيينة: إذا
قامت الفرسان لم نجلس مع الرجّالة)(٦).
حتى لقد بلغ به الشأن أن قَصَر خروجه للناس وجلوسه للتحديث على وجود
علي بن المديني بينهم فلولاه لم يخرج ولم يجلس للتحديث والإفادة، فقد ذكر
(١) هو أبو جعفر أحمد بن سنان بن أسد الواسطي القطان صاحب المسند (مات سنة ٢٥٦ هـ).
تذكرة الحفاظ: ٥٢١/٢.
(٢) ت بغداد: ٤٥٩/١١، وتذكرة الحفاظ: ٤٢٨/٢.
(٣) هو أبو عاصم النبيل الضحاك بن مخلد الشيباني البصري الحافظ (المتوفى بالبصرة سنة
٢١٢ هـ). تذكرة الحفاظ: ٣٦٦/١.
(٤) ت بغداد: ٤٥٩/١١، وت الكمال: ٩٧٩/٢، والنجوم الزاهرة: ٢٧٧/٢.
: (٥) لم أقف على ترجمته.
(٦) ت بغداد: ٤٦٠/١١، وت الكمال: ٩٧٩/٢، ولفظ ت بغداد: ((إذا قامت الخيل)).
١٨٠