النص المفهرس
صفحات 101-120
دؤاد للمعتصم يا أمير المؤمنين هذا يزعم - يعني أحمد بن حنبل - أن الله تعالى يرى في الآخرة، والعين لا تقع إلا على محدود، والله تعالى لا يحد. فقال له المعتصم: ما عندك في هذا؟ فقال: يا أمير المؤمنين، عندي ما قاله رسول الله الطيار قال: وما قال عليه السلام؟ قال: حدثني محمد بن جعفر غندر(١)، حدثنا شعبة عن إسماعيل بن أبي خالد(٢) عن قيس بن أبي حازم(٣) عن جرير بن عبدالله البجلي قال: كنا مع النبي ◌َّر في ليلة أربع عشرة من الشهر، فنظر إلى البدر فقال: ((أما إنكم سترون ربكم كما ترون هذا البدر لا تضامُّون في رؤيته))(٤)، فقال لأحمد بن أبي دؤاد: ما عندك في هذا؟ قال: أنظر في إسناد هذا الحديث، وكان هذا في أول يوم، ثم انصرف، فوجّه ابن أبي دؤاد إلى علي بن المديني - وهو ببغداد مملق(٥) ما يقدر على درهم - فأحضره فما كلِّمه بشيء حتى وصله بعشرة آلاف درهم وقال له : هذه وصلك بها أمير المؤمنين، وأمر أن يدفع إليه جميع ما استحق من أرزاقه، وكان - = (٣) هو محمد بن عبدالرحمن بن فهم، والد الحسين سمع منصور بن سلمة وعنه ابنه الحسين. ت بغداد: ٣١١. (١) هو الحافظ المتقن أبو عبدالله محمد بن جعفر الهذلي مولاهم البصري لزم شعبة فأكثر عنه جداً لقّبه ابن جريج بغندر لكونه شغب عليه (مات سنة ١٩٣ هـ) تذكرة الحفاظ: ٣٠٠/١. (٢) هو الإمام الحافظ أبو عبدالله إسماعيل بن أبي خالد البجلي الأحمسي مولاهم الكوفي أحد الأعلام وكان حجة مكثراً عالماً (مات سنة ١٤٥ هـ). المصدر السابق: ١٥٣/١. (٣) هو الإمام أبو عبدالله قيس بن أبي حازم البجلي الكوفي محدث الكوفة توفي نبي الله تَّه وقيس في الطريق إليه. (مات سنة ٩٧ هـ). المصدر السابق: ٦١/١. (٤) أخرج هذا الحديث بلفظ ((هذا القمر)) البخاري: ١٤٥/١، في المواقيت باب فضل صلاة العصر، ومسلم: ٤٣٩/١، في المساجد باب فضل صلاتي الصبح والعصر والمحافظة عليهما، والترمذي: ٦٨٧/٤ في صفة الجنة باب ما جاء في رؤية الرب تبارك وتعالى، وابن ماجه: ٣٤/١ المقدمة باب فيما أنكرت الجهمية، وأخرجه أبو داود: ٩٧/٥، بلفظ ((كما ترون هذا)) في السنة باب في الرؤية. ومعنى لا تضامون: لا ينضم بعضكم إلى بعض وتزدحمون وقت النظر إليه. انظر لسان العرب: ٣٥٨/١٢. (٥) المملق من الإملاق وهو الفقر والحاجة، والمملق الذي لا شيء له. لسان العرب: ٣٤٨/١٠. ١٠١ له رزق سنتين، ثم قال له: يا أبا الحسن حديث جرير بن عبدالله في الرؤية، ما هو؟ قال: صحيح، قال: فهل عندك فيه شيء؟ قال: يعفيني القاضي من هذا. فقال: يا أبا الحسن هذه حاجة الدهر ثم أمر له بثياب وطيب ومركب بسرجه ولجامه، ولم يزل حتى قال له: في هذا الإسناد من لا يعوّل عليه ولا على ما يرويه، وهو قيس بن أبي حازم إنما كان أعرابياً بوّالاً على عقبيه. فقبَّل ابن أبي دؤاد ابن المديني واعتنقه، فلما كان الغد، وحضروا قال ابن أبي دؤاد: يا أمير المؤمنين يحتج في الرؤية بحديث جرير، وإنما رواه عنه قيس بن أبي حازم وهو أعرابي بوال على عقبيه قال: فقال أحمد بن حنبل بعد ذلك: فحين اطلع لي هذا علمت أنه من عمل علي بن المديني فكان هذا وأشباهه من أوكد الأمور على ضربه)) (١). ویذکر الخطيب حادثة أخرى في حديث عمر رضي الله عنه عندما سئل عن الأبّ (٢) في قوله تعالى: ﴿وَفَكِهَةً وَأَباً﴾ (٣) فقال: ((هذا لَعَمْرُ اللَّه التكلف، فخذوا أيها الناس بما بُيّن لكم فاعملوا به، وما لم تعرفوه فكلوه إلى ربه))(٤) .. قال أبو بكر المروزي(٥): قلت لأبي عبدالله أحمد بن حنبل: إن علي بن المديني يحدث عن الوليد بن مسلم عن الأوْزَاعي عن الزُهْري عن أنس عن عمر: ((كلوه إلى خالقه)) فقال أبو عبدالله: كذب حدثنا الوليد بن مسلم مرتين، ما هو هكذا، إنما هو كلوه إلى عالمه))(٦). والكذب في قول أحمد - والله أعلم - بمعنى الخطأ . وذكر الخطيب بسنده إلى أبي العيناء(٧) قال: ((دخل علي بن المديني على (١) ت بغداد: ٤٦٦/١١، وانظر: ت الكمال: ٩٨٠/٢. (٢) الأبّ: جميع الكلأ الذي تعتلفه الماشية. لسان العرب: ٢٠٤/١. (٣) سورة عبس، الآية: ٣١؛ (٤) ت بغداد: ٤٦٨/١١، وانظر: الميزان: ١٣٩/٣. (٥) هو أحمد بن علي بن سعيد المروزي أبو بكر القاضي ثقة حافظ (مات سنة ٢٩٢ هـ). التقريب: ٢٢/١. (٦) ت بغداد: ١١ /٤٦٩. (٧) هو أبو عبدالله محمد بن القاسم بن خلاد الهاشمي بالولاء الضرير مولى أبي جعفر المنصور = ١٠٢ أحمد بن أبي دؤاد بعد أن جرى من محنة أحمد بن حنبل ما جرى، فناوله رقعة، وقال: هذه طرحت في داري، فقرأها فإذا فيها: دنيا فجاد بدينه لينالها يا ابن المديني الذي شرعت(١) له قد كان عندك كافراً من قالها ماذا دعاك إلى اعتقاد مقالة أم زهرة الدنيا أردت نوالها أمر بدا لك رشده فقبلته صعب المقادة للتي تدعى لها فلقد عهدتك لا أبا لك مرة لا من يرزي(٣) ناقة وفصالها إن الحريب(٢) لمن يصاب بدينه فقال له أحمد: هذا بعض شراد هذا الوثني - يعني ابن الزيّات (٤) - وقد هجا خيار الناس وما هدم الهجاء حقاً ولا بنى باطلًا ثم دعا له بخمسة آلاف درهم))(٥). رد هذه الأخبار وبيان عقيدة ابن المديني في القرآن الكريم: وقبل أن نشرع في بيان حقيقة ما يعتقده الإمام علي بن المديني في القرآن الكريم يجدر بنا نقض الأخبار التي مر ذكرها آنفاً، وألصقت بعلي المديني: أما ما روى العنبري من رؤيا علي بن المديني أنه يخطب في منبر داود عليه السلام فقد المعروف بأبي العيناء صاحب النوادر والشعر والأدب، (مات سنة ٢٨٣ هـ). وفيات الأعيان: = ٠٣٤٣/٤ (١) أي فتحت له. وفي الحديث: (كانت الأبواب شارعة إلى المسجد) أي: مفتوحة إليه. لسان العرب: ١٧٧/٨. (٢) الحريب: الذي سلب ماله، من الحَرَب بالتحريك: نهب مال الإنسان، وتركه لا شيء له. المصدر السابق: ٣٠٣/١، ٣٠٤. (٣) أي يصاب في الناقة وفصالها بالانتقاص والرزء: المصيبة بفقد الأعزة. المصدر السابق: ٨٦/١. (٤) هو أبو جعفر محمد بن عبدالملك بن أبان المعروف بابن الزيات وزير المعتصم والواثق والمتوكل وكان أديباً فاضلاً بليغاً مات معذباً في التنور (سنة ٢٣٣ هـ). وفيات الأعيان: ٥ /٩٤. والزيات: بفتح الزاي وتشديد الياء وبعد الألف تاء فوقها نقطتان نسبة إلى بيع الزيت وحمله من بلد إلى غيره. اللباب: ٨٣/٢. (٥) ت بغداد: ١١ / ٤٦٩، ٤٧٠. ١٠٣ رواه عن العنبري أبو عبدالله غلام خليل(١)، وهو ضعيف بالاتفاق، قال الذهبي بعد حكاية القصة: ((غلام خليل غير ثقة))(٢). وقال فيه أبو داود: ((أخشى أن يكون دجّال بغداد))(٣) وقال فيه الدارقطني ((متروك))(٤) وقال فيه مرة أخرى: ((يضع الحديث متروك))(٥) فحكاية هذه الرؤيا مطرحة إسناداً باطلة لذلك متناً فلا يعوّل عليه، وأما ما ذكر من أنه تكلم في خبر. جرير في الرؤية بأن قيس بن أبي حازم أعرابي بوال على عقبيه: فهو خبر باطل وفرية عظيمة فقد تصدَّى الخطيب البغدادي للرد عليها قائلاً: ((أما ما حكي عن علي بن المديني في هذا الخبر من أن قيس بن أبي حازم لا يعمل على ما يرويه لكونه أعرابياً بوالاً على عقبيه فهو باطل، وقد نزَّه الله علياً عن قول ذلك، لأن أهل الأثر - وفيهم علي - مجمعون على الاحتجاج برواية قيس بن أبي حازم، وتصحيحها، إذ كان من كبراء تابعي أهل الكوفة، وليس في التابعين من أدرك العشرة المقدَّمين(٦) وروى عنهم غير قيس مع روايته عن خلق من الصحابة سوى العشرة، ولم يحك أحد ممن ساق خبر محنة أبي عبدالله أحمد بن حنبل أنه نوظر في حديث الرؤية. فإن كان هذا الخبر المحكي عن ابن فهم محفوظاً فأحسب أن ابن أبي دؤاد تكلم في قيس بن أبي حازم بما ذكر في الحديث وعزا ذلك إلى علي بن المديني والله أعلم))(٧). واستبعد تاج الدين السبكي أيضاً صحة هذا الخبر فقال: ((وما حكي من أنه عّل حديث الرؤية بسؤال القاضي: أحمد بن أبي دؤاد له، وقوله: هذه حاجة الدهر، (١) هو أبو عبد الله أحمد بن محمد بن غالب الباهلي. غلام خليل من كبار الزهاد ببغداد، كان يضع الأحاديث ليرقق بها قلوب العامة (مات سنة ٢٧٥ هـ)، الميزان: ١٤١/١. (٢) السير: ٥٢/١١. (٣) انظر: الميزان: ١٤١/١. (٤) انظر: الضعفاء والمتروكون للدارقطني: ص ١٢٢، وانظر الميزان: ١٤١/١. (٥) سؤالات الحاكم النيسابوري للدارقطني: ص ٩٠. (٦) يريد العشرة المبشرين بالجنة من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين. (٧) ت بغداد: ١١ /٤٦٧. ١٠٤ وأن علياً قال: فيه من لا يعول عليه قيس بن أبي حازم، إنما كان أعرابياً بوالاً على عقبيه، وأن ابن أبي دؤاد قال لأحمد بن حنبل: تحتج علينا بحديث جرير في الرؤية وإنما هو من رواية قيس بن أبي حازم أعرابي بوال على عقبيه! وأن ابن حنبل قال: علمت هذا من عمل ابن المديني فهو أثر لا يصح))(١). ومما يدل على بطلان هذا الخبر وأنه إشاعة نسبت إلى ابن المديني من قبل ابن أبي دؤاد وهو منها بريء، أنه ذكر في كتابه ((العلل))(٢) كلاماً طويلاً عن قيس بن أبي حازم، ولم يتكلم ابن المديني بهذا التوسع عن أي شخص آخر مما حدا بالدكتور الأعظمي أن يرجّح أن ابن المديني صنّف كتابه العلل بعد محنة خلق القرآن، لأنه أشبع الكلام في قيس بن أبي حازم توثيقاً له وتكذيباً لتلك الفرية ولينفض ما علق به من غبار تلك الإشاعة وليبرىء ساحته(٣). وأما ما ذكر في حديث عمر ((كلوه إلى خالقه)) فقد قال الخطيب رداً على هذا الخبر ودفاعاً عن الإمام علي بن المديني قال: ((والذي يحكى عن علي بن المديني أنه روى لابن أبي دؤاد حديثاً عن الوليد بن مسلم في القرآن كان الوليد أخطأ في لفظة منه، فكان أحمد بن حنبل ينكر على علي روايته ذلك الحديث ... وهذه اللفظة التي حكيت عن علي بن المديني قد روي عنه غيرها))(٤)، فعلم من ذلك أنه روى الحديث أيضاً على الصحيح، قال العباس بن عبدالعظيم العنبري لما حدَّث بهذا الحديث بالعسكر: ((قلت لعلي بن المديني: إنهم أنكروه عليك فقال: حدثتكم به بالبصرة - يعني على الصحيح - وذكر أن الوليد أخطأ فيه))(٥). فقد بيّن ابن المديني رحمه الله الرواية على الوجه الصحيح وصرَّح أن الوليد أخطأ فيه فلا لوم عليه بعد ذلك، والله أعلم. (١) طبقات الشافعية الكبرى: ١٤٧/٢. (٢) انظر العلل: ص ٤٩، ٥٠. (٣) انظر العلل: ص ٢٢ . (٤) ت بغداد: ٤٦٨/١١. (٥) المصدر السابق: ١١ / ٤٦٩. ١٠٥ وأما ما حكاه أبو العيناء من وجود رقعة فيها أبيات في ثلب الإمام علي بن المديني فيبدو أن هذه الحكاية لم تثبت وأنها فرية أخرى قصد منها التشكيك في عقيدة إمام المحدثين علي بن المديني رحمه الله وإحداث البلبلة في صفوف العلماء وذلك للقرائن التالية : أ - إن أبا العيناء راوي القصة هو محمد بن القاسم بن خلاد الضرير، ليس بالقوي ضعَّفه الدارقطني(١) وهو مع ذلك كما قال الذهبي: ((ذا ملح ونوادر قِلّما 1 روى من المستندات))(٢)، وعندما قال له المتوكل: كيف شربك للخمر؟ قال: ((أعجز عن قليله وأفتضح عند كثيره)»(٣). وعلى ذلك فلا نستطيع أن نطمئن لروايته هذه الحكاية . ب - وفي سند القصة أيضاً محمد بن عمران بن موسى الكاتب(٤) وهو أيضاً صاحب أخبار ورواية الغزل والنوادر، وأكثر كتبه لم تكن سماعاً له، وكان يرويها إجازة، ويقول في الإجازة. أخبرنا ولم يبيّنها، وكان مذهبه التشيع والاعتزال وكان أبو عبيد الله بن الكاتب(٥) يذكر أبا عبيد الله المرزباني ذكراً قبيحاً ويقول: أشرفت منه على أمر عرفت به أنه كذَّاب(٦). فلعله افتعل هذه القصة من عند نفسه من باب النوادر وركّب لها سنداً، ولا يبعد أنه ركبها انتصاراً لمذهبه الاعتزالي وألصقها بعلي بن المديني ظلماً. ج - إنّ في هذه القصة اضطراباً في قائل الأبيات وفي ألفاظها أيضاً. ففي الرواية التي ذكرنا هنا أن قائلها هو ابن الزيَّات بينما ذكر العُلَيمي(٧) هذه الأبيات (١) ت بغداد: ١٧٢/٣، الميزان: ١٣/٤، اللسان: ٣٤٤/٥. (٢) السير: ٣٠٨/١٣. (٣) وفيات الأعيان: ٣٤٦/٤. (٤) هو محمد بن عمران بن موسى بن عبيد أبو عبيدالله الكاتب المعروف بالمرزباني توفي ببغداد (سنة ٣٨٤ هـ). ت بغداد: ١٣٥/٣. (٥) لم أقف على ترجمته. (٦) ت بغداد: ١٣٥/٣، ١٣٦ باختصار. (٧) هو أبو اليمن مجير الدين عبدالرحمن بن محمد العمري العليمي الحنبلي المؤرخ المفسر قاضي قضاة بيت المقدس وأحد كبار الباحثين المسلمين توفي بالقدس (سنة ٩٢٨ هـ). ١٠٦ ونسبها إلى أحمد بن حنبل، بالإضافة أن الأبيات رويت بألفاظ مختلفة(١). فيظهر والله أعلم أن القصة مختلقة ومفتراة على الإمام علي بن المديني رحمه الله تعالى. وخلاصة القول: أن ابن المديني رحمه الله كان صحيح العقيدة في القرآن وما كان منه بعض الميل إلى هؤلاء إنما كان بدافع الخوف من القتل والتعذيب وقد تعرض لامتحان شديد. قال علي بن الحسين بن الوليد(٢): ((حين ودّعت علي بن عبد الله بن جعفر قال: بلِّغْ أصحابنا عني أن القوم كفّر ضُلَّل، ولم أجد بُدّاً من متابعتهم؛ لأني جلست في بيت مظلم ثمانية أشهر، وفي رجلي قيد ثمانية أمنان حتى خفت علي بصري. فإن قالوا يأخذ منهم فقد سُبقت إلى ذلك، فقد أخذ من هو خير مني))(٣). ويبدو أنه قد اشتد عليه الامتحان في خلافة الواثق بالله في سنة ٢٢٩ هـ، التي امتحن فيها نعيم بن حماد الخزاعي وحبس ومات في الحبس. قال أبو عبيد الأجرّي(٤) سمعت أبا داود يقول: ((أخذ علي بن المديني سنة تسع وعشرين ومائتين)) (٥). وقال محمد بن عبدالله بن عمار(٦): ((يقول لي ابن المديني: ما يمنعك أن = المنهج الأحمد: ٥/١ مقدمة المحقق، وانظر الأعلام: ٣٣١/٣. والعليمي: بالتصغير نسبة إلى الرجل الصالح علي بن عليل المشهور عند الناس بعلي بن عليم. انظر: المنهج الأحمد: ٦/١. (١) انظر: ت بغداد: ٤٦٩/١١، ت الكمال: ٩٨١/٢، المنهج الأحمد: ٧٤/١. (٢) لم أقف على ترجمته. (٣) ت بغداد: ٤٧١/١١، ت الكمال: ٩٨١/٢. (٤) هو أبو عبيد محمد بن علي بن عثمان الآجرّي صاحب أبي داود السجستاني أحد علماء القرن الثالث الهجري وأدرك أوائل القرن الرابع الهجري. انظر: مقدمة كتاب سؤالات أبي عبيد الآجرّي أبا داود السجستاني: ص ٣٩ وما بعدها. والأجرِّي: بفتح الألف الممدودة وضم الجيم وتشديد الراء المهملة - نسبة إلى عمل الآجر وبيعه ونسب إلى درب الآجر أيضاً. اللباب: ١٨/١. (٥) سؤالات أبي عبيد الأجري: ص ٣٠٠. (٦) هو الإمام الحافظ أبو جعفر محمد بن عبدالله بن عمار الموصلي شيخ الموصل كان أحد أهل = ١٠٧ تكفرهم؟ - يعني الجهمية - قال: وكنت أنا أولاً أمتنع أن أكفرهم حتى قال ابن المديني ما قال، فلما أجاب إلى المحنة كتبت إليه كتاباً أذكره الله وأذكره ما قال لي في تكفيرهم، قال: فقال ابن المديني أو قال: أخبرني رجل عنه: أنه بكى حين قرأ كتابي قال: ثم رأيته بعدُ فقلت له، فقال: ما في قلبي مما قلت وأجبت إليه شيء، ولكني خفت أن أقتل، وتعلم ضعفي أني لو ضربت سوطاً واحداً لمت. قال ابن عمار: ورفع عني ابن أبي دؤاد امتحانه إيَّايَ من قبل ابن المديني شفع إلى ابن لابن أبي دؤاد، ورفع عن غير واحد من أهل المَوْصِل من أجلي (١))) وقال أبو يوسف القُلُوسي(٢): ((قلت لعلي بن المديني: مثلك في علمك تجيب إلى ما أجبت إليه؟ فقال لي: يا أبا يوسف: ما أهون عليك السيف))(٣)، وقال العباس بن عبد العظيم العنبري: ((قال علي بن المديني - وذكر رجلاً فتكلم فيه - فقلت له: لا يقبلون منك، إنما يقبلون من أحمد بن حنبل. قال: قوي أحمد على السوط وأنا لا أقوى»(٤). ويظهر من النصوص السابقة أن ابن المديني رحمه الله كان نحيل الجسم ضعيف التحمل، ليس معه من القوة الجسمية ما يعينه على التحمل، وهو معذور، وله في ذلك مندوحة وكان مطمئناً في باطنه، قال تعالى: ﴿إِلَّ مَنْ أكره وقلْبُه مطمئن بالإيمن﴾(٥) الآية. وكان ابن المديني ظل يشعر بالندم على ما حصل منه تحت الإكراه . الفضل المتحققين بالعلم حسن الحفظ (مات سنة ٢٤٢ هـ)، تذكرة الحفاظ: ٤٩٤/٢ = (١) ت بغداد: ١١ /٤٧١. (٢) هو أبو يوسف يعقوب بن إسحاق بن زياد البصري المعروف بالقلوسي وكان حافظاً ثقة ضابطاً، ولي قضاء نصيبين (مات سنة ٢٧١ هـ) بنصيبين. المصدر السابق: ٢٨٥/١٤. والقلوسي: بضم القاف واللام بعدهما واو وسين مهملة - هذه النسبة إلى القلوس وهي حبال السفن. اللباب: ٥٢/٣. (٣) الكامل: ١٣٠/١٠، وانظر الميزان: ١٤١/٣. (٤) ت بغداد: ٤٦٩/١١، وانظر السير: ٥٥/١١. (٥) سورة النحل، آية: ١٠٦ اقتصرت في المتن على موطن الشاهد من الآية، والآية من أولها: ﴿مَنْ كَفَرَ بالله مِنْ بعد إِيمَنَنِهِ إِلَّ مِن أُكره وقلبُهُ مطمئنَّ بِالإِيمْنِ﴾ الآية. ١٠٨ قال أحمد بن الحسين العَسْكَري(١): ((كنت بالبصرة، وكان علي بن المديني يختفي من أجل المحنة ولم يكن يوصل إليه فأخبرني الثقة من أهل الحديث أن كتاب أحمد ورد عليه في تلك الأيام فلما نظر إليه جعل يقول: يأتي بأبي تركة الأنبياء وقّله ووضعه بين عينيه. فقال له رجل من جلسائه يا أبا الحسن، ما نشبه أحمد بن حنبل في زماننا إلا بسعيد بن جبير في زمانه فقال علي بن المديني: لا، بل أحمد في زماننا أفضل من سعيد بن جبير في زمانه، لأن سعيداً كان له نظراء في زمانه، وأما أحمد فلا يعرف له نظير في شرقها ولا في غربها))(٢). وقال الذهبي: ((مناقب هذا الإمام جَمَّة لولا ما كدرها بتعلقه بشيء من مسئلة القرآن إلا أنه تنصَّل وندم وكفّر من يقول بخلق القرآن فالله يرحمه ويغفر له))(٣). هذا وقد صرح الإمام علي بن المديني بعقيدته الصافية تجاه القرآن الكريم إذ أعلن أكثر من مرة وفي أكثر من مناسبة بأن القرآن كلام الله غير مخلوق، وأن من يقول إنه مخلوق فهو كافر. قال محمد بن عثمان بن أبي شيبة: («سمعت علي بن المديني على المنبر يقول: من زعم أن القرآن مخلوق فهو كافر، ومن زعم أن الله لا يُرى فهو كافر، ومن زعم أن الله لم يكلم موسى على الحقيقة فهو كافر)» (٤). وقال محمد بن عثمان بن أبي شيبة أيضاً: ((سمعت علي بن المديني يقول - قبل أن يموت بشهرين -: القرآن كلام الله غير مخلوق، ومن قال مخلوق، فهو كافر(٥) وقال علي: ((القرآن كلام الله ليس بمخلوق، ولا تضعف أن تقول ليس بمخلوق فإن كلام الله عز وجل ليس بباين منه وليس منه شيء مخلوق))(٦). (١) هو أبو جعفر أحمد بن الحسين بن نصر الحذاء العسكري مولى همدان، وثقه الدارقطني وكان من أهل سرمن رأى (مات سنة ٢٩٩ هـ). ت بغداد: ٩٧/٤. والعسكري: بفتح العين وسكون السين المهملتين وفتح الكاف وبعدها راء. هذه النسبة إلى مواضع فأشهرها عسكر مكرم، والثاني عسكر مصر، والثالث عسكر سرمن رأى، والرابع عسكر المهدي. انظر اللباب: ٣٤٠/٢. (٢) تهذيب تاريخ دمشق: ٤٥/٢. (٣) تذكرة الحفاظ: ٤٢٨/٢. (٤) سؤالات محمد بن عثمان: ص ١٠٣، ت بغداد: ٤٧٢/١١. (٥) ت بغداد: ٤٧٢/١١، الميزان: ١٤١/٣. (٦) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة: ١٦٦/٢. ١٠٩ وذكر البَيْهَقِي بسنده إلى عثمان بن سعيد الدارمي يقول: «سمعت علياً - يعني ابن المديني - يقول في حديث جعفر بن محمد، ليس القرآن بخالق ولا مخلوق ولكنه كلام الله. قال علي: لا أعلم أنه تكلم بهذا الكلام في زمان أقدم من هذا، قال علي : هو كفر. قال أبو سعيد: يعني من قال القرآن مخلوق فهو كافر))(١). وقال علي: ((القرآن كلام الله من قال إنه مخلوق فهو كافر لا يصلى خلفه»(٢). وكان موقفه من المعتزلة والقائلين بخلق القرآن موقفاً سلبياً متشدداً فقد كفّر بشر المريسي أحد الدعاة إلى القول بخلق القرآن(٣) وقال: ((احذر من المريسي وأصحابه، فإن كلامهم يستجلب الزندقة. وقال: إنما كانت غايته - يعني المريسي - أن يدخل الناس في كفره)»(٤). وقال علي بن المديني في علي بن أبي هاشم بن الطِبْراخ(٥): ((ما يسوي شيئاً. ومن رأى رأي هؤلاء فليس أروي عنه شيئاً. قال يحيى بن معين: استخلى بي رجل فقال لي: إن علي بن طبراخ ثقة كتبت عنه؟ فقلت: نعم هو ثقة. قال يحيى: قلت هذا فَرَقاً(٦) من ابن أبي دؤاد وليس بثقة))(٧) فتبين من هذه النصوص أن عقيدته عقيدة السلف من أهل السنة والجماعة. قال الإمام ابن تيمية رحمه الله في صدد الرد على أهل الزيغ والضلال الذين (١) كتاب الأسماء والصفات للبيهقي: ص ٢٤٧. (٢) خلق أفعال العباد للبخاري: ص ٣٣. (٣) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة: ٣٨٣/٢. (٤) خلق أفعال العباد: ص ٣٢، ٣٤. (٥) هو علي بن أبي هاشم عبيد الله بن طبراخ - بكسر المهملة وسكون الموحدة، وآخره معجمة - تكلم فيه للوقف في القرآن (مات بعد المائتين). التقريب: ٤٥/٢. (٦) الفرق - بالتحريك - هو الخوف والجزع. لسان العرب: ٣٠٤/١٠. : (٧) ت بغداد: ١٢ /١٠. ١١٠ يقولون: من يقول: إن القرآن غير مخلوق، أو أن الله يرى في الآخرة أو أنه فوق العالم فهو مجسم مشبه حشوي(١). قال ابن تيمية: ((وهذه الثلاثة مما اتفق عليها سلف الأمة وأئمتها، وحكى إجماع أهل السنة عليها غير واحد من الأئمة والعالمين بأقوال السلف مثل أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، وإسحاق بن إبراهيم(٢)، وداود بن علي(٣)، وعثمان بن سعيد الدارمي وأمثال هؤلاء))(٤). وكان رحمه الله يُظهر فضل أحمد بن حنبل إمام أهل السنة الذي صمد في المحنة وقاسى أشد العذاب ويكنّ له الود والمحبة فكان يقول: ((اتخذت أحمد بن حنبل إماماً فيما بيني وبين الله عز وجل ومن يقوى على ما يقوى عليه أبو عبدالله؟ !! ))(٥): وكان يقول: ((أحمد بن حنبل سيدنا»(٦). وذكر عنده أحمد بن حنبل فقال: ((حفظ الله أبا عبدالله، أبو عبدالله اليوم حجة الله على خلقه. وفي رواية حجة بين الله وبين عبيده في أرضه))(٧). بل كان ابن المديني حريصاً على إظهار السنة ومخالفة أهل الضلال. (١) الحشو من الناس رذالتهم الذين لا يعتمد عليهم والحشوية نسبة إلى الحشو وهم طائفة تمسكوا بالظواهر، وذهبوا إلى التجسيم وغيره. انظر: لسان العرب: ١٨٠/١٤، والمعجم الوسيط: ١٧٧/١ . ونفاة الصفات من المتكلمين يسمون مثبتي الصفات من أهل السنة والجماعة مشبهة مجسمة حشوية يزرون بها عليهم لزعم النفاة أن الإثبات يلزم منه التجسيم حسب ما ظنوه، ولا شك أن زعمهم هذا باطل لأن أهل السنة والجماعة يثبتون من الصفات ما أثبت الله لنفسه وأثبت له رسوله 18 من غير تشبيه ولا تجسيم، فليس أهل السنة والجماعة من الحشوية في شيء. انظر: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية: ١٤٨/٤، ٤٩/٨. (٢) هو الإمام الحافظ أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم التيمي الحنظلي المروزي المعروف بابن راهويه شيخ أهل المشرق كان ثقة من أعلم الناس (مات سنة ٢٣٨ هـ). تذكرة الحفاظ: ٤٣٣/٢. (٣) هو الحافظ الفقيه المجتهد أبو سليمان داود بن علي الأصبهاني البغدادي إمام أهل الظاهر وكان بصيراً بالحديث صحيحه وسقيمه (مات سنة ٢٧٠ هـ)، تذكرة الحفاظ: ٥٧٢/٢. (٤) درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية: ١٩٧/١. (٥) كتاب المجروحين لابن حبان: ٥٦/١. (٦) ت بغداد: ٤ /٤١٧. (٧) المنهج الأحمد: ٧٠/١. ١١١ قال الذهبي: ((قد كان ابن المديني خوَّافاً متاقياً في مسألة القرآن، مع أنه كان حريصاً على إظهار الخير فقد قال أحمد بن أبي خيثمة (١) في تاريخه سمعت : يحيى بن معين يقول: كان علي بن المديني إذا قدم علينا أظهر السنة وإذا ورد إلى البصرة أظهر التشيع))(٢). قال الذهبي: ((كان يظهر ذلك بالبصرة ليؤلفهم على حب علي رضي الله عنه فإنهم عثمانية))(٣)، يقول الدكتور الأعظمي تعليقاً على كلام ابن معين الآنف الذكر: ((وهذه الحادثة تلقي بعض الأضواء على جانب من جوانب شخصيته فمدينة الكوفة معروفة بتشيّعها كما أن البصرة مشهورة بميولها العثمانية فكان علي يخالف نزعات هاتين المدينتين المتنافستين بإظهار السنة في محل التشيع، وإظهار التشيّع في موطن النصب قاصداً - على الأغلب - تخفيف حدَّة غلواء الفريقين))(٤). عذر العلماء له في موقفه هذا: انطلاقاً من عقيدة ابن المديني الصحيحة الواضحة التي مرَّ بيانها آنفاً عذره العلماء والمحدثون فيما كان له من بعض الصلة بأهل الفتنة كرهاً وإرغاماً. قال: إبراهيم بن عبدالله بن الجنيد(٥): ((سمعت يحيى بن معين - وذكر عنده علي بن المديني فحملوا عليه - فقلت ليحيى: يا أبا زكريا، ما عليّ عند الناس إلا مرتد فقال: ما هو بمرتد هو على إسلامه رجل خاف فقال: ما عليه))(٦). (١) هو الحافظ الحجة أبو بكر أحمد بن أبي خيثمة زهير بن حرب النسائي ثم البغدادي صاحب التاريخ الكبير (مات سنة ٢٧٩ هـ)، تذكرة الحفاظ: ٥٩٦/٢. (٣,٢) الميزان: ١٣٩/٣. (٤) العلل: ص ١٢ ((مقدمة المحقق)). (٥) هو الحافظ العالم أبو إسحاق إبراهيم بن عبدالله بن الجنيد الختلي نزيل سامرا، وثقه الخطيب وقال الذهبي: (لم أظفر له بوفاة وكأنها في حدود الستين ومائتين)). تذكرة الحفاظ: ٥٨٦/٢. (٦) ت بغداد: ٤٧٢/١١. ١١٢ وقال السبكي: (والصحيح عندنا أنه إنما أجاب خشية السيف))(١)، وقال محمد بن عبدالله بن عمار: ((ما أجاب إلى ما أجاب ديانة إلا خوفاً)(٢). فهذه أقوال الحفاظ من النقاد، والمحققين من العلماء في الدفاع عن الإمام علي بن المديني في موقفه من محنة خلق القرآن الكريم، وهي أقوال تفيد أن ابن المديني رحمه الله كان معذوراً في ذلك ولم يكن في قلبه من ذلك شيء. وأما ما روي عن الإمام أحمد بن حنبل أنه أمسك عن الرواية عن ابن المديني بعد المحنة فيما ذكر العُقَيلي إذ قال: ((قرأت على عبدالله بن أحمد(٣) كتاب العلل عن أبيه حكايات كثيرة عن أبيه عن علي بن عبدالله، ثم قد ضرب على اسمه، وكتب فوقه حدثنا رجل، ثم ضرب على الحديث كله، فسألت عبدالله فقال: كان أبي حدثنا عنه، ثم أمسك عن اسمه، وكان يقول: حدثنا رجل ثم ترك حديثه بعد ذلك»(٤). فيقول الذهبي بعد ذكر الرواية: ((لم أر ذلك، بل في مسنده عنه أحاديث، وفي صحيح البخاري عنه جملة وافرة))(٥) فالذهبي لا يرى صحة هذا الخبر لوجود روايات أحمد عن ابن المديني في مسند أحمد. وقال عبدالله بن أحمد أيضاً: ((لم يحدث أبي عنه - يعني ابن المديني - بعد المحنة بشيء)). ويقول الذهبي تعقيباً على هذا القول: ((يريد عبدالله بهذا القول أن أباه لم يحمل عنه بعد المحنة شيئاً، وإلا فسماع عبدالله بن أحمد لسائر كتاب المسند من (١) طبقات الشافعية الكبرى: ١٤٧/٢. (٢) ت بغداد: ١١ /٤٧١. (٣) هو الإمام الحافظ أبو عبدالرحمن عبدالله بن أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني البغدادي محدث العراق وكان ثقة ثبتاً له معرفة بالرجال وعلل الحديث (مات سنة ٢٩٠ هـ). المصدر السابق: ٦٦٥/٢. (٤) الضعفاء الكبير: ٢٣٩/٣. (٥) السير: ٥٩/١١، الميزان: ١٣٨/٣. ١١٣ أبيه كان بعد المحنة بسنوات، في حدود سنة سبع أو ثمان وعشرين ومائتين، وما سمع عبدالله شيئاً من أبيه ولا من غيره إلا بعد المحنة، فإنه كان أيام المحنة صبياً مميزاً ما كان حله يسمع بعد)(١) . قلت: إذا كان عبد الله بن أحمد يقرر أن أباه لم يحمل عن ابن المديني بعد المحنة شيئاً، فإن المحنة رفعت أيام المتوكل سنة أربع وثلاثين ومائتين، وفيها توفي الإمام علي بن المديني رحمه الله فأنّی له أن يحمل عنه؟ وما روي عن إبراهيم بن إسحاق الحَرْبي(٢) وأبي زرعة الرازي أنهما تركا الرواية عن ابن المديني لإجابته في المحنة(٣)، يبدو أنهما فعلا ذلك متبعين للإمام أحمد فإنه عُرف عنه امتناعه عن الرواية عمن أجاب، وفي الحقيقة فإن الظروف الراهنة في ذلك الوقت كانت تملي على الإمام أحمد ذلك الموقف الحاسم لئلا يجد الناس سبيلاً إلى الميل إلى أولئك المعتزلة الضالِّين، وكان أحمد يرجو من زملائه أن يقفوا موقفه الصامد الحاسم في وجه الطغاة فامتناع الحربي وأبي زرعة عن الرواية عنه لهذا المعنى لا لشيء آخر والله أعلم. ((قيل لأبي إسحاق إبراهيم الحربي: أكان علي بن المديني يتهم بشيء من الكذب؟ فقال: لا، إنما كان حدّث بحديث فزاد في خبره كلمة ليرضى بها ابن أبي دؤاد. قال: وسئل إبراهيم، كان يتكلم علي بن المديني في أحمد بن حنبل؟ فقال: لا ، إنما كان إذا رأى في كتاب حديثاً عن أحمد قال: اضرب على ذا ليرضى به ابن أبي دؤاد، وكان قد سمع من أحمد، وكان في كتابه سمعت أحمد، وقال أحمد، وحدثنا أحمد))(٤). (١) السير: ١٨١/١١. (٢) هو الإمام الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن إسحاق الحربي البغدادي أحد الأعلام كان إماماً في العلم رأساً في الزهد حافظاً للحديث (مات سنة ٢٨٥ هـ). تذكرة الحفاظ: ٥٨٤/٢. والحربي: بفتح الحاء وسكون الراء وفي آخرها الباء الموحدة نسبة إلى الحربية محلة غربي بغداد بها جامع وسوق. اللباب: ٣٥٤/١. (٣) انظرت بغداد: ٤٧٠/١١، وانظر أيضاً: التهذيب: ٣٥٦/٧. (٤) ت بغداد: ١١ /٤٧٠، ٤٧١. وانظر: ما سبق في: ص ١٠٥. ١١٤ وقد علمنا مما سبق من رواية ابن عمار أن الإمام ابن المديني اتخذ هذا الموقف مع ابن أبي دؤاد في الظاهر لرفع الامتحان والتعذيب عن بعض إخوانه المحدثين، وقد حصل ذلك ولله الحمد وهو في الحقيقة موقف الرجل الصالح الفطن لتخفيف حدَّة المحنة التي نزلت بالمحدثين. وقال الخليلي: ((أمسك بعض الحفاظ عن الرواية عنه - يعني ابن المديني - منهم أبو زرعة الرازي وأما الأئمة فاحتجوا به وروى عنه محمد بن يحيى الذُّهْلي، ومحمد بن إسماعيل البخاري وآخر من روى عنه أبو القاسم البَغَوي))(١). وإن كان أبو زرعة توقَّف عن الرواية عنه لما قلناه سابقاً فإنه لا يشك في صدق ابن المديني ولا في إمامته في هذا الشأن فقد قال ابن أبي حاتم: «سألت أبا زرعة عن علي فقال: ((لا نرتاب في صدقه))(٢) ويذكر الخطيب بسنده إلى أبي زرعة الرازي قال: لم نر بالبصرة أحفظ من هؤلاء الثلاثة: علي بن المديني، وابن الشاذكوني، وعمرو بن علي))(٣)، وكان أبو حاتم الرازي يستمر في الرواية عنه وهو يرى أن الامتناع عن الرواية عنه لما حصل منه ما حصل في الظاهر - وهو معذور في ذلك - حرمان من العلم الغفير، وخسران كبير في المحافظة على السنة النبوية، قال ابن أبي حاتم في ترجمة ابن المديني: ((ترك أبو زرعة الرواية عنه من أجل ما كان منه في المحنة، وكان أبي يروي عنه لنزوعه عما كان منه)) (٤). قال الحافظ ابن حجر: ((تكلّم فيه أحمد ومن تابعه لأجل ما تقدَّم من إجابته في المحنة، وقد اعتذر الرجل عن ذلك وتاب وأناب(٥)). دفاع الحافظ الذهبي عن الإمام علي بن المديني: وقد تصدّى الحافظ الذهبي للدفاع عن الإمام العَلَم والحافظ الثبت علي بن (١) الإرشاد في معرفة علماء الحديث ٩٨ أ مخطوط. (٢) تقدمة الجرح: ص ٣٢٠. وانظر التهذيب: ٣٥٦/٧. (٣) ت بغداد: ٢٠٨/١٢، تذكرة الحفاظ: ٤٨٧/٢. (٤) الجرح: ١٩٤/٦. (٥) التهذيب: ٣٥٦/٧. ١١٥ عبدالله المديني عندما رأى العقيلي قد ترجم له في كتابه الضعفاء وقال: ((جنح إلى ابن أبي دؤاد والجهمية، وحديثه مستقيم إن شاء الله))(١). ودافع عنه الذهبي بكلام منصف ولأهميته أثبته بتمامه، قال الذهبي: ((وقد بدت منه هفوة ثم تاب منها، وهذا أبو عبدالله البخاري - وناهيك به - قد شحن صحيحه بحديث علي بن المديني، ... ولو تركت حديث علي، وصاحبه محمد(٢)، وشيخه عبدالرزاق، وعثمان بن أبي شيبة، وإبراهيم بن سعد، وعفان، وأبان العَطَّار(٣)، وإسرائيل(٤)، وأزهر السمَّان(٥)، وبهز بن أسد(٦)، وثابت البُنّاني(٧)، وجرير بن عبدالحميد، (١) الضعفاء الكبير: ٢٣٥/٣، والميزان: ١٣٨/٣. (٢) هو الإمام محمد بن إسماعيل البخاري ستأتي ترجمته ضمن تلاميذ ابن المديني. انظر: ص ٢٢٨. : (٣) هو الحافظ الثقة أبو يزيد أبان بن يزيد البصري العطار أحد الأثبات المشاهير (مات في جذود الستين ومائة). التقريب: ٣١/١، وانظر: الخلاصة: ص ١٥. والعَطَّار: بفتح العين وتشديد الطاء وفتحها وبعد الألف راء، هذه النسبة إلى بيع العطر والطيب. اللباب: ٣,٤٥/٢. (٤) هو الإمام الحافظ أبو يوسف إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي الكوفي، جَوّد حديث جده وأتقنه، وكان صالحاً خاشعاً من أوعية العلم (مات سنة ١٦٢ هـ). تذكرة الحفاظ: ٢١٤/١. (٥) هو الإمام أبو بكر أزهر بن سعد السَّمَّان الباهلي مولاهم أحد الأعلام وكان من نبلاء الأئمة وعمر دهراً (مات سنة ٢٠٣ هـ). المصدر السابق: ٣٤٢/١٠. والسَّمَّان: بفتح السين المهملة وتشديد الميم وفي آخرها نون، هذه النسبة إلى بيع السمن وحمله. اللباب: ١٣٥/٢ (٦) هو الحافظ أبو الأسود بهزبن أسد العمي البصري أخو معلى، وكان من جلة العلماء (مات سنة ١٩٧ هـ). تذكرة الحفاظ: ٣٤١/١. (٧) هو الإمام الحجة القدوة أبو محمد ثابت بن أسلم البناني البصري صحب أنس بن مالك رضي الله عنه أربعين سنة، وكان من أعبد أهل البصرة مع الورع الشديد (مات سنة ١٢٧ هـ). مشاهير علماء الأمصار: ص ٨٩. والبُنّاني: بضم الياء الموحدة وفتح النون، هذه النسبة إلى بنانة بن سعد بن لؤي بن غالب، وصارت بنانة محلة بالبصرة لنزول هذه القبيلة بها، اللباب: ١٧٨/١ . ١١٦ لغلقنا(١) الباب، وانقطع الخطاب، ولماتت الآثار، واستولت الزنادقة، ولخرج الدجال، أفما لك عقل يا عقيلي؟ أتدري فيمن تتكلم؟ وإنما تبعناك في ذكر هذا النمط لنذبَّ عنهم، ولنزيّف ما قيل فيهم، كأنك لا تدري أن كل واحد من هؤلاء أوثق منك بطبقات، بل وأوثق من ثقات كثيرين لم توردهم في كتابك، فهذا مما لا يرتاب فيه محدث، وأنا أشتهي أن تعرُّفني من هو الثقة الثبت الذي ما غلط ولا انفرد بما لا يتابع عليه؟ بل الثقة الحافظ إذا انفرد بأحاديث كان أرفع له، وأكمل لرتبته، وأدل على اعتنائه بعلم الأثر وضبطه دون أقرانه لأشياء ما عرفوها، اللهم إلّ أن يتبين غلطه ووهمه في الشيء فيعرف ذلك، فانظر أول شيء إلى أصحاب رسول الله ويليه الكبار والصغار، ما فيهم أحد إلا وقد انفرد بسنة، فيقال له: هذا الحديث لا يتابع عليه، وكذلك التابعون، كل واحد عنده ما ليس عند الآخر من العلم، وما الغرض من هذا؟ فإن هذا مقرَّر على ما ينبغي في علم الحديث، وإن تفرد الثقة المتقن يعد صحيحاً غريباً، وإن تفرد الصدوق ومن دونه يعد منكراً، وإن إكثار الراوي من الأحاديث التي لا يوافق عليها لفظاً أو إسناداً يصيره متروك الحديث، ثم كل أحد فيه بدعة أو له هفوة أو ذنوب يقدح فيه بما يوهن حديثه، ولا من شرط الثقة أن يكون معصوماً من الخطايا والخطأ، ولكن فائدة ذكرنا كثيراً من الثقات الذين فيهم أدنى بدعة أو لهم أوهام يسيرة في سعة علمهم أن يعرف أن غيرهم أرجح منهم وأوثق إذا عارضهم أو خالفهم، فزن الأشياء بالعدل والورع. وأما علي بن المديني فإليه المنتهى في معرفة علل الحديث النبوي مع كمال المعرفة بنقد الرجال وسعة الحفظ والتبحر في هذا الشأن بل لعله فرد زمانه في معناه، وقد أدرك حمَّاد بن زيد، وصنَّف التصانيف، وهو تلميذ يحيى بن سعيد القطّان))(٢) فهذا دفاع من الذهبي عن الإمام علي بن المديني، وهو قاعدة مفيدة جليلة في الدفاع عن بعض الحفاظ الذين تكلم فيهم بشيء من الجرح. ومما يتوّج (١) غلق الباب وأغلقه وغلّقه، الأولى عن ابن دريد وهي نادرة. انظر: لسان العرب: ٢٩١/١٠. (٢) الميزان: ١٤٠/٣. ١١٧ هذا ويبعد عن علي بن المديني ما رمي به من هذه التهمة النكراء إعلانه على :رؤوس الأشهاد على المنبر تكفير هذه الفئة القائلة بخلق القرآن، إذ لو اعتقد ما زعم فيه لما أعلن تكفيرهم والبراءة منهم. رحمه الله تعالى. المبحث الثاني: اتجاه علي بن المديني الفقهي. ويشتمل هذا المبحث على تمهيد ومطلب واحد: تمهيد: في نشأة الاجتهاد: لقد كان النبي من هو المرجع للناس في شئون دينهم يستفتونه ويسألونه فيما يعرض لهم من شئون الحياة فيفتيهم النبي يله بوحي من الله تعالى بقرآن ينزل أو بوحي يوحى إليه أو باجتهاده عليه الصلاة والسلام، ومعلوم أنه عليه السلام إذا أخطأ في اجتهاده لا يقره الله تعالى بل يبيّن له سبحانه وتعالى الحق فيه، وبعد وفاة النبي ◌َّ بعد أن بلّغ الرسالة وأدَّاها على وجهها الأكمل، انتشرت الفتوحات واتسعت رقعة الإسلام واستجدت في المجتمع أحداث لم تكن في عهد الرسول ﴿ وللتعرف على أحكام هذه الأحداث التي جدَّت كان لا بد للصحابة رضوان الله عليهم من الاجتهاد في ذلك فكانوا إذا عرضت لهم حادثة اتجهوا إلى كتاب الله تعالى، فإذا لم يجدوا نصاً في كتاب الله تعالى اتجهوا إلى سنة رسول الله ملي يتعرفون منها الحكم الشرعي كما في ميراث الجدة، لما سئل أبو بكر الصديق رضي الله عنه عن ميراث الجدة قال: ((مالكِ في كتاب الله من شيء، وما علمت لكِ في سنة نبي الله آل# شيئاً، فارجعي حتى أسأل الناس، فسأل الناس، فقال المغيرة بن شعبة: حضرت رسول الله وَلخر أعطاها السدس، فقال أبو بكر: هل معك غيرك؟ فقام محمد بن مسلمة فقال مثل ما قال المغيرة بن شعبة فأنفذه لها أبو بكر ... )) الحديث(١). (١) رواه أبو داود في سننه واللفظ له: ٣١٦/٣، والترمذي في سننه: ٤٢٠/٤، وابن ماجه في سننه: ١٢٠/٢، ورواه مالك في الموطأ: ٥١٣/٢، كلهم في الفرائض باب ميراث الجدة. ١١٨ وإذا لم يجدوا نصاً في الكتاب ولا في السنة اجتهدوا آراءهم، وهذا المسلك منهم هو الذي أقر النبي # معاذ بن جبل عليه عندما بعثه قاضياً على اليمن حيث قال له النبي ◌َّهو: ((كيف تقضي إن عرض لك قضاء؟)) قال: أقضي بكتاب الله. قال رسول الله وَ له: ((فإن لم يكن في كتاب الله؟)) قال: فبسنة رسول الله وَ ل قال: ((فإن لم يكن في سنة رسول الله وَالر؟)) قال: أجتهد رأيي ولا آلو قال فضرب صدري فقال: ((الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسوله))(١). يقول الشيخ محمد أبو زهرة رحمه الله في اجتهاد الصحابة رضوان الله عليهم: ((اختلفت طرق اجتهادهم فمنهم من كان يجتهد في حدود الكتاب والسنة ولا يعدوهما، ومنهم من كان يجتهد بالرأي إن لم يجد نصاً، وأوجه الرأي مختلفة، فمنهم من كان يجتهد بالقياس كعبدالله بن مسعود، ومنهم من كان يجتهد بالمصلحة في غير موضع النص))(٢). وهكذا كان الأمر في عصر التابعين فكانوا يعرضون أمورهم على كتاب الله ثم على سنة رسوله ثم على أقوال الصحابة واجتهادهم، وإن لم يجدوا فيها اجتهدوا وكان اجتهادهم لا يخرج عن منهاج الصحابة الذي رسموه لهم ولمن جاؤوا بعدهم. وفي عصر الأئمة المجتهدين اتسعت دائرة الاجتهاد وتكوَّنت المذاهب الفقهية في الأمصار فكان بالمدينة مدرسة، وبالعراق مدرسة وبالشام كذلك، وكان لكل مدرسة منها ملامح تميزت بها عن الأخرى، وعرف في كل من هذه المدارس أئمة مجتهدون قد تختلف وجهات نظرهم أحياناً في الفروع الفقهية، ولم يكن الاختلاف في أصل الاحتجاج بالسنة أو قبولها ولزوم الأخذ بها إن ثبتت، ولا في أمر من مقرَّرات الإسلام الثابتة التي لا يجوز الاختلاف فيها وإنما الاختلاف في الأمور الجزئية الاجتهادية التي تختلف فيها وجهات النظر، ولم يثبت الحكم فيها بدليل قطعي(٣). (١) أخرجه أحمد في مسنده: ٢٤٢/٥. (٢) تاريخ المذاهب الإسلامية: ص ٢٣. (٣) انظر هذا التمهيد في تاريخ المذاهب الإسلامية: ٨/٢ وما بعدها باختصار وتصرف. ١١٩ مطلب: مذهب علي بن المديني الفقهي واجتهاده: بعد هذه الإلمامة السريعة يستحسن إلقاء الضوء على اتجاه علي بن المديني الفقهي لنعرف هل اقتصر ابن المديني على رواية الحديث ودرايته ونقد الرجال فقط أم أنه جمع، بالإضافة إلى جمع الحديث ونقد الرجال الفقه في الحديث واستنباط الأحكام، وهل كان يقلد بعض هذه المذاهب؟. فبالبحث عن ترجمة الإمام علي بن المديني وسبر سيرته العلمية نجد أنه من أعلام المحدثين الفقهاء الذين جمعوا بين الحديث رواية ودراية وبين الفقه واستنباط الأحكام الشرعية من النصوص فقد عدّه ابن النديم في كتابه الفهرست(١) من فقهاء المحدثين إذ ترجم له في الفن المعقود لأخبار فقهاء أصحاب الحديث. وعدّه الحاكم أبو عبدالله النيسابوري من المحدثين الذين لم يجهلوا فقه الحديث فقال في كتابه معرفة علوم الحديث في مبحث معرفة فقه الحديث: ((فأما فقهاء الإسلام أصحاب القياس والرأي، والاستنباط والجدل والنظر فمعروفون في كل عصر وأهل كل بلد، ونحن ذاكرون بمشيئة الله في هذا الموضع فقه الحديث عن أهله ليستدل بذلك على أن أهل هذه الصنعة من تبخّر فيها لا يجهل فقه الحديث إذ هو نوع من أنواع هذا العلم» ثم ذكر الحاكم بعض أئمة أصحاب الحديث منهم محمد بن مسلم السزهري، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وعبدالرحمن بن عمرو الأوزاعي، وسفيان بن عيينة، وابن المبارك، ويحيى بن سعيد القطان وعبدالرحمن بن مهدي، وأحمد بن حنبل، وعلي بن المديني رحمهم الله(٢). فعدّ الحاكم الإمامَ علي بن المديني مع أعيان فقهاء الحديث. بل اعتبر الذهبي علي بن المديني من كبار أئمة الاجتهاد فقال في ترجمة يحيى بن آدم: ((كان يحيى بن آدم من كبار أئمة الاجتهاد في زمانه ثم ذكر في كل عصر أثمته حتى (١) ص ٢٨١، ٢٨٦. (٢) معرفة علوم الحديث: ص ٦٣، ٧١. ١٢٠