النص المفهرس
صفحات 401-420
٤٠١ التَّدْليسُ .. وَالسَّمَاعُ عقبةَ، عن عمرو بنِ ربيعةً ، عن سلامةَ بنِ قيصر ، قالَ : سمعتُ النبيَّ وَهِ يقولُ: ((مَنْ صَامَ يَوْمًا ابْتِغَاءَ وَجهِ اللَّه ... ))؛ ليسَ هذا الإسنادُ مشهورًا ؛ قالَ أبو زرعةَ : سلامةُ بنُ قيصر ليستْ لهُ صحبةٌ ... )). وقالَ أيضًا (١) : («سألتُ أبي عن حديث ؛ رواهُ : الحكم بنُ هشام ، قالَ : حدثنا يحيى بنُ سعيدِ بنِ أبانَ القرشيَّ ، عن أبي فروةَ ، عن أبي خلادٍ - وكانَتْ لهُ صحبةٌ - ، قالَ : قالَ رسولُ اللَّهِ وَّهِ - فذكرَ حديثًا . قالَ أبي : حدثنا بهذا الحديثِ ابنُ الطباعِ ، عن يحيى بنِ سعيدٍ الأمويِّ ، عن أبي فروةً يزيدَ بنِ سنانٍ ، عن أبي مريمَ ، عن أبي خلادٍ . قلتُ لأبي : يصحّ لأبي خلادٍ صحبةٌ ؟ فقالَ : ليسَ له إسنادٌ)) اهـ . يعني: إسنادًا صحيحًا؛ وإلا فإنَّهُ قد جاءَ بهذا الإسنادِ (٢). الأمر الثاني : أنْ لا يكونَ ذكرُ السماعِ في هذا الموضعِ ، مما زادَهُ بعضُ الرواة الثقات خطأ ووهمًا ، فيكونُ ذكرُ لفظِ السماع حينئذٍ شاذًّا غيرَ محفوظ ، ويكونُ المحفوظُ عدمَ ذكرِهِ . ولأئمة الحديث في إدراك ذلكَ طرقٌ متعددةٌ ، لا يدركُهَا إلا نقادُ الحدیث وجهابذتُهُ . (١) في ((العلل)) (١٨٣٩). (٢) وانظر: مثالاً آخر في ((تهذيب التهذيب)) (١١٢/١) و((الكامل)) لابن عدي (٢٥٨/١). ٤٠٢ التَّدْليسُ .. وَالسَّمَاعُ فمنها : مخالفةُ الأوثقِ ، أو الأكثرِ عددًا . ففي ((تهذيب التهذيب))(١) : ((قالَ أحمدُ بنُ حنبلٍ: مَا أراهُ - يعني: الزهريَّ - سمعَ من عبدِ الرحمنِ ابنِ أزهرَ ، إنَّما يقولُ الزهريُّ : كانَ عبدُ الرحمنِ بنُ أزهرَ يحدثُ ؛ فيقولُ معمرٌ وأسامةُ عنهُ : سمعتُ عبد الرحمنِ !! ولم يَصنعا عندِي شيئًا)) . فانظرْ؛ كيفَ لم يقبلْ ذكرَ معمرٍ وأسامةَ لفظَ السماعِ بين الزهريِّ وعبدِ الرحمنِ بنِ أزهرَ ، مع أنهمَا مِن جملةِ الثقاتٍ ، وقد اتفقا ، وما ذلكَ إلا لأنَّهما قد خالفًا من هُمْ أرجحَ منهما حفظًا ، وأكثرَ منهما عددًا ، فلم يذكرُوا لفظَ السماعِ ! وقد أخطأ أسامةُ هذا مثلَ هذا الخطإِ في حديثٍ آخرَ عن الزهريِّ أيضًا ؛ فقد روى حديثًا عن الزهريِّ ، عن سعيدِ بنِ المسيبِ ، فذكرَ بينهما لفظَ السماعِ، بينما لم يذكرُهُ غيرُهُ من أصحابِ الزهريِّ ، فأنكرَ ذلكَ عليه يحيى القطانُ . ذكر ذلكَ الحافظُ ابنُ حجرٍ في ((التهذيب)) (٢)، ثم قالَ : ((أرادَ ذلكَ في حديثِ مخصوصٍ ، يتبينُ من سياقِهِ اتفاقُ أصحاب الزهريِّ على روايته عنهُ، عن سعيدِ بنِ المسيبِ بالعنعنةِ ، وشدَّ أسامةُ ، فقالَ : ((عن الزهريِّ: سمعتُ سعيدَ بنَ المسيبِ))؛ فأنكرَ عليهِ القطانُ هذا لا غير) . (١) ((تهذيب التهذيب)) (٤٥٠/٩). (٢) ((تهذيب التهذيب)) (٢١٠/١). ٤٠٣ التَّدْلِيسُ .. وَالسَّمَاعُ ومنْ ذلكَ : ما في ترجمةِ إسماعيلَ بنِ عبدِ الكريمِ الصنعانيُّ من ((تهذيب الكمال)) (١) ، عن ابنِ معينٍ ، أَنَّه قالَ في حقِّه : ((ثقةٌ ، رجلُ صدْقٍ ، والصحيفةُ التي يرويها عن وهبٍ ، عن جابرٍ ، ليست بشيءٍ ، إِنَّما هو كتابٌ وقعَ إليهم ، ولم يَسْمَعُ وهبٌ من جابرٍ شيئًا)). فتعقبَهُ المزيُّ ، فذكرَ إسنادَ هذه الصحيفةِ من طريقِ إسماعيلَ هذا ، وفيها : تصريحُ وهبٍ بالسماعِ من جابرِ بنِ عبدِ اللهِ، ففيها: (( ... عن وهب بن منّبِّهِ ، قالَ : هذا ما سألتُ عنهُ جابرَ بنَ عبدِ اللهِ ... )). ثُمَّ قالَ المزيُّ : ((وهذا إسنادٌ صحيحٌ إلى وهبِ بنِ منبهٍ ، وفيهِ ردٌّ على مَن قالَ : إنه لم يسمع من جابرِ ؛ فإنَّ الشهادةَ على الإثبات مُقَدَّمَةٌ على الشهادة على النفي ، وصحيفةُ همامٍ عن أبي هريرةَ مشهورةٌ عندَ أهلِ العلمِ ، ووفاةُ أبي هريرةَ قبلَ وفاةٍ جابرٍ ، فكيفَ يُستنكرُ سماعُهُ منهُ ، وكانا جميعًا في بلد واحد ؟!)) . فقالَ الحافظُ ابنُ حجر (٢) ؛ معقبًا عليهِ : ((أمَّا إمكانُ السماعِ فلا ريبَ فيهِ ، ولكنْ هذا في همامٍ ، فأمَّا أخوه وهبٌ الذي وقعَ فيهِ البحثُ ، فلا ملازمةَ بينهما ، ولا يحسنُ الاعتراضُ على ابنِ معينٍ بذلكَ الإسنادِ ؛ فإنَّ الظاهرَ أنَّ ابنَ معينٍ كانَ يُغلِّطُ إسماعيلَ (١) ((تهذيب الكمال)) (١٤٠/٣). (٢) ((تهذيب التهذيب)) (٣١٦/١) . ٤٠٤ التَّدْليسُ .. وَالسَّماعُ في هذهِ اللفظةِ عن وهبٍ: ((سألتُ جابرًا))، والصوابُ عندَهُ: ((عن جابرٍ)). واللهُ أعلمُ)) اهـ . 13 ففي ردِّ المزيِّ على ابنِ معينٍ في نفيهِ السماعَ ، بكونِ الإسنادِ قد صح إلى المصرحِ - : شاهدٌ جيدٌ للأمرِ الأولِ . ثمَّ في توثيقِ ابنِ معينٍ للراوي ، مع توهينِ ذكرِهِ لفظَ السماعِ في تلكَ الروايةِ ، ودفاع الحافظِ - : شاهدٌ جيدٌ أيضًا للأمرِ الثاني . ومنْ ذلكَ : رَوَى جماعةٌ ، عن ابنِ جريجٍ ، عن أبي الزبيرِ ، عن جابرٍ - مرفوعًا - : ((لَيْسَ عَلَى الْمُنْتَهِبِ قَطْعٌ))، فلم يذكروا سماعَ ابنِ جريجٍ من أبي الزبيرِ ، بينما ذكرَهُ اثنان ، وهما : أبو عاصمٍ ؛ أخرجَ حديثَهُ الدارميّ (١) . ء (١) ابنُ المباركِ ؛ أخرجَ حديثَهُ النسائيُّ في ((الكبرى))(٢) من طريقِ محمدٍ ابنِ حاتمٍ ، عن سويدِ بنِ نصرٍ ، عنه . وقد وهَّمَ الأئمةُ هذه الروايةَ التي فيها ذكرُ التصريحِ بالسماعِ ، ورَأَوْا أنَّها غلطٌ . فقالَ أبو داودَ (٣): ((هذا الحديثُ ؛ لم يسمعْهُ ابنُ جريجٍ عن أبي الزبيرِ ؛ وبلغني عن أحمدَ بنِ حنبلٍ ، أَنَّه قالَ : إنَّما سمعَهُ ابنُ جريجٍ من ياسينَ الزياتِ)). (١) ((السنن)) (١٧٥/٢). (٢) ((تحفة الأشراف)) (٣١٥/٢). (٣) ((السنن)) (٤٣٩١). ٤٠٥ التَّدْلِيسُ .. وَالسَّمَاعُ وقالَ أبو حاتمٍ وأبو زرعةَ الرازيان(١): ((لم يسمعُ ابنُ جريجِ هذا الحديثَ من أبي الزبيرِ ؛ يُقالُ: إِنَّه سمعَهُ من ياسينَ : أَنَا حَدَّثْتُ بِهِ ابنَ جريجٍ عن أبي الزبيرِ .. )). وقالَ النسائيّ : (وقد روى هذا الحديثَ عن ابن جريجٍ : عيسى بنُ يونسَ ، والفضلُ ابنُ موسى ، وابنُ وهبٍ ، ومحمدُ بنُ ربيعةَ ، ومخلدُ بنُ يزيدَ ، وسلمةُ ابنُ سعيد البصريُّ ؛ فلم يقلْ أحدٌ منهم : ((حدثني أبو الزبيرِ)) ، ولا أحسبه ـ ـ سمعَهُ من أبي الزبيرِ . واللَّهُ أعلمُ)) . وقالَ أبو يَعْلِي الخليليُّ (٢): (يُقالُ: إنَّ هَذا لم يَسْمَعْهُ من أبي الزبير، لكنَّه أَخَذه عن ياسينَ الزيات - وهو ضعيفٌ جدًّا - عن أبي الزبيرِ ، وابنُ جريجٍ يدلِّس في أحاديثَ ، ولا يخْفى ذلكَ على الحفاظِ» . فهكذَاً ؛ تَتَابِعَ الأئمةُ على نفي سماعٍ ابن جريج لهذا الحديثِ من أبي الزبيرِ ، وتَوْهِيم مَنْ ذكرَ لفظَ السماعِ بينهما ؛ لمخالفتِهِ للأكثرِ . ومنْ ذلكَ : قال أحمدُ بنُ حنبلٍ : ((كانَ مباركُ بن فضالةَ يقول في غيرِ حديثٍ عن الحسنِ : «قالَ : حدثنا عمرانُ. وقال : حدثنا ابنُ مغفَّلٍ))؛ وأصحابُ الحسنِ (١) ((علل الحديث)) (١٣٥٣). (٢) ((الإرشاد)) (٣٥٢/١-٣٥٣). ٤٠٦ التَّدْليسُ .. وَالسَّمَاعُ لا يقولونَ ذلكَ)) . قالَ الحافظُ ابن حجرٍ (١) : ((يَعْنِي : أنَّه يصرحُ بسماعِ الحسنِ من هؤلاءِ ؛ وأصحابُ الحسن يذكرونَهُ عندهُمْ بالعنعنةِ)) . ومِنْ ذلكَ : روى : أبو المغيرةِ ، عن سليمانَ بنِ سليمِ الحمصيِّ ، قالَ : حدثنا يحيى بن جابرِ ، قالَ : حدثنا المقدامُ بنُ معديكربَ ، قالَ : سمعتُ رسولَ اللّهِ وَ لّه يقولُ: ((مَا مَلأَّ ابْنُ آدَمَ وِعَاءَ شَرًّا مِنْ بَطْنِ، حَسْبُ ابْن آدَمَ أَكَلاَت يُقُمْنَ صُلْبَهُ؛ فَإِنْ كَانَ لاَ مَحَالَةَ ، فَثُلُثٌ طَعَامٌ، وَثُلُثٌ شَرَابٌ، وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ». أخرجهُ: أحمدُ (١٣٢/٤) والحاكم (٣٣١/٤ - ٣٣٢). هكذا ؛ رواهُ أبو المغيرةِ ، بذكرِ لفظِ السماعِ بينَ ابنِ جابرٍ والمقدامِ . لكنَّهُ ؛ لم يثبتْ على ذلكَ ؛ فقد رَواهُ مرةً أخرى ، فلم يذكرْ لفظَ السماعِ بينهما . أخرجه: الطبرانيّ في ((المعجم الكبير)) (٢٧٢/٢٠ - ٢٧٣) وفى ءِ ((مسند الشاميين)) (١٣٧٥) . ومما يؤكدُ خطأَهُ في ذكرِ لفظِ السماعِ بينهما : أنَّ ابنَ أبي حاتمٍ قَالَ (٢): (١) ((تهذيب التهذيب)) (٢٩/١٠). (٢) في ((المراسيل)) (ص٢٤٤) . ٤٠٧ النَّدْليسُ .. وَالسَّمَاعُ ((سألتُ أبي : هل لَقِي يحيى بنُ جابرِ المقدامَ بنَ معديكربَ ؟ قالَ أبي : يحيى عن المقدامِ مرسلٌ)). واعتمدَهُ المزيّ فى ((تهذيب الكمال)) (٢٤٩/٣١) والعلائي في ((جامع ءِ التحصيل)) (ص ٣٦٧) وابنُ حجرٍ في ((تهذيبه)) (١٩١/١١). هذا ؛ وقد رواه غيرُ أبي المغيرةِ ، عن سليمانَ ، بدونِ ذكرِ لفظٍ السماعِ . منهم : إسماعيلُ بنُ عياشٍ . أخرجهُ: الترمذيُّ (٢٣٨٠) وابنُ المبارك في ((الزهد)) (٦٠٣) والبيهقيّ في ((الشعب)) (٥٦٤٨) (٥٦٥٠) والطبرانيّ في ((الكبير)) ءُ (٢٧٤/٢٠) والبغويَّ في ((شرح السنة)) (٢٤٩/١٤). وأخرجهُ: الطبرانيَّ أيضًا في ((الكبير)) (٢٠/ ٢٧٣ - ٢٧٤) و((مسند الشاميين)) (١١١٦) من طريقِ إسماعيلَ، فقالَ: عن أبي سلمةَ - هو: سليمانُ بنُ سليمٍ - وحبيبِ بنِ صالحٍ ، عن يحيى بنِ جابرٍ ، به ؛ ولم يذكرْ سماعًا أيضًا . فزادَ : ((حبيبَ بنَ صالحٍ)) . ومنهم : بقيةُ بنُ الوليدِ . أخرجهُ: النسائيُّ في («الكبرى» . ومنهم : محمدُ بنُ حربِ الأبرشُ . قالَهُ - : حاجبُ بنُ الوليد ، عنه . أخرجه: البيهقيّ في ((الشعب)) (٥٦٤٩) . ٤٠٨ التَّدْليسُ .. وَالسَّمَاعُ إلا أنَّه اختلفَ على الأبرشِ : فرواهُ : عمرو بنُ عثمانَ ، عن الأبرشِ ، عن سليمانَ ، عن يحيى بنِ جابرٍ ، عن صالحٍ بنِ يحيى بنِ المقدامِ ، عن جدهِ المقدامِ . فزادَ : ((صالحَ بنَ يحيى)) ، بينَ يحيى بنِ جابرٍ والمقدامِ . أخرجهُ: الطبرانيَّ في ((مسند الشاميين)) (١٣٧٦). وهذا ؛ يؤكدُ عدمَ السماعِ ، ويبينُ الواسطةَ ؛ إنْ كانَ محفوظًا . وأخرجهُ : النسائيَّ في ((الكبرى)) ، من طريقِ عمرِو بنِ عثمانَ ، به ؛ إلا أنَّه لم يذكرْ ((يحيى بنَ جابرٍ)) أصلاً . ورواه : ابنُ أبي السريِّ ، عن الأبرشِ ، عن سليمانَ ، عن صالحِ بنِ يحيى بنِ المقدامِ ، عن أبيهِ ، عن جدهِ . فوافق الروايةَ السابقةَ في عدم ذكرِ (يحيى بنِ جابرٍ))؛ لكنّه زادَ: ((عن أبيهِ)) . أخرجهُ : ابنُ حبانَ (٥٢٣٦) والبيهقيّ (٥٦٤٩) . ورواه : هشامُ بنُ عبدِ الملكِ ، عن الأبرشِ ، عن أمهِ ، عن أمها ، عن المقدامِ . أخرجهُ : ابنُ ماجه (٣٣٤٩). ومَن فوقَ الأبرشِ لا يعرفون ، وهذا اختلافٌ عليه لا يُحتملُ ، وروايةٌ إسماعيلَ ومَن تابعَهُ أرجحُ . وكذلكَ ؛ رواهُ غيرُ سليمانَ ، عن يحيى بنِ جابرٍ ، بدونِ ذکرٍ ٤٠٩ النَّدْليسُ .. وَالسَّمَاعُ لفظِ السماعِ . فقد رواهُ : معاويةُ بنُ صالحٍ ، عن يحيى بنِ جابرٍ ، عن المقدامِ ؛ لم يذكرْ سماعًا . أخرجهُ: النسائيَّ في ((الكبرى)) والحاكمُ في ((المستدرك)) (١٢١/٤) والطبراني في ((الكبير)) (٢٠/ ٢٧٣). والله أعلم (١). * ومنها : أنْ يكونَ الأئمةُ قد اتفقوا على عدمِ سماعِ هذا الراوي من ذاكَ الشیخِ، فيُستدلُّ على خطٍ مَن ذكرَ لفظَ السماعِ بينهما بإجماعِهم على عدمِ سماعِهِ . حكى ابنُ أبي حاتمٍ في ((المراسيل)) (٣)، عن أبيه، أنَّه قالَ: ((الزهريُّ؛ لم يسمعْ من أبانَ بنِ عثمانَ شيئًا، لا أنَّه لم يدركُهُ ، قد أدركَهُ ، وأدركَ من هو أكبر منهُ ؛ ولكنْ لا يثبتُ لهُ السماعُ منهُ ؛ كما أنَّ حبيبَ بنَ أبي ثابتِ لا يثبتُ لهُ السماعُ من عروةَ بنِ الزبيرِ ، وهو قد سمعَ ممَّن هو أكبر منهُ ؛ غيرَ أنَّ أهلَ الحديثِ قد اتفقوا على ذلكَ ، واتِّفاقُ أهل الحديثِ على شيءٍ يكونُ حجةً)) . ومنها : مخالفةُ الواقعِ ؛ كأنْ يكونَ الراوي الذي ذُكِرَ عنه التصريحُ بالسماعِ من (١) وانظر أمثلة أخرى: في ((تهذيب التهذيب)) (٦/ ٩٠) و((شرح علل الترمذي)) لابن رجب (٥٩٢/٢-٥٩٤) وكتابي ((حسم النزاع في مسألة السماع)) (ص٣١-٣٢). (٢) ((المراسيل)) (ص١٩٢). ٤١٠ الَّدْليسُ .. وَالسَّمَاعُ شيخهٍ لم يدرك شيخَهُ أصلاً ، أو كانَ صغيرًاً وقتَ وفاة شيخه ، لا يمكنُهُ السماعُ منه . فمن ذلكَ : قالَ عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ بنِ حنبلٍ (١) : سمعت أبي يقولُ : قالَ رجلٌ لسفيانَ بنِ عيينةَ : يا أبا محمد ؛ عندنا رجلٌ يُقالُ لهُ : خلفُ بنُ خليفةَ ، زعمَ أنَّه رأى عمرَوَ بنَ حريث ؟! فقالَ : كَذَبَ (٢)، لعلَّهُ رأى جعفرَ بنَ عمرِو بنِ حریثٍ . وقالَ أبو الحسنِ الميمونيُّ (١) : سمعتُ أبا عبد اللَّهِ - يعني: أحمدَ بنَ حنبلٍ - يُسألُ: رأى خلفُ بنُ خليفةَ عمرَوَ بنَ حريث ؟ قالَ : لا ؛ ولكنَّهُ - عندي - شَبِّهَ عليهِ حينَ قالَ: ((رأيتُ عمرو بنَ حريث)). قالَ أبو عبد اللَّهِ: هذا ابنُ عيينةَ ، وشعبةُ ، والحجاجُ لم يَرَوا عمرو بنَ حريثٍ ، يَراهُ خلفٌ؟! ما هو - عندي - إلا شبّه عليه . رَوَى : الوليدُ بنُ مسلمٍ ، عن تميمٍ بنِ عطيةَ ، عن مكحولِ ، قالَ : ((جالستُ شُريحًا ستةَ أشهرِ ، ما أسألُهُ عن شيءٍ ، إنَّما أكتفي بما يقضي بهِ بينَ الناسِ))(٣) . ذكرَ ذلكَ ابنُ أبي حاتمٍ ، عن أبيهِ في ((المراسيل)) (٤)، ثمَّ ذكرَ عن (١) ((تهذيب الكمال)) (٢٨٦/٨-٢٨٧). (٢) الكذب هنا بمعنى الخطإ، وهذا معروف لغةً واصطلاحًا، وقوله: ((لعلَّه ... )) يؤكد هذا. والله أعلم . (٣) وانظر: ((الإيمان)) لأبي خيثمة رقم (٤٢). (٤) ((المرسيل)) (ص٢١٣). ٤١١ الَّدْلِيسُ .. وَالسَّمَاعُ أبيه ، أنَّهُ قالَ : ((لم يدركْ مكحولٌ شريحًا ؛ هذا وهمٌ)) . ثُمَّ عدَّ من مناكيرِ تميمٍ بنِ عطيةَ ، فقالَ (١): («محلُّهُ الصدقُ ، وما أنكرتُ من حديثه إلا شيئًا ؛ رَوى إسماعيلُ بنُ عياشٍ ، عنهُ، عن مكحول ، قالَ : جالستُ شريحًا كذا شهرًاً؛ وما أَرَى مكحولاً رَأى شريحًا بعينه قطُّ، ويدلُّ حديثُهُ على ضعفٍ شديدِ)) . ومنْ ذلكَ : قال ابنُ أبي حاتمٍ (٢): («سألتُ أبي عن حديثينِ؛ رَوَاهما : هماٌ ، عن قتادةَ، عن عَزْرَةَ ، عن الشعبيِّ، أن أسامةَ بنَ زيدٍ حدثَهُ، أَنَّه كانَ رِدْفَ النبيِّنَّ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ. هل أدركَ الشعبيُّ أسامةً ؟ قالَ : لا يمكنُ أنْ يكونَ الشعبيَّ سمعَ من أسامةَ هذا ، ولا أدركَ الشعبيُّ الفضلَ بنَ العباسِ)) اهـ . وكذا ؛ حكى عن أبيهِ في ((العلل)) (٣) ؛ نحو هذا . قلتُ : هذا الحديثُ؛ أخرجَهُ : الطيالسيُّ (٦٣٥) وأحمد (٢١٣/١ - ٢١٤) (٢٠٦/٥)، وفيه ذكرُ لفظِ التحديثِ من الشعبيِّ عن الفضلِ أيضًا ؛ ولهذا قالَ أبو حاتم مضعِّفًا لهُ : ((ولا أدركَ الشعبيَّ الفضلَ بنَ العباسِ)). (١) في ((الجرح والتعديل)) لابنه (٤٤٣/١/١). (٢) في ((المراسيل)) (٥٩٠). (٣) ((العلل)) (٨٢١) (٨٢٢). ٤١٢ التَّدْلِيسُ .. وَالسَّمَاعُ فلفظُ التحديث المذكورُ في هذهِ الروايةِ ، عن الشعبيِّ أنَّ الفضلَ بنَ العباسِ حدثَهُ ؛ خطأ لا شكَّ فيه ؛ لأنَّهُ تاريخيًّا لا يمكنُ للشعبيِّ أنْ يسمعَ مِنَ الفضلِ بنِ العباسِ . ذلكَ ؛ لأنَّ الفضلَ ماتَ سنةَ (١٨) في خلافةِ عمرَ ، بل جزمَ البخاريُّ في ((التاريخ الكبير)) (١١٤/١/٤) بأنَّهُ ماتَ في خلافة أبي بكرٍ، وحكى القولين في ((التاريخِ الصغير)) (٦١/١ - ٧٧)؛ والشعبيّ وُلُدَ سنةً (١٩) ، فقد وُلُدَ بعدَ وفاتهِ، فكيفَ يمكنُ أنْ يسمعَ منهُ؟! وأمَّا عدمُ سماعِهِ من أسامةَ بنِ زيدٍ ؛ فقد جزمَ بهِ أبو حاتمٍ وغيرُه ، و كابنِ معينٍ - فيما حكاهُ الدُّوريّ عنهُ (٣٠٥٥) -، وأحمدُ بنُ حنبلٍ وابن المدينيِّ - كما في ((المراسيل)) (٥٩٥) -، والحاكم - كما في ((علوم الحديث)) له (ص ١١١) . وقالَ ابنُ أبي حاتمٍ في ((المراسيل)) (١): ((ذكرَ أبي ، عن إسحاقَ بنِ منصورِ ، قلتُ ليحيى : قالَ الشعبيُّ : إنّ الفضلَ حدَّثَهُ، وإنَّ أسامةَ حدثَهُ؟ قالَ : لا شيءَ . وقالَ أحمدُ وعليَّ : لا شيء)) . وهو مبنيٌّ على أدلةٍ تاريخيةِ أيضًا : فإنَّ الشعبيَّ ؛ وإنْ كانَ بينَ ولادتهِ ووفاة أسامةَ أكثرُ من ثلاثينَ سنةً ، إلاَّ أنَّه كانَ بالكوفة ، بينما كانَ أسامةُ بالمدينةِ ، وما زالَ الأئمةُ يستدلونَ ببعد الشَّقة على انتفاءِ السماعِ . (١) ((المراسيل)) (٥٩٥) . ٤١٣ التَّدْليسُ .. وَالسَّمَاعُ ثُمَّ إِنَّ أهلَ الكوفةِ لم يكن الواحدُ منهم يسمعُ الحديثَ إلا بعدَ استكماله عشرينَ سنةً، ويشتغلُ قبلَ ذلكَ بحفظِ القرآنِ وبالتعبدِ ، كما في ٠٠ ((الكفاية)) للخطيب البغداديِّ (ص ١٠٣). ومعلومٌ ؛ أنهم ما كانَوا يبدءُون بالرحلةِ من أولِ الطلبِ ، بل كانوا يسمعونَ من أهلِ بلدهم أوَّلاً، ثمَّ إذا فرغُوا وحصَّلُوا ما عندَهم بدَءُوا في الرحلةِ . ثمَّ الراوي وقع في الخطإِ البينِ في الروايةِ بذكرٍ لفظِ التحديث بينَ الشعبيِّ والفضلِ ، مع أنَّه لا يمكنُ تاريخيًّا أنَ يسمعَ منهُ، فوقوعُهُ في الخطٍ بذكرِهِ لفظ التحديثِ بينَ الشعبيِّ وأسامةَ بنِ زيدٍ أولى ؛ لأنَّ الأمرَ فيه محتملٌ ، فإذا كانَ الراوي أخطأَ فيما لا احتمالَ فيهِ ، فكيفَ بالمحتملِ ؟! فإنَّ الظاهرَ أنَّ الراوي لم يحفظ الروايةَ كما ينبغي (١) . واللهُ أعلمُ . الأمرُ الثالثُ : أنْ لا يكونَ ذلكَ المصرحُ بالسماعِ ممَّن لهُ اصطلاحٌ خاصٌّ بألفاظِ السماعِ ، يتنافى مع الاتصالِ ، كأنْ يكونَ ممَّن يَرى جوازَ إطلاقِ لفظِ التحديثِ في الإجازةِ أو الوجادةِ ، كما ذُكِرَ ذلكَ عن أبي نعيم الأصبهانيِّ ، أو ممَّن يرى التسامحَ في هذهِ الألفاظِ ، بإطلاقِها في موضعِ السماعِ وغيرِهِ ، كما ذكرَ الإمامُ أبو بكرِ الإسماعيليُّ أنَّ المصريينَ والشاميينَ يتسامحونَ في قولِهِم : ((حدثنا)) من غيرِ صحةِ السماعِ ، منهم : يحيى بنُ (١) وانظر: تعليق الشيخ أحمد شاكر - عليه رحمه الله - على ((المسند)) (١٨٢٩). ٤١٤ التَّدْليسُ .. وَالسَّمَاعُ ء (١) أيوبَ المصريّ ونقلَ عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ بنِ حنبلٍ (٢) ، عن أبيهِ ، أَنَّهُ قالَ : كانَ سَجِيَّةً في جريرِ بنِ حازمٍ ، يقولُ: ((حدثنا الحسنُ ، قالَ : حدثنا عمرُو بنُ تغلبَ))؛ وأبو الأشهبِ يقولُ: ((عن الحسنِ ، قالَ: بلغني أنَّ النبيَّ وَّ قال لعمرو بنِ تغلبَ)) . قالَ ابنُ رجبِ الحنبليُّ (٣): ((يريدُ: أنَّ قولَ جريرِ بنِ حازمٍ : ((حدثنا الحسنُ: حدثنا عمرُو بنُ تغلب)» كانَتْ عادةً لهُ، لا يرجعُ فيها إلى تحقيقٍ)). وقد ذكرَ أبو حاتمٍ نحوَ هذا في أصحابِ بقيةَ بنِ الوليدِ ، أَنَّهم يَرْوُونَ عنهُ، عن شيوخِهِ ، ويصرحُونَ بتحديثِهِ عنهم ، من غيرِ سماعٍ لهُ منهم (٤). وكذلكَ ؛ قالَ يحيى بنُ سعيدِ القطانُ في فِطْرِ بنِ خليفةَ : إنَّه كانَ يقولُ: ((حدثنا فلانٌ بحديث))، ثمَّ يدخلُ بينَهُ وبينَهُ رجلاً آخرَ ، كانَ ذلكَ سَجِيَّةٌ منهُ . ذكرَهُ العقيليَّ في ((ضعفائه)) (٥) (١) انظر: ((فتح الباري)) لابن رجب (٢٨٤/٢-٣١٧) (٢٠٠/٣) (٤٢/٤) (١٣٨/٦) ولابن حجر (٤٩٨/١ -٥٠٦) . (٢) في ((العلل)) (٣٩٨). (٣) في ((شرح البخاري)) له (٤٧٩/٥ - ٤٨٠). (٤) انظر: ((العلل)) لابن أبي حاتم (٢٣٩٤)، وأشار ابن حبان في ((المجروحين)) (١/ ٢٠١) إلى ذلك، وكذلك صرح به أبو زرعة كما في ((العلل)) (٢٥/٦) أيضًا . وانظر: ((السلسلة الصحيحة)) (٨١٦) و((الضعيفة)) (١٩٥) و((شرح العلل)) (٥٩٤/٢). (٥) ((الضعفاء)) له (٤٦٥/٣). ٤١٥ التَّدْليسُ .. وَالسَّمَاعُ وكذلكَ ؛ مَن كانَ في اصطلاحِهِ إطلاقُ لفظِ السماعِ على ضربٍ من التأويلِ ، كمن كانَ يقولُ - مثلاً - : ((حدثنا فلانٌ))، أو ((خطبنا فلانٌ) ، ويعني : أنَّه حدَّث قومَهُ أو خطَبَهم ، لا أَنَّه سمعَ منه ما يحدثُ بهِ عنهُ . قالَ الحافظُ ابنُ حجرٍ (١): «قد يدلسُ [ الراوي ] الصيغةَ، فيرتكبُ المجازَ، كما يقولُ - مثلاً -: ((حدثنا))، وينوي: حدَّثَ قومَنَا، أو أهلَ قريتنا، ونحو ذلكَ . وقد ذكرَ الطحاويُّ منهُ أمثلةً : مِن ذلكَ : حديثُ مِسعرٍ ، عن عبد الملك بن ميسرةَ ، عن النَّزَّال بن سَبْرةَ، قَالَ: قالَ لنا رسولُ اللَّهِ نَّهِ: «أَنَا وَإِيَّاكُمَّ نُدْعَى بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ)) - الحديث . قالَ (٢): وأرادَ بذلكَ أَنَّهِ وَّ قَالَ لقومِهِ، أما هو فلم يَرَ النبيَّ ◌َّ . وقالَ طاوسٌ : ((قدمَ علينا معاذُ بنُ جبلٍ - رضيَ اللَّهُ عنهُ - اليمن)). وطاوسٌ ؛ لم يدركْ معاذًا - رضيَ اللَّهُ عنه - وإنَّما أرادَ قدمَ بلدنَا. وقالَ الحسنُ : «خطَبَنا عتبةُ بنُ غزوانَ)) . يريدُ ؛ أنَّه خطبَ أهلَ البصرةِ ، والحسنُ لم يكنْ بالبصرةِ لما خطبَ عتبةُ) . ثمَّ قالَ الحافظُ : ((ومن أمثلة ذلكَ: قولُ ثابت البنانيِّ: ((خطبَنا عمرانُ بنُ (١) في ((النكت على ابن الصلاح)) (٦٢٥/٢ - ٦٢٦). (٢) يعني : الطحاوي . ٤١٦ الَّدْلِيسُ .. وَالسَّمَاعُ حصينٍ - رضي اللَّهُ عنه )) . وقولهُ: ((خطبَنا ابنُ عباسٍ - رضي اللَّهُ عنهُ - واللَّهُ أعلمُ)) . وقالَ البزارُ (١) : ((سمعَ الحسنُ البصريَّ من جماعةٍ ، وروى عن آخرينَ لم يدركْهُم ، وكان يتأولُ فيقولُ: ((حدثنا)) و((خطبنا))؛ يعني: قومَهُ الذين حُدِّثُوا وخُطبوا بالبصرة)) . * الأمرُ الرابعُ : أنْ يكونَ ذلكَ الراوي الذي ثبتَ عنه أنَّه صرحَ بالسماعِ من شيخِهِ ؛ بصحةِ الإسنادِ إليهِ ، وسلامتِهِ من ورودِ الخطإِ عليهِ من أحد ممن دونَهُ ، أنْ يكونَ في ذاتِهِ ثقةً ، لا ضعيفًا ؛ فإنَّ الضعيفَ إذا رَوى عن شيخٍ بلفظِ السماعِ ، فقد يكونُ أخطأُ هو في ذلكَ التصريحِ، ويكونُ إنَّمَا أخذَ الحديثَ عن هذا الشيخِ بواسطةٍ ، ثمَّ أسقطَهَا ، وزادَ من كيسِهِ لفظَ السماعِ خطأ ووهمًا ، فالضعيفُ يخطئُ بأشدَّ من هذا . وقد لا يكونُ تحملَ الحديثَ من طريقِ هذا الشيخ أصلاً ، وإنَّما دخلَ عليهِ حديثٌ في حديثٍ . وروايتُه عن هذا الشيخِ ، إنَّما جاءَتْ مِن طريقِهِ ، وهو ضعيفٌ سيئُ الحفظ ، لا يوثقُ بأيِّ شيءٍ يجيءُ بهِ ، ولو قبلنا منهُ بعضَ روايتِهِ - أعني : ما ذكرَهُ من لفظِ السماعِ - ، لَزِمَنَا قبول الباقي من روايتِهِ ؛ إذْ هو المتفردُ بالكلِّ . (١) ((تهذيب التهذيب)) (٢٦٩/٢). وكذلك؛ ((الصحيحة)) (٢٩٢/٤). ٤١٧ التَّدْليسُ .. وَالسَّمَاعُ ولهذه العلةِ ؛ لم يقبلْ أهلُ العلمِ من ابنِ لهيعةَ تصريحَهُ بالسماع فيما يرويهِ عن عمرو بنِ شعيبٍ ، وقالوا : لم يسمعِ ابْنُ لهيعةَ منهُ شيئًا ، مع أنَّهُ كانَ يُصرحُ بالسماعِ منهُ ؛ بلْ كانَ ينكرُ على من أنكرَ عليهِ سماعَ هذهِ الأحاديثِ من عمرِو بنِ شعيبٍ . قالَ يحيى بن بكيرِ : ((قيلَ لابنِ لهيعةَ : إنَّ ابنَ وهبٍ يزعمُ أنكَ لم تسمعْ هذه الأحاديثَ مِن عمرو بنِ شعيبٍ ، فضاقَ ابنُ لهيعةَ ، وقالَ : ما يُدري ابنَ وهبٍ ؛ سمعتُ هذه الأحاديثَ من عمرِو بنِ شعيبٍ قبلَ أنْ يَلْتَقِيَ أَبَواهُ)) !! . ومَعَ ذلكَ ؛ فلم يعرجُ أهلُ العلمِ على تصرِيحِهِ ، وصرّحوا بعدمِ سماعه منه . ٠٠ وفي ((المراسيل)) لابن أبي حاتمٍ (١)، عن حرب بنِ إسماعيلَ ، عن أحمدَ بنِ حنبلٍ ، قالَ : ((قالَ وهيبٌ : أتيتُ عطاءَ بنَ السائبِ ، فقلتُ لهُ : كَمْ سمعت من عَبيدةَ ؟ قالَ : ثلاثينَ حديثًا . قالَ : ولم يَسمعْ من عَبَيدةَ شيئًا . قال : ويدلُّ ذلكَ على أنَّه قد تغيَّرَ)). ولعلَّه ؛ لهذه العلة ، اشترطَ الإمامُ مسلمٌ - عليه رحمةُ الله - لقبول عَنْعنةِ المعاصرِ غيرِ المدلِّسِ ، إذَا كانَ لقاؤه بشيخه مُمْكِنًا - أنْ يكونَ هو في نفسِهِ ثقةً ، فقالَ في ((مقدمةِ الصحيحِ)) (ص٢٣) : ((إنَّ كلَّ رَجُلِ ثقة، روى عن مثله حديثًا، وجائزٌ ممكنٌ له لقاؤه (١) ((المراسيل)) (ص ١٥٧). ٤١٨ التَّدْليسُ .. وَالسَّمَاعُ والسماعُ منهُ ؛ لكونهما جَميعًا كانا في عصرٍ واحدٍ - وإنْ لمْ يأتِ فِي خَبَرِ قطُّ أنَّهما اجتمعًا ، ولا تَشَافَها بكلام - ، فالروايةُ ثابتهٌ ، والحجةُ بها لازمةٌ؛ إلا أنْ يكونَ هناكَ دلالةٌ بَيِّنَةٌ أنَّ هَذا الرَّوي لم يلقَ من رَوَى عنهُ ، أوْ لَمْ يَسْمِعْ مِنْهُ شَيْئً ... )). والله الموفقُ ؛ لا ربَّ سواهُ . التَّدْليسُ .. وَالْمُتَابَعَةُ المدلِّسُ ؛ إذا رَوى حديثًا ، ولم يصرح بالسماعِ فيهِ من شيخِهِ ، فأردْنَا أنْ ندفعَ شبهةَ تدليسِهِ لهذا الحديثِ ، فلابدَّ حينئذٍ بأنْ يجيءَ في روايةٍ أخرى لهذا الحديث تصريحُ هذا المدِّسِ بسماعِهِ لهُ من شيخِهِ المذكورِ ؛ بشرطِ أنْ يكونَ ذلكَ التصريحُ الواردُ في الروايةِ الأخرى محفوظًا ، وليسَ خطأ مِن قبلِ بعضِ الرواةِ ؛ كما سبق . ولا تنفعُ حينئذ متابعةُ غيره لهُ على رواية هذا الحديث عن هذا الشیخِ، ولا أنْ يكونَ لمعنى حديثه من الشواهدِ ما يؤكدُ صحةَ المتنِ ، بل لابدَّ لإثباتَ سماعه للحديثِ أنْ يصرحَ بالسماعِ من شيخِهِ في بعضِ الرواياتِ . ٠٠ : وقد قالَ ابنُ رجب الحنبليّ (١) ((وكلامُ أحمدَ وأبي زرعةَ وأبي حاتمٍ في هذا المعنى كثيرٌ جدًّا ، يَطول الكتابُ بذكره ، وكلُّه يدورُ على أنَّ مجردَ ثبوتِ الروايةِ لا يكفي في ثبوتِ السماعِ ، وأنَّ السماعَ لا يثبتُ بدونِ التصريحِ بهِ ، وأنَّ روايةَ مَن رَوى عمَّن عاصرَهُ ، تارةً بواسطةٍ ، وتارةً بغيرِ واسطةٍ ، يدلُّ على أنَّه لم يسمعْ منهُ ، إلا أنْ يثبتَ لهُ السماءُ من وجهِ» . وذلكَ ؛ لأنَّ المدلِّسَ إذا لم نتحققْ من سماعِهِ لهذا الحديثِ بعينِهِ من شيخه ، ثمَّ تابعَهُ على روايَةِ هذا الحديثِ عن هذا الشيخِ غيرُه ، لم تكنِ المتابعةُ - حينئذٍ - لذلكَ المدلسِ ، بل للواسطةِ التي أسقَطَها بِينَهُ وبِينَ شيخه . ٠٠ (١) في ((شرح العلل)) (٥٩٥/٢) . ٤٢٠ التَّدْلِيسُ .. وَالْمُتَبَعَةُ وقد يكونُ الرجلُ الذي أسقطَهُ المدلسُ بينَهُ وبينَ شيخه هو نفسَهُ ذلكَ المتابعَ ، كأنْ يكونَ المدلسُ إنَّما أخذَ الحديثَ عن ذلكَ المتابعِ ، عن شيخهِ ، ثمَّ أسقطَهُ وارتَقَى بالحديثِ إلى شيخِهِ ، فرواهُ عنهُ مباشرةً ، مدلِّسًا إِيَّاهُ، وعليه ؛ يعودُ الحديثُ إلى ذلكَ المتابعِ ، ويبقى فردًا لا تعددَ فيهِ ، ولا متابعةَ . فإذا انضافَ إلى ذلكَ ، أنْ يكونَ ذلك المتابعُ ضعيفًا ، فقد رجعَ الحديثُ إلى مخرجٍ ضعيف ، لا تقومُ بهِ الحجةُ ، وذلكَ يؤكدُ ضعفَ مخرجٍ روايةِ المدلِّسِ (١) . والشواهدُ أيضًا ؛ لا تنفعُ في دفع التدليسِ ؛ لأنَّ الشواهدَ إنما تؤكدُ حفظَ الراوي للمتنِ ، أو لمعناهُ ، والتدليسُ علةٌ إسناديةٌ ، وحفظُ الراوي للمتنِ أو معناهُ، لا يَسْتُلزِمُ حفظَهُ للإسنادِ ، فإنَّ صحةَ المتنِ واستقامَةَ معناهُ، لا تَستلزمُ صحةَ كلِّ إسنادٍ يُروى بهِ هذا المتنُ(٢). فمثالُ المتابعة : حديثُ : عمرو بن شُعيب ، قال : طافَ محمدٌ - جدُّهُ - معَ أبيهِ عبدِ الله بن عمرو ، فلمَّا كانَ سَبْعهما ، قالَ محمدٌ لعبد الله حيثُ يَتَعوَّذُون: اسْتَعِذْ. فقالَ عبدُ اللهِ: أعوذُ باللهِ منَ الشيطانِ. فلمَّاً استلمَ الرُّكْنَ تعوَّذَ بينَ الرُّكْنِ وَالْبَابِ ، وَأَلْصَقَ جَبْهَتَهُ وصَدْرَهُ بالبيتِ ، ثمَّ قالَ : رأيتُ رسولَ اللهِ وَلّهِ يَصْنِعُ هَذا. (١) وهذا يقال في كل صور السقط ، كالإنقطاع وغيره . وانظر: ((العلل)) لعبد الله بن أحمد (٢٦٢٥). (٢) انظر: ((ردع الجاني)) (ص١٣٤).