النص المفهرس

صفحات 341-360

٣٤١
الشَّوَاهِدُ .. وَإِسْنَادٌ فِي إِسْنَادِ
ويُشْبِهُ أنْ يكونَ سببُ ذلكَ ؛ هو أنْ يكونَ حدثَ بالحديث حفظًا ،
وهو ليسَ بحافظِ ، فدخلَ عليهِ إسنادُ هذا في إسنادٍ ذاكَ ، أو أنَّ الحديثين
كانا في كتابهِ ، يتلو أحدُهما الآخرَ ، فكتبَ أبو المغيرةَ إسنادَ حديثٍ ((إيّاكُمْ
وَالْكَذْبَ ... ))، ثمَّ زاغَ نظرُهُ، فنزلَ إلى متنِ حديثِ ((لِسَانِي هَذا ... ))،
فتركبَ متنُ هذا على إسنادِ ذاكَ . واللهُ أعلمُ .
وقد وقعَ مثلُ ذلكَ في غيرِما حديثٍ ، سيأتي ذكرُ بعضِها - إنْ
شاءَ اللهُ تعالى .
مثالٌ آخرُ :
حديثُ : همامِ بنِ يحيى ، عنِ ابنِ جريجٍ ، عنِ الزهريِّ، عن أنسٍ ،
قالَ : كَانَ النبيُّ ◌َّهِ إِذَا دَّخَلَ الخَلاَءَ وَضَعَ خَاتَمَّهُ .
أخرجَهُ : أبو داودَ (١٩) والترمذيُّ (١٧٤٦) والنسائيّ (١٥٥/٨) وابن
ماجه (٣٠٣) والبيهقيَّ (٩٥/١).
قالَ النسائيُّ (١) :
(هذا الحديثُ غيرُ محفوظ)).
وقالَ أبو داودَ :
((هذا حديثٌ منكرٌ ؛ وإنما يُعرفُ عن ابن جريج ، عن زيادِ بنِ سعد،
عن الزهريِّ، عن أنس ، أنَّ النبيَّ ◌َِّ (اَّخَذَ خَاتَمًا مِّنْ وَرِقٍ، ثُمَّ أَلْقَاهُ)؛
والوهمُ فيه من همامٍ ، وَلم يروِهِ إلا همامٌ) .
(١) كما في ((تحفة الأشراف)) (١٨٥/١).

٣٤٢
الشَّوَاهِدُ .. وَإِسْنَادٌ فِي إِسْنَادِ
وذكرَ البيهقيُّ قولَ أبي داود هذا ، ثمَّ قالَ :
«هذا هو المشهورُ عنِ ابنِ جريجٍ ، دونَ حديثِ همامٍ)).
قلتُ : وهذا؛ معناهُ : أنَّ همامًا دخلَ لهُ حديثٌ في حديثٍ .
ولعلَّ سببَ وقوعِ همامٍ في هذا الخطإِ ؛ هو تشابُهُ المتنينِ ، فكلاهما
فيه ذكرُ الخاتم ، وفي مثلِ ذلكَ يقعُ الاشتباهُ .
واللهُ أعلمُ .
مثالٌ آخرُ :
حديثُ : محمد بنِ عبدِ اللَّهِ الأنصاريِّ ، عن حبيبٍ بنِ الشهيدِ ، عن
ميمونِ بنِ مهرانَ ، عن ابنِ عباسٍ ، أنّ النبيِّ وََّ احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ.
,و٠َ
وفي رواية : ((وَهُوَ مُحْرِمٌ صَائمٌ)) ..
أخرجهُ : الترمذيُّ (٧٧٦) والنسائيُّ في ((الكبرى)) (١) والطحاويُّ فِي
((شرح معاني الآثار)) (١٠١/٢) والخطيبُ في ((التاريخ)) (٤٠٩/٥)
و ((الموضح)) (٤٠/٢).
وهذا الحديثُ ؛ إسنادُه صحيحٌ في الظاهرِ ، ومعَ ذلكَ ؛ فقد أنكرَهُ
جماعةٌ من أهلِ العلمِ على محمدِ بنِ عبدِ اللَّهِ الأنصاريِّ، ورَأَوْا أنَّهُ دخلَ
عليهِ حديثٌ في حديثٍ ، فأرادَ أنْ يحدثَ بحديثِ زواجٍ رسولِ اللهِ
مَكَذ الله
وَسَّلم
بمَيْمونةَ ، فأخطأَ وقالَ : احتجمَ وهو محرمٌ صائمٌ .
قالَ عبدُ اللَّه بنُ أحمدَ (٢) .
(١) كما في ((تحفة الأشراف)) (٢٥٣/٥ - ٢٥٤).
(٢) في ((العلل)) (٥٥٦)، وهو في ((تاريخ بغداد)) (٤٠٩/٥ - ٤١٠).

٣٤٣
الشَّوَاهِدُ .. وَإِسْنَادٌ فِي إِسْنَاد
((قالَ أبي : وقالَ أبو خيثمةَ : أنكرَ معاذٌ - يعني : ابنَ معاذِ العنبريّ -
ويحيى بنُ سعيدٍ - يعني : القطانَ - حديثَ الأنصاريِّ - يعني : محمدَ بنَ
عبد اللَّهِ - ، عن حبيبِ بنِ الشهيدِ ، عن ميمونِ بنِ مهرانَ ، عن ابنٍ
عباسٍ: احتجمَ النبيّ وَّ وهو محرمٌ وصائم)) (١).
وقالَ أبو بكرِ الأثرمُ (٢):
(«سمعتُ أبا عبدِ اللَّهِ ذكرَ الحديثَ الذي رواهُ الأنصاريُّ ، عن حبيبٍ
ابنِ الشهيدِ، عن ميمونٍ، عن ابنِ عباسٍ، أنَّ النبيَّ نَّهِ احتجمَ وهو
صائمٌ ؛ فضعفَهُ، وقالَ : كانتْ ذَهَبَتْ للأنصاريِّ كتبٌ ، فكانَ بعدُ يحدثُ
من كتبِ غلامِهِ: أبي حكيم أُراهُ. قالَ : فكانَ هذا من تلكَ)) .
وقالَ في روايةٍ مهنَّا (٣) .
((ليسَ بصحيحٍ ؛ وقد أنكرَهُ يحيى بنُ سعيد [على] (٤) الأنصاريِّ)).
وسُئِلَ عليٌّ بنُ المدينيِّ ، عن هذا الحديثِ ، فقالَ (٥):
((ليسَ من ذلكَ شيءٌ؛ إنَّما أرادَ حديثَ حبيبٍ ، عن ميمون ، عن
يزيدَ بنِ الأصمِ: تزوجَ النبيُّنَّهِ مَيْمُونَةً مُحْرِمًا» .
(١) في ((تاريخ بغداد)): ((محرم صائم)) وكذا في ((تهذيب الكمال)) (٥٤٣/٢٥) و((السير))
(٥٣٤/٩) .
(٢) ((تاريخ بغداد)».
(٣) ((الفتاوى)) لابن تيمية (٢٥٣/٢٥) و((زاد المعاد)) لابن القيم (٦٢/٢).
(٤) زيادة متعينة، فيحين هذا هو القطان وليس الأنصاري. ثم وجدته في ((شرح العمدة))
لشيخ الإسلام (١/ ٤٤٠ - صيام) على الصواب .
(٥) «تاريخ بغداد)» (٥/ ٤١٠).

٣٤٤
الشَّوَاهِدُ .. وَإِسْنَادٌ فِي إِسْنَادِ
يعني : أنَّه دخلَ عليهِ حديثٌ في حديثٍ .
وبمثلِ هذا ؛ أعلَّهُ النسائيُّ ، فقالَ :
(«هذا حديثٌ منكرٌ ؛ لا أعلمُ أحدًا رواهُ عن حبيبٍ غيرَ الأنصاريِّ،
ولعلَّهُ أرادَ أنَّ النبيَّ ◌َ ◌ّهِ تزوجَ ميمونةً)) .
وبمثلِ ذلكَ أيضًا؛ أعلَّهُ الخطيبُ في (التاريخ)) (١).
وكذلكَ ؛ الذهبيّ في ((الميزان)) (٢).
مثالٌ آخرُ :
قالَ عبدُ اللَّهِ بنُ أحمدَ (٣):
((عرضتُ على أبي حديثَ : عبيدِ اللَّهِ بنِ موسى ، عن سفيانَ ، عن
حكيمٍ بنِ الديلمِ ، عن أبي بردةَ، عن أبيهِ ، قالَ: قَامَ فِينَا رسولُ اللَّهِ وَلّـ
بِأَرْبَعٍ ، فَقَالَ : ((إِنَّ اللَّهَ لاَ يَنَامُ) .
فقالَ أبي: هذا حديثُ الأعمشِ ، عن عمرِو بنِ مرةً، عن أبي عبيدةَ،
عن أبي موسى ؛ هذا لفظُ حديثِ عمرو بنِ مرةً ، أراهُ دخلَ لعبيدِ اللَّهِ بنِ
موسی إسنادُ حدیث في إسنادٍ حدیث)) اهـ .
مثالٌ آخرٌ :
حديثُ : أبي عميرِ بنِ النحاسِ ، عن ضمرةَ بنِ ربيعةً ، عن الثوريِّ،
عن عبدِ اللَّهِ بنِ دينارٍ، عن ابنِ عمرَ، عنِ النبيِّ ◌َِّهِ، قالَ: ((مَنْ مَلَكَ ذَا
(١) ((تاريخ بغداد)) (٤١٠/٥).
(٢) («الميزان)) (٦٠١/٣).
(٣) ((العلل)) (١٣٢٧).

٣٤٥
الشَّوَاهِدُ .. وَإِسْنَادٌ فِي إِسْنَاد
رَحِمٍ مُخْرِمٍ، فَهُوَ عَنِيقٌ) .
ذكرهُ: الترمذيَّ في ((الجامع))(١)؛ ثمَّ قالَ:
((ولم يُتابعْ ضمرةُ على هذا الحديث ، وهو حديثٌ خطأُ عندَ أهل
الحديث» .
وقد بيَّنَ البيهقيَّ في ((السنن الكبرى))(٢) وجهَ ذلكَ الخطإ، وأنَّهُ دخلَ
على الراوي حديثٌ في حديثٍ ، فقالَ :
((وهمَ فيهِ راويهِ ، والمحفوظُ بهذا الإسنادِ حديثُ: (نَهَى عَنْ بَيْعِ
الْوَلَاءِ وَعَنْ هَبَتْه))، وقد رواهُ أبو عميرِ ، عن ضمرةً ، عن الثوريِّ مع
الحدیثِ الأولِ» .
قلتُ : يشيرُ إلى أنَّه دخلَ عليه إسنادُ هذا الحديثِ في إسنادِ حديثٍ
النهي عن بيعِ الولاءِ وعن هبتهِ
وقالَ في ((معرفة السنن والآثار))(٣):
(هذا وهمٌ فاحشٌ، والمحفوظُ بهذا الإسنادِ حديثُ : النَّهي عن بيعِ
الولاءِ وعن هبتهِ)) .
وحَكَى أبو داودَ في ((المسائل)) (٤) عن الإمامِ أحمدَ ، أنَّه قالَ في هَذا
الحديث :
((ليسَ مِنْ ذَا شيءٌ؛ وَهِمَ ضَمْرةُ) .
(١) ((جامع الترمذي)) (٦٣٨/٣).
(٢) ((السنن الكبرى)) (٢٨٩/١٠ - ٢٩٠).
(٣) ((المعرفة)) (٥٠٥/٧) .
(٤) ((المسائل)) (ص ٣١٤).

٣٤٦
الشَّوَاهِدُ .. وَإِسْنَادٌ فِي إِسْنَاد
وقالَ أبو زرعةَ الدمشقيَّ في ((تاريخه)) (١):
((قلتُ لأبي عبدِ اللَّهِ أحمدَ بنِ حنبلٍ : فإنَّ ضمرةَ يحدثُ عن
الثوريِّ، عن عبدِ اللهِ بنِ دينارٍ، عنِ ابنِ عمرَ، عنِ النبيِّ نَّهِ: (مَنْ مَلَكَ
ذَا رَحِمٍ فَهُوَ حُرٍّ)؟ فَرَدَّهُ ردًّا شديدً)» .
وذكرَهُ الحافظُ ابنُ حجرٍ في ((التهذيب)»(٢) عن أحمدَ ، وزادَ :
((وقالَ : لو قالَ رجلٌ: إنَّ هذا كذبٌ ؛ لما كانَ مخطئًا)) .
هذا ؛ مع أنَّ ضمرةَ هذا عندَ الإمام أحمدَ («صالحُ الحديث من الثقات
المأمونين))(٣)، وهذا مما يستدلُ به على أنَّ الخطأَ - إسنادًا أو متنًا - منكرٌ لاَ
أصلَ لهُ، لا يعتبرُ به ولا يستشهدُ، ولو كانَ راويه ثقةً، كما سبق في فصل :
(المنكرُ .. أبدًا منكرٌ)) .
وقد رُوي هذا المتنُ بإسنادٍ آخرَ ، وهو خطأٌ أيضًا :
رواه : حمادُ بنُ سلمةَ ، عن قتادةَ ، عن الحسنِ ، عن سمرةَ -
مرفوعًا .
واختلفَ فيهِ على حمادٍ :
فقيلَ : عنهُ ، كذلكَ .
وقيلَ : عنهُ ، عن قتادةَ ، عن الحسن ، عن سمرةً - فيما يحسبُ
حمادٌ .
(١) ((تاريخه)) (١١٦٨) (٢٢٩٤) .
(٢) ((تهذيب التهذيب)) (٤٦١/٤).
وانظر: ((الإرشاد)» للخليلي (٤٧٦/٢) .
(٣) ((العلل)» لعبد الله بن أحمد (٢٦٢٤)(٣٦٠٤) و(تهذيب الكمال)) (٣١٩/١٣).

٣٤٧
الشَّوَاهِدُ .. وَإِسْنَادٌ فِي إِسْنَاد
أي : بشكهِ في ذكرِ ((سمرةَ)) في إسنادِهِ .
وقد خالفَهُ : سعيدُ بنُ أبي عروبةَ ، فقالَ : عن قتادةَ ، عنِ الحسنِ ،
عن عمرَ - قوله .
وهذا أشبهُ ؛ لأنَّ ابنَّ أبي عروبةَ من أثبتِ الناسِ في قتادةَ ؛ وفي
المقابلِ ، فإنَّ حمادَ بنَ سلمةَ لهُ أوهامٌ معروفةٌ عن قتادةَ ، فكيفَ وهو قد
شكَّ في روايتهِ ، ولم يثبتْ عليها .
ولذا ؛ قالَ البيهقيُّ (١):
((والحديثُ إذا انفردَ به حمادُ بنُ سلمةَ ، ثم يشكُّ فيه، ثمَّ يخالفُهُ
فيهِ من هو أحفظُ منهُ ، وجبَ التوقفُ فيهِ)) .
وقد أشارَ البخاريُّ، والترمذيُّ ، وأبو داودَ (٢) إلى تضعيفِ حديثٍ
حمادِ بنِ سلمةَ هذا .
وقالَ عليٌّ بنُ المدينيِّ(٣):
(هذا عندي منكرٌ) .
مثالٌ آخرُ :
حديثُ : محمودِ بنِ محمدِ أبي يزيدَ الظفريِّ ، عن أيوبَ بنِ النجارِ،
عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ ، قالَ : قالَ رسولُ
اللَّهِ وَّ: (مَا تَوَضَأْ مِّنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ)) - الحديث .
(١) ((المعرفة)) (٥٠٤/٧ _ ٥٠٥) وانظر («السنن الكبرى)) (٢٨٩/١٠).
(٢) ((الجامع)) للترمذي)) (١٣٦٥) و((العلل الكبير)) (ص ٢١١) و((السنن)) لأبي داود (٣٩٤٩).
(٣) ((المعرفة)) للبيهقي.
وراجع: ((إرواء الغليل)) (١٧٤٦).

٣٤٨
الشَّوَاهِدُ .. وَإِسْنَادٌ فِي إِسْنَاد
أخرجه : الدارقطنيَّ (٧١/١) والبيهقيّ (٤٤/١).
قالَ البيهقيُّ :
«هذا الحديثُ ؛ لا يعرفُ من حديثٍ يحيى بنِ أبي كثير ، عن
أبي سلمةَ ، إلا من هذا الوجهِ ، وكانَ أيوبُ بنُ النجارِ يقولُ : لم أسمعْ
من يحيى بن أبي كثيرٍ إلا حديثًا واحدًا، وهو حديثُ: ((الْتَقَى آدَمُ
وَمُوسَى)) - : ذكرَهُ يحيى بنُ معينٍ، فيما رواهُ عنهُ ابنُ أبي مريمَ (١)؛ فكانَ
حديثُه هذا منقطعًا. والله أعلم)).
وقالَ الحافظُ ابنُ حجرٍ (٢):
(( ... فعلى هذا يكونُ في السندِ انقطاعٌ ؛ إنْ لم يكنْ الظفريُّ دخلَ
عليهِ إسنادٌ في إسنادٍ)).
والظفريَّ هذا؛ قالَ فيهِ الدار قطنيّ: ((ليسَ بالقوي، فيهِ نظرٌ)) .
مثالٌ آخرُ :
حديثُ : عبد الرزاقِ ، عن معمرٍ ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن
إبراهيمَ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ قارظِ ، عن السائبِ بنِ يزيدَ، عن رافعٍ بنِ خديجٍ، عنِ
النبيِّ نَّهِ، قالَ: (أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومَ)).
أخرجهُ: في ((مصنفه)) (٤/ ٢١٠)، وعنه الترمذيّ في ((الجامع))
(٧٧٤) و((العلل)) (ص ١٢١ - ١٢٢) وأحمدُ (٤٦٥/٣) وابنُ خزيمةَ
(١٩٦٤) وابنُ حبانَ (٣٥٣٥) والطبرانيُّ (٢٤٢/٤) والحاكمُ (٤٢٨/١)
(١) وهو في (تهذيب الكمال)) (٥٠٠/٣).
(٢) في ((نتائج الأفكار)) (٢٢٦/١ - ٢٢٧).

٣٤٩
الشَّوَاهِدُ .. وَإِسْنَادٌ فِي إِسْنَادِ
والبيهقيُّ (٢٦٥/٤).
فهذا الحديثُ ؛ قد ذُكِرَ عن أحمدَ بن حنبلٍ وعليٍّ بن المدينيِّ ، أنَّه
أصحّ شيءٍ في بابهِ .
حكاهُ الترمذيُّ (١) ، عن أحمدَ .
وحكاهُ عباسٌ العنبريُّ ، عن ابنِ المدينيِّ .
ذكرهُ عن عباسٍ: ابنُ خزيمةَ في ((صحيحه))، وعنهُ الحاكمُ في
((المستدرك)) والبيهقيّ في ((السنن)) (٢).
ورُوي عنهما أيضًا خلافُ ذلكَ :
فروى: البيهقيُّ (٢٦٧/٤)، عن عليٍّ بنِ سعيدِ النسويِّ، أَنَّه قالَ :
((سمعتُ أحمدَ بنَ حنبلِ ، وقد سُئِلَ : أَيُّما حديث أصحٌ عندكَ في
((أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ)) ؟
فقالَ : حديثُ ثوبانَ ؛ من حديثٍ يحيى بنِ أبي كثيرٍ ، عن أبي
قلابةَ، عن أبي أسماءَ ، عن ثوبانَ .
فقيلَ لأحمد بنِ حنبلٍ : فحديثُ رافعٍ بِنِ خديجٍ ؟
قالَ : ذاكَ تفردَ به معمرٌ)) .
ومثلُ ذلكَ ؛ حكى عنه غير واحدٍ ، كما في ((شرح العمدة)) لشيخ
الإسلام (١/ ٤١١ - صيام).
(١) في ((الجامع)) (١٣٦/٣).
(٢) (صحيح ابن خزيمة)) (٢٢٧/٣) و((المستدرك)) (٤٢٨/١) و((السنن الكبرى)) للبيهقي
(٤ / ٢٦٧) .

٣٥٠
الشَّوَاهِدُ .. وَإِسْنَادٌ فِي إِسْنَاد
وحكى الترمذيَّ أيضًا عن عليٍّ بنِ المدينيِّ ، أنَّه قالَ :
(أصحُّ شيءٍ في هذا البابِ حديثُ ثوبانَ وشدادِ بنِ أوسٍ ... )) .
هذا ؛ وقد صرحَ غيرُهما من النقادِ بضعفِ حديثِ رافعٍ في هذا
الباب ، وأنَّه دخلَ على راويهِ حديثُ في حديثٍ .
قالَ ابنُ معينٍ : ((هُو أضعفُ أحَادِيثِ البابِ)) (١) .
وحكى الترمذيَّ في ((العلل)) عن البخاريِّ، أنَّه قالَ :
((هو غيرُ محفوظ)) .
وقالَ الترمذيُّ :
((وسألتُ إسحاقَ بنَ منصورِ عنهُ، فأبى أن يُحدثَ به عن عبدِ الرزاقِ،
وقالَ : هو غلطٌ . قلتُ لهُ : ما علتُهُ ؟ قالَ : رَوى عنه هشامٌ الدستوائيّ ،
عن يحيى بنِ أبي كثيرٍ ، عن إبراهيمَ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ قارظِ ، عن السائبِ
ابنِ يزيدَ، عن رافعِ بنِ خديجٍ، عنِ النبيِّ نَّهِ، قالَ: ((كَسْبُ الْحَجَّامِ
خَبِيثٌ، وَمَهْرُ الْبَغِيِّ خَبِيثٌ، وَثَمَنُّ الْكَلْبِ خَبِتٌ) .
وحكى ابنُ أبي حاتمٍ(٢)، عن أبيهِ ، أَنَّه قالَ:
((إنَّما يَروي هذا الحديثَ يحيى بنُ أبي كثيرٍ ، عن أبي قلابةَ ، عن
أبي أسماءَ ، عن ثوبانَ، واغترَّ أحمدُ بنُ حنبلٍ بأنْ قالَ : الحديثين(٣)
(١) ذكرَهُ ابنُ حجرٍ في ((الفتح)) (١٧٧/٤) و((التلخيص)) (٢٠٥/٢).
(٢) في ((العلل)) (٧٣٢) .
(٣) كذا .

٣٥١
الشَّوَاهِدُ .. وَإِسْنَادٌ فِي إِسْنَادِ
عندَهُ(١). وإنَّما يُروى بذلكَ الإسنادِ، عنِ النبيِّ وَّهِ، أَنَّه نَهى عن كسب
الحجامِ ، ومهرِ البغي ؛ وهذا الحديثُ في ((يفطرُ الحاجمُ والمحجومُ))
عندي باطلٌ)) .
فقد تبيَّنَ بهذا ؛ أنَّ معمرًا دخلَ عليهِ حديثٌ في حديث ، فأخطأ ،
والصوابُ بهذا الإسنادِ حديثُ : النهي عن كسبِ الحجامِ .
ولذا ؛ قالَ الحافظُ ابن حجرٍ (٢)
((فهذا هو المحفوظُ عن يحيى ؛ فكأنَّه دخلَ لمعمرٍ حديثٌ في
حديثٍ . واللَّهُ أعلمُ)) .
مثالٌ آخرٌ :
حديثُ : محمدِ بنِ غالبِ المعروفِ بـ (تَمْتَامِ)) ، عن محمدِ بنِ جعفرٍ
الورْكانيُّ ، عن حماد بنِ یحیی الأُبَحِّ، عن ابنِ عون ، عن ابنِ سیرینَ ، عن
عمرانَ بِنِ حصينٍ، عن النبيِّنَّهِ، قالَ: ((شَّتِي هُودٌ وَأَخَوَتَّهَ)).
وهذا الإسنادُ ؛ يمكنُ أنْ يحسَّنَ بمفرده ، بل قد حسنَهُ فعلاً بعضُ
العلماءِ الأفاضلِ ، اغترارًا بظاهرِ الإسنادِ ، فَأَخطأ ؛ حيثُ إنهُ إسنادٌ لا أصلَ
لهذا المتنِ بهِ .
وهذا المتنُ ؛ مرويٌّ بأسانيدَ كثيرةٍ ، عن أبي إسحاقَ السبيعيِّ ، ولا
يصحّ منها إلا مرسلاً ، أي: عن أبي أسحاقَ ، عن عكرمةً، أنَّ
رسولَ اللَّهِ وَله .
(١) يعني : عند ابن أبي كثير .
وقد سبق أن أحمد لم يثبت على تصحيحه .
(٢) في ((فتح الباري)) (٤/ ١٧٧).

ـنـ
٣٥٢
الشَّوَاهِدُ .. وَإِسْنَادٌ فِي إِسْنَادِ
ورُوي أيضًا عن حمادِ بنِ يحيى الأَبَحِّ ، عن يزيد الرقاشيِّ ، عن
أنسٍ ؛ ويزيد الرقاشيَّ ضعيفٌ جدًّا .
وأمَّا بهذا الإسناد ؛ فهو ممَّا أخطأَ فيه تمتامٌ هذا، وهو ثقةٌ ، إلا أنَّ
هذا ممَّا أخطأُ فيهِ .
وقد أنكرَهُ عليه موسى بنُ هارونَ وغيرُهُ ؛ ذكرَ ذلكَ حمزةُ بنُ يوسفَ
السهميُّ في ((سؤالاته)) (١) ، ثمَّ ذكرَ عن الدارقطنيٌّ، أنَّهُ قالَ :
((والصوابُ : أنَّ الوركانيَّ حدَّثَ بهذا الإسنادِ ، عن عمرانَ بنِ
حصينٍ، أنَّ النبيَّ وَّ قالَ: ((لاَ طَاعَةً لِمَخْلُوق في مَعْصِيَة الْخَالقِ)) ، وحدَّثَ
على أَثَرِهِ : عن حمادِ بنِ يحيى الأبحِّ ، عن يزيدَ الرقاشيِّ ، عن أنس ، أنَّ
النبيِّ وَّهِ قالَ: ((شَيَّتني هُودٌ))؛ فيشبهُ أنْ يكونَ التمتامُ كتبَ إسنادَ الأولِ
ومتنَ الأخيرِ ، وقرأَهُ على الوركانيِّ، فلم يتنبّهُ عليهِ)(٢).
* تَنْبِيهُ :
حكى السهميّ في الموضعِ المشارِ إليهِ :
أنَّ تمتامًا لمَّا أنكرَ عليه موسى بنُ هارونَ وغيرُهُ هذا الحديثَ، ((جاءَ
بأصلِهِ إلى إسماعيلَ بنِ إسحاقَ القاضِي ، فأوقفَهُ عليهِ ، فقالَ إسماعيلُ
(١) ((سؤالات السهمي)) (٩).
(٢) وراجع: ((العلل)) للدار قطني (١٩٣/١ - ٢١١) و((السلسلة الصحيحة)) (٩٥٥).
هذا ؛ وقد وقع تمتامٌ في نحو هذا الخطإٍ أيضًا في حديث آخر ، فانظره في ((السلسة الضعيفة))
للشيخ الألباني (٩٤٣) .
وانظر: حديثًا آخر ، وقع فيه نحو هذا الخطإِ ، وقد بينه الشيخ الألباني في ((الإرواء))
(٣٦٣/٣) .

٣٥٣
الشَّوَاهِدُ .. وَإِسْنَادٌ فِي إِسْنَادِ
القاضي : ربَّما وقعَ الخطأُ للناسِ في الحداثة ، فلو تركتَهُ لم يضركَ . فقالَ
تمتامٌ : لا أرجعُ عما في أصلٍ كتابي)) .
وحكى السهميُّ أيضًا عن الدارقطنيِّ، بعدَ كلامِهِ السابقِ والمتضمنِ
إعلالَ الحديثِ بدخولِ إسنادٍ في إسنادٍ على تمتامٍ ، قالَ الدارقطنيُّ :
((وأمَّا لزومُ تمتام كتابَهُ وتثبته فلا ينكرُ ، ولا ينكرُ طلبُهُ ، وحرصُهُ على
الكتابة)) .
ثمَّ قالَ الدار قطنيُّ :
((شيبتني هودٌ والواقعةُ؛ معتلةٌ كلُّها)).
والذي أريدُ أنْ أنّبِّهَ عليهِ :
أنَّ عدمَ إنكارِ الإمامِ الدارقطنيُّ لزومَ تمتامٍ لكتابِهِ ، لا يعني تصحيحَهُ
لحديثه هذا ، وعدمَ تخطئةِ تمتامٍ فيهِ ، كيفَ وقد صرحَ هو بخطئه فيما
٠٠
سبقَ.
وإنَّما معنى هذا ؛ أنَّ تمتامًا يُعذرُ في هذا الخطإِ ، ولا يُضعفُ من
أجله ؛ فقد عُلمَ من قواعدِ علومِ الحديثِ من حالِ المصرِّ على الخطإ، أنَّ
٠
مَنْ بَيَّنَ لهُ نقادُ الحديثِ خطأَهُ في حديثٍ ما ، ثمَّ أصرّ على روايتِهِ ، غيرَ
ملتفتٍ لإنكارِ أهلِ الاختصاصِ ، أَنَّه يُضعفُ بذلكَ ، بل ويتركُ ؛ لتعمدِهِ
روايةَ ما تبيَّنَ لهُ فيهِ الخطأُ ؛ اللَّهمَّ إلا أنْ يكونَ له عذرٌ في ذلكَ ، كما هو
حالُ تمتامٍ ؛ فإنَّ الحديثَ في كتابِهِ ، وكتابُهُ لم يعهدْ فيهِ الخطأَ ، فكانَ
جانبُ توقفِ تمتامٍ في تخطئةِ النقادِ عندَه قويًّا ، فعذَرَهُ الدارقطنيُّ بذلكَ ،

٣٥٤
الشَّوَاهِدُ .. وَإِسْنَادٌ فِي إِسْنَادِ
ولم يضعفْهُ ، وإنْ كانَ الحديثُ خطأ (١)
٠
واللهُ أعلمُ .
مثالٌ آخرُ :
سألَ ابن أبي حاتمٍ أباهُ (٢) :
عن حديث ؛ رواه : هشامُ بن إسماعيلَ ، عن محمد بن شعيب بن
شَابور، عن عبد الله بن العلاء بن زَبّر، عن سالم، عن أبيه، عن النبيُّ وَله،
أنَّه صَلَّى، فتركَ آيَةً، فلمَّا انظرفَ قال: ((أَفيكُمْ أَبيَّ؟)) - وذكر الحديثَ
فقال أبو حاتم :
((هَذَا وَهْمٌ ؛ دَخَلَ لهشامٍ بن إسماعيلَ حديثٌ في حديثٍ ؛ نظرتُ في
بعضِ أصنافِ محمد بن شعيبٍ ، فوجدتُ هَذا الحديثَ ، رواه محمد بن
شعيب ، عن محمد بن يزيدَ البصريِّ ، عن هشامٍ بن عروةَ ، عن أبيه ، أن
النبيَّ وَّهِ صلَّى، فتركَ آيَةً؛ هكذا مرسلٌ. ورأيتُ بجَنْبه: حديثَ
عبدِ الله بن العلاءِ، عن سالمٍ، عن أبيه، عن النبيِّ وَّهِ، أنه سُئل عن
صلاة الليلِ ، فقال: ((مَثْنِى مَثْنى، فإذا خشيتَ الصَّبْحَ))؛ فعلمتُ أنَّه سَقَط
على هشامٍ بن إسماعيلَ متنُ حديث عبد الله بن العلاءِ ، وبَقيَ إسنادُهُ ؛
وسقط إسنادُ حدیث محمد بن يزيدَ البصريِّ ؛ فصارَ متنُ حدیث محمد بن
يزيدَ البصريِّ بإسنادِ حديث عبد الله بن العلاءِ بن زَبْر ؛ وهَذا حديثٌ.
(١) كما فعل الإمام ابن خزيمة مع أحمد بن عبد الرحمن ابن أخي ابن وهب ، انظر :
((تهذيب الكمال)) (٣٨٩/١)، وقد تقدم في مقدمة هذا الكتاب.
(٢) في ((العلل)) (٢٠٧).

٣٥٥
الشَّوَاهِدُ .. وَإِسْنَادٌ فِي إِسْنَادِ
مشهورٌ ، يرويه الناسُ عن هشام بن عروةَ)).
قال أبو حاتمٍ :
((فلما قدمتُ السفرةَ الثانيةَ ، رأيتُ هشام بن عمارِ يحدثُ به عن
محمد بن شعيب ، فظننتُ أن بعضَ البغداديين أدخلوه عليه ، فقلتُ له : يا
أبا الوليدِ ! ليسَ هذا من حديثكَ !
فقال : أنتَ كتبتَ حديثي كلَّه ؟!
فقلت : أما حديثُ محمد بن شعيبٍ ؛ فإنِّي قدمتُ عليكَ سنةً بضعةَ
عشرَ ، فسألتني أنْ أُخْرِجَ لكَ مسندَ محمد بن شعيبٍ ، فأخرجتَ إليّ
حديثَ محمد بن شعيبٍ ، فكتبتُ لكَ مسندَهُ .
فقال : نعمْ ؛ هي عندي بخطّكَ ، قد أَعْلَمْتُ الناسَ أن هَذا بخطٌّ أبي
حاتمٍ .
فسكت)) اهـ .
مثالٌ آخرُ :
حديثُ : ابنِ صاعدٍ ، عن محمدِ بنِ يحيى القطعيِّ ، عن عاصمِ بنِ
هلال البارقيٌّ ، عن أيوبَ، عن نافعٍ ، عن ابنِ عمرَ ، قالَ : قالَ رسولُ اللَّهُ
وٍَّ: (لاَ طَلَقَ وَلاَ مِثْقَ، إِلَّ بَعْدَ نِكَاَحٍ)).
فهذا المتنُ ؛ مشهورٌ من حديثِ : عمرِو بنِ شعيبٍ ، عن أبيهِ ، عن
جدّه ؛ هكذا يرويهِ الناسُ .
أخرجهُ: أحمدُ (١٨٩/٢ - ١٩٠ - ٢٠٧) وأبو داودَ (٢١٩٠)

٣٥٦
الشَّوَاهِدُ .. وَإِسْنَادٌ فِي إِسْنَادِ
(٢١٩١) (٢١٩٢) والترمذيُّ (١١٨١) وابنُ ماجه (٢٠٤٧) وغيرُهم.
أمَّا بهذا الإسناد ؛ فهو ممَّا لا يعرفُ إلا من هذا الوجه ، وهو خطأٌ لا
أصلَ لهُ .
وقد بينَ ابنُ عديٍّ (١) سببَ الخطإِ، وأَنَّه كانَ في كتابِ القطعيِّ
حديثُ : عاصمٍ بنِ هلالِ ، عن أيوبَ ، عن نافعٍ ، عن ابنِ عمرَ ، عنِ
النبيِّ وَّ في تفسيرِ قولهِ تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وبعقبه
حديثُ: عمرو بن شعيبٍ، عن أبيهِ، عن جدِّهِ، عن النبيِّ وَّةِ: ((لاَ
طَلاَقَ ... ))، فدخلَ على ابنِ صاعدٍ إسنادُ الحديثِ الأولِ بمتنِ الحديثِ
الثاني .
وقد حكى أبو يعلى الخليليُ (٢)، عن أبي عروبةَ الحرانيِّ، أنَّه قالَ :
(لَوَ كانَ هذا الحديثُ عند أيوبَ عن نافعٍ؛ لاحتجَّ (٣) بِهِ الناسُ منذُ
مائتي سنةٍ ، عن عمرو بن شعيبٍ ، عن أبيهِ ، عن جده)) .
يعني : لو كانَ هذا الحديثُ ثابتًا بهذا الإسنادِ ((عن أيوبَ ، عن
نافعٍ ، عن ابنِ عمرَ))، لما تركَهُ الناسُ واحتجوا في هذا البابِ بما هو دونَهُ
في الصحةِ ، أي : بإسنادِ ((عمرو بنِ شعيبٍ ، عن أبيهِ ، عن جدهِ)) .
وهذا ؛ يدلُّ على أنَّه ليسَ لهُ أصلٌ من حديث أيوبَ ، ولا من حديث
نافعٍ ، ولا ابنِ عمرَ، وإنَّما إسنادُه الذي يُروى به ويُعرفُ بهِ ، هو : ((عمرو
ابنُ شعيب ، عن أبيه ، عن جده)) .
(١) في («الكامل)) (١٧٨٣/٥ -١٨٧٤).
(٢) في ((الإرشاد)) (٤٥٩/١).
(٣) لعل الأشبه: ((لما احتج))، والمعنى مفهوم .

٣٥٧
الشَّوَاهِدُ .. وَإِسْنَادٌ فِي إِسْنَادِ
فهذا ؛ هو الإسنادُ الذي يُحكمُ بمقتضاهُ على هذا المتنِ ، ولا اعتبارَ
بهذا الإسنادِ الآخرِ .
فانظرْ ؛ إلى دقة نقد أئمة الحديث ، ومدى أهمية الكتاب لمعرفة ما إذا
كانَ الحديثُ محفوظًا أم خطأ ، وهذا مما يسلَّمُ لهم فيه ؛ لأنَّ الكتبَ
٠
والأصولَ ليست في حوزتنا كما كانت في حوزتهم ، وقد كانَ أسهلَ عليهم
أنْ يعتبروا بحديث عاصم بن هلال هذا، ويجعلوهُ شاهدًا لحديث عمرو بن
شعيب ، فرحمَهم اللَّهُ تعالَى ، وجزاهُم اللَّهُ خيرًا على سعيهم ونصحِهم للأمةِ.
مثالٌ آخرُ :
حديثُ : محمدِ بنِ عبدِ الرحيمِ المعروفِ بـ ((صاعقة)) ، عن أبي
المنذرِ إسماعيلَ بن عمرَ ، عن ورقاءَ، عن سعد بن سعيد، عن عمرَ بنِ ثابت ،
عن أبي أيوبَ، قَالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ وَالَ: ((لاَ تَسْتَقْبَلُوا الْقَبْلَةَ وَّلا
تَسْتَدْبِرُوهَا بِغَائِطِ وَ بَوْلٍ ؛ وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرَّبُوا)) .
أخرجهُ: الطبرانيُّ (١٣٧/٤) وابنُ عديٍّ في ((الكامل)) (١١٨٩/٣)
والدار قطنيَّ (١ /٦٠) والخطيبُ في ((تاريخ بغداد)) (٣٦٣/٢) (١).
قالَ الدارقطنيَّ في ((العلل))(٢):
((لم يحدثْ بهِ - فيما أعلمُ - إلا صاعقةُ)) .
وقد بينَ الإمامُ ابنُ عديٌّ وجهَ الخطإِ في روايةِ هذا المتنِ بهذا
(١) استفدت مواضع تخريج هذا الحديث من: ((الإرواء)) (٩٩/١)، و((بذل الإحسان)) لأخي
الفاضل أبي إسحاق الحويني (٢١٧/١ - ٢١٨).
(٢) (١١٦/٦) .

٣٥٨
الشَّوَاهِدُ .. وَإِسْنَادٌ فِي إِسْنَادِ
الإسناد ، فقالَ بعدَ أنْ ذكرَ بعقبه بهذا الإسناد متنَ: ((مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ،
وَأَنْبَعَهُ بِسِتٌّ مِنْ شَوَّالِ ، فَهُوَ صَائِمُ الدَّهْرِ»
قالَ ابنُ عديٌّ :
((حديثُ سعدِ بنِ سعيد ، عن عمرَ بنِ ثابتٍ ، عن أبي أيوبَ: ((من
صامَ رمضانَ))، فهو مشهورٌ ، ومدارُ هذا الحديث عليه ؛ قد حدثَ بهِ
عنهُ: يحيى بنُ سعيدٍ أخوهُ ، وشعبةُ ، والثوريُّ ، وابنُ عيينةً ، وغيرُهم
من ثقاتِ الناسِ».
قالَ : ((وحديثُ ورقاءَ ، عن سعدِ بنِ سعيدٍ ، عن عمرَ بنِ ثابتٍ ،
عن أبي أيوبَ، عنِ النبيِّ نَّهِ: ((لا تَستقبلوا القبلةَ))، فهو غريبٌ؛ غريبٌ
هذا المتنُ بهذا الإسناد ؛ لأنَّ بهذا الإسنادِ لا يعرفُ إلا ((مَن صامَ رمضانَ»،
وفي حديثٍ ورقاءَ قد جمعَ بينَ المتنينِ ((لا تَستقبلوا القبلةَ))، وهو غريبٌ ،
و((مَن صامَ رمضانَ))، وهو مشهورٌ)) اهـ .
مثالٌ آخرُ :
حديثُ : يحيى بنِ يمانِ ، عن الثوريِّ، عن منصورِ ، عن خالدِ بنِ
سعد، عن أبي مسعود، قالَ: عَطِشَ النبيُّ بِّهِ حَوْلَ الْكَعْبَةِ، فَاسْتَسْقَى،
فَأْتِيِّ بِنِيْدٍ مِنَ السِّقَايَةِ ، فَشَمَّهُ ، فَقَطََّ ، فَقَالَ: ((عَلَيَّ بِذَنُوبٍ مِنْ زَمْزَمَ) ،
فَصَبَّ عَلَيْهِ ثُمَّ شَرِبَ. فَقَالَ رَجُلٌ: أَحَرَامٌ هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ :
((لا))
أخرجهُ : النسائيَّ (٣٢٥/٨).
وهذا الحديثُ ؛ أنكرَهُ أهلُ العلمِ على يحيى بنِ يمانِ ، منهم :

٣٥٩
الشَّوَاهِدُ .. وَإِسْنَادٌ فِي إِسْنَاد
أحمدُ، والنسائيُّ، وأبو حاتمٍ، وأبو زرعةَ ، والدارقطنيُّ ، وابنُ عديٍّ،
وغیرُهم(١).
وقالوا: هذا المتنُ إنما يرويهِ الثوريَّ، عنِ الكلبيِّ ، عن أبي صالحٍ،
عن المطلبِ بنِ أبي وداعةً، عن النبيِّ ◌َِّةِ.
والكلبيُّ ، متروكُ الحديثِ .
وقد بيَّنَ وجهَ الخطاٍ فيه أبو حاتم الرازيُّ ، فقالَ (٢):
((والذي عندي؛ أنَّ يحيى بنَ يمانِ دخلَ حديثٌ لهُ في حديث : رواهُ
الثوريُّ ، عن منصورٍ ، عن خالدِ بنِ سعدٍ مولى أبي مسعودٍ ، أنَّه كانَ
يَشربُ نبيذَ الجرِّ - وعن الكلبيِّ، عن أبي صالحٍ ، عن المطلبِ ، عنٍ
النبيِّ بَّهِ، أَنَّه كانَ يطوفُ بالبيت - الحديث(٣)؛ فسقطَ عنهُ إسنادُ الكلبيِّ ،
فجعلَ إسنادَ منصورٍ ، عن خالدٍ ، عنْ أبي مسعودَ لمتنِ حديثِ الكلبيِّ».
ونحوَ ذلكَ؛ قالَ الدارقطنيُّ في ((العلل)) (٤) .
مثالٌ آخرُ :
حديثُ : ابن لهيعةَ ، عن محمدِ بنِ زيدِ بنِ المهاجرِ ، عن محمد بنِ
المنكدرِ، عن جابرٍ ، قالَ: كَانَ النبيُّ ◌َ﴿ إِذَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ سَلَّمَ.
فهذا الحديثُ ؛ ممَّا أخرجتْهُ لهُ الأرضُ من أفلاذ أكبادها ؛ فإنَّ هذا
(١) انظر: ((علل الحديث)) للدارقطني (٦/ ١٩٢)، والتعليق عليه.
(٢) كما في ((العلل)) لابنه (٦٧٥).
(٣) يعني : حديثنا هذا .
(٤) ((العلل)) (١٩٣/٦).
وانظر: ((الكامل)) لابن عدي (٩٠٠/٣) (٢٦٩١/٧).

٣٦٠
الشَّوَاهِدُ .. وَإِسْنَادٌ فِي إِسْنَادِ
البابَ إنَّما يقومُ على موقوفاتٍ على بعضِ الصحابةِ وبعضِ التابعينَ ؛ فقد
رُوي ذلكَ عن عثمانَ وابنِ عباسٍ وابنِ الزبيرِ ، ثمّ عن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ .
ورُوي مرسلاً ، من مرسلِ الشعبيِّ وعطاءٍ(١).
فهذا ؛ أَعلى ما في البابِ ، فإذا بابنِ لهيعةَ يأبى إلا أنْ يأتيَ به مسندًا
مرفوعًا إلى رسول اللَّه وَله .
والعجبُ !! أنَّه جاءَ لهُ بإسناد كالشمسِ ، فقالَ : ((عن محمدِ بنِ
المنكدرِ عن جابرٍ))، ولو كانَ هذا الحديثُ من حديثِ ابنِ المنكدرِ ، وأنّه
حدَّثَ به فعلاً ، لرواهُ عنهُ أصحابُه العارفونَ بحديثهِ - أو بعضُهم على
الأقلِّ - ، كالسفيانينِ وغيرِهما .
ولهذا؛ عدَُّ ابنُ عديٍّ من مناكيرِهِ في ترجمتِهِ من ((الكامل)) (٢).
ولمَّا سألَ ابنُ أبي حاتم الرازيُّ أباهُ عنه (٣) ، قالَ أبو حاتمٍ :
((هَذَا حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ) .
وهذا الحديثُ؛ قد رواهُ ضعيفٌ آخرُ ، واسمُهُ : عيسى بنُ عبدِ اللَّهِ
الأنصاريُّ، فجاءَ لهُ بإسنادٍ آخرَ ، فقالَ : ((عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ)، وهذاَ
من أنكرِ شيءٍ يُروى ، فلو كانَ هذا من حديثِ نافعٍ لما تفردَ هذا الضعيفُ
به عنهُ؛ ولهذا أنكرَهُ عليهِ ابن حبانَ في ((المجروحين)) (١٢١/٢) وابنُ عديّ
(١) راجع: ((المصنف)) لعبد الرزاق (١٩٣/٣) و((السنن الكبرى)) للبيهقي (٢٠٥/٣) و((شرح
السنة)» للبغوي (٢٤٢/٤) و((الصحيحة)) للشيخ الألباني (٢٠٧٦).
(٢) ((الكامل)) (٤ /١٤٦٥).
(٣) في ((العلل)) (٥٩٠) .