النص المفهرس

صفحات 301-320

٣٠١
الْمُتَابَعَةُ .. وَالْجَادَّةُ
قالَ : ((وقد أخطأَ فيه رزقُ اللَّهِ بنُ موسى - وهو صالحٌ - ، من
حديثٍ يحيى بنِ سعيد القطانِ ، عن مالكِ ، عن نافعٍ ، عن ابنِ عمرَ ،
عنِ النبيِّ نَّهِ، به مجوَّدًا (١)، وتابعَهُ على خطئِهِ داودُ بنُ عبدِ اللهِ - هو أبو
الكرمِ الجَعْفريُّ، عن مالك - مثله)) اهـ .
ثمَّ ذكرَ أنَّ سهلَ بنَ فرخانَ الأصبهانيَّ الزاهدَ ، رواهُ أيضًا مرفوعًا ،
من حديثه عن الربيعِ بنِ سليمانَ ، عن الشافعيِّ ، عن مالكِ ، ونَقلَ عن
الحاكم أنه خَطَّأَ فيه سهلاً هذا، ثمَّ قالَ :
((فهذا ممَّا أخطأَ فيه هؤلاء، ولم يتعمدوا الكذبَ)).
مثالٌ آخرُ :
حديثُ: ((النَّوْمُ أَخُو الْمَوْتِ ، وَآَ يَنَامُ أَهْلُ الْجَنَّةِ» .
فهذا الحديثُ ؛ يرويِهِ الثوريُّ ، واختلفَ عليهِ :
فرواه : كبارُ أصحابهِ ، عنهُ ، عن محمدِ بنِ المنكدرِ ، عنِ النبيَ
وَل ـ مرسلاً.
منهم : عبدُ اللَّهِ بنُ المباركِ، ووكيعٌ ، وقطبةُ بنُ العلاءِ ، وعَبِيدُ اللَّهِ
ابنِ موسى ، والأشجعيُّ ، ومخلدُ بنُ يزيدَ ، وغيرهم .
أخرجَهُ: ابنُ المباركِ في «الزهد» (٢٧٩) وأحمدُ أيضًا في ((الزهد))
(ص٩) والعقيليَّ في ((الضعفاء)) (٣٠١/٢).
ورواهُ : الفريابيُّ ، وجماعةٌ آخرونَ - بعضُهم ضعفاءُ ، وبعضُهم يرويهِ
(١) أي : مرفوعًا .

٣٠٢
الْمُتَابَعَةُ .. وَالْجَادَّةٌ
عنهم ضعفاءُ - ؛ رَوَوَهُ ، عن الثوريِّ، عن ابنِ المنكدرِ ، عن جابرٍ ، عنِ
النبيِّ وَّ (١).
فهؤلاء الذينَ وصلُوهُ بذكر ((جابرٍ)) في الإسنادِ ، وإنْ كانوا جماعةٌ ،
إلا أنَّهم - كما سبقَ - يدورون بينَ ضعيفٍ، وبينَ مَن رَاويهِ عنه ضعيفٌ ،
وأفضلُ مَن رواهُ عن الثوريِّ موصولاً هو الفريابيُّ ، وهو معروفٌ بأخطائه
في حديثِ الثوريِّ ، وهذا منها ، فكيفَ إذا انضاف إلى ذلكَ مخالفةُ كبارِ
أصحابِ الثوريُّ لهم حيثُ لم يوصلوا الحديثَ ، خصوصًا وأنَّ وصلَ مثلٍ
هذا مما يَجْرِي على الجادةِ ، كما سبقَ .
ولهذا ؛ رجحَ العقيليَّ الإرسالَ ، وقالَ في الموصولِ :
((لا أصلَ لهُ).
وكذلكَ ؛ رجحَ الإرسالَ أبو حاتم الرازيُّ ، فقالَ (٢):
(الصحيحُ: ابنُ المنكدرِ، عنِ النبيِّنَّهِ؛ ليسَ فيه: جابرٌ) .
وبالله التوفيقُ .
مثالٌ آخرُ :
سُثُلَ الدار قطنيُّ (٣):
ء (٣)
عن حديث أبي إدريسَ الخولانيِّ ، عن معاذِ بنِ جبلٍ ، عن النبيّ
إنَّهِ: ((قَالَ اللَّهُ: وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لَلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ، وَالْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ) - الحديث.
(١) راجع: ((السلسلة الصحيحة)) (١٠٨٧).
(٢) ((العلل)) لابنه (٢١٤٧).
(٣) في ((العلل)) (٦٩/٦ - ٧١) .

٣٠٣
الْمُتَابَعَةُ .. وَالْجَادَّةُ
فقالَ الدار قطنيُّ :
((يرويهُ : جماعةٌ من أهلِ الحجازِ والشامِ ، عن أبي إدريسَ ، منهم :
أبو حازمٍ سلمةُ بِنُ دينارٍ ، والوليدُ بنُ عبدِ الرحمنِ ابنِ الزجاجِ ، ومحمدُ
ابنُ قِيسٍ القاصُّ ، وشهرُ بنُ حوشبٍ .... ، وعطاءُ الخراسانِيُّ ، ويزيدُ
ابنُ أبي مريمَ ، ويونسُ بنُ ميسرةَ بنِ حَلْبسٍ ؛ كلُّهم عن أبي إدريسَ ، عن
معاذِ بنِ جبلٍ ، وكلُّهم ذكروا أنَّ أبا إدريسَ سمعه من معاذٍ)) .
قالَ : ((وخالفَهم : محمدُ بنُ مسلمٍ الزهريُّ - وهو أحفظُ من
جميعِهم - ؛ فروَاهُ عن أبي إدريسَ الخولانيِّ، قالَ : أدركتُ عبادةَ بنَ
الصامتِ ووعيتُ عنه ، وأدركتُ شدادَ بنَ أوسٍ ووعيتُ عنه - وعدَّ نفرًا من
أصحابِ رسولِ اللَّهِ وَّهِ -، قالَ: وفاتني معاذُ بنُ جبلٍ وأُخْبِرْتُ عنه)).
قالَ: ((والقولُ قولُ الزهريِّ؛ لأنَّهُ أحفظُ الجماعة)) اهـ .
مثالٌ آخرُ :
حديثُ : الليثِ بنِ سعدٍ ، عن عقيلٍ ، عن الزهريِّ ، عن أنسٍ ،
قالَ: قالَ رسولُ اللّهِ بَّهَ: ((عَلَيْكُمْ بِالدُّلجَةِ؛ فَإِنَّ الأَرْضَ تُطْوَى بِاللَّيْلِ» .
فهذا الحديثُ ؛ يُروى عن الليثِ من وجهينِ :
الأولُ: يرويه : رويمُ بنُ يزيدَ ، عنه .
أخرجهُ: أبو يعلى (٣٠١/٦) وابنُ خزيمةَ (٢٥٥٥) والبزارُ (١١٩٦ -
كشف) والحاكمُ (٤٤٥/١) والخطيبُ (٤٢٩/٨) والطحاويُّ في ((مشكل
الآثار)) (١١٣) والبيهقيَّ (٢٥٦/٥).
الثاني : يرويهِ : محمدُ بنُ أسلمَ الطوسيُّ ، عن قبيصةَ بنِ عقبةَ ، عنهُ .

٣٠٤
الْمُتَابَعَةُ .. وَالْجَادَّةُ
أخرجهُ أيضًا : ابنُ خزيمةَ والحاكمُ ، وكذا أبو نعيمٍ في ((الحِلية)»
(٢٥٠/٩) .
وهذا ممَّ تتابعَ ثقتانِ على الخطإِ فيهِ .
سُئِلَ الدارقطنيُّ عن هذا الحديثِ ، فذكرَ روايةَ رويم هذه ، ومتابعةَ
محمدِ بنِ أسلمَ عن قبيصةَ لهُ ، ثمَّ قالَ (١):
((والمحفوظُ : عن ليثِ ، عن عقيلٍ ، عن الزهريِّ - مرسلٌ)) .
وقالَ ابنُ أبي حاتمٍ (٢) :
(«سمعتُ أحمدَ بنَ سلمةَ النيسابوريَّ يقولُ : ذاكرتُ أبا زرعةَ بحديث
رواهُ قبيصةُ بنُ عقبةَ ، عن الليثِ ، عن عقيلِ ، عن الزهريِّ ، عن أنسٍ -
( فذكرهُ ) .
فقالَ : أعرفُهُ من حديثِ رويمٍ بنِ يزيدَ ، عن الليثِ هكذا ؛ فَمَنْ
رواهُ عن قبيصةً ؟
فقلتُ : حدثني محمدُ بنُ أسلمَ ، عن قبيصةَ هكذا .
فقالَ : محمدُ بنُ أسلمَ ثقةٌ .
فذاكرتُ به مسلمَ بنَ الحجاجِ ، فقالُ : أخرجَ إليَّ عبدُ الملكِ بنُ
شعيبِ بنِ الليثِ كتابَ جدِّهِ ، فرأيتُ في كتابِ الليثِ على ما رواه قتيبةُ (٣).
(١) ((تاريخ بغداد)) (٤٢٩/٨).
وكذا ذكر روايتهما في ((الأفراد)) (٨٦/ أ - أطرافه)).
(٢) في ((العلل)) (٢٢٥٦).
(٣) يعني : مرسلاً ؛ كما سيأتي عقبه .

٣٠٥
الْمُتَابَعَةُ .. وَالْجَادَّةُ
قالَ أبو الفضلِ - هو : أحمدُ بنُ سلمةَ النيسابوريُّ - : حدثنا قتيبةُ ،
عن الليثِ، عن عقيلٍ، عنِ الزهريِّ، قالَ: قالَ رسول اللَّه ◌َيهِ :
(عَلَيْكُمْ بالدُّلجة)» - الحديث)) اهـ .
قلتُ : وإنَّما رجحَ الأئمةُ الإرسالَ ؛ لأنَّه هو الذي ثبتَ في كتابِ
الليثِ بنِ سعدٍ ، ومعلومٌ أنَّ الحفظَ يخونُ بخلاف الكتاب ؛ فإنَّهُ أثبتُ ، لا
سيما وأنَّ قتيبةَ بنَ سعيدٍ - وهو مِنَ المتثبتينَ في الليثِ - رواهُ مرسلاً ، كما
في كتابِ الليثِ .
وقد تابعَهُ أيضًا على إرساله : عبدُ اللَّهِ بنُ صالح كاتبُ الليثِ .
أخرجَ حديثَهُ: الطحاويُّ في ((المشكل)) (١١٤) (١)
مثالٌ آخرٌ :
حديثُ : عمرَ بنِ الخطابِ - موقوفًا عليهِ - : ((مَنْ وَهَبَ هَبَةً ، فَهُوَ
أَحَقُّ بِهَا، مَا لَمْ يُثَبْ مِنْهَا)) .
فهذا الحديثُ ؛ يُروى موقوفًا على عمرَ بنِ الخطابِ - رضي اللَّهُ
عنهُ - من عدَّةِ أوجهِ ؛ بنحوِهِ .
رواهُ: مالكٌ في ((الموطإِ)) (ص ٤٧٠) ، عن داودَ بنِ الحصينِ ، عن
أبي غطفانَ بنِ طريفِ المُرِّيِّ ، عن عمرَ - قوله .
ومن طريقِ مالكِ؛ رواهُ: البيهقيَّ في ((السنن الكبرى)) (١٨٢/٦)
ءِ
والطحاويّ في ((شرح معاني الآثار)) (٨١/٤).
(١) وراجع: ((الصحيحة)) (٦٨١).

٣٠٦
الْمُتَابَعَةُ .. وَالْجَادَّةٌ
ورواهُ : عمرو بنُ دينارٍ ، عن سالمٍ ، عن ابنِ عمرَ ، عن عمرَ -
قولهُ.
أخرجهُ : البيهقيُّ والطحاويُّ .
وكذلكَ ؛ رواهُ : حنظلةُ بنُ أبي سفيانَ ، عن سالمٍ ، عن ابنِ عمرَ ،
عن عمرَ - قولهُ .
رواهُ عن حنظلةَ : مكيُّ بنُ إبراهيمَ ، وعبدُ اللَّهِ بنُ وهبٍ .
أخرجهُ : البيهقيّ والطحاويُّ .
لكنْ ؛ اخْتُلفَ فيهِ على حنظلةَ .
فرواهُ: الحاكمُ في ((المستدرك)» (٥٢/٢): حدثنا أبو أحمدَ إسحاقُ
ابن محمدِ بنِ خالدِ الهاشميُّ - بالكوفة - : ثنا أحمدُ بنُ حازمِ بنِ أبي
عزرةَ : ثنا عبيدُ اللَّهِ بنُ موسى : ثنا حنظلةُ بنُ أبي سفيانَ، قال : سمعتُ
سالمَ بنَ عِبدِ اللَّهِ يحدثُ عن ابنِ عمر - رضي الله عنهما - ، عن النبيُّ
{َيْه)» - فذكرَهُ مرفوعًا من مسندِ ابنِ عمرَ .
ومن طريقِ الحاكمِ ؛ أخرجهُ : البيهقيُّ .
وقالَ الحاكمُ :
((صحيحٌ على شرطِ الشيخينِ، ولم يخرجاهُ؛ إلا أنْ نَكِلَ الحملَ فيه
على شيخنَا)).
ووافقَهُ الذهبيُّ، بلْ ذكرَ شيخَهُ هذا في ((الميزان)) (١) ، ولم يزدْ في
(١) («الميزان)) (١٩٩/١).

٣٠٧
الْمُتَابَعَةُ .. وَالْجَادَّةٌ
ترجمته على قوله :
((روى عنهُ الحاكمُ، واتهمَهُ)).
يعني : في هذا الحديثِ ، ومعلومٌ أنَّ تخطئةَ الحاكم لهُ لا تفيدُ
التهمةَ الاصطلاحيةَ ، وإنْ كانَ هو يوهمُهُ في رفعِ هذا الحديثِ .
ولذا ؛ قالَ الحافظُ ابنُ حجرٍ في ((اللسان)) (١):
(«الحملُ فيهِ عليهِ بلا ريبٍ ، وهذا الكلامُ معروفٌ من قول عمرَ ، غيرَ
مرفوع)) .
على أنَّ شيخَ الحاكمٍ لم يتفردْ برفعٍ هذا :
فقد رفعَهُ أيضًا : عليّ بنُ سهلٍ بنِ المغيرةَ ، عن عبيدِ اللَّهِ بنِ
موسى ، به .
أخرجَهُ: الدار قطنيُّ (٤٣/٣) والبيهقيُّ .
وقال الدار قطنيُّ :
((لا يثبتُ هذا مرفوعًا ، والصوابُ : عنِ ابنِ عمرَ ، عن عمرَ -
موقوفًا» .
وقالَ في ((العلل)) (٢) :
((حدثَ به عليّ بنُ سهلِ بنِ المغيرةَ - وكانَ ثقةٌ - ، عن عُبيد اللَّه بن
موسى، عن حنظلةَ، عن سالمٍ ، عن أبيهِ، عنِ النبيِّ وَّ، ووهمَ فيهِ ؛
وإنما هو : عن ابنِ عمرَ ، عن عمرَ) - يعني: موقوفًا .
(١) ((اللسان)) (٣٧٥/١) .
(٢) ((العلل)) (٥٨/٢).

٣٠٨
الْمُتَبَعَةُ .. وَالْجَادَّةُ
وقالَ البيهقيّ :
((وهو وهمٌ؛ وإنما المحفوظُ : عن حنظلةَ ، عن سالمٍ بنِ عبدِ اللَّهِ،
عن أبيهِ ، عن عمرَ بنِ الخطابِ - رضي الله عنه - : مَنْ وَهَبَ هبَةً ... )) -
فذكرهُ موقوفًا .
وقالَ في ((المعرفة)) (١) :
((وغلطَ فيهِ عبيدُ اللَّهِ بنُ موسى ؛ فرواهُ عن حنظلةَ بنِ أبي سفيانَ ،
عن سالمٍ ، عن ابنِ عمرَ، عنِ النبيِّ وَِّ .. والصحيحُ: روايةُ عبد الله
ابنِ وهبٍ ، عن حنظلةَ ، عن سالمٍ ، عن أبيه ، عن عمرَ) .
فحملَ البيهقيُّ الخطأ في الحديثِ على عبيدِ اللَّهِ بنِ موسى ، والأشبهُ
حملُهُ على مَن دونهُ ، وهو عليٌّ بنُ سهلِ بنِ المغيرةَ ، ولا تنفعُهُ متابعةُ ابنٍ
أبي عزرةَ عليه - كما في روايةِ الحاكمِ - بعدَ أنْ تبينَ أنَّ راويها عنهُ - وهو
شيخُ الحاكمِ - قد أخطأَ في هذا الحديثِ أيضًا .
ومهما يكن من أمرٍ ؛ فرفعُ الحديثِ خطأُ ، بصرفِ النظرِ عن
المخطئِ فيهِ .
لكنْ ؛ تعقبَ ابنُ التركمانيِّ البيهقيَّ في ترجيحِ الوقفِ ، وعدمِ
الاعتدادِ بالروايةِ المرفوعةِ ، مع كونها جاءَت من طريقينِ عن عبيدِ اللهِ بنِ
موسى ، فقالَ :
((المرفوعُ؛ رواتُهُ ثقاتٌ، كذا قالَ عبدُ الحقِّ في ((الأحكام))،
وصححَهُ ابنُ حزمٍ ... وقد تُوبِعَ راويهِ عليهِ كما ذكرَ البيهقيُّ ... ، فلا
(١) ((معرفة السنن والآثار)) (١٨/٥-١٩).
٧

٣٠٩
الْمُتَابَعَةُ .. وَالْجَادَّةُ
حملَ إذًا على شيخِ الحاكمٍ ، ولا نسلمُ للبيهقيِّ أنَّه وهمَ ؛ بل يُحملُ على
أنَّ لعبيدِ اللّهِ(١) فِيهِ إسنادينٍ» .
وفي هذا التعقب بُعْدٌ عن التحقيقِ ، ومجافاةٌ لأصولِ الحديثِ ،
وهجرانٌ للموروثِ عن أهلِ النقدِ في علمِ الحديثِ ، الذين هم أهلُ
الاختصاصِ ، وإليهم يكونُ المرجعُ والمهربُ عندَ الاختلاف .
ولقد اشبعَ الشيخُ الألبانيُّ - حفظهُ اللَّهُ تعالى - في الردِّ على ابنِ
التركمانيٌّ ، وبيانِ بطلانِ تعقبِهِ ، وبُعْدِهِ عنِ الأصولِ العلميةِ، فقالَ (٢):
((يحتملُ أنْ يكونَ الوهمُ عندي من عليٌّ بنِ سهلٍ ؛ فإنَّه دونَ عبيد الله
في الحفظِ والضبطِ ، وإنْ كانَ ثقةً .
ولا يفيدُه متابعةُ أحمدَ بنِ حازمٍ بنِ أبي عزرةَ لهُ؛ لأنَّ الراويَ عنهُ -
شيخ الحاكم - لم تثبتْ عدالتُهُ - كما عرفتَ من ترجمتِهِ .
فلا تغترَّ إِذًا بمحاولةِ ابنِ التركمانيِّ في ردِّهِ على البيهقيِّ لتقويةٍ
الحديث ؛ فإنها محاولةٌ فاشلةٌ ، لا تستندُ على سندٍ من القواعدِ العلميةِ
الحديثيةِ .
فإنَّ روايةَ عبيدِ اللَّهِ بنِ موسى المرفوعةَ، لا يشكُ باحثٌ فِي
شذوذها ؛ لمخالفتِها لروايةِ الثقتينِ : مكيِّ بنِ إبراهيمَ ، وعبدِ اللهِ بنِ
وهبٍ ، اللذينِ رويا الحديثَ عن حنظلةَ بهَ موقوفًا ، وشدَّ من عَضُدٍ وقفهِ،
وأَيَّدَ شذوذَ تلكَ [الطريقِ ] الطريقُ الأخرى الموقوفة عندَ مالك)).
(١) لعله يقصد: (لسالم)) أو ((لعبد اللَّه)) يعني: ابن عمر. والله أعلم.
(٢) في ((إرواء الغليل)) (٦/ ٥٧-٥٨).

٣١٠
الْمُتَابَعَةُ .. وَالْجَادَّةٌ
قالَ الشيخُ :
((وأمَّا قول ابنِ التركمانيِّ: ((المرفوعُ رواتهُ ثقاتٌ، كذا قالَ عبدُ الحقِّ
في ((الأحكام))، وصححَهُ ابنُ حزمٍ)) ؛ فالجوابُ من وجهينِ :
الأولُ : أنَّ ابنَ حزمٍ نظرَ إلى ظاهرِ السندِ فصححَهُ ، وذلكَ مما
يتناسبُ مع ظاهريتِهِ ، أمَّا أهلُ العلمِ والنقدِ ، فلا يكتفونَ بذلكَ ، بلْ
يتبعونَ الطرقَ ، ويدرسونَ أحوالَ الرواةِ ، وبذلكَ يتمكنونَ من معرفة ما إذا
كانَ في الحديثِ عِلةٌ أوْ لا ، ولذلكَ كانَ معرفةُ علِ الحديثِ من أدقُّ علومٍ
الحديث ، إنْ لم يكنْ أدقَّها إطلاقًا ؛ لذلكَ رأينا أهلَ العلمِ والنقدِ منهم قد
حكمُوا على الحديثِ بأنَّه وهمٌ ، وأنَّ الصوابَ فيه الوقفُ ، منهم :
الدار قطنيُّ والبيهقيُّ والعسقلانيُّ، وغيرُهم ممَّن نقلَ كلامهم وأقرَّهم عليهِ
كالزيلعيِّ ؛ فأينَ يقعُ تصحيحُ ابنِ حزمٍ من تضعيفِ هؤلاءِ ؟!
والوجهُ الآخرُ : أنَّ عبدَ الحقِّ لم يقتصر على القولِ الذي نقلَهُ عنه ابنُ
التركمانيُّ فقط ! بلْ أتبعَ ذلكَ بقولهِ - بعدَ أنْ كانَ عزاهُ للدار قطنيِّ - : ((لكنَّه
جعلَهُ وَهْمًا ؛ قالَ : والصوابُ : عن ابنِ عمرَ، عن عمرَ - قولهُ)). هكذا
هو في كتابِ ((الأحكام)) (ق ١/١٦٥) .
فلا أدري ؛ كيفَ استجازَ ابنُ التركمانيِّ أنْ يذكرَ منه بعضَهُ دونَ البعضِ
الآخرِ المتممٍ لهُ ، والذي بدونه يفهمُ الواقفُ عليهِ أنَّ عبدَ الحقِّ يذهبُ إلى
تصحيحِ الحديثِ ، بينما هو مع الدارقطنيِّ ، الذي ضعفَهُ وصححَ
وقفَهُ !!! )).
انتهى كلام الشيخ الألباني - حفظه الله تعالى.

٣١١
الْمُتَابَعَةُ .. وَالْجَادَّةُ
هذا ؛ ومما يؤكدُ خطأً هذينٍ في رفعِ الحديثِ ، وإنْ كانا قد اتفقا في
ذلكَ : ما ذكرَهُ الإمامُ العلائيُّ في حديثٍ آخرَ ، وقعَ فيهِ مثلُ هذا الخطإٍ ،
في حديثٍ عن ابن عمرَ ، عن عمرَ موقوفًا أيضًا، قالَ (١):
«ومما يقوي القولَ بالتعليلِ فيهِ بالوقفِ : ما إذا كانَ قد زِيدَ في الإسنادِ
عوضًا عن ذكرِ النبيِّ نَِّ صحابيٌ آخرُ ... ووجهه: غلبة الظنِّ بغلطِ مَن
رفعَهُ ، حيثُ اشتبَهَ عليهِ قولُ ابنِ عمرَ : ((عن عمرَ)) - رضي اللَّه عنهما - ،
بأنَّه ((عنِ النبيِّ ◌َِّ)؛ فلما جاءَه بعدَ الصحابيِّ صحابيٌّ آخرُ، والحديثُ
هو قولُه ، اشتبَهَ ذلكَ على الراوي)).
(١) ((النكت على ابن الصلاح)» (٢/ ٧٨٠ - ٧٨١).

الْمُتَابَعَةُ .. وَالإِنْهَامُ
الإبهامُ ؛ هو أنْ يُسَمَّى الراوي اختصارًا مِن الراوي عنهُ ، فيقولُ مثلاً:
((أخبرني فلانٌ، أو شيخٌ، أو رجلٌ، أو بعضُهم))؛ ونحو ذلكَ .
والإبهامُ ؛ علَّةٌ إسناديةٌ ، توجبُ التوقُّفَ في الحديثِ وعدمَ الاحتجاجِ
به ؛ لاحتمالٍ أنْ يكونَ ذلكَ المبهمُ ضعيفًا أو كذابًا .
ويستدلُ على معرفةِ اسم المبهمِ ؛ بورودِهِ من طريقٍ أخرى مسمّى
فيها، بشرطِ أنْ تكونَ هذه التسميةُ محفوظةً ، وليسَتْ خطأ من قبلِ بعضِ
الرواةِ ، فربما سُمِّي المبهمُ في رواية أخرى ، ولا يكونُ ذلكَ محفوظًا ، إنَّما
المحفوظُ عدم تسميته .
مثالُ ذلكَ :
ما رَوى : جماعةٌ من أصحابِ الزهريِّ ، عنِ الزهريِّ، قالَ :
حدثني رجالٌ مِنَ الأنصار - لم يُسَمِّهم - ، أنَّ عثمانَ دخلَ على أبي بكرٍ -
الحديث ؛ في نجاةِ هذا الأمرِ .
فقد رواهُ: عبدُ اللهِ بنُ بشِرِ الرَّقَيُّ، عن الزهريِّ، فقالَ: ((عن
الزهريِّ ، عن سعيدِ بنِ المسيبِ ، عن عثمانَ ، عن أبي بكرِ)) .
هكذا؛ سمَّى شيخَ الزهريِّ: ((سعيدَ بنَ المسيبِ))، وأخطأً في
ذلكَ، والصوابُ: أَنَّه غيرُ مسمّى -: قالَه أبو زرعةَ والدار قطنيُّ (١).
(١) ((علل الحديث)) لابن أبي حاتم (١٩٧٠) و((العلل)) للدار قطني (١/ ١٧٣).

٣١٣
الْمُتَابَعَةُ .. وَالإِبْهَامُ
وزادَ الدار قطنيُّ :
((وكذلكَ رُوي عن مالكِ بنِ أنسٍ ، وعن ابنِ أبي ذئبٍ ، عنٍ
الزهريِّ، عن سعيد بن المسيب ، عن عثمانَ ، عن أبي بكرٍ ؛ ولا يصح
عنهما ، وكلُّ ذلكَ وَهْمِّ) .
وإذا كانت التسميةُ محفوظةٌ ، وأنَّ هذا المبهمَ هو ذاكَ المسمَّى في
الرواية الأخرى ، فلا يصحُّ بداهةً أنْ تُقوى الروايةُ المبهمةُ بالرواية المُبَيْنَة ، أو
العكسُ ؛ لأنَّهُ - والحالةُ هذه - يكونُ من بابِ تقويةِ الحديثِ بنفسِهِ .
وهذا ؛ أمرٌ واضحٌ لا خفاءَ بهِ ، غيرَ أني رأيتُ بعضَ مَن أقحمَ نفسَهُ
في العلمِ ، ممَّن لا يفرقُ بينَ البقرةِ والبعرةِ ، جاءَ إلى روايةٍ فيها راوٍ
ضعيفٌ، فقواها برواية أخرى أُبهمَ فيها ذلكَ الضعيفُ ، فأتى بشاردة
عجيبةٍ، وشاذةٍ غريبةٍ !
وذلكَ ؛ هو المدعو محمود سَعيد مَمْدوح ، حيثُ ذكرَ (١) حديثَ ابنِ
أبي فديكِ ، عن أبي المثنى سليمانَ بنِ يزيدَ الكعبيِّ ، عن أنسِ بنِ مالكٍ ،
أنَّ رسولَ اللهِ وَ لّ قَالَ: ((مَنْ زَارَنِي بِالْمَدِينَةِ مُحْتَسِبًا، كُنْتُ لَهُ شَفِيعًا وَشَهِيدًا
يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .
أخرجَهُ: البيهقيّ في ((الشعب)) (٤١٥٧) والسهميّ في ((تاريخ
ءِ
جرجان)) (ص ٢٢٠) .
ثمَّ نقلَ أقوالَ أهلِ العلمِ في تضعيفِ أبي المثنى هذا ، ثمَّ أعلَّهُ بعلة
أخرى ، وهي الانقطاع بينَ أبي المثنى وأنسٍ ؛ لأنّه من أتباعِ التابعينَ .
(١) في ((رفع المنارة)) (ص ٢٦٨ - ٢٦٩) .

٣١٤
الْمُتَابَعَةُ .. وَالإِبْهَامُ
ثمَّ ساقَ له طريقًا أخرى فيها مبهمٌ ، وقوَّى به الحديثَ ، وهو ما ذكر
أَنَّه يرويِهِ إسحاقُ بنُ راهويه في («مسنده) (١) ، عن عيسى بنِ يونسَ ، عن
ثورِ بنِ يزيدَ: حدثني شيخٌ، عن أنسٍ، عنِ النبيَّ ◌َّهِ ، به.
ثم قالَ المدعو :
(لولا الشيخُ المبهمُ الذي لم يسمَّ لكانَ السندُ في أعلى درجاتِ
الصحة ، لكنَّ هذا الطريقَ إذا ضمَّ لسابقهِ استفادَ الحديثُ قوةً) !!
وهذا ؛ من عجائب الدنيا ! فإنَّ أحدًا لا يشكُّ في أنَّ هذا المبهمَ هو
نفسُهُ المسمَّى في الروايةِ الأولى ، فانظر لمن يقوى الرواية بنفسها !!
ثم ؛ إنْ سلَّمنا بأنَّ هذا الشيخَ المبهمَ غيرُ المسمَّى في الروايةِ الأولى،
فلا يُدْرى أسمعَ من أنسٍ أم لا ، وعليهِ ؛ فيكونُ الحديثُ منقطعًا في روايتيهِ
في موضعٍ واحدٍ ؛ لأنَّ أبا المثنى الكعبيَّ لم يلقَ أنسًا كما ذكرَ محمود سعيد
نفسُهُ ، فالروايتانِ راجعتانِ إلى مخرجٍ واحدٍ ، ولابدَّ .
والأعجبُ ! أنَّ هذا المتهوِّكَ قد التزمَ في موضعٍ آخرَ بالقواعدِ
العلمية ، حيثُ لم يكنْ محتاجًا لتصحيحِ الحديثِ ، فذكرَ في تعليقه على
(النقد الصحيح)) للعلائيُ (٢) طريقينٍ لحديثٍ آخرَ : في أحدِهما : يعلى بنُ
أبي يحيى ، وهو مجهولٌ ، وفي الآخرِ : شيخٌ غيرُ مسمَّى، فلم يقوِّ هذا
(١) لم أتحقق بعد من صحة هذا العزر، وإن بوادر التهمة لتلوح ، فإني لم أجده في كتاب
السبكي ((شفاء السقام» وهو یعزو لمسند إسحاق فيه کثیرًا ، ولا ذكره ابن عبد الهادي في رده عليه،
بل لم يذكرا لهذا الحديث سوى الإسناد الأول ! وما زلت أبحث ، والله المستعان .
(٢) (ص٥٨-٥٩) .

٣١٥
الْمُتَابَعَةُ .. وَالإِبْهَامُ
بذاكَ ، للعلةِ التي ذكرْنَاها ، فقالَ :
((إنَّ فيه مبهما، ولا يفيدُهُ شيئًا إنْ كانَ المبهمُ هو يعلى بنُ أبي يحيى،
بلْ يُخشى أنْ يكونَ الطريقانِ يرجعانِ إلى طريقٍ واحدٍ ، وهو الذي استظهرَهُ
المصنفُ - رحمهُ اللهُ تعالى)).
وهذا ؛ غيضٌ مِن فيضِ ، من تناقضاتِهِ وتخبطاته ، وقد بينتُ الكثيرَ
منها في ردِّي عليهِ المسمَّى: ((صِيَانَةُ الْحَدِيثِ وَأَهْلِهِ مِنْ تَعَدِّي مَحْمُود سَعيد
وَجَهْلِه))، أسألُ اللَّهَ تعالى أنْ يعينني على إنجازِهِ .

الشَّكُّ .. وَالجَزْمُ
قَدْ يجيءُ في الحديثِ ، شكُّ الرَّاوي وتردُّدُهُ في بعضِ الإسنادِ ،
فيقولُ - مثلاً - : ((حدَّثَني فلانٌ أو فلانٌ))، أو : ((عن الزهريِّ عن فلانٍ أو
فلان))، أو ((عن الزهريِّ أحسبُهُ عن فلانٍ))، أو: ((عن أبي هريرةَ أحسبُهُ
عن النبيِّ وَّةِ))، ونحو ذلكَ.
والشَّكُّ في تعيينِ راوي الحديثِ : هَلْ هو فلانٌ أو فلانٌ ؛ علَّةٌ فِي
الحديثِ ، تُوجِبُ التوقفَ عن الاحتجاجِ بِهِ ، إذَا كانَ الرجلان المتَردَّدُ
أيُّهما صاحبُ الحديث ، أحدهُمَا ثقةٌ والآخرُ ضعيفٌ ؛ لاحتمال أن يكونَ
الضعيفُ هو صاحبَ الحديثِ ، وليسَ الثقة (١) .
وكذا؛ إذَا قالَ : ((عن فلان أو فلان))، وهو لم يسمعْ من أحدهما ؛
لاحتمال أنْ يكونَ من لم يسمعُ منهُ هو صاحبَ الحديثِ ، فيكون منقطعًا .
وكذا ؛ إذا كانَ الحديثُ عن أحدهِمَا يقتضي الاتصالَ ، وعن الآخرِ
لا يقتضيه؛ كأنْ يقولَ: ((حدَّثَني فلانٌ أو فلانٌ، عن فلانٍ))، ولا يكونُ:
أحدُ شيخَيْهِ قد سمعَ من الشَّيخ الأعلى، فيكون منقطعًا أيضًا ، ليسَ بَيْنَهُ
وبينَ شيخِهِ ، ولكن بَيْنَ الشَّخِ وشيخِهِ .
وكذا؛ إذَا أَبْهَمَ أَحَدَهُمَا؛ كأنْ يقولَ: ((حدَّثْني فلانٌ أو غيرُهُ»؛ إذْ لا
يُعلم من هذا المبهمُ ، وقد يكونُ هو صاحبَ الحديث ، وحينئذٍ قد يكون
(١) انظر: ((الكفاية)) (ص٥٣٤).

٣١٧
الشَّكُّ .. وَالجَزْمُ
ضعيفًا لا تقومُ بروايتِهِ حجةٌ .
وقد يكونُ ثقةً، إلا أنَّه لم يسمعْ ممَّنْ فوقَهُ في الإسنادِ ، فترجع
للحديث علَّةُ الانقطاعِ .
وقد يقع التَّردد أيضًا في بعضِ المتنِ ؛ كأنْ يتردَّدَ الرَّوي في كلمةٍ
معينة، أو جملةٍ معينةٍ ، هل هي من الحديثِ أم لا ، أو يتردّدُ بَيْنَ كلمتينٍ أو
جملتينِ أيتهما التي في الحديثِ ؛ وهكذا .
وإنَّما تُدفعُ علَّةُ الشَّكِّ في الروايةِ بالجزمِ بأحدِ الاحتمالينِ في روايةٍ
أخرى، كأنْ يَرْوي هذا الرَّاوي نفسُهُ - أو غيرُهُ - الحديثَ نفسَهُ جَازمًا بأنَّهُ
((عن فلان)) بعينِهِ ، وليس عن الآخرِ ، أو جازمًا برفعِهِ ، إن كان قد وَقَع
التردُّدُ في رفعِهِ ووقفِهِ .
وذلكَ ؛ شريطةً أن تكونَ الروايةُ الجازمةُ محفوظةً ، وليستْ ممَّا
أخطأَ فيه بعض الرَّواة الثقات أو الضعفاء ، وأنَّ صوابَ الرواية أنَّها بالشَّك
وليستْ بالجَزْمِ .
فقدْ يقعُ الجزمُ من قِبَلِ بعضِ الرُّواةِ خَطَأَ منهم ، ويكونُ الصوابُ
التَّردد والشَّك ، فحينئذٍ لا اعتبارَ بالرِّوايةِ الجازمةِ ، ولا يُدفعُ الشَّكُّ بها ؛
لأنَّها خطأ ، والخطأُ لا يعتبرُ بِهِ .
مثالُ ذلكَ:
حديثُ : ابن جُريجٍ : سمعَ جابرًا سُئل عن المُهَلِّ، فقال :
سمعتُ - أَحْسِبُهُ رَفَعَ إِلى النبيِّ ◌َ ◌ِ - فقالَ: ((مُهَلَّ أَهْلِ المَدِينَةِ منْ ذي
الحُلَيْفَةَ، والطَّرِيقِ الأُخْرِى الجُحْفَة، ومُهَلُّ أَهْلِ العِرَاقِ مِنْ ذَاتٍ عِرْفَ .. ))

٣١٨
الشَّكُّ .. وَالجَزْمُ
الحديث .
أخرجه : مسلمٌ في ((الصحيح)) (٧/٤) .
وأعله في ((التمييز)) بالشَّكِّ في رفعِهِ، فقالَ (١):
((فَأَمَّا الأحاديثُ التي ذكرنَاهَا مِنْ قَبْلُ، أنَّ النبيَّ وَّهِ وَقَّتَ لأهل
العراقِ ذَات عرقِ ، فليسَ منها واحدٌ يثبتُ ؛ وذلكَ أنَّ ابنَ جريج قال في
حديثِ أبي الزبيرِ عن جابرٍ» .
إلى هنا انتهى كلامُ الإمامِ مسلم - رحمه الله - المتعلّق بعلَّة هذا
الحديثِ ، ثم أَتْبعه ببيانِ العللِ الواردة على الأحاديثِ الأخرى التي في
الباب . :
ومرادُ الإمامِ - والله أعلم - : أنَّ روايةَ ابن جريجٍ هذِهِ ليسَ فيها
التَّصريحُ برفعِ الحديثِ إلى رسولِ اللهِ نَّ، بل فيها التَّردِّدُ في ذلكَ .
وقد ذكرهُ الدارقطنيُّ في ((التتبع)) (٢) ، مقتصرًا على قولِهِ: ((وبهلُّ أهلُ
العراقِ من ذاتٍ عرق)) ، وقالَ :
((وفي هَذا نظرٌ)).
وذكره بعدَ ذلكَ أيضًا (٣) ، فقالَ :
(وأخرجَ مسلمٌ من حديثِ أبي الزبيرِ ، عن جابرٍ: ((مُهَلُّ أهلِ العراقِ
من ذات عرق)) . قالَ : وفي حديثِ ابن عمرَ : لم يكنْ عراقٌ يومئذٍ)) .
فهذا ؛ هو النَّظْرُ الذي عَنَاه - والله أعلم - في الموضعِ الأوّلِ .
(١) (ص٢١٤-٢١٥).
(٢) (ص٤٧٧) .
(٣) (ص٥٥٥) .

٣١٩
الشَّكُّ .. وَالجَزْمُ
وقال الإمامُ النووي في ((شرح مسلم)):
((لا يحتجُّ بهذا الحديثِ ؛ لكونِهِ لم يُجْزَمُ برفعِهِ)) .
وقال ابنَ خزيمةَ في ((الصحيح)) (١٥٩/٤):
(بابُ ذكرِ ميقاتِ أهلِ العراقِ؛ إن ثبتَ الخبرُ مُسْندًا)) .
ثم خرَّج حديثَ ابن جريجٍ هذا ، ثم قالَ :
((قد رُوي في ذاتٍ عرقِ ، أَنَّه ميقاتُ أهلِ العراقِ أخبارٌ - غير ابن
جريجٍ - ، لا يثبتُ عندَ أهلِ الحديثِ شيءٌ منها)) .
وقالَ ابن المنذرِ (١) :
((لم نَجِدْ في ذاتِ عرق حَدِيثًا ثَابًا)) .
فهذه ؛ هي علَّة الحديثِ ، وهي الشَّكُّ في رفعِهِ .
لكنْ؛ رواهُ : عبد اللهُ بن لهيعةَ وإبراهيمُ بن يزيد الخُوزيَّ ، عن أبي
الزبيرِ ؛ فَجَزَمَا برفعِهِ .
أخرج حديث الخوزيِّ : ابن ماجه (٢٩١٥).
وأخرج حديث ابن لهيعة : أحمدُ (٣٣٦/٣) والبيهقيّ (٢٧/٥).
ثم قال البيهقي :
((كذا قاله عبدُ الله بن لهيعةَ ، وكذا قيل عن ابن أبي الزِّنَادِ ، عن
موسى بن عقبةَ ، عن أبي الزبيرِ ؛ والصَّحيحُ: روايةُ ابن جريجٍ)) .
(١) («الفتح» (٣/ ٣٩٠).

٣٢٠
الشَّكُّ .. وَالجَزْمُ
يعني : روايةَ الشَّك في رفعِهِ .
ولا يُقال : إنَّ الذي لم يشكَّ معهُ من العلمِ ما ليسَ مع مِن شَكَّ ،
ومن علمَ حجةٌ على من لم يعلمْ ؛ فهذا ليسَ موضعهُ ، وإنما يُقَالُ هَذا
حيثُ تتساوى الروياتُ في القُوَّةِ ، والخُوزيُّ ضعيفٌ جدًّا، وابنُ لهيعةً
ضعيفٌ أيضًا، ومهما تسامحنا في حالِهِ ، فلنْ يكونَ أبدًا بمنزلَةٍ من تقدَّمُ
روايتُهُ عندَ المخالفة ، لا سيمًّا إذَا كانَ المخالفُ له ذلكَ الثَّقة الحافظ ابن
جريجٍ .
وهذا الحديثُ ، مما يرويهِ ابن لهيعةَ ، عن أبي الزبيرِ ، عن جابرٍ ؛
وقد سألَ الدَّارميُّ ابنَ معينٍ في ((تاريخه)) (٥٣٣)، فقالَ :
«قلتُ : كيفَ روايةُ ابن لهيعةَ ، عن أبي الزبيرِ ، عن جابرٍ ؟ فقالَ :
ابن لهيعةَ ضعيفُ الحديثِ)) .
وهَذا ؛ يشيرُ إلى أن لابنِ لهيعةَ بهذِهِ الترجمةِ مناكيرَ ، ضُعُّفَ من
أجلهَا ؛ وهَذا منها .
هَذا ؛ وأكثرُ أَهْلِ العلمِ على أنَّ الذي وقَّت ذاتَ عرقٍ لأهلِ العراقِ
هو عمر بن الخطابِ - رضي الله عنه - ، ولم يكن ذلكَ في عهدِ النبيِ
حَالَ: (١) .
مثالٌ آخرُ :
حديثُ : ابنِ جريجٍ ، قَالَ : أخبرني عمرو بنُ دينارٍ ، قال : أكبرُ
عِلْمي ، والذي يَخْطِرُ عَلَى بَالي ؛ أنَّ أَبَا الشَّعْثاءِ أَخْبرني ، أنَّ ابنَ عباس
(١) وانظر: ((الفتح)) لابن حجر (٣٨٩/٣).